Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 15 June, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (16)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
(الروم21)

الزواج والطلاق

الزواج

قلنا في أكثر من موضع من هذه الدراسة إننا لا نأتي بتفسير للقرآن ولا نضع بياناً لأحكامه, ولا نستهدف مما نكتب إلا غاية واحدة هي إقامة الدليل المرة بعد الأخرى على أن القرآن هو بيان القرآن وهو تفسيره, فالبيان بالقرآن والتفسير بالقرآن ولا ينبغى للمسلمين أن يتجاوزوا القرآن في استنباط أحكام دينهم, وتأسيساً على هذه الفكرة التى نلتزمها ولا نحيد عنها في الدراسة فإنه سيلاحظ أننا لا نتصدى لكافة التفاصيل التى يحرص المفسرون على التصدى لها كلما تناولوا أحكام الدين, ذلك لأن أحكام الدين قد وردت مفصلة في القرآن مفسرة به ومبينة فيه تبياناً ضافياً, وما هذه الدراسة إلا مقدمة لأسلوب فهم أحكام الدين من القرآن بالقرآن. أما أحكام الدين فبيانها بالقرآن أمر يتجاوز مجهود فرد أو مجموعة من الأفراد أو جامعة من الجامعات, بل هو يتجاوز فوق كل ذلك جهود عصر كامل بجميع ما فيه من الجامعات ومن فيه من العلماء, لأنه كتاب الله إلى البشر كافة منذ أربعة عشر قرناً وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ويزعم بعض المفكرين الماركسيين أن الشيوعية تقدم نظرية متكاملة للحياة سواء ما يتعلق منها بالشؤون السياسية أم الاقتصادية أم الاجتماعية أم الفنية أم الأدبية أم غير ذلك من الشؤون الإنسانية كافة, ولو قامت الطائفة المتخصصة التى يدعو الله إليها بقوله عز وجل { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . }(التوبة 122) لو نفرت هذه الطائفة لدراسة الدين واستنباط أحكامه وتقديم خلاصة دراساتها للناس لما وُجدت الماركسية ولما وُجد هؤلاء المفكرون, فلا نظن أن نظرية متكاملة تضع الحلول الفورية للشؤون الإنسانية كافة من سياسة واقتصاد واجتماع وفن وأدب في الماضي والحاضر والمستقبل القريب والبعيد كما يضعها القرآن من لدن عليم حكيم خبير.. وفي ذلك يقول برنارد شو, لو بعث محمد لوجد حلولاً لمشاكلنا المعاصرة قبل أن يقوم من مقامه.

{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . }(البقرة 235).

علم الله سبحانه وتعالى وهو الذى خلق البشر أزواجاً أن الرجل يفتأ يذكر المرأة حتى ينكحها خالصة له من دون الناس كافة { عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } وعلم الله سبحانه وتعالى أنه شرع النكاح لعباده على المودة والرحمة{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . } (الروم21) هذا خلق الله خلق الزوجين الذكر والأنثى ليسكن أحدهما إلى الآخر, حتى تنقضى هذه الحياة الدنيا ولا شئ بينهما غير المودة الرحمة, ولكن الشيطان لا يتركهما على هذا الخلق العظيم وهو الذى قال من قبل { لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً . وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً . } (النساء118، 119) فتراه يأمر الناس ليغيروا خلق الله فتجد الرجل لا يشقى في الحياة كما يشقى بزوجه وتجد المرأة لا تشقى في الحياة كما تشقى ببعلها, فهذان زوجان غيرا خلق الله من المودة والرحمة إلى الشقاء والعذاب.

أمر خطير وميثاق غليظ لذلك هدى الله عباده إلى الحرص في النكاح فقال وقوله الحق { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ .} (النساء 3) وكيف يمكن أن تطيب المرأة للرجل إذا لم ير أحدهما الآخر ولم يسمع عنه شيئاً ولم يدرس شيئاً من أحوال معيشته, ولذلك شرع الله الخطبة لعباده المؤمنين { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ }.

لا يقول الله إلا الحق لأنه هو الحق والحق من الله في خلق الله إن الرجل لا يفتأ يذكر الأنثى حتى ينكحها.. هذا هو الحق والله لا يستحى من الحق, ولا حرج فيما فرضه الله لعباده بالحق والرحمة والحكمة البالغة { وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } كلمات بينات لا حاجة لمؤمن إلى من يتصدى لتفسيرها.. ولكنهم قالوا أنه لا يجوز شئ من ذلك إلا مع امرأة سبق لها الزواج, أما الأبكار فلا يجوز لهن أن يواعدن الذكور الذين يكنون لهن في أنفسهم أو يخطبونهن.. وقالوا أكثر من ذلك أنه لا يختلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.. إن أحكام الله المطلقة لا يقيدها إلا حكم من الله تبارك وتعالى, ولا ينبغى لأحد سواه أن يقيد من أحكامه أو يستثنى منها.. وهذا حكم عام مطلق لاقيد عليه ولا استثناء منه في القرآن على الإطلاق, وما كان مطلقاً فإنه يسرى على إطلاقه فيشمل اللقاء بالبكر والثيب على سواء..وإن لقاء الذكر بالأنثى على قول معروف سراً وجهراً خير ولا شك من تورط أحدهما بالآخر في عذاب مقيم.. وإذا ألف الكبار لقاء صغارهم جهراً على قول معروف خير ولا شك من لقائهم على أمر منكر.. وإذا تعلم الناس رخص الله فعملوا في حدودها خير ولا شك مما يستبيحونه لأنفسهم إذا منعت عنهم الرخص جميعاً.

على أن شيئاً من لقاء الذكر بالأنثى سراً وجهراً لا يجيز لأحدهما أن يكره أهلها على أن يزوجوها بغير إذنهم.. إن الله تبارك وتعالى لم يأذن بنكاح الفتيات مما ملكت أيمان المؤمنين إلا بأذن أهلهن { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } (النساء 25) وإذا وجب إذن أهل من كانت في ملك اليمين فهو أوجب ما يكون للمحصنات المؤمنات.. ورغم وضوح هذه الآيات فقد جاء بعض الفقهاء بدعوى العضل فأجازوا للمرأة أو الرجل أن يلجأ إلى القاضى ليطلب منه أن ينكحه المؤمنة رغم أنف أهلها إذا كان وليها عاضلاً.. ويعنى ذلك بزعمهم أنه يجوز للبنت أن تتهم أباها بالظلم, وأن تتحصل على حكم قضائي بظلم أبيها وبإذن القاضى بنكاحها رغم أنفه.. وليتساءل المسلمون بعد ذلك كيف تخفض البنت لأبيها جناح الذل من الرحمة..وكيف يمكن أن تصان الأرحام بينها وبين أهلها.. وكيف يمكن لها من بعد ذلك أن تحفظ المودة في القربى وأن تحفظ صلة الأرحام.

لا يستقيم الاحتجاج بقول الله تبارك وتعالى { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ } (البقرة 232) ذلك إذا طلق الرجل زوجاً كان قد استنكحها من قبل بإذن أهلها ثم أراد أن ينكحها مرة أخرى, فينبغى لأهلها أن يأذنوا لها بالعودة إليه إذا تراضيا بالمعروف.. ومع ذلك فليس في هذه الآية الكريمة ما يجيز للزوجين أحدهما أو كلاهما أن يلجأ إلى القضاء بدعوى العضل التي ابتدعها هؤلاء الفقهاء, بل هي من الموعظة الحسنة التي يعظ الله عباده المؤمنين والتي يجب عليهم أن يعملوا بها.. ولكن بغير إكراه عليهم من القضاء أو غيره. لأن حق الآباء فى المودة في القربى وصلة الأرحام أجدر بالرعاية وأحق بالتكريم.. { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء } (النساء 34) فهي في حصانة أهلها حتى إذا استنكحت فإنها تنتقل إلى حصانة زوجها..ولا يمكن لها أن تخرج من حصانة زوجها إلا بأمره.. وكذلك لا يمكن لها أن تخرج من حصن أهلها إلا بإذنهم. وإنما يراعى ألا يستنكح الرجل إلا امرأة بلغت مبلغ النساء { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } (النساء 3) ولا يحل نكاح الأطفال أبداً لا في العقل ولا في المنطق ولا يحل ذلك في دين الله الذى هو فوق كل عقل وفوق كل منطق.. وويل للذين يفترون الكذب على الله وعلى رسوله وعلى أمهات المؤمنين من نساء النبي صلى الله عليه وسلم .

تعدد الأزواج

{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ . }(النساء 3). إن قراءتك هذه الآية الكريمة من قوله تعالى { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } (النساء 3) دون أن تقرأ ما قبلها هي كقراءتك قوله تعالى {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ} (النساء 43) دون أن تقرأ ما بعدها. تبدأ الآية الكريمة (بإن الشرطية) و(إن) الشرطية تقتضى شرطاً وجواباً ولا يحل الجواب إلا بتحقق الشرط, والشرط في هذه الآية الكريمة هو أن يخاف المؤمن ألا يقسط في اليتامى { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى } (النساء 3) والجواب هو في قوله تعالى { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ }(النساء 3) وذلك بشرط آخر وهو العدل بينهم { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ .} (النساء 3).

آيات بينات تحل للرجل أن ينكح من الأزواج مثنى وثلاث ورباع بشرط أن تكون غايته من ذلك أن يقسط في اليتامى, إذن فثم علاقة بين القسط في اليتامى وتعدد الأزواج, ولا ينبغى أن نتجاوز الشرط إذا لم نفهم العلاقة بينه وبين الجواب لأن الجواب لا يحل إلا بشرط { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى} (النساء3) هذا هو الشرط فمن هو اليتيم الذى أباح الله تبارك وتعالى تعدد الأزواج من أجل القسط فيه { وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى . وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى . }(الضحى1- 8).

الله سبحانه وتعالى أعلم بعبده وهو أرحم الراحمين وجده عائلاً فأغناه, إذن فمن كان عائلاً فهو أحوج ما يكون إلى الغنى, ووجده ضالاً فهداه, إذن فمن كان ضالاً فهو أحوج ما يكون إلى الهدى, ووجده يتيماً فآواه, إذن فمن كان يتيماً فهو أحوج ما يكون إلى المأوى ويبين من ذلك أن العائل هو من افتقد الغنى وأن الضال هو من افتقد الهدى, وإذن فاليتيم هو من افتقد المأوى بفقد الأب لأن الأب هو الذى يأوي والمرأة لا تأوي إلا أن تؤوى, وبذلك فإن القسط في اليتامى لا يتم على الوجه الأكمل إلا بالذى تم به ما أنعم الله به على عبده إذ آوى.. واليتيم هو ما كان أحوج ما يكون إلى المأوى بدلالة هذه الآية الكريمة من سورة الضحى, فأحل الله أن يتزوج الرجل أم اليتامى ليأوي أبناءها, ولا يحل له أن ينكحها ابتغاء عرض الحياة الدنيا وزينتها.. وإنما ينبغى أن تطيب له هذه الأم حتى لا يظلمها بالقسط في اليتامى من أبنائها ، وأن يطيب هولها حتى لا تكره عليه بحاجة أيتامها .

فإذا لم يكن اليتيم في حاجة إلى المأوى أو كان الرجل يستطيع أن يقسط في هذا اليتيم دون الحاجة إلى نكاح أمه.. وكذلك إذا لم تكن أم اليتيم تطيب له.. أو لم يكن قادراً على أن يعدل بينها وبين زوجه فليس عليه من حرج في أن يدع الأمر كله ويكتفي بزوجه.. ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يريد قسطاً كاملاً وعدلاً تاماً باليتيم وبأمه وبزوج الرجل الذي خاف ألا يقسط فيه وبهذا الرجل نفسه حتى يعيش الجميع في ظلال من رحمة الله التي وسعت كل شئ.

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .} (الأعراف 169) الحديث في هذه الآية الكريمة عن بنى إسرائيل الذين ورثوا كتاباً كالكتاب الذي بين أيدينا ودرسوا ما فيه ولكنهم لم يلتزموا به فقالوا على الله غير الحق, ولو تأملنا كل ما قالوا في كتبهم التي كتبوها بأيديهم لوجدناه يستهدف الحياة الدنيا وزينتها ولا يستهدف من الآخرة إلا قليلاً, ولو تأملنا أحكام الله سبحانه وتعالى كما أنزلها في كتابه لوجدناها تستهدف الآخرة وقوله تبارك وتعالى { وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .} (الأعراف 169) هو المقياس الفصل الذي تقاس به أحكام الله تبارك وتعالى, فما كان للآخرة فهو من عند الله ، وما كان للحياة الدنيا وزينتها خالصة من دون الأخرة فليس من الله في شئ { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . }(الأنفال 67). القتال في سبيل الله شرعه الله لعباده دفاعاً عن دينهم الذى ارتضى لهم وعن أموالهم وأنفسهم, هذا من عند الله لأنه يستهدف الآخرة أما إذا شرع للغزو والقهر وسلب أموال الناس وديارهم وسبى نسائهم وأولادهم فهذا شرع لا يستهدف إلا الحياة الدنيا وزينتها فهو ليس من عند الله.

مال الله يأتينا من لدنه حلالاً طيباً ومع ذلك لا يحل لنا منه شئ كما رأينا في باب الزكاة إلا بالإيمان والإصلاح والتقوى, هذا شرع يستهدف الآخرة أما إذا قيل عليك بالعشر أو نصف العشر والباقي يحل لك تصنع به ما تشاء فهذا شرع يستهدف الحياة الدنيا وزينتها والميزان فيه يرجح الدنيا على حساب الآخرة فهو ليس من عند الله.

الزواج من أربع رأينا أنه إنما شرع لإيواء اليتامى فهو من الأحكام الخالصة للآخرة ولا تحل الزوج الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة إلا إذا كن أمهات لأيتام وقصد من نكاحهن ضم اليتامى وإيواؤهم دون أي قصد آخر من مقاصد الحياة الدنيا ومتعها, هذا شرع يستهدف الآخرة وللمؤمن أن يطمئن قلبه إلى أنه من عند الله وينشرح صدره إلى ما أنزل من الكتاب والحكمة يعظ به عباده المؤمنين,أما إذا شرع للمتعة ينكح به المسلم مثنى وثلاث ورباع ثيبات وأبكاراً مؤمنات ومن أهل الكتاب بغير قيود أو حدود, ثم لا يجد حرجاً في أن يطلق من الأربعة واحدة لينكح رابعة أخرى فهذا شرع يستهدف الحياة الدنيا وزينتها وهو ليس من عند الله. قد يتوفى الرجل ويترك من بعده ذرية ضعافا لا يجدون غير كنف أمهم,هنالك لا يجد عم الأولاد بداً من الزواج بهذه الأم ليأوي إليه أبناء أخيه فيحل له ولو كان متزوجاً إذا كان يبغى بذلك وجه الله وإيواء اليتامى وإنما أردنا أن نضرب بهذا مثلاً لاستظهار الحكمة البالغة من شريعة تعدد الأزواج, حتى لا تضيع الأرامل ويتشرد اليتامى وكان الله عزيزاً رحيماً.

نكاح المطلقة

إذا طلقت المرأة لعدتها, واستوفت عدتها في بيتها, فلها أن تنكح زوجها من بعد بإرادتها المستقلة, ولا ينبغى لأحد أن يعضلها أن تنكح زوجها, ذلك مما يعظ الله عباده سبحانه هو العليم الحكيم { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ } (البقرة 232). والطلاق مرتان لا ثالث لهما طلاقاً بالغ العدة في بيتها لا تخرج منه كما تخرج اليهودية المطلقة ولا يخرجها أحد رغماً عنها, تراجع زوجها ويراجعها عسى الله أن يحدث بعد ذلك أمراً, فإذا طلقت مرة بعد أخرى بحكم الله الذى فرضه على عباده بالكتاب تفصيلاً فإنها لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره, حتى تنكح هي بإرادتها المستقلة دون تدخل من أحد ليحتال على حكم الله وشرعه الذى بينه لعباده تبياناً ضافياً, وذلك استثناء من القاعدة المبينة في القرآن أن الرجل هو الذى ينكح المرأة بإرادته المبتدأة { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء. }(النساء 22) { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } (الأحزاب 49) { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. }(الممتحنة 10) { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } (النساء 25) فليس في دين الله أن ينكح الرجل امرأة طلقت مرتين ليحلها لزوجها, وليس في دين الله أن تستنكح هذه المرأة لتحل له من بعد طلاقها, بل ينبغى لهذه المرأة أن تعزم النكاح بإرادتها المستقلة لا تبتغى شيئاً غير النكاح لتكون زوجاً من الصالحات القانتات الحافظات حتى يطلقها زوجها الجديد بإرادته المستقلة طلاقاً بالغ العدة في بيتها { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . } (البقرة 230).

ضرب الأزواج

إن كل ما أنزل إلينا من كتاب ربنا هو الأحسن من لدن حكيم خبير{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً } (الزمر 23) { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ . }(المائدة 50) والذين يتدبرون آيات القرآن قد يجدون الآية من ربهم ذات أوجه في اللفظ وفي الدلالة, هنالك يبتلى المؤمنون ابتلاء عظيماً ويمتحنون في إيمانهم امتحاناً رهيباً, ولكن الله سبحانه الذى يسر الذكر لعباده يرشدهم إلى حمل هذه الآية على أحسن وجوهها بقوله تبارك وتعالى { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم } (الزمر 55) فإذا كان القرآن هو أحسن الحديث على الإطلاق فإن حمل الآية على أحسن وجوهها هو إتباع الأحسن مما أنزل إلينا من كتاب ربنا الذى أحسن كل شئ.

{ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } (النساء 34) إن التدرج من الموعظة إلى الهجر في المضاجع لا يمكن أن يكون قفزة بعيدة إلى إهدار كرامة المرأة { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } (الإسراء 70) بضربها بالعصا أو حتى باليد المجردة, ولو أراد الله هذا الذى فهموه من الآية ثم جعلوه ضرباً خفيفاً من تلقاء أنفسهم ثم أرهقوا أنفسهم إرهاقاً شديداً ببيان الضرب الخفيف من الضرب العنيف بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير, ولو أراد الله شيئاً من ذلك الذى هو ذهبوا إليه مذاهب شتى لبينه لعباده كما في قوله تعالى في قتال المعتدين { وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . }(الأنفال 12) أو كما بينه في ضرب الملائكة ) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ .} (الأنفال 50).

إن الضرب في هذه الآية الكريمة هو الضرب الذى يتفق مع منطق التدرج من الموعظة إلى الهجر في المضاجع, وهو الضرب الذى لا يمس كرامة المرأة التي حفظها الله سبحانه لبنى آدم جميعاً بغير استثناء, وهذا هو الضرب الذى يبينه الله سبحانه وتعالى في قوله { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ . }(الزخرف 5).

وبذلك تبين الآية على أحسن وجوهها من الموعظة إلى الهجر في المضاجع إلى الهجر المطلق بالضرب عنها صفحاً حتى تستقيم على أمر ربها, فإذا استقامت فلا تبغوا عليهن سبيلا { إن اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً . }(النساء 35).

وحرف الجر المحذوف في قوله تعالى { وَاضْرِبُوهُنَّ } (النساء 34) تقديره (عن) كما في قوله تعالى { وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ } (البقرة 109) فاعفوا عنهم واصفحوا عنهم, وكما في قوله تعالى { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً . } (عبس25) صببنا الماء على الأرض صبا, وكذلك قوله تعالى{ وَاضْرِبُوهُنَّ } (النساء 34) اضربوا عنهن صفحاً { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ.} (الحجر85).

آيات الله سبحانه قد أحكمت وفصلت من لدنه سبحانه وتعالى تفصيلاً, لا اختلاف فيها ولا مبدل لها, يقول الله تبارك وتعالى { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . }(الأنفال 9-10) { وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } بصيغة الحصر والقصر, ولو لم يتبع الله سبحانه وتعالى حديثه عن الملائكة بهذا القول المحكم وبصيغة الحصر والقصر, لقال قائل منهم: كيف { وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } (البقرة 117/ آل عمران 47/ النحل 40/ مريم 35/ يس 82/ غافر 68) وبصيغة الحصر والقصر, فما حاجته إلى هؤلاء الملائكة ؟ وإنما تنزلت الملائكة لتكون بشرى للمؤمنين ولتطمئن قلوبهم ولو لم يشأ الله أن يبشر عباده المؤمنين ويطمئن قلوبهم لانتصر الله من الكافرين بغير شئ على الإطلاق إلا قوله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكن. ملك اليمين أمر الله بالسلم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.} (البقرة 208، 209) هذا خلق الله ولا ينبغى لعباده المؤمنين أن يخرجوا عن السلم إلا للقاء من يعتدون عليهم أو يظاهرون عليهم عدواً { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ . }(البقرة 190).

ولكن الشيطان يأمر أولياءه بأن يغيروا خلق الله فتنشب الحرب بين الناس ويقتل الرجال وتخرب البيوت, وما الحرب العالمية الثانية من الناس ببعيد وما يزال الناس يتحدثون عن آثارها على الأرامل واليتامى وما نشأ عن ذلك من البغاء والتشرد.

ولقد شرع الله نظام الإيواء بملك اليمين لحماية المجتمعات المهزومة من هذه الأخطار, ففرض على المسلمين أن يأووا إليهم من النساء ما يستطيعون{ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَ} (البقرة 286) والملك في القرآن لا يعنى الرق بحال من الأحوال بل هو على العكس من ذلك يعنى الحفظ والرعاية والأمن الاجتماعي { إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . }(النمل 23) ذلك ما جاء على لسان هدهد سليمان فهل يستدل من ذلك على أنها كانت تستبد بهم وتصنع فيهم ما تشاء ؟ لقد كانت تحفظ قومها وترعى حقوقهم في أن يشيروا عليها في كل أمرها { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ . } (النمل 32) هذا هو معنى الملك وما ينبغى أن يستنبط منه وفق آيات الله البينات وبالاهتداء بالمقياس الحق في فهم أحكامه التي لا توجه عباده إلا إلى الآخرة وإلى ابتغاء مرضاة الله سبحانه.

فما ملكت يمين المرء هو ما استحفظ عليه من بنى الإنسان, وليس ما استباحه هو لنفسه يصنع به ما يشاء حيث ما يشاء. وكما يأوي الرجل إليه من يستطيع من النساء اللاتي فقدن المأوى, فكذلك تأوي النساء إليهن من يستطعن إيواءهم { لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } (الأحزاب 55) وقد أمر الله بالإحسان إليهن والإحسان كما رأينا من قبل ليس هو المال الذى تدفعه اليد العليا لليد السفلى بل هو كل عمل حسن أمر الله به ويشمل البر والرحمة والتقوى والعدل والعفو والخلق الكريم { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً .} (النساء 36).

وقد أحل الله للرجل أن ينكح من يشاء ممن يأويهن إليه من الأرامل والنساء, ولم يحل له أن يأخذهن سفاحاً ولا يتخذهن أخدان { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } (النساء 25) المحصنة هي من كان لها بيت تحصن فيه وتأوي إليه في حماية زوجها أو أبيها أو أخيها أو عمها أو خالها, وترد المقابلة في الآية الكريمة للدلالة على أن ملك اليمين هي من لم يكن لها مثل هذا الحصن من الذين شردت بهم الحروب أو الزلازل أو غير ذلك من الكوارث. مثل هذه المرأة إذا وجدت رجلاً يضمها إلى بيته في مأواه ورعايته فإنها تكون في ملك يمينه, وتظل تستمتع بالمأوى في كنفه حتى ينكحها من طابت له بعقد صحيح وبعد أن يأتيها أجورها وبإذن أهلها ولا يحل لأحد بغير هذا ولو كان هو الرجل الذى يأويها إليه في بيته أو أحد أبنائه أو غيرهم, وإلا لكان الأمر سفاحاً لا يقره الله لعباده أو رقاً لا يرضاه لهم ولم يشرعه لهم في كتابه العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

إن الإنسان لا يباع ولا يشترى في دين الله ولا تنتهك حرماته بغير حق, ومن كان يرتاب من بعد ذلك فليقرأ قوله تبارك وتعالى { يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } (النور 58) فلو أنه يحل للرجل الرفث إلى ما ملكت يمينه بغير نكاح لما كان قد فرض عليها أن تستأذنه في هذه العورات بل ولما كان له عليها من عورة أبداً.

وليس العبد ولا الأمة من اشتراه الناس بأموالهم بشرائع لم تكن أبداً من دين الله في شئ.. بل العبد والأمة من لم يجد له رزقاً إلا في ملك صاحبه.. ملك الحفظ والرعاية وليس ملك السيطرة والاستبداد.. فيأوي إليه ويطيعه في الأمر ابتغاء ما يوفره له من المسكن والرزق حتى يجد له سبيلاً ينطلق إليه بكل حرية واختيار.. ويبين هذا المعنى بجلاء لا لبس فيه في المقابلة بين من يعتبر من العباد والإماء في دين الله ويبين أضدادهم في قوله تبارك وتعالى { ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً } (النحل 75) فمن لم يجد له في الأرض رزقاً ينفق منه إلا في ملك صاحبه فهو من العباد أو الإماء حتى يجعل الله له سبيلاً..وقد فرض الله على عباده المؤمنين أن يزوجوهم وأن يتزوجوا منهم { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . }(النور 32) ولو كانت الأمة رقيقاً يستباح بغير نكاح كما يقولون لما فرض نكاحها بعقد صحيح.

تلك آيات الله البينات يفسر ويكمل بعضها بعضاً..ثم تراها تحمى بعضها بعضاً فمن يجتهد في آية منها بغير هدى قذفته الأخرى بالحق فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون.

المحيض

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ } (البقرة 222) هذان أمران في المحيض وليسا أمراً واحداً؛ اعتزلوا النساء في المحيض هذا أمر.. ولا تقربوهن حتى يطهرن أمر آخر لا يترادف مع الأمر الأول ولا يتطابق معه في شئ.. وليس في القرآن ترادف ولا تكرار ولا تطابق.. بل لكل آية ولكل كلمة ولكل حرف أحكامه ودلالاته للذين يتدبرون هذا القرآن ويستنبطونه بوحي من كلماته على هدى من ربهم..قال موسى عليه السلام { وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ .} (الدخان 21) أي دعوني وشأني لا أعترضكم ولا تعترضوا سبيلي.. وقال إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } (مريم 98) أي أترككم وشأنكم بريئاً منكم ومما تدعون من دون الله.. وأمر الله تبارك وتعالى بالسلام لا عدوان إلا بقدر رد العدوان { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً .} (النساء 90) لا سبيل للمؤمنين على الذين اعتزلوهم أي تركوهم وشأنهم فلم يقاتلوهم وألقوا إليهم السلم والمرأة في المحيض تكون في حالة عصبية متوترة أقرب إلى الكآبة وأبعد ما تكون عن السلام.. ولذلك أوجب الله تبارك وتعالى على الرجل أن يعتزلها وأن يكف عن الجدل معها وأن يلقى السلم إليها حتى تفرغ من حيضها وتعود إلى حالتها الطبيعية ويمكن بعد ذلك له أن يقترب منها بالقول والفعل بالمودة والحسنى.

العدل بين الأزواج

يحل للرجل أن يتخذ زوجاً واحدة, وأما الثلاث الأخريات فلا ينكح منهن واحدة لذاتها وإنما ليأوي إليه اليتامى من أبنائها, ويحل له ما وراء ذلك مما ملكت يمينه لأن نظام ملك اليمين إنما شرع لإيوائهن فإذا كان الرجل متعدد الأزواج فقد فرض الله عليه أن يكون عادلاً بينهن { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ .} (النساء 3).

العدل شرط تعدد الأزواج, وظاهر من هذه الآية الكريمة أنه ينبغى للرجل أن يكون عادلاً في الإنفاق على أزواجه فلا يفضل إحداهما على الأخرى بمقتضى ما له من القوامة عليهن { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } (النساء 34) فلا ينبغى له أن يسكن إحدى أزواجه قصراً ويسكن الأخرى في كوخ وأن يغدق على إحداهن ويقتر على الأخرى, فإن خاف ألا يستطيع العدل بينهن فعليه أن يكتفي بواحدة أو ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه { ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ .} (النساء 3).

أما أن يكون عادلاً بين نفسه وبين زوجه ولو كانت واحدة فهذا ما لا يستطيعه وقد غفر الله له ذلك وأبدله بالعدل أن يحسن إلى زوجه وأن يتقى الله فيها { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً. وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً.} (النساء 130).

العدل غير المستطاع هو أن يعدل الرجل بين نفسه وبين كل زوج من أزواجه على حدة, لأن الإنسان قد جبل على أن يؤثر نفسه وأن يصر على اقتضاء حقوقه كاملة من زوجه, ولذلك غفر الله له عجزه عن العدل بينه وبين زوجه ولكنه حرم عليه النشوز والإعراض عنها وأمره بأن يحسن إليها وأن يتقى الله فيها وأن يجنح إلى الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فإن فعل ذلك فإن الله كان غفوراً رحيماً. أما أن يعدل بين زوج من أزواجه وأخرى فهذا واجب حتمي لا محيد عنه وهو عدل في الإنفاق عليهن ولا حرج عليه في أن يؤثر إحداهن على الأخرى, وذلك لأن الرجل قد يؤثر أحد أبنائه على الآخرين جميعاً كما يؤثر أخاً له أو أخت على إخوانه جميعاً أو يؤثر أباه على أمه, وإذا كان هذا الإيثار في الدين فهو خير له وواجب عليه.

استبدال الأزواج

الأصل أن يكون للرجل زوج واحدة وإنما ينكح الأخريات لإيواء اليتامى من أبنائهن أو إيواء من كن في ملك اليمين, ولذلك فإن الرجل لا ينكح إلا زوجاً واحدة فإذا كانت زوجاً صالحة فليس كمثلها خير في الحياة الدنيا فهي رحمة لبعلها وهي سكن له, وأما إذا كانت زوجاً ناشزاً فهذه ليس كمثلها شر في هذه الحياة الدنيا هذه امرأة يغذيها الشيطان بمكره وكيده لتغير خلق الله في بيت بعلها من الرحمة إلى العذاب ومن السكون إلى الشقاء.

وعلم الله سبحانه وتعالى أن الرجل لا يضيق ذرعاً في حياته بشئ كما يضيق بزوج ناشز, فأحل له الله أن يستبدل بها غيرها ممن تطيب له وتكون أقرب زكاة وأوفر رحمة { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً .} (النساء 20) فرض الله للرجل زوجاً واحدة, فإذا كانت ناشزاً لا تحفظ لبعلها حقه في القوامة عليها ولا تطيعه بموعظة ولا بهجر ولا بضرب, فقد أحل له الله أن يستبدل بها غيرها, وقوله تعالى{ وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } (النساء 20) يؤكد أنه لا مكان عنده إلا لزوج واحدة, وإنما يكون ذلك بطلاق الأولى ونكاح الأخرى كما يبين ذلك من قوله تعالى {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً .} (التحريم 5) وقد سن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه السنة حتى حرم عليه النساء إلا ما أفاء الله عليه مما ملكت يمينه { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً .} (الأحزاب 52).

ليس لمؤمن أن ينكح إلا زوجاً واحدة فإن استقامت له فليس كمثلها خير في هذه الحياة الدنيا وهي الرحمة من لدن عزيز رحيم, وإن أرهقته من أمره عسراً فله أن يطلقها وينكح غيرها عسى الله أن يبدله خيراً منها { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً . }(النساء 130) أما الزوج الثانية أو الثالثة أو الرابعة فلا تؤخذ إحداهن إلا لإيواء اليتيم وبشرط أن تطيب له وأن يعدل بينها وبين كل واحدة من الأخريات في الإنفاق, وأما ملك اليمين فإنما شرع لإيواء من تشردهن الحروب أو الكوارث من النساء حتى يعشن في كنف اليمين أي كنف القوة والمقدرة { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . }(الحاقة 45) أي بالقوة { قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ .} (الصفات 28) أي عن قوة.

وإنما يراعى في تعدد الأزواج أن يخشى المؤمن على نفسه ألا يقسط في اليتامى فإن كان قادراً على أن يقسط فيهم دون حاجة تلجئه إلى نكاح أمهم فلا يحل له أن ينكحها حتى يخشى ألا يقسط في اليتامى, وأنه ليس له أن يجمع بين أكثر من أربعة أزواج في وقت واحد, ذلك لأن الجمع بين الأزواج للقسط في اليتامى لا يكون إلا مثنى بأن يجمع بين اثنتين وثلاث بأن يجمع بين ثلاثة ورباع بأن يجمع بين أربعة ويستنبط ذلك من قوله تعالى { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } (فاطر) بمعنى أن الملك الواحد لا يحمل من أجنحة إلا مثنى أو ثلاث أو رباع وكذلك يعلمنا الله اللسان العربي وكذلك لم يكن لأحد من المؤمنين أن يجمع بين تسع أزواج أبداً..

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الأحزاب 50) تدل هذه الآية الكريمة على ما كان متاحاً للنبي صلى الله عليه وسلم من أزواج ، ولاتدل بأي حال من الأحوال على أنه صلى الله عليه وسلم قد جمع بين هؤلاء جميعاً. فهذه الآية الكريمة تبدأ بقوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ } أي كان حلالاً لك أن تتزوج ممن ذكروا في تلك الآية, وذلك ليعطى الله سبحانه وتعالى الصفة الشرعية لمن كانت زوجاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهن قبل أن يتنزل هذا الحكم من لدن حكيم خبير. والدليل على صحة هذا الفهم أن العم والخال قد وردا في هذه الآية الكريمة بصيغة المفرد { وَبَنَاتِ عمك } { وَبَنَاتِ خَالِكَ } في حين أنه لا يحل لرجل أن ينكح البنتين من عم واحد أو من خال واحد لأنهما أختان ولا يجوز في شريعة الله الجمع بين الأختين, ودليل آخر أن الله تبارك وتعالى يقول بعد هذه الآية الكريمة { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } (الأحزاب 52) وبذلك فإن الفهم المستنبط من هذه الآية أنه كان حلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن يتنزل القرآن ما نكح من هؤلاء النساء , ومن بقى له منهن عند نزول هذه الآية الكريمة فهن حلال له, ولكن لا يحل له من بعد أن ينكح غيرهن أو يستبدل بإحداهن زوجاً أخرى ولو أعجبه حسنهن إلا ما ملكت يمينه, ذلك لأن ملك اليمين كما رأينا هو من العمل الصالح الذي لا يبتغى به الإنسان إلا وجه الله براً بمن لا تجد لها مأوى في مجتمع المسلمين. ولقد نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه النساء على فترة من رسالته, وهو ما لم يفرض على أحد غيره من المؤمنين.. ولا نجد في القرآن ما يرخص له أن ينكح أكثر من زوج واحد في وقت واحد إلا في حدود الأزواج الأربع أو في ملك اليمين وفق ما شرعه الله لعباده المؤمنين على سواء..ذلك حكم الله وهو يقيم البينة على زيف ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك.

الطلاق

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً .} (الطلاق 1).

لعله غنى عن البيان أن الطلاق الذي شرعه الله لعباده ينبغى أن يكون طلاقاً للعدة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } (الطلاق 1) ولعله غنى عن البيان كذلك أن المرأة المطلقة لا تخرج من بيتها ولا يجوز لزوجها أن يخرجها من بيتها إلا بعد انقضاء عدتها { وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } (الطلاق 1) هذا الحكم واضح البيان والدلالة وما كان ينبغى أن يغيب عن أذهان الناس وهم يقرأون القرآن, ثم تتواتر أحكامهم طوال هذا الأمد السحيق على خلاف حكم الله الذي شرعه لعباده بالعلم والحكمة والرحمة والقسط, فتخرج المرأة فور سماع كلمة الطلاق أو يخرجها زوجها أو أهلها عنوة من بيتها وقبل أن تعتصم ببيتها في عدتها حتى تكتمل حسب شريعة الله التى فرضها لعباده في الأرض بكتاب أحكمت آياته من لدن حكيم خبير, ولا تستثنى من هذا الحكم إلا المرأة التى طلقت بعد أن قامت البينة على أنها قد ارتكبت الفاحشة { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } (الطلاق 1) وقد فرض الله هذا الاستثناء لحماية المرأة من غضب الرجل الذي ثلم شرفه, فبقاؤها معه في مثل هذه الحالة خطر عليها ولذلك اقتضت حكمة الله أن تخرج هذه المرأة من بيتها إذا طلقت ولقد علم الله أن الناس سيخالفون عن أحكامه ويتعدون حدوده, ثم يجمع عامتهم على مخالفة أحكام الله وتجاوز حدوده ثم ينسون أنهم خالفوا حكم الله واعتدوا على حدوده ويظنون أنهم على الحق متى وجدوا آباءهم على هذه الأمة في تواتر متصل وبإجماع ساحق فتراهم على آثارهم يقتدون فيخربون بيوتهم بأيديهم لمجرد سماع كلمة هوجاء عقيمة يقولها الرجل لزوجه في غضب أهوج سواء كان جاداً أو لاغياً, علم الله سبحانه وهو العليم الحكيم أنه ستكون من المسلمين أمة على هذا الإجماع الساحق وعلى هذا التواتر الصلب, فقال سبحانه وقوله الحق يذكر عباده المسلمين { وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً .} (الطلاق 1) تنبيه وتقريع وإنذار وتحذير بصياغات مغلظة لعلهم يحذرون,وبيان بحكمة الحكم من الله تعالى وسبب نزول الحكم ترقب رحمته.

ولكن ما هو المعنى الحكيم من حرف اللام في قوله تبارك وتعالى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ولقد رجعنا أول الأمر إلى تاج العروس, فلم نجد أثراً لحرف اللام في مباحثه الدقيقة, والله أعلم إن كانت قد أسقطت من كتابه أو كان هو قد تجاهلها, ونستبعد أن يكون قد تجاهل حرفاً من حروف الكلم له هذا الخطر وهو الذي أعطى كل كلمة وكل حرف حقه بأوفر ما يستطيع البشر, وإنما الذي يستبعد أن يكون القوم الذين عبثوا في كتب المفكرين وشعر الشعراء قد تركوا تاج العروس وشأنه دون أن يسقطوا منه أو يزيدوا فيه أو يبدلوا من مباحثه.

لذلك فقد تيممنا شطر كتاب تخصص في حروف الجر.. وهو كتاب مغنى اللبيب لجمال الدين بن هشام الخزرجى الذي كان شافعياً ثم تشيع للحنابلة والمتوفى سنة واحد وستين وسبعمائة من الهجرة, فوجدناه قد بحث هذا الحرف بحثاً مرهقاً في أكثر من خمسين صفحة (الصفحة الخامسة والسبعين بعد المائة من الجزء الأول وما بعدها) دون أن نفهم حرف اللام في قولـه تعالى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } ولقد ذكر في مباحثه اثنين وعشرين وجهاً لاستعمالات حرف اللام وضرب أمثلة لكل استعمال منها حتى جاء للحروف الموافقة لحرف اللام فقال إن اللام في قوله تعالى { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (الإسراء 78) هي اللام الموافقة لحرف (بعد) أي بعد دلوك الشمس.. وهذا نظر مردود إذا أنه ليس بعد دلوك الشمس إلا الليل, ولا يمكن أن يكون المعنى في هذه الآية الكريمة أن نقيم الصلاة من الليل إلى غسق الليل.. ولعله رحمه الله أراد أن يغنى اللبيب ولكنه لا يمكن له ولا لأحد غيره من الإنس أو الجن ولو اجتمعوا أن يغنوا عنك من الله شيئاً.

لا مناص من البحث عن هذا الحرف في آيات الله التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها..ولقد وجدنا هذا الحرف بهذا الاستعمال قد ورد في كتاب الله العزيز في أربع آيات بينات.. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } (الطلاق 1) { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (الإسراء 78) { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } (الحشر 2) { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ. } (الأعراف 143). أول ما يلاحظ في هذا الحرف أنه يرد على فترة زمنية لها بداية محددة ولها نهاية محتومة { لِعِدَّتِهِنَّ } (الطلاق 1) العدة فترة زمنية تبدأ بالطلاق وتنتهي حتماً بانقضاء مدتها التي شرعها الله. { لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } (الإسراء 78) الدلوك كما رأينا في باب الصلاة فترة زمنية تبدأ بغروب الشمس إلى الشفق الأحمر من الغسق { لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.} الحشر فترة زمنية تبدأ بوصول أول رجل ثم يتقاطر الناس حتى يتم الحشر في مسجد أو سوق أو حفل أو غير ذلك .. { لِمِيقَاتِنَا } فترة من الزمن فرضها الله على موسى عليه السلام تبدأ من الليلة الأولى وتنتهي بالليلة الأربعين.

ويبين الله تبارك وتعالى أن موسى عليه السلام قد جاء لميقات ربه مبكراً { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى.} (طه83، 84) ويبين لنا كذلك أن موسى عليه السلام قد مكث في الميقات إلى أن أتمه الله عليه من فضله أربعين ليلة متصلة منها ثلاثون وعدها الله عبده وزاده عشراً من فضله، وبذلك فإن حرف اللام إذا دخل على ميقات له بداية محددة ونهاية محتومة أفاد استغراقه جميعاً من أول ليلة فيه إلى آخر ليلة منه..كما استغرق موسى عليه السلام الميقات من أوله إلى آخر ليلة فيه, أربعون ليلة كاملة متصلة غير منقوصة أو منقطعة.. ويحرص علماء اللسان على أن يسموا استعمالات الحروف بأسماء يصطلحون عليها فيقولون (من) التبعيض و(لام) الاستحقاق.. ويمكن أن نسمى اللام في قوله تعالى { لِعِدَّتِهِنَّ } و) لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } و{ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } و{ لِّمِيقَاتِنَا .} بلام الميقات.. تدخل على ميقات له بداية محددة ونهاية محتومة فتستغرقه جميعاً دون أن تفرط في شئ منه.

{ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ. وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } (الأعراف142، 143) كذلك يبين الله بآياته ليرى الناس كيف تفعل لام الميقات بميقاته فلا يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ولا ينقصون شيئاً مما أمر الله أن يتم على وجهه إنه كان على كل شئ حسيباً. واللام في الأصل تفيد الملك { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (البقرة 107) فإذا وردت على فترة زمنية ملكتها جميعاً من بدايتها إلى نهايتها, كما ملكت أربعين ليلة لميقات الله وملكت أول الحشر لإخراج الكافرين من أهل الكتاب من ديارهم وملكت دلوك الشمس للصلاة, فهي إذن تملك العدة للطلاق فلا طلاق إلا بعد العدة كاملة من أول ساعة فيها إلى آخر لحظة منها, والطلاق بغير عدة لغو لا قيمة له ولا أثر له.

أمر الله الرجل إذا طلق زوجه أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بمعروف, فمتى يكون ذلك أثناء عدتها كما يقول عامة المسلمين أم بعد أن تنقضي هذه العدة يقول الله { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (البقرة231) { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء } يبدأ هذا الأمر بإعلان فسخ عقد الزواج بإرادة الرجل وهذا هو الركن الأول من أركان الطلاق {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } وهذا هو الركن الثاني الذي لا يقع طلاق إلا باكتماله إلى مدته والرجل على طلقته لا يرجع عن قوله وعند ذلك يكون للرجل أن يمسك أو يسرح { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } والفاء في قوله تعالى {فَأَمْسِكُوهُنَّ } هي فاء التعقيب التى تفيد وقوع ما بعدها فوراً وفي الحال, فالطلاق كما شرعه الله لعباده يتم على مراحل ثلاث متعاقبة متصلة فسخ بإرادة الرجل وعدة للمرأة فإذا بلغتها فإمساك أو تسريح بمعروف وهنالك تحسب عليه طلقة وتخرج إذا سرحها طليقة تتزوج بمن تشاء { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً .} (الطلاق 2-3).

فسخ العقد بإرادة الرجل ركن الطلاق والعدة هي الركن الثاني فإذا اكتمل الركنان فإمساك أو تسريح, أما قبل ذلك وأثناء العدة فلا إمساك ولا تسريح, يمسك ماذا أو يسرح ماذا؟ هل يمسك زوجاً أمسكها الله عليه أم يسرح زوجاً حرم عليها أن تخرج من بيتها وحرم عليه أن يخرجها كلا لا إمساك ولا تسريح قبل أن تنقضي العدة بل هي كلمة هو قائلها والله يقول الحق وهو أحكم الحاكمين, كلا لا تخرب البيوت بكلمة هوجاء ينطقها الرجل في ساعة غضب وما كان لينطق بها إلا في ساعة غضب, كلا لا ينفسخ ميثاق غليظ بخيوط العنكبوت {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً .} (النساء 21) وكيف يكون النكاح ميثاقاً غليظاً إذا كان ينفسخ بكلمة واحدة يقولها قائلها في ساعة غضب, إن ميثاقاً كهذا لهو أهون المواثيق ولا يصح في الإفهام أن يفرض الله على المسلمين ميثاقاً غليظاً ثم يحل لهم نقضه بكلمة هوجاء, بل ينفسخ العقد لا ينفسخ إلا بكلمة يزنها الرجل مع زوجه التي سمعت كلمة الطلاق يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة وساعة بعد ساعة طوال فترة عدتها, فإذا رجع عنها قبل ذلك فقد رجع عن اللغو فلا يحسب عليه شئ ولا يترتب على ذلك أي أثر ولو تكرر ذلك ألف مرة, أما إذا بلغت المرأة أجلها وجاء آخر يوم في عدتها هنالك القول الذي يُحسب عليه وعلى زوجه فإما أن يمسكها عليه أو أن يسرحها بمعروف وهنالك تحسب عليه طلقة ويجب في هذه الحالة الإشهاد { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . }(الطلاق 3).

وغنى عن البيان أنه يُشترط لوقوع الطلاق أن تطلق المرأة لعدتها في بيت الزوجية {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } (الطلاق 1) ليتيسر للرجل أن يراجع نفسه وليتيسر لزوجه أن تراجعه فيما عقد العزم عليه { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً .} (الطلاق 1) فهذا هو شرط الطلاق وتلك هي حكمته البالغة.. ولا يقع الطلاق إلا بانعقاد ركنيه فسخ الزواج في مواجهة المرأة لتتربص في عدتها وبشرط أن يتم هذا الأمر كله وهي معه في بيته لا تخرج من بيتها ولا يخرجها قائماً معها في بيتها وذلك شرع الله يفصله لعباده رحمة من الله وفضلاً.

إن الرجل يسب زوجه ويلعنها ولم يقل أحد أن شيئاً من ذلك يؤثر على الميثاق الغليظ الذي واثقهما, فلماذا يمسكون عليه أن يقول لها أنت طالق في لحظة كبرياء وقد لا يقصد منها إلا أن يشعرها بأنه غنى عنها, ومن أين جاء الطلاق البدعي الذي يتهم به العلماء عامة المسلمين, وهل هو بدعي حقاً, كلا إنه قديم موغل في القدم معروف قبل عيسى ومحمد عليهما السلام عند بني إسرائيل من اليهود الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به, جاء في أول الفصل الرابع والعشرين من سفر تثنية الاشتراع من العهد القديم بالنص ما يلي (إذا اتخذ رجل امرأة وصار لها بعلاً ثم لم تحظ عنده لعيب أنكره عليها فليكتب لها كتاب طلاق ويدفعه إلى يدها ويصرفها من بيته. فإذا خرجت من بيته ومضت وصارت لرجل آخر. فابغضها الرجل الآخر وكتب لها كتاب طلاق فدفعه إلى يدها وصرفها من بيته أو مات الرجل الآخر الذي اتخذها له زوجة. فليس لبعلها الأول الذي طلقها أن يعود ويأخذها لتكون له زوجة بعد ما تدنست فإن ذلك رجس لدى الرب فلا تجلب خطيئة على الأرض التي يعطيكها الرب إلهك ميراثاً ) أليس هذا هو الطلاق الذي يقولون عنه أنه طلاق بدعي البدعة هي ما أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا الذي أثبته اليهود في كتبهم فإنهم يقولون إنه العهد القديم {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } (النساء 155).

وما تزال أمم كثيرة تصر على رفض شريعة المسلمين من وجهين أساسيين, يتعلق الوجه الأول بمقولة أن الإسلام شريعة دموية تدعو إلى قهر غير المسلمين بقتال دائم حتى يدين غير المسلمين لدين الله, ويتعلق الوجه الثاني بمقولة أن الإسلام دين يدعو إلى استبداد الرجل حتى يزوجه من أربع ويحل له أن يطلق من يشاء من أزواجه متى يشاء حسب هواه.

وأظن أننا قد أحطنا ببراءة الله ورسوله من هذه الدعاوى الباطلة التي لم ترد في كتاب الله الذي أنزله على رسوله عدلاً وصدقاً, فقد رأينا في دراسة القتال أن القرآن قد نهى عن قتال أحد لا يبادر المسلمين بالعدوان أو يظاهر عليهم عدواً, وفرض على المسلمين سلماً دائماً حتى ينقضه المعتدون, ولو أمكن لنا أن نحيط بكل قوانين الحرب كما فرضها القرآن لرأينا عجباً وأحطنا بمبادئ إنسانية لم يتمكن البشر حتى الآن من الاهتداء إليها من ذلك مثلاً أنه لا يحل للمسلمين أن يحتفظوا بالأسرى بعد أن تضع الحرب أوزارها { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَ} (محمد 4) { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (الأنفال 67) ولقد وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ومع ذلك بقى في سجون الحلفاء أسرى النازية مدداً يزيد بعضها على ربع قرن من الزمان أو يزيد .

ورأينا في باب الزواج أن الرجل لا ينكح الزوج الثانية إلا ليقسط في اليتامى أو يأوي من لا مأوى لها من النساء, وذلك لحكمة بالغة حتى لا يفسد المجتمع الإسلامي بالبغاء والمتشردين, ففرض نظام تعدد الزوجات والإيواء بملك اليمين للإصلاح في الأرض وليس من أجل نزوة الرجل وما هي نزوة رجل أخلص وجهه لله وهو مؤمن, إن رجلاً هذا شأنه لا يشتهى شيئاً كما يحب أن يلقى وجه ربه بغير نعيم يسأل عنه { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .} (التكاثر8).

هذا هو الطلاق الموزون بالكلمة والميقات, كلمة رجل مؤمن يقولها ويعى كل أبعادها ساعة بعد ساعة وليلة بعد ليلة أمداً ليس بقصير, وميقات حدده الله بثلاثة أشهر للاتي يئسن من المحيض أو اللاتي لم يحضن وبثلاثة قروء للاتي يحضن وبوضع الحمل لمن كانت حاملاً, كل ذلك وهي في بيتها لا يخرجها أحد ولا يحل لها أن تخرج منه هو يراجع نفسه وهي تراجعه حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً.

وقال فضيلة الشيخ عطية صقر عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في الأزهر في برنامج (الفتاوى) بفضائية إقرأ مساء يوم الاثنين 2003.2.17 :(إن عدة المطلقة لا تصح إلا إذا تمت كاملة في بيت زوجها لا تخرج منه ولا يخرجها أحد, وذلك عملاً بالآية الأولى من سورة الطلاق) وتعتبر هذه الفتوى انتصاراً عظيماً لدين الله الذي شرعه الله لعباده بالحق, وأذان بإسلام واحد, وبشرى لفضيلة الشيخ أحمد الكبيسى الذي قال في برنامج (الشريعة والحياة) بفضائية الجزيرة يوم الأحد 2003.2.23 : (في زماننا هذا إسلامان؛ الإسلام الذي أنزل الله على رسوله, والإسلام الذي صنعناه بالحذف والإضافة والتعديل, ولهذا فأنا أرفض قيام دولة إسلامية الآن, لأنها ستقوم على أسس فئوية يقاتل بعضها بعضاً).

ومن عجب أن القاضى في ألمانيا يفرض على الزوجين اللذين يطلبان الطلاق أحدهما أو كلاهما أن يلتزما بيت الزوجية معاً لا يفترقان عنه عدة أشهر محددة ثم يعودا إليه من بعد لينظر أمرهما حتى يتحقق القاضى مما إذا كان الزوجان أحدهما أو كلاهما جاداً في طلب الطلاق, ذلك مما يؤكد ما قلنا من قبل إن الإنسان حيثما كان ومهما بلغ من العلم ومن الحضارة في الحياة الدنيا عاجز كل العجز عن أن يصل إلى أي شئ من الرشد أو من الحكمة بغير قرآن والجدير بالذكر أن الإسلام رغم كل ما علق به من الشوائب ينتشر في ألمانيا انتشاراً رهيباً, فبحسب ما نشرته مجلة شبيجل في عددها الصادر بتاريخ 22 فبراير 1993 فقد بلغ عدد من اسلم من الألمان أكثر من مائة ألف نصفهم من النساء, وقد سألت المجلة إحداهن عن احتمال زواج بعلها بامرأة أخرى فقالت : (إن الزواج بأخرى جهد وإنفاق وليس شهوة , والمسلم في النهاية يعدل بينهن ويحترم إنسانيتهن), وعلى نفس هذا السؤال أجابت سيدة ألمانية مسلمة أخرى فقالت : (إن الزواج بأكثر من واحدة نظام عظيم إذا ما قورن بذلك الألماني الذي يتطلع إلى المتعة في حريم فاسق ليجد شهوة بغير حدود أو التزام, وبأنانية مقيتة واحتقار مهين لكرامة المرأة بوضعها في علاقة مشينة بدون زواج).

فإذا وقع الطلاق فقد وجب الإشهاد بذوي عدل من المسلمين { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (الطلاق 2) لقد علم الله سبحانه أن الناس سوف تشترط الإشهاد في الزواج, وهو ليس مشروطاً في القرآن إلا على الطلاق, ففرض حكمه ونبه إليه بوجوب إقامته لله كما تجب إقامة الصلاة خالصة لله, وجعله حكماً محفوظاً وموعظة حسنة للذين يؤمنون بالله واليوم الآخر, حتى لا يتعجلوا من أمرهم ما ينبغى لهم أن يتريثوا فيه, فهل من مدكر!؟

أربعة أسماء لعباد الله جميعاً, سواء منهم من كان ذكراً أو أنثى, سواء اختلفوا في الدين أو اللون أو العرق أو الجنس أو غير ذلك مما يختلفون فيه في هذه الحياة الدنيا, وهذه الأسماء هي؛ البشر, بنوآدم, الناس, الإنسان. والخطاب بها يشمل عباد الله جميعاً, ولكنها في القرآن بدلالات لا مبدل لها, ولا ترادف فيها, ولا ينوب بعضاً ولا يغنى عن بعض.

البشر دلالة على الهيئة التي خلق عباد الله بها { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً .} (مريم 17) روحاً على هيئة الرجال وهو ليس منهم { وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ .} (يوسف 31) أي أنه بهيئة ملك كريم بهيئته ووقاره ولطفه وإحسانه. الناس دلالة على العموم والإطلاق دون تخصيص { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} (الحجرات 13) كل الناس بصفة عامة لا استثناء فيها وبغير تخصيص { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ .} (الناس1، 3) الناس كل الناس سواء منهم من آمن بربه أو لم يؤمن.

الإنسان دلالة على أن الخطاب ينطوي على تخصيص يمكن استنباطه من سياق الحديث { إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } (الإسراء 53) سياق ينطوي على أولئك الذين يتبعون الشيطان, أما عباد الرحمن فلا سلطان للشيطان عليهم { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ } (الإنشقاق 6) سياق ينطوي على استثناء عباد الرحمن الذين يخفف الله عنهم من رحمته ما يكدحون.

بنو آدم دلالة على نسل مصطفى, وخلق مجتبى, وكيان قائم على العقل والعلم وطاعة الله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً .} (الإسراء 70) ولو أنك تتبع آيات الرحمن حيثما وردت هذه الأسماء, فلسوف تجد كلاً منها في سياقه للدلاله على بيانه آية من ربك إنه هو العليم الخبير, وما كان في هذا القرآن من مترادفات يقوم بعضها مقام بعض, ولو كان من عند غير الله لاختلطت الأسماء فيه كما نجدها تختلط في كتب كبار الأئمة والعلماء والفقهاء في الأولين وفي الآخرين وسبحان الله العظيم.

الـعــدة

من الدلالات الظاهرة على أنه سبحانه وتعالى قد فصل آياته تفصيلاً وبينها بياناً وافياً ما فرضه من أحكام العدة التي تعتدها المرأة إذا طلقت أو توفى عنها بعلها, فاستثنى المرأة التي لم يدخل بها زوجها لانتفاء الحكمة من عدة تعتدها في هذه الحالة سواء تزوجت وهي بكر أم تزوجت وهي ثيب فإذا طلقت المرأة من قبل أن يمسها الرجل الذي عقد عليها فلا عدة له عليها فالزواج ميثاق لا يكون غليظاً إلا بالإفضاء { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً .} (النساء 21) أما قبل الإفضاء سواء بخطبة أو بعقد فلا يكون الميثاق غليظاً وينفسخ بالطريقة التي أنعقد بها بغير عدة تعتدها المرأة لتراجع بعلها ويراجعها فيما عزم عليه من الطلاق { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً .} (الأحزاب 49).

أما إذا تماسا ثم طلقها من بعد فيختلف الأمر بحسب حالة المرأة من الحيض فإذا كانت من اللائي يئسن من المحيض أو اللائي لم يحضن فعدتها ثلاثة أشهر { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } (الطلاق 4).

وأما إذا كانت المرأة من اللائي يحضن فعدتها ثلاثة قروء { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (البقرة 228) وقد فرض الله في هذه الآية الكريمة أن تعلن المطلقة عما خلق الله في رحمها, لأن عدتها تختلف في هذه الحالة وتمتد حتى تضع ما في بطنها, وقروء كلمة في اللسان العربي لم ترد في القرآن الكريم بهذا التركيب إلا في آية واحدة هي هذه الآية الكريمة فظن فقهاء اللسان أنها عجاب فاختلفوا فيها اختلافاً شديداً بعضهم يقول إنها المحيض وبعضهم يقول بأنها الطهر منه وأبعاض يقولون بل الحيض والطهر معاً واستشهدوا في ذلك بما جاء في الشعر العربي دون أن يتفقوا فيما بينهم على أمر ثابت, ولذلك سنألوهم وشأنهم ونرجع إلى الله هو يقص الحق وهو خير الفاصلين, وقروء على وزن فعول مثل سرور من سر بتشديد الراء وإنما اختلف الفقهاء في فهم هذا التعبير البليغ لأنهم رأوا جميعاً أنه قد اشتق من قرأ بمعنى أنه بالحيض يقرأ الناس حالة المرأة, ثم تساءلوا إن كان هذا الاشتقاق صحيحاً فنسب إلى الأصمعي أنه قال (جاء هذا على غير قياس والقياس ثلاثة أقرؤ ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس إنما يقال ثلاثة أفلس فإذا كثرت فهي الفلوس ولا يقال ثلاثة رجال إنما هي ثلاثة أرجلة ولا يقال ثلاثة كلاب إنما هي ثلاثة أكلب) هكذا جاء في تاج العروس للإمام الزبيدى والله أعلم, ورجل آخر تحرج في ذلك وهو أبو حاتم فقال (في قول الله ثلاثة قروء أراد ثلاثة من القروء) هكذا جاء في لسان العرب والله أعلم بما ينسب بعضهم إلى بعض..

وليس صحيحاً أن كلمة قروء قد اشتقت من قرأ لأن الاسم منها مؤنث, وقد جاء قوله تعالى ) ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } وليس ثلاث قروء, والأرقام من ثلاثة إلى تسعة تختلف مع المعدود من حيث التذكير و التأنيث تقول ثلاثة رجال وثلاث نساء, فمتى قال الله تبارك وتعالى { ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} فمعنى هذا أن القروء مذكر وليس مؤنث وبالتالي فلا يمكن أن تكون قد اشتقت من قرأ تقول هذه قراءة وهذه قراءات ولو كانت قروء مشتقة من القراءة لاقتضى ذلك تذكير العدد.

ونرى أن قروء تعبير قد اشتق من قر مثل سر وضر بتشديد الراء فيها جميعاً, وقر قراراً بمعنى سكن سكوناً ومنها قوله تعالى { وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء } (الحج 5) وإذا تأملنا قوله تبارك وتعالى { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } (آل عمران 134) لأدركنا بيقين أن السراء هي حالة السرور وأن الضراء هي حالة الضرر, وعلى ذلك فإن القراء هو حال السكون وجمعها قروء, ويقول الإمام الزبيدى في تاج العروس (امرأة قرور أي تسكن لما يصنع بها لا ترد المقبل أو المراود وإذا ألحقت الناقة فهي مقر) امرأة قرور إذا سكنت وأسلمت لبعلها لا ترده عنها فهي في قروء فإذا اعتدت وجب أن تسكن لزوجها ثلاث مرات فالقروء ليس الحيض ولا الطهر منه وإنما هو سكون المرأة لزوجها في الطهر من الحيض إلى الحيض الآخر ثلاث مرات تراجعه ويراجع نفسه لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً, وإذا طلقها في طهر فلا يحتسب منه شيئ لأن العدة لقروء ثلاثة كاملة من الطهر من حيض إلى حيض الآخر لعموم النص وإطلاقه.

وما يزال الناس في حيرة من الأمر, وأن أحداً لا يصدق بإحساسه أن الله تبارك وتعالى قد شرع من الدين ما يأذن للرجل في الزواج من أربع دون قيد أو شرط, ولا نكاد نجد أحداً يصدق بضميره إن الله تبارك وتعالى قد رخص له الطلاق كما رخصه اليهود لأنفسهم يخربون بيوتهم وينقضون مواثيقهم الغليظة دون قيد أو شرط..

ولا ينقطع الجدل بين المسلمين حول هذين الأمرين كلما أرادوا أن يقيموا مجتمعاتهم على فطرة الله التى فطر الناس عليها من حفظ المرأة واحترام المواثيق, وجدوا من يقف غير بعيد يقول من فوق المنابر حذار فذلك شرع الله أيها الملحدون.. فيخاف الناس هذا الإرهاب ويرضون البشر بدلاً من كتاب ربهم.. فبئس للظالمين بدلاً. وترى الزوج يعطف على امرأته ويحترمها ولا تسول له نفسه مجرد التفكير في طلاقها أو الزواج عليها.. ومع ذلك فإنه لا يستطيع أن يوفر لها الأمن و الاطمئنان إلا إذا أمنت أنها لن تطلق إلا لعدتها وهي حصينة في بيتها, ولن يتزوج بعلها ثانية إلا ابتغاء وجه الله ومرضاته إذا خشى أن يقسط في يتامى أوجب الله عليه أن يقسط فيهم.

إن كتاب الله هو الحق وهو أحق أن يتبع..وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيظاً على الناس وما كان وكيلاً عليهم, وأولى للذين يزعمون لأنفسهم الوصاية على الناس في دين الله أن يقتدوا به في ذلك من قبل أن يتباكوا على سنته.

الرضاعة

تطلق المرأة المسلمة كما تطلق اليهودية فتخرج من بيتها لا تلوى على شئ.. فإذا كان لها طفل رضيع حملته معها ليخلو الرجل إلى نزقه ونزواته.. وعلى أطلال هذا البيت الخرب أقام الفقهاء نظرية الحضانة خلافاً لكلمات الله التي شرعها الله لعباده بالحق فجعلها بعضهم حقاً للحاضنة وجعلها أبعاض حقاً للمحضون وجعلها آخرون حقاً خالصاً لكل منهما.. واتفقوا بالإجماع على أن يضعوا عن الرجل إصره وميثاقه ليلهو بالأعراض كيف يشاء لا يقيم وزناً لميثاق ولا يعبأ بواجب الإيواء الذي فرضه الله عليه مادام سيلقى في حجر المرأة بدراهم معدودة لا تقيم بيتاً ولا تغنى من الضياع.

ليس في القرآن حاضن ومحضون.. بل الولد لأبيه لأن الأب هو الذي يقيم المأوى.. فإذا فقد الولد المأوى أصبح كاليتيم وإن ظل أبوه على قيد الحياة.. فإذا كان الولد رضيعاً فإن أمه لا تلتزم برضاعته إلا إذا قبل الرجل ما تشترطه الأم من أجر الرضاعة والقاضي لا يتدخل في هذه الحالة بل يترك الأمر ليتفق عليه الطرفان بالتراضي فيما بينهما. فإذا لم يتمكن القاضي من تسوية هذا الأمر, وتعاسر الزوجان في الوصول إلى اتفاق رضائي على الأجر الذي تطلبه الأم مقابل الرضاعة.. فليس للقاضي إلا أن يقضي بأن يحمل الرجل ولده ليبحث له عن مرضعة أخرى.. { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى .} (الطلاق 6).

فالرضاعة للرجل { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } (لطلاق 6) لكم في هذه الآية الكريمة ليست زائدة وليس في القرآن حرف واحد إلا لحكمة بالغة,ولذلك فإن الطفل لا يفقد المأوى في بيت أبيه إذا طلقت أمه بل هو لأبيه ولو كان رضيعاً.. { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ } فالأجر لا يفرض قضاء بل يتفق عليه بالتراضي بين الزوجين.. فإذا تعاسرا فلا تحمل الأم ولدها رغم أنفها مقابل أجر يحكم به القاضي, بل تتركه لأبيه ليبحث له عن مرضعة أخرى.

تغافل المسلمون بالإجماع عن هذا الحكم الذي أنزله الله في كتابه.. ولقد نرى منهم من يستهزئ بهذا الأمر فيقول.. كيف.. أتترك الأم طفلاً رضيعاً ..إن ذات الحسب لا تفعل ذلك.. ولكن العار أن نترك ديننا ونقتبس الأحكام من شرائع اليهود فذلك حكم الله أنزله علينا ليواجه الرجل مسؤولياته وليحمل أعباءه ولا يضيف إلى هذه الشراذم التي تتخذ هذا الكتاب مهجوراً مزيداً من المطلقات بغير الحق والمشردين بغير هدى.

وجاءتني امرأة يدين زوجها بدين المالكية.. كانت ما تزال في ريعان الشباب وكانت تحمل طفلين أحدهما رضيعاً.. طلقها زوجها في ساعة غضب (بالثلاثة) فبانت منه بينونة كبرى بزعم المالكية.. قلت لها يا بنيتي إنك لم تطلق إذن أبداً, فالطلاق لا يقع إلا إذا التزم زوجك بكلمة الطلاق في عدة تعتدينها في بيتك لا تخرجين منه ولا يخرجك منه أحد.. قالت ولكنهم لن يسمحوا لي بذلك.. قلت فاتركي له ولديك يتدبر أمرهما.. قالت وماذا يقول الناس عنى.. قلت هذا حقك الذي أثبته الله لك في كتابه, ولم يبق لك منه إلا أن ترفضي الرضاعة ولننظر ما وراء ذلك من الحكمة البالغة والموعظة الحسنة.. ففعلت.. وتحمل الرجل هذا الأمر على هون ثم لم يلبث أن جاءني نادماً على ما تورط فيه.. قال إنه يريد أن يصلح الأمر وليس بيده إلا أن يزوجها من ابن عمه الذي تعهد بأن يطلقها حتى تحل له دون أن يمسها بيده أو يراها بعينه.. قلت لو أن ما تتحايل عليه من شريعة الله لما أذنت لك فيه.. وعادت المرأة إلى بيتها وإلى ولديها.. وبلغ الرضيع سن الجامعة فتبارك الله رب العالمين.

{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (البقرة 233).

الأم ترضع ولدها حولين كاملين..وهي إنما ترضعه لأبيه إذا أراد ذلك { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فإذا لم يشأ الأب أن يتم الرضاعة فإن له ذلك, لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يضمن له المأوى قبل أي حق آخر.. وإنما حجب المسلمون عن أولادهم حق المأوى بما جاؤوا به من حقوق الحضانة على غير سند من الكتاب.. وينسب إلى أبي بكر أنه كان أول من جاء بنظرية الحضانة عندما نهى عمر بن الخطاب أن يأخذ ابنه من أم طلقها وقال ذلك القول الذي يؤثر عنه (ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له منك).. وما أظن أن صحابياً جليلاً يبتدع في دين الله بغير سلطان..فإذا أراد عمر أن يأوي ابنه إليه إن صحت الرواية فإن له ذلك, وما كان لأحد أن يمنع المأوى عن الأولاد بدعوى الحضانة.

والأب يلتزم برزق الأم وكسوتها بالمعروف { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } (البقرة 233) فإذا تراضوا على انفصال فلا جناح عليهما.. ولو إن ريح الأم ومسها خير للولد من مأوى أبيه لما أذن الله لهما في أن يتراضيا على الفصال قبل أن تنقضي مدة الرضاعة.. وإذا أراد الأب أن يسترضعها فلا جناح عليه إذا سلمها ما اتفق عليه بالمعروف.. وفي جميع الأحوال فإن الولد لأبيه ليحفظ له حقه في المأوى,ولا ترضع الأم ولدها إلا إذا أراد أبوه ورضى ما تشترطه الأم من أجر الرضاعة.. ذلك حكم الله أنزله عليكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون.. وصدق الله إذ يمن على رسوله r أول ما يمن به عليه أنه وجده يتيماً فآوى.

الإيلاء

{ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 226-227).

قيل في تفسير هذه الآية يؤلون من نسائهم أي يحلفون على ألا يجامعونهن, وهو قول مردود لأن الله قد فصل أحكام الحلف في آياته البينات تفصيلاً فقال وقوله الحق {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .} (المائدة 89) فإذا حلف الرجل ألا يقرب زوجه ولم يكن يحلف لغواً بل عقد الأيمان على ما حلف عليه فلا يقربها إلا بعد كفارة يمينه كما بينها الله تعالى في هذه الآية الكريمة من سورة المائدة. والآية مبينة بياناً وافياً بما اشتملت عليه من الأحكام وبقوله تعالى { فَإِنْ فَآؤُوا } (البقرة 226) والفئ هو الرجوع كما رأينا في قوله تعالى { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (الحجرات 9) أي ترجع إلى أمر الله, والرجوع هو عكس الترك وإنما يترك الإنسان الأمر ثم يرجع إليه, { يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ } (البقرة 226) أي يتركون أو يهجرون نساءهم وهؤلاء يتربصن أربعة أشهر فإن رجع إليهن بعولتهن فعسى الله أن يغفر لهم { فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 226-227). تفرض هذه الآية الكريمة الأحكام الواجبة التطبيق في حالة ما إذا هجر الرجل زوجه أو تركها أو أهمل شأنها أو لم يقم نحوها بما تقتضيه واجبات المعاشرة الزوجية بالمعروف بحسب طاقة كل رجل من وسعه ومما آتاه الله من فضله, فتتربص المرأة أربعة أشهر في هذه الحالة { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } (البقرة 226) فإذا رجع إليها خلال هذه العدة فعسى الله أن يغفر له { فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (البقرة 226) وإذا اكتملت العدة دون أن يرجع الرجل إلى زوجه وأراد أحدهما الطلاق كان له ذلك بناء على طلبه { وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 227) وبذلك فإنه يرخص للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا هجرها مدة تزيد على أربعة أشهر بحكم يصدره القاضي إذا قامت البينة على ذلك, وإذا رضيت منه الهجر ولم تطلب ما خولها ربها من الطلاق كان لها ذلك لأن الأمر مشروط بما تعزم عليه { وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ } إن في هذه الآية الكريمة هي (إن) الشرطية والشرط هو العزم على الطلاق وجوابه إذا ثبت الهجر مدة تزيد على أربعة أشهر أن يصدر ولى الأمر حكمه بالطلاق.

وواضح من قوله تبارك وتعالى { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ } (البقرة 226) إن الهجر الذي يرخص للمرأة في الطلاق هو ما كان متعمداً بفعل الزوج الذي يأل { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ } وليس للذين أحيط بهم بسبب الأسر أو انقطاع المواصلات أو السفر البعيد مثلاً, فلا يكفى مجرد الترك في تطبيق أحكام هذه الآية الكريمة بل يجب أن تقوم البينة على أنه إنما تركها عامداً وبقصد هجرها وليس بسبب عذر أحيط به أو اضطرته الظروف إليه أو اقتضته أعماله وأحوال معيشته.

الطلاق مرتان

{ الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .‏ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (البقرة 229-230).

رأينا أن العدة ركن من أركان الطلاق لا يتم إلا به, فإذا قال الرجل لزوجه أنت طالق أو غير ذلك من الأقوال فإنه لا يعدو أن يكون قولاً يبدأ به ميقات من مواقيت الله التي أمر بها. فإذا اكتملت العدة وتم الميقات فإنه يحق للرجل حينئذ أن يمسك أو يرسل أما قبل ذلك فلا ينبغي له أن يرسل في الميقات ما أمسك الله عليه, ولا يحل له في الميقات أن يخرجها من بيتها كما لا يحل لها أن تخرج من بيتها حتى يتم الميقات.

وإذا رجع الرجل عن قوله في الميقات فقد رجع إليها وهي ما تزال زوجه وقبل أن تطلق عليه بانقضاء الميقات فلا يحسب عليه طلاق ولو تكرر ذلك ألف مرة. الرجل قد يتشاجر مع زوجه وقد يطردها من بيته ولا يحسب عليه طلاق, وقد تختلف هي معه وتهجر بيتها زمناً قد يطول وقد يقصر ثم تعود إليه, بل إنه يهجر زوجه ويترك داره مغاضباً شهراً وشهرين كما رأينا من الذين يؤلون من نسائهم ولم يقل أحد من الفقهاء أنه طلق زوجه, فلماذا يؤخذ عليه هذا القول وهو لا يخرج من فم الرجل حين يخرج إلا وهو في غاية الضيق والحرج.

من أجل هذا اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يمسك على الرجل زوجه حتى تهدأ نفسه ويطمئن قلبه شهراً بعد شهر في ميقاته الكريم هي تراجعه وهو يراجع نفسه حتى ينقضي هذا الميقات بتمامه, فإذا فاء إليها فقد أفاء إليه زوجاً قد أدخرها الله له برحمته, وإذا انقضى الميقات وهو ما يزال معرضاً عنها فهناك يحاسب على قوله وتطلق زوجه وتحسب الطلقة عليه.

وإذا طلقها ثم عاد وتزوجها مرة ثانية بعقد جديد ثم عاد وطلقها مرة أخرى فإنه يبدأ بهذا الطلاق ميقات جديد تماماً كالميقات الذي كان له أول مرة ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء حسب الأحوال, فإذا انقضت العدة فلم يمسكها حين انقضائها احتسبت عليه طلقتان ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

الله تبارك وتعالى قد بين أحكام الطلاق وقال وقوله الحق { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ } (البقرة 229) وما كان مرتين معدودتين فلا يمكن أن يكون ثلاثة, وقوله تبارك وتعالى { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } (البقرة 229) ليس طلقة ثالثة, وإنما هو حكم الله أنزله تفريعاً على طلقتين بالغتى الميقات. ولو أراد الله بذلك طلقة ثالثة لكان قد بينها كما بين غيرها مما يجمع في العدد كقوله تبارك وتعالى { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } (البقرة 196) وكقوله تبارك وتعالى { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } (الأعراف 142). فإن طلقها طبقاً لأحكام الله البينات بقول بالغ الميقات مرتين { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } (البقرة 230) من بعد ماذا؟ من بعد المرتين, عطفاً وتفريعاً على حكمها {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} (البقرة 229) لا ثالث لهما في القول الفصل تنزيل من حكيم حميد أتقن كل شيء وفصل كل شئ, ولا تحل له من بعد الطلقتين حتى تنكح زوجاً غيره. ولو أراد الله بهذا العطف طلقة ثالثة, لكان قد اتبع ذلك بقوله تلك ثلاث طلقات, كما فعل سبحانه وتعالى في آية الصيام كفارة في الحج, وكما فعل سبحانه وتعالى في بيان ميقات موسى, وما كان ربك ليترك عباده ليختلفوا في دينهم, فأنزل آياته تبياناً لكل شئ وأحكمها من لدنه ثم فصلها لعباده تفصيلاً ولكن الإنسان كان أكثر شئ جدلاً.

ومن العطف في القرآن آيات بينات تدل دلالة قاطعة على أن القرآن من عند الله لا مبدل لكلماته ولا اختلاف فيه؛ من ذلك قوله تعالى { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ } (البقرة 177) { وَالصَّابِرِينَ } منصوب على التخصيص لفعل محذوف تقديره (أخص) والمعنى أخص الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس تخصيصاً، وإعرابه مفعول به منصوب، والجملة الفعلية في محل رفع معطوف على {وَالْمُوفُونَ} (البقرة 177). ومثال آخر في حديثه سبحانه وتعالى عن جنات الآخرة {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} (الزخرف 73) وجنات الدنيا { لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ .} (المؤمنون 19) لم تظهر واو العطف في جنات الآخرة لأنها بطبيعتها ليست لأي شئ إلا للأكل، بينما ظهرت واو العطف في جنات الدنيا لتفيد العطف على محذوف تقديره (منها تعصرون وتخزنون وتبيعون وغير ذلك) ومنها تأكلون.

{ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } (الشورى 13) ويلاحظ أن (ما) وهي اسم موصول قد وردت بشأن ما وصى به الله نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، وهي رسالات نسيت أو حرفت أو لم يعد منها من شئ مذكور إلا بقدر ما أرشد إليه القرآن، أما (الذي) وهي اسم موصول كذلك فقد وردت في شأن رسالة خاتم النبيين عليهم السلام، لأنها رسالة باقية محفوظة بأمر الله لا اختلاف فيها ولا مبدل لها مع أنها في مساق الآية معطوف بعضها على بعض.

وغنى عن البيان أنه لا سبيل إلى توثيق طلاق رجل على نحو ما سلف بيانه المرة بعد الأخرى إلا أمام القضاء وبإجراءات قضائية ثابتة, بل إن ظاهر الآية يدل على أن الطلاق أمر موكول إلى النبي بوصفه نبياً وبما له من الولاية العامة القضائية وغيرها, فلقد جاء الخطاب بأحكام الطلاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } ولم يرد الخطاب كما ورد في آيات كثيرة أخرى إلى المؤمنين بقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا } أو إلى الناس { يَا أَيُّهَا النَّاسُ }.

وتستطيع المرأة أن تطلق زوجها, بل إن لها هذا الحق بإجراءات أخف من تلك التي فرضت على الرجل مراعاة لضعفها الطبيعي في مواجهته عملاً بقوله تعالى { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } (البقرة 229) وحدود الله في الزواج معروفة وهي القوامة للرجل والطاعة على المرأة والمودة والرحمة والسكن فيما بينهما, ويكفي أن تأتي المرأة إلى مجلس القضاء لتقول أنها لا تقبل قوامة زوجها ولا تستطيع أن تلتزم بطاعته ولا أن تحفظ له مودة أو رحمة أو سكنا ليطلقها القاضي على فور إذا تنازلت عن حقوقها في ذمته المالية.

ولا يخالف أحد من الفقهاء عن هذا الرأي وإن اختلفوا في تسميته؛ فمنهم من يراه طلاقاً ومنهم من يسميه خلعاً أو فرقة, وقد أثبت إبن كثير في تفسيره, دار الأندلس , الطبعة الثانية 1980, المجلد الأول, الصفحة 490, إنه ليس للمخالع أن يرجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء لأنها ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء وعملاً بهذه الآية الكريمة فإن (الافتداء) حق ثابت من حقوق المرأة, وهو يرجع إلى مطلق تقديرها لا ينازعها فيه أحد. فإذا تبين القاضي إن الزواج بحسب ما آل إليه الأمر فيما بين الزوجين لم يعد كفيلاً بإقامة حدود الله, فحدود الله أحق برعايتها ويجب عليه أن يطلقها من فوره. وقد ثبت ضعف الأحاديث التي تشين المرأة المفتدية, فقد أورد ابن كثير في تفسيره, المرجع السابق صفحة 484, ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المختلعات هن المنافقات) ثم علق عليه بقول الترمذي: (غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوى).وأما البيضاوي في تفسيره فإنه يحسم الأمر بقوله: (فإن خفتم أيها الحكام ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به على الرجل في أخذ ما افتدت به نفسها).

ولقد حسم المشرع المصري هذا الأمر بالقانون الصادر بإجازة الافتداء وفق ما شرعه الله لعباده المؤمنين, فلم يعارضه إلا المتطرفون من الرجال وبعض المتخرجات من النساء في الأزهر, رغم أن شيخ الأزهر قد ذهب بنفسه إلى مجلس الشعب ليبين لهم إن هذا القانون يتفق مع حكم الله الذي أنزله الله على رسوله بالقرآن, وما عارضه معارض منهم إلا بمقولة إن الآية تشترط موافقة الرجل بقوله سبحانه وتعالى عما يقولون { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } (البقرة 229) معاً.

وهذا الرأي يعصف بهذه الآية الكريمة, ولا يجعل لها حكماً إلا بموافقة الرجل, ويصبح الإفتداء بهذا الرأي الذي يقولون استجداءً إن شاء رفضه الرجل أو إن شاء قبله, وهذا من قبيل حمل الآيات على غير محاملها, والإعراض عن إتباع أحسن وجوهها عسفاً وظلماًَ. والافتداء هو طلاق المرأة مقابل التنازل عن مالها في ذمة الرجل, أي أخذ وعطاء كما في قوله تعالى { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ } (النساء 24) الجناح ليس مرفوعاً عن الافتداء في ذاته, وإنما هو مرفوع عما تفتدي به المرأة نفسها من حرج يوشك أن ينهار بها في الاعتداء على حدود الله { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } (البقرة 229) لا جناح على المرأة ولا جناح على الرجل { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أي في هذا المال الذي تفتدي به أخذاً وعطاء, أي إنه لا جناح على المرأة أن تفتدي نفسها من رجل لا تستطيع أن تقيم معه على حدود الله, ولا جناح على الرجل أن يأكل { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } من مالها.

الظهـار

{ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.} (الأحزاب 4).

) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (المجادلة 2، 4).

هذا رجل لم يكتف بأن يقول لزوجه أنت طالق بل قال منكراً من القول وزوراً قال لزوجه أنت محرمة على كما حرمت على أمي, منكر من القول وزورٌ لا ريب فيه ولكن ما هو الأثر الذي يترتب على هذا المنكر وهذا الزور عدا ما ارتكبه من الإثم الموجب للكفارة, هل ثم أثر على الزواج هل تخرج الزوج من بيتها, هل تطلق عليه, إن هذا الذي فعله الرجل يسميه الفقهاء ظهاراً ولا يرتبون عليه أي أثر عدا الكفارة التي فرضها الله عليه ولكنهم يقولون كان هذا الظهار شائعاً في الجاهلية وقد حرمه الإسلام وفرض له هذه العقوبة أياً ما كان الأمر فإن الله سبحانه قد اعتبر هذا اللغو إثماً لا يرتب من أثر إلا التكفير عنه, ومن باب أولى إذا قال الرجل لزوجه أنت طالق وهو قول ولا شك أهون من أن يقول لها أنت محرم على كما حرمت على أمي, أي القولين لا يقع به طلاق إلا إذا قصد منه الزوج فسخ عقد الزواج بالطلاق كما شرعه الله له, فإذا عزم الطلاق تربصت زوجه ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر حسب الأحوال فإذا رجع عن قوله فبل انقضاء العدة فقد رجع إلى زوجه وهي ما تزال زوجاً فلا يحسب عليه شئ أما إذا انقضت العدة بأن جاء اليوم الأخير من القروء الثلاثة أو كانت الليلة الأخيرة من الشهر الثالث وسرحها فتلك طلقة محسوبة عليه, فإذا كانت هي الطلقة الثانية بينهما طبقاً لهذه الأحكام البينات فإنها لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.

والظهار في حقيقته كإثم يستوجب التكفير عنه ليس كما يقولون أمراً كان شائعاً في الجاهلية ثم عفي عنه الدهر بعد الإسلام, بل هو كل عمل يقصد منه الرجل إلى تجاوز حدود الله بتحريم امرأة أخذت من بعلها بأمر الله ميثاقاً غليظاً,المرأة التي نكحها بعلها وأفضى إليها لا تحرم عليه كما حرمت عليه أمه, بل تطلق لعدة معدودة فإذا انقضت هذه العدة دون أن يفضى إليها كان له أن ينكحها بعقد جديد, فإن طلقها مرة ثانية طلقها لعدة أخرى فإذا انقضت عدتها فإنها لا تصبح محرمة عليه كما حرمت عليه أمه, إذ يكون له أن يعود إليها إذا نكحت غيره نكاحاً جاداً وطلقت منه طلاقاً جاداً بالغ العدة. فإذا أراد حكماً غير ما شرعه الله فقد تورط في الإثم, فإذا كان هذا الحكم هو التحريم القاطع -بما يسميه الفقهاء الظهار- فهذا بحسب ما أجمعوا عليه يستوجب الكفارة ولا يستوجب غير ذلك ولا يقع به الطلاق, ونتفق معهم في هذا الذي أجمعوا عليه ونتساءل كيف لا يرتبون عليه طلاقاً ويرتبون الطلاق على أدنى من ذلك من القول.

وكذلك فلنتدبر قوله تعالى في آية الذين يؤلون من نسائهم { وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ } (البقرة 227) لنصل إلى دلالة ما كان ينبغى أن تغيب عن أولى الألباب,إن الطلاق لا يقع إلا بالعزم عليه وليس بمجرد القول,فإن عزموا الطلاق{ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 227) يسمع ما يقولون ويعلم ما في قلوبهم . { تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ } (الأحزاب 51) يقول البيضاوي في تفسيره : (ترجى من تشاء منهن تؤخرها وتترك مضجعها وتؤوى إليك من تشاء تضم إليك من تشاء وتضجعها).

ويستنبط من ذلك أن تعدد الأزواج سواء بملك اليمين أو للقسط في اليتامى , إنما يكون إيواءً,وذلك كما يبين في قوله تعالى { تؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَاء } (الأحزاب 51) وإن هذا الإيواء لا يفرض لمن تؤوى حقوقاً ثابتة كالتي فرضت للأزواج,بل إن له أن يرجى منهن من يشاء. ذلك بان القصد من النكاح في الحالين إيواء من لا مأوى لهن من النساء واليتامى, وليس كما نجده عند ابن كثير- مع الأسف الشديد- لمجرد الهوى إذ ينسب إلى إحدى أمهات المؤمنين في تفسيره بغير الحق إنها قالت- وحاشا لله أن تقول في هذه الآية الكريمة:(إني أرى ربك يسارع لك في هواك).

فانظر كيف يؤول المفسرون آيات الله البينات وكيف يكذبون على أمهات المؤمنين اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الأخرة من دون الحياة الدنيا وزينتها,ثم انظر في حكمة الله لَمَّا فرض على رسوله أن يؤوى إليه في اليتامى وبملك اليمين فقد علم إنه ما يزال بشراَ لا يقدر على أن يقسط في مضاجعتهن كما يقسط في زوجه فيسَر عليه فعل الخير تيسيراً.

{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } (الممتحنة 4) ذكر إبراهيم عليه السلام باسمه في هذه الآية الكريمة, لأننا لا نعلم من أمره إلا بقدر ما أنزل إلينا في كتاب ربنا, فلما أكمل الله الدين وأتم نعمته على عباده المؤمنين بالقرآن فقد جاءت الأسوة الحسنة في رسول الله بصفته { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (الأحزاب 21) ذلك بأن الأمر من بعده عليه السلام لم يعد موقفاً خاصاً أو سيرة محمودة كما كان للصالحين من قبله, بل إن الأمر من بعده قد أصبح رسالة ومنهاجاً تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شئ وهدى ورحمة للمؤمنين.

وسوف نلاحظ ذلك في الآيات كلما ذكر بهذه الصفة, كما في قوله تعالى { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } (البقرة 143) من يتبعه في رسالته ومنهاجه وليس في القبلة التي كان عليها, وأبدله الله الذي له المشرق والمغرب قبلة يرضاها. وكما في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة 67) فهو عليه السلام رسول بما يبلغ عن ربه, فإذا لم يفعل فما بلغ رسالة وما كان رسولاً.

فإذا كان الأمر يتجاوز الرسالة بما يتفضل الله به عليه من نعمته, فإن الخطاب يتنزل بصفته نبياً بما يتلقى من ربه من الأنباء والفضل { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً .} (الأحزاب 45) { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } (الأحزاب 56) { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } (الأحزاب 6).

وترى أن وصفه عليه السلام بأنه { عَبْدُ اللَّهِ } هو من الألقاب السامية التي يشرف بها الأنبياء والصالحون في الكتاب شرفاً عظيماً, ويرد الخطاب بهذه الصفة عندما يكبر في ميزان الله ما كان يصنع به الكافرون وهو نبي الله ورسوله { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً .} (الجن 19).

فإذا كان الخطاب متعلقاً بموقف خاص بالرسول عليه السلام وبصفته الشخصية فإنه يتنزل باسمه { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } (الأحزاب 40) { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً } (الفتح 29).

أما { طه . } (طه 1) و{ يس. } (يس 1) فإنها من الحروف التي تبدأ بها بعض السور, كما تبدأ البقرة بقوله تعالى { الم . }إشارة إلى أن هذا القرآن بلسان منها, ولكن هيهات أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا عليه.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home