Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Saturday, 15 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (4)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

وينطلق البصر بالرؤية الصادقة والمشاهدة الواعية فيرى الخير كما يراه الله خيراً ويرى الشر كما يراه الله شراً في كل مواقع الحياة .. ويجد في كل موقع من هذه المواقع تجربة صادقة وحكماً موزوناً بموازين القسط من عند الله سبحانه وتعالى .. وهو يرتقي بهذه الرؤية الصادقة وبتلك المشاهدة الواعية طبقاً عن طبق، حتى يرى بنظره الثاقب ما لا يراه أحد إلا الله فيسجد ويقترب ويُكتب عند الله مؤمناً مصدقاً لا يزيغ له بصر ولا يطغى .. إنه المؤمن الذي يرى أن الله خلق السماوات والأرض بالحق : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ .} (إبراهيم 19، 20). وهو المؤمن الذي يرى أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (المجادلة 7). وهو المؤمن الذي لا يسجد إلا لله ويرى أن كل شيء يسجد معه بين يديه يراه رأي العين ويحسه بقلبه فيزداد بذلك إيماناً ويزداد قلبة خشوعاً لله وحده الملك الحق : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .} (الحج 18). إنه يسجد بين يديه كريماً ويرى بنظره الثاقب أن الذين حق عليهم العذاب يسجدون هواناً .. يراهم وقد نكس الله رؤوسهم بخزي أو ذل أو قهر أو اخضع هاماتهم مشردين بحرب أو وباء أو زلزال .. أما الذين يسجدون لله طائعين من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فأولئك لهم الأمن في الحياة الدنيا ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ .} (الأنعام 82)، وأصحاب الفيل قوم ركبوا أشد الدواب بأساً على الأرض يريدون كيداً .. وينسون أن الذين كفروا هم المكيدون مهما بلغت قوتهم واشتدت حصونهم .. ومع ذلك فإنهم يجربون ركوب الأفيال للكيد جيلاً بعد جيل ويطورونها طوراً بعد طور حتى جعلوا لأنفسهم أفيالاً من حديد تقذف اللهب من بعيد .. فأما الذين لا يعلمون القرآن فيظنون أنها مكيدة موقوتة بزمانها ومكانها لما جاؤوا إلى الكعبة بأفيالهم فردهم الله عنها بطير أبابيل تعصف بهم عصفاً بحجارة من سجيل .. وأما الذين يقرأون الكتاب على أعين الله فيرونها آية باقيةً، لأنهم يرون أن ربك لبالمرصاد وأنه ليهلكن الظالمين.. فينظرون إلى ما حولهم من الجند فيرون أن صاحب الخيل منتصر بالحق ولو ركب الذين يريدون الكيد أفيالاً.. إنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ . تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ . فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ . } (الفيل).

ويحدثنا الله سبحانه وتعالى أنه ينبغي لنا أن نعلم الكتاب علم اليقين، وأننا إذا بلغنا هذه الدرجة فسوف نرى كل غيب علمه الله لنا رأي العين.. حتى لنرى نهاية المكذبين من قبل أن نراها في الآخرة : { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر . كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.‏ } (التكاثر)، فهذه السورة الكريمة تفرق بين الذين يعلمون مجرد العلم، وبين الذين يعلمون الكتاب علم اليقين.. فأما الذين أيقنت قلوبهم فأولئك لهم فراسة المؤمن وأولئك يرون بأعين الله فلا يزيغ بصرهم ولا يطغى حتى ليرون الجحيم رأي العين ويرون الذين يصطرخون فيها عين اليقين.

هذه هي رحلة المؤمن المباركة في كتاب الله.. من الظل إلى الجحيم وهو لا يرى لمجرد الرؤية.. بل يرى عين اليقين..

الظل.. لا يلتفت إليه لمجرد أنه شيء موجود.. بل هو ينظر في دليل وجوده فترتبط الأشياء في ذهنه بأدلة وجودها.. ويتدرب قلبه على ذلك فلا يرى من بعد ذلك من شيء إلا باحثاً عن دليل وجوده.. وكذلك ترتبط في فؤاده هذه الحقيقة فلا يسعى إلى شيء حتى تتوافر له مقومات وجوده.. وبذلك لا يعيش الأوهام بل يرتبط بالحقائق، فلا يرى شيئاً في الوجود حتى يمد بصره إلى دليل وجوده وكذلك لا يسعى إلى تحقيق شيء في الوجود حتى يستيقن من توافر أدلة وجوده.. ومن وراء هذه الحقائق ستدمغه الحقيقة الكبرى.. فهذا الظل يمتد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يمكث ساكناً ويرى أن الشمس دليل على هذه الحركة الدائبة.. فإذا أراد ظلاً فإنه يقف تحت الشمس ليجد ظله، فما فوق هذه الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى الذي جعل الشمس من فوقه ومن فوق كل ظل.. فيعلم أن كل شيء يرتبط في النهاية بأمر الله، فلا يسعى إلى شيء حتى يرى دليل وجوده رأي العين ويؤمن أن الدليل بيد الله وحده وأنه سبحانه هو وحده القادر على وجوده وعلى زواله على سواء.. وأنه بقدر الدليل يكون العطاء.. فإذا أراد الإنسان ظلاً فليس عليه إلا أن يقف تحت الشمس، هنالك سيجد نفسه عاجزاً عن أن يجد له ظلاً في مكان غير المكان الذي أراده الله فإذا كان عن يمينه فلن يأتي به عن شماله إلا بإذن الله وإذا كان من بين يديه فلن يأتي به من خلفه إلا بإذن الله، وكذلك فإنه سيجد نفسه عاجزاً تماماً عن أن يجد له ظلاً أطول أو أقصر من الذي يراه إلا بإذن الله.. فيرسخ في فؤاده الإيمان بأن كل شيء عند الله بمقدار.. فقد تفرح نفسه بما أوتي من ظلال الحياة الدنيا ولا تيأس نفسه على ما غاب عنه من ظلالها..

وسبحان الله كم نجد في سطر واحد من هذا القرآن : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً .} ، وسبحان الله هو الذي يقبض ويبسط وكل شيء عنده بمقدار.

وينطلق المؤمن في رحلته المباركة من الظل.. إلى الماء والخضرة.. إلى أعماق الإنسان.. مروراً بالأرض وما يخرج منها والسماء وما يعرج فيها.. ويستوي عنده الغيب والشهادة وكأنما شهد البعث واطلع الجحيم.. هنالك تتبدد الظلمات وينتشر النور، وتصفو نفسه على الفطرة التي فطر الله الناس عليها ويرقى فوق زخرف الحياة الدنيا ويرى الشيء لا يراه إلا كما يراه الله.. إن كان صغيراً لا يكبر في نظره أبداً.. وإن كان كبيراً فإنه لا يهون عليه أبداً.. وإن كان خيراً فلن يرى فيه أي شر، وإن كان شراً فلن يرى فيه أي خير.

لم يكن عجباً أن يرى يوسف عليه السلام الخير في السجن، إذا كان البديل هو الباب الذي فتحته امرأة العزيز إلى الجحيم.. ولم يكن عجباً أن يتل إبراهيم ابنه عليهما السلام إلى الجبين ليذبحه، إذا كان البديل هو أن يعصى لله أمراً أوحى إليه.. إن هؤلاء يرون الأشياء بأعين الله فلا يختلط عندهم الخير بالشر ولا يلتبس عليهم الحق بالباطل، بل اسلموا وجوههم إلى الله وكانوا أشد حباً لله فلا يحبون شيئاً إلا إذا أحبه الله ولا يكرهون شيئاً إلا إذا كرهه الله.. فلذلك أحبهم الله فجعل ليوسف العزة في الأرض وجعل إبراهيم للناس إماماً..

وكما أن للحق رجالاً وللباطل رجال.. فإن للحق علماً وأن للباطل لعلوماً.. وإنما يتميز الحق بعلم الله يدحض به الباطل.. ويبين الحق بالكتاب لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملجأ { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ .} (البقرة 101-103).

نرى في هذه الآيات رجالاً ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم وهو العلم بالحق على قلب رسول كريم بالحق، فلا يتبعونه بل يتبعون ما تهوى أنفسهم مما تتلوه الشياطين أو يعلمه غير الشياطين فتنة للناس.. الحق في اتباع الكتاب الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق، فإذا نبذ هذا الكتاب فذلك هو الباطل سواء اتبع الذين ينبذونه وراء ظهورهم ما تتلوه الشياطين أو ينسبونه إلى الملائكة على سواء.

كان سليمان نبياً صالحاً حكم الناس وحكم الشياطين بالحق.. وتدل هذه الآيات الكريمة على أن الناس كانوا يتعلمون في ملكه مما تتلوه الشياطين من السحر فيفتنون به وينبذون آيات الله والحكمة في ملكه.. وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا.. وأما بابل فمملكة معروفة في التاريخ القديم، وأما هاروت وماروت فهما اسمان علمان لهذين الملكين لورودهما في هذه الآية ممتنعين من الصرف.

ونحن نعلم أن الملك سليمان كان على العلم والإيمان والحق، وأن ملك بابل كان على غير ذلك وكذلك يضرب الله الحق والباطل. فبين الله سبحانه وتعالى أنه ليس ثَمَّ ما يمنع الشياطين أن تتلو كفرها في ملك صالح، وليس ثَم ما يمنع الملائكة أن تعلم ما أنزل عليها في ملك غير صالح.. وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.. ولكن المؤمن الذي حصنه الله بالكتاب لا يلتبس عليه الحق بالباطل، فلا يرى ما تتلوه الشياطين في المملكة الصالحة صالحاً، ولا يجد فيما تُعَلِّمه الملائكة في المملكة الباطلة باطلاً.. وإنما تصبغ بالمكان الذي توجد فيه نفوس الذين ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.. فيرون كل ما يتلى عليهم في المساجد صالحاً ولو كانت كالمسجد الذي اتخذه أعداء الله ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، ويرون كل ما يتلى عليهم في غير هذه المساجد وبعيداً عن منابرها وهيبة رجالها هو الباطل.. أما الذين لا ينبذون الكتاب وراء ظهورهم ويُمسِّكون به، فإنهم يقيسون هذا وذاك بما جاءهم من العلم في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } فما استقام مع الكتاب فهو الحق وما تنافر معه فهو الباطل..

أنزل الله كتبه على الناس بعلمه سبحانه وتعالى ليتبع الناس الهدى ولا يضلوا في الأرض، وما تزال هذه الكتب ترشد إلى الحق لتدحض به الباطل وتدعو إلى الخير وإلى مغفرة من الله ورضوان.. ورأينا أن البشر قد تشابهت قلوبهم، فلما استحفظ أهل التوراة على الكتاب أضاعوه واختلفوا من بعده، فابتلى البشر للمرة الثانية والأخيرة بما استحفظوا من الإنجيل فأضاعوه كما أضاعوا التوراة واختلف الناس من بعده وتفرقوا فجاء القرآن ليحفظه الله من عبث البشر أبد الدهر فقضى سبحانه وتعالى أمراً كان مفعولاً { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } فبقى القرآن محفوظاً بكلمات الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مفصلاً بعلم الله سبحانه وتعالى ومفسراً بآياته وميسراً للذكر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

فهل اعتصم الناس بهذه القلعة الحصينة التي لا تنال منها الأيام ولا الأحداث فلم يختلفوا ولم يتفرقوا.. كلا بل اختلفوا وتفرقوا ولم يكتفوا بذلك كما اكتفى الأولون بل زادوا عليه بدعة جديدة بقولهم إن اختلافنا رحمة وإن تفرقنا هو الهدى.

إن الذين اختلفوا من قبل لم يختلفوا إلا من بعد إسلامهم ولم يتفرقوا إلا من بعد ما أوتوا الكتاب مفصلاً وميسراً للذكر بعلم الله سبحانه {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ . فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . } (آل عمران 18-20). هذا هو الدين بعلم الله سبحانه وتعالى كما فصله للناس بكتبه وبرسالاته.. يعلمه الله الناس بعلمه ثم يختلفون فيه من بعده ويتفرقون عليه بغياً بينهم وتدل هذه الآيات البينات على أنه لا علم إلا بعلم الله.. وأن الله أنزل كتبه بعلمه سبحانه وتعالى ليسلم الناس وليتحروا الرشد في القول والعمل حتى يلقوا ربهم في مشهد يوم عظيم.. وإن الناس دأبت على الاختلاف في الدين والتفرق عليه كلما جاءهم العلم من ربهم ليسلموا ويعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا.. ولكنهم برغم كل ذلك يختلفون في الدين ويتفرقون عليه. ولا سبيل للمؤمنين على هذا الذي دأب البشر عليه من الاختلاف والتفرق كلما جاءهم العلم من ربهم إلا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يدعو إلى دين الله بما جاءه من العلم في الكتاب.. ويستقيم بما أمر به من كتاب ربه.. ويعرض عن الذين اختلفوا في الدين وتفرقوا فيه ولا يتبع أهواءهم { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ . وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ. فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (الشورى 13-15).

ذلك دأب البشر من عهد نوح عليه السلام.. يأتيهم العلم من ربهم فيضيعوه ويختلفوا من بعده ويتفرقوا.. ثم يأتيهم العلم من ربهم فلا يتفقون إلا على إضاعة العلم مرة بعد مرة ثم يختلفون ويتفرقون ثم يختلفون ويتفرقون حتى أصبحوا يقولون إن اختلافنا هو الرحمة وإن تفرقنا هو الهدى.. ونجد أن الله سبحانه وتعالى قد فضل بني إسرائيل على العالمين وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ورزقهم من الطيبات.. وكان أولى لهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ويعتصموا بكتبه وبرسالاته ولا يختلفوا من بعدها أبداً ولا يتفرقوا.. ولكنهم رغم كل ذلك اختلفوا وتفرقوا.. وإن الله يريد أن يضرب بهم الأمثال.. فهذا شعب اصطفاه الله من ذرية أنبيائه وصفوة خلقه وفضلهم على العالمين ورزقهم من الطيبات وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة.. ولكنه دأب بني آدم في الأرض يأتيهم العلم من ربهم فلا يحفظونه ثم يختلفون فيه من بعد ويتفرقون عليه.. فماذا بعد بني إسرائيل من الفضل.. { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ . هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ . } (الجاثية 16-20).

ورغم أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ القرآن من الضياع ومن العبث بكلماته كما أنزلها الله على قلب رسوله بالحق، فقد علم سبحانه وتعالى أن القوم سيتخذونه كتاباً مهجوراً.. وأنهم سيستبدلون به علماً ينسبونه إلى الأنبياء تارة وإلى الصالحين تارة أخرى ليختلفوا ويتفرقوا طوائف وشيعاً كل حزب بما لديهم فرحون { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً . }.

وإنما دأب الناس على أن يضلوا عن العلم الذي جاءهم من ربهم بالهوى { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى . } (النجم 23). وأول ما ينبغي لمن أسلم وجهه إلى الله أن يتجرد من الهوى.. فالذين يتجردون من الهوى لهم قلوب تتلقى الوحي من ربها فتؤمن به وتتعلم العلم خالصاً من لدنه ثم تعمل به ولا تعدل عنه بكنوز الأرض ومن عليها من العالمين جميعاً { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً .} (النساء 135). وبين الله لعباده أن بني إسرائيل كانوا يضلون عن الهدى برغم ما أتاهم الله من العلم والفضل باتباع الهوى.. وأنهم كانوا يتبعون الهوى استكباراً في الأرض حتى سولت لهم أنفسهم أن يكذبوا بآيات ربهم ويقتلوا أنبياء الله { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }(البقرة 87) هؤلاء قوم أتاهم الله من الفضل ما لم يؤتِ أحداً من العالمين واصطفاهم على علم وأخذ منهم أغلظ المواثيق، ولكنهم اتبعوا الهوى وأصبحوا لا يرون بأعين الله بل بأعينهم القاصرة وأنفسهم الأمّارة بالسوء { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ . وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (المائدة 70، 71).

فماذا بعد بني إسرائيل.. إن هؤلاء مثل للعالمين على أنه وإن يكن الناس من ذرية الأنبياء ومن صفوة الخلق علماً ونسباً وفضلاً، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً إذا ضلوا في الأرض واتبعوا الهوى { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ . فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ . ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ .} (يونس 101-103).

ومع ذلك فإنك تجد قوماً يقولون إن هؤلاء من ذرية نبي من الصالحين وهم أحق بالطاعة وأولى بالملك.. نجد ذلك في زماننا هذا وبعد ما لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل رغم ما أوتوا من العلم والنسب والفضل { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ . كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (المائدة 78، 79) ونجد في القرآن حديثاً عن بني إسرائيل كما نجد حديثاً آخر عن اليهود.. ولا ينبغي أن يلتبس الأمر على أولي الألباب الذين يتدبرون القرآن.. فإذا ذكر بنو إسرائيل في الكتاب فذلك للدلالة على نسل يعقوب عليه السلام منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ومنهم اليهود ومنهم النصارى أو الذين أسلموا.. أما إذا ذكر اليهود فذلك للدلالة على أهل الملة اليهودية ممن يتبعون الهوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم..

إن الله سبحانه وتعالى قد حرر الفكر الإنساني من كل مظاهر السيطرة والاستبداد وحرره من اتباع الملائكة أو الشياطين وحرره من الخضوع للسادة ومن طاعة الكبراء وحرره حتى من نفسه فلم يجعل لهواه سلطاناً عليه.. وأمره ألا يتبع من العلم إلا ما جاءه من ربه، وأغناه بعلمه عن العالمين جميعاً من كان منهم ذو فضل أو كان منهم أحد من ذرية الأنبياء أو من ورثة الصالحين.

إن هدى الله هو الهدى وإن علم الله هو العلم محفوظاً في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. والمؤمن يتحرر من سمعه ومن بصره ومن فؤاده فلا يسمع إلا ما أسمعه الله، ولا يبصر إلا بما يبصر به في كتاب الله، ولا يطمئن فؤاده إلا بالذكر الذي جاءه من ربه.. فتجد قوماً يقولون سمعنا أو أبصرنا أن كل الكائنات الحية تتركب من خلايا متماثلة وأنها تتطور بعضها من بعض الإنسان من القرد والقرد من الزواحف والزواحف من الأسماك والأسماك من الأميبا وأما المؤمنون فيقولون لهؤلاء إن ما أبصرتموه بالمجاهر هو الحق من ربكم، وإن ما تستنتجونه هو الباطل من عندكم لأنه قد جاءنا من العلم إن الله يخلق ما يشاء وإن الله على كل شيء قدير وإن السمع والبصر لا يغني عن الإنسان من شيء {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون} (الأحقاف 26) ولا يستحي بعض هؤلاء أن يسألوا المؤمنين عن الدليل وهم الذين يستنبطون ما يقولون بغير دليل إلا اتباع الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.. فلماذا لا تتطور الأميبا أمام أبصارهم إلى خلق آخر.. ولماذا ظل القرد قرداً ولم يعد يتحول إلى إنسان.. بل لماذا يتوقف هذا التطور عند الإنسان.. إن القول بهذا الظن الفاسد يستوجب حتماً أن يستمر هذا التطور، فإذا توقف يوماً عند حدود معينة فلم يعد القرد يلد إلا قرداً مثله.. ولا السمك يلد إلا سمكاً من نوعه.. ولا الإنسان أن يلد إلا إنساناً فإن هذا الظن ينهدم من أساسه ويصبح باطلاً وجهلاً {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ . وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ }(يونس 36، 37).

ويتلقى المؤمن العلم بسمعه وقلبه، فلما أنزل الله الكتاب بعلمه أنزله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بالحق ليبلغه للناس كافة.. وعلم الله سبحانه وتعالى أنه فصل فيه لعباده كل شيء تفصيلاً وبين فيه كل شيء تبياناً وفسر فيه كل شيء بالحق تفسيراً فقال سبحانه وتعالى { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .} (ق 37). ولو شاء الله سبحانه وتعالى لجمع الناس على الهدى أو سلط رسله ليكرهوا الناس عليه كرهاً ولكنه من رحمته بيّن لهم ما يتقون ودعاهم إليه بالحسنى ليأتوا إلى الحق طائعين.. لم يجعل عليهم في الدين سلطاناً إلا لقلوبهم ولسمعهم، لذلك دعاهم إلى أن يصغوا إلى القرآن بأفئدتهم وأن يتلقوه بقلوبهم ثم ليفعلوا من بعد ذلك ما يشاؤون {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } (الأنعام 113).

وكذلك كانت الدعوة بالحق إلى الحق.. لا إكراه في الدين.. ولكن لتصغي إليه قلوب غير مثقلة بالضلالة والهوى، ولا تسبقه بالرفض أو العناد ثم ليقترفوا بعد ذلك ما هم مقترفون.. فمن الناس من يسمع وهم غائبون عن الذكر بما ران على قلوبهم من الضلالة أو بما شُغلوا به من عنت الحياة الدنيا، وإنما السبيل إلى الإيمان وإلى تلقي الوحي من لدن عزيز حميد بالطهر والإصغاء وتدبر القرآن، والتجرد من كل أفكار موروثة أو تقاليد متبعة، والتجاوز عن كل نظرية مدروسة أو بدعة مقتبسة بقلب طاهر نقي من كل شائبة من شوائب ماض بعيد أو حاضر قريب حتى كإنما قد ولد القلب في ساعة مباركة تنفتح فيها أبواب السماء في بقعة مباركة ليس فيها من أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوا آيات الكتاب.. ويتنزل الوحي في الفؤاد قطرة قطرة من السماء على لسان نبي كريم وينتشر به النور ضياء بعد ضياء ثم نبتهل إلى الله من بعد فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ . وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } (الأنفال 20-23). مثل الذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون كمثل الذين لا يعقلون سواء بسواء، فالعقل أخذ وعطاء يأخذ بالسمع ويعطي بالقول والفعل.. فالله أنزل كتابه بالحق فمن سمعه ولم يؤمن ولم يتبع منه شيئاً كالذي لم يسمعه على سواء.

وإنما يغيب العقل بأمراض الضلالة أو بأوهام البدعة أو بشؤون الحياة الدنيا.. هؤلاء هم الصم البكم وهم شر الدواب عند الله كمثل إناء أمتلأ بغير علم الله إذا صببت فيه جديداً فلن يستوعب منه شيئاً..

{ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ .} (الجاثية 7-11). هذه طائفة أخرى من الناس.. إنها طائفة المستكبرين.. إنهم ليسوا كالذين سمعوا وهم لا يسمعون.. كلا بل إنهم سمعوا ووعوا ما سمعوا ثم أصروا على ما علق بقلوبهم من أمراض الضلالة وأوهام البدعة واستكبروا.. ولم يكتفوا بأن أصموا آذانهم عن الذكر بعد ما تلى عليهم، بل التقطوا ما علموه من الذكر ليستهزئوا به ويسفهوا به الذين يؤمنون والله يعلم أنهم هم السفهاء وإن كانوا لا يشعرون.

{ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . }(البقرة 75) إن هذه الطائفة من الذين يجحدون بآيات الله أشد مكراً من الذين سمعوا واستكبروا واستهزؤوا، إن هؤلاء قد سمعوا الذكر وعقلوه وعرفوا قوة حجته وصدق بيانه وكان أولى لهم أن يؤمنوا به ولكنهم سعوا في آيات الله معاجزين يريدون أن يحجبوا نور الله بتحريفها.. فيقرأون لك الآية في غير موضوعها أو يقرأونها مفسرة بغير ما أنزل الله أو مكملة بحديث مفترى أو محمولة على رواية مختلقة، حتى أصبح الناس لا يجدون في دينهم إلا الاختلاف فيه أو الانشقاق عليه..

السمع والبصر والفؤاد آيات ثلاث جعلها الله للناس آية في الحياة الدنيا لعل الناس تستبين الرشد من الغي ولعلها تميز الحق من الباطل { ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ.} (السجدة 6-9)، الفؤاد من فأد ومنه المفتأد وهو موضع الوقود السمع هو وسيلة التقاط الأصوات، والبصر هو وسيلة جمع المرئيات.. وكل شيء في هذه الحياة إنما يتركب من صوت يسمع أو من صورة ترى أو منهما معاً، وإنما يتعلق الفؤاد من وراء ما يسمع أو يبصر ليزن الأمور بموازين الحق والباطل.. وأفضل العلم ما علم الله بكتبه وبرسالاته في آيات بينات تعد الفؤاد إعداداً عظيماً ليقبل الحق ويتبعه ويدافع عنه، ويرفض الباطل ويتجنبه ويعمل على دحضه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.. وفي آيات بينات من القرآن يبين الله سبحانه وتعالى مكان الفؤاد من الإنسان ومكانته العظيمة التي أنشأه الله عليها: { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى.} (النجم 11). فالفؤاد هو الذي رأى وليست العين التي يقتصر دورها على نقل الصور المرئية بكل أمانة إلى الفؤاد : { وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. } (هود 120) فالفؤاد هو الذي سمع القصص وليست الأذن التي يقتصر دورها على نقل الأصوات المسموعة بكل أمانة إلى الفؤاد.

والآية الكبرى في الفؤاد أنه الشيء الواحد الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله الواحد القهار.. كل شيء في هذه الأرض يمكن الوصول إليه ويمكن تمزيقه إرباً لاكتشاف محتوياته إلا الفؤاد لا يصل إليه ولا يعلم أحد منه شيئاً إلا الله سبحانه وتعالى.. وبذلك يرتبط إيمان الإنسان لا يرتبط بأحدٍ إلا بالله، وهو مسؤول عن فؤاده لا يسأل عنه أمام أحدٍ إلا على مشهد من الله.. لا رقابة لأحد على فؤاد الإنسان فمن شاء فليكفر ومن شاء فاليؤمن دون أن يشعر أحدُ بحقيقة إيمانه أو حقيقة كفره إلا الله... والله رخص للإنسان أن يخفى إيمانه بل رخص له أن يظهر الكفر إذا أكره على ذلك متى كان قلبه مطمئناً بالإيمان : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ . مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (النحل 105، 106). مسؤولية مباشرة أمام الله لا رقيب عليها إلا الله ولا يحاسب عليها أحدُ إلا الله وبذلك تتكامل للإنسان حريته المطلقة في الفكر والتدبر والتقدير.. سوف يشهد الناس على ما سمعه الإنسان وعلى ما أبصره من الحق ومن الباطل ولكن لن يشهد أحد على ما يؤمن به الإنسان أو يكفر به إلا الله سبحانه وتعالى { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول} (الإسراء 36). مسؤولية مباشرة أمام الله لا سبيل للرقابة عليها من أحد إلا الله في كتاب مكنون لا يطلع عليه أحد إلا الله.

وتبدأ مسؤولية الفؤاد بتسليط السمع والبصر على أمهات القضايا والأصول الفكرية وقواعد العلم ليبنى له بنياناً راسخاً من الإيمان والتقوى، فإذا استقام له هذا الأمر فإنه لن يضل عن الحق أبداً، ولن تذهب به التفاصيل الجزئية إلى متاهات الفكر وغيابة الجهالة. حقيق إن الله سبحانه وتعالى قد جعل لنا قبلة كما جعل للذين من قبلنا قبلة أخرى، فهل هذه قضية تستوقف النظر أو تستقطب السمع عما ينبغي للمؤمن أن يشغل به { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. }، (البقرة 177).

ومثال آخر من التفاصيل الجزئية التي لا توصل إلا إلى متاهات الفكر وغيابة الجهالة دخول البيوت أتؤتى من ظهورها أم تؤتى من أبوابها { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .} (البقرة 189).

وأصحاب الكهف كم كان عددهم { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً. }(الكهف 22).

دلالات عظيمة توجه الفؤاد نحو غايتين عظيمتين الأولى ألا يلقى الإنسان السمع والبصر إلا على أمهات القضايا وأصول الفكر وقواعد العلم، والثانية ألا يتلقى العلم حين يتلقاه أول مرة إلا وحياً مما أنزل عليه في كتاب ربه، يقول كما تقول ملائكة الرحمن { قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .} (البقرة 32).

سيقولون وكيف نصلي لله وكيف نصوم رمضان وكيف نحج البيت الحرام وكيف ننفق من أموالنا، نقول حسبنا ما وجدناه في كتاب ربنا لا مبدل لكلماته هو الحق الذي آمن به النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه هو وصحابته الراشدون من المهاجرين والأنصار { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .}، (ق 37) سيقولون بل تجلسون على الأرائك وتتحدوننا بالقرآن، ونقول ومن منكم لا يجلس على الأرائك وما لنا لا نحتج عليكم بالقرآن وهو الحجة البالغة بالحق من عند الله. فسيقولون وما لنا لا نتبع أولياء الله الذين جاءهم من العلم ما لم يأتنا وتركوا لنا ولآبائنا أمة ونحن على آثارهم مهتدون، ونقول قول الحق من ربنا تبارك وتعالى { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ .}، (الأعراف 3).

ويروى المؤرخون عن الكندي رحمه الله أنه جاءه أحد تلامذته وسأله عن فلسفة هندية تقوم على أساس أن العقل هو أصل الفكر، فرفض الكندي ذلك رفضاً شديداً وقال لتلميذه بل الوحي هو أصل الفكر. فهذا هو الكندي أول فيلسوف في الإسلام يرفض عقله رغم ما أوتي من رجاحة العقل وبسطة العلم ولا يحتكم إليه في شيء حتى يستضيء بنور الوحي الذي أنزله الله على قلب رسوله بالحق تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء وتفسيراً لكل شيء.

إن العقل يتلقى عن السمع والبصر، وأما المؤمن فيتلقى العلم وحياً من ربه.. مثال ذلك أنك إذا رأيت فئتين إحداهما أضعف من الأخرى، فإن العقل يقول لك أن الفئة القوية هي الغالبة لا محالة.. لأنك ترى كلتا الفئتين رأي العين ولا تعلم ما أخفاه الله لهما إلا بعلمه.. وإذا رأيت رجلاً ذا مال وبنين وذا خيل مسومة وأنعام وحرث وآخر لا يملك من ذلك شيئاً، فإن العقل يقول لك أن الأول أعظم حظاً من صاحبه.. لأنك ترى كلاً منهما رأي العين ولا تعلم ما أخفاه الله لهما إلا بعلمه.. ولكن الله سبحانه وتعالى قد اطلع على أفئدة هؤلاء وهؤلاء وأحاط بما لديهم وعلم حزبه منهم وفصل بينهم بحكمه وهو خير الحاكمين { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ . زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ . شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.}، (آل عمران 13-18).

فإن تكن الفئة الكافرة ضعف الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، فإن الله يؤيد بنصره من يشاء كما أيد فئة طالوت على فئة جالوت رغم ما كان يبدو للعين من ضعف الجنود وقلة عدتهم وعتادهم. وإن تكن الحياة الدنيا خير بنسائها وبنيها وذهبها وفضتها والخيل المسومة والأنعام والحرث فيها، فإن خير من ذلك ولا شك خلود عند ربك في جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة ورضوان من الله سبحانه وتعالى.

هذا التفصيل لا يدرك بالعين بل يدرك وحياً بالإيمان، ولا يستقيم هذا الإدراك إلا بالاستعلاء على الذات والارتقاء فوق الحواس والتجاوز عن البشر وتلقي الوحي خالصاً بكلمات الله.. تماماً كما يتلقى النبات الطيب ماءه من داخله قطرة بعد قطرة في صبر وصمود، فتراه مخضراً به ثم تراه قوياً مثمراً فمن الذين يدركون الحق وحياً من ربهم رجلان كانا يستمعان إلى موسى عليه السلام وهو يحاور قومه في الأرض المقدسة التي كتب الله لهم { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .}، (المائدة 20-26).

لقد كان القوم يقيسون الأمور بسمعهم وأبصارهم فأدركوا أنه لا قبل لهم بهؤلاء القوم الجبارين، أما الرجلان فكانا يخافان الله خوفاً لم يترك في قلب أحدهما أي خوف من أي شيء غير الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً، ولذلك فإن الله يصفهما أول ما يصفهما في هذا المقام بأنهما رجلان يخافان.. فاستمع إليهما يقولان قول الحق من ربهما { ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . }إن هذا القول لا يمكن أن يصدر عن عقل يتلقى الأمور بالسمع والأبصار، وإنما يصدر عن الفؤاد الذي يتلقى العلم والإيمان وحياً من الله، لقد تعلما من الوحي أنه إذا كتب القتال على المؤمنين فعليهم أن يقاتلوا، وتعلما من الوحي أن الرسل لا تأمر إلا بالخير والحق، وتعلما من الوحي أن الفئة الضعيفة تغلب الجبارين في الأرض بإذن الله.. هذان رجلان يخافان الله فلم يخافا أحداً من دونه وأما الآخرون الذين لا يخافون الله فقد خافوا الذين من دونه فاستذلهم الشيطان وكانوا من الفاسقين..

ومن الذين يدركون الحق وحياً من ربهم رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، كان يرى زينة الحياة الدنيا بين يدي فرعون وكان يرى الملك فيها له هو وحده. ولو إنه كان يتلقى العلم بسمعه وبصره لما كان أيسر عليه وهو من آل هذا الجبار أن يبسط يده فيتلقى منه ما يشاء من زينة الحياة الدنيا ومتاعها، ولكنه كان يتلقى العلم والإيمان وحياً من ربه قال عليه السلام { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . } (غافر 39، 40).

ولقد يرى أبعاض أنه لا حياة للإنسان إلا بالمال والبنين، وقد يرى آخرون أنه لا سبيل إلى استعلاء الإنسان في الأرض إلا بالقوة والتسلط. ولا شك أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا ولم يحرم الله من زينته التي أخرج لعباده ولا من الطيبات من الرزق شيئاً، ولا شك كذلك أن الله قد أمر عباده المؤمنين أن يعدوا أنفسهم بالقوة وبرباط الخيل. فالذين يقيسون الأمور بسمعهم وأبصارهم سيقولون بل بالمال والبنين يحيى الناس في الأرض، وبالقوة والتسلط يتعالون فيها وأما الذين يتلقون العلم وحياً من ربهم فيقولون إن الإنسان ميت ولا حياة له إلا بالله وإنه ضعيف لا يرتفع في الأرض إلا بإذن الله { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . } (الأنعام 122) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال 24). فالإنسان ميت لا حياة له إلا بالله وبالنور الذي أنزله عليه.. ولن تكون له حياة لا بالمال ولا بالبنين حتى يستجيب إلى دعوة الله ورسوله لما يحيى به في الأرض.

ولو أننا نتأمل خلق الله في السماوات والأرض لوجدنا أن كل شيء قد أنشأه الله على خلق عظيم، الأرض عظيمة بجبالها ووديانها بأنهارها وبحارها برطبها ويبسها ولكنها هباء إذ لم تكن قد استقامت في فلكها على أمر من الله.. إنها إذا اقتربت من الشمس احترقت وإذا بعدت عنها تجمدت، وإنها إذا أسرعت من دورانها هلكت وإذا أبطأت كذلك هلكت.. وإذا عميت عما حولها من الكواكب اصطدمت بها فاندثرت وإذا قطعت ما بينها وبين القمر انفلتت فلم يعد لها من ضابط يضبط سرعة دورانها فانتثرت.. هذا هو خلق الله، وهذه هي سبيله سبحانه. ولا تستقيم الحياة لشيء إلا بخلق الله وبسبيله التي يهدي إليها { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} .

فأما الإنسان فقد خلقه الله سبحانه في أحسن تقويم وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، ولكنه سبحانه لم يفرض عليه سبيله فرضاً كما فرضها على السماوات والأرض والجبال بل وضعها في رسالاته إلى الأنبياء والمرسلين ليهتدي بها من يشاء وينصرف عنها من يشاء باختيار حرٍ لا إكراه فيه.

ويكفي أن يتأمل الإنسان كيف تتركب يده وأن يحصى ما يصنع بها في الأرض.. { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } الله لا يعلم إلا بالقلم.. وبذلك يتميز الإنسان عن سائر خلق الله بأنه هو المخلوق الوحيد في الأرض القادر على أن يمسك بالقلم كل مخلوقات الله تسمع وتبصر وتأكل وتشرب وتموت وتحيي وتبعث يوم القيامة وتفهم وتعقل وتبنى وتدمر وتلد وتولد، أما الإنسان فهو المخلوق الذي لا يمسك بالقلم في الأرض أحد سواه بل إنه هو الذي تركبت يده لم تتركب لشيء كما تركبت لتمسك بالقلم..

يكفي أن يتأمل الإنسان كيف تركبت أذنه وعينه ولسانه وعظامه أو أي شيء آخر في بلايين الأجزاء التي يتركب منها جسمه، وكل ذلك هباء إذا لم يهتدِ الإنسان إلى سبيل ربه كما بينها الله له بعلمه في كتبه ورسالاته { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِإِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (الأنفال 24) فلا حياة للإنسان بغير العلم وحياً من الله تبارك وتعالى.

ويحدثنا الله في كتابه أن الذين يرتفعون في الأرض لا يرتفعون بالمال والقوة والتسلط بل يرتفعون بالعلم والإيمان { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . }، (المجادلة 11).

وإن الذين يقيمون بنيانهم على غير تقوى من الله إنما يقيمون بنياناً في السحيق { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .} (التوبة 109). وإن الذين يتولون غير الله والذين يتخذون سبيلاً غير سبيل الله التي بينها الله في كتابه والذين يقيمون بنيانهم بغير علم أتاهم من ربهم إنما ينسجون لهم بيوتاً من خيوط العنكبوت لا تصلح لسكناهم ولا تصلح لأن يسكنها أحد من بعدهم { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (العنكبوت 41)، بيت العنكبوت!! وليس خيط العنكبوت الذي يحمل الأثقال إذا أتقن نسيجه.

ويضرب الله الأمثال للذين ارتفعوا بالعلم والإيمان فكانت لهم الحجة الداحضة على قومهم والقول الفصل في الحياة الدنيا { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . }(الأنعام 80-83).

ويضرب الله الأمثال للذين سقطوا في الحضيض إلى درجة الكلاب من الذين أوتوا العلم والإيمان فاختاروا الحياة الدنيا وزينوا لأنفسهم سبيلاً غير سبيل الله التي بينها الله لعباده { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ }(الأعراف 175-177).

وهكذا يرتفع الناس ويسقطون في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. لا يرتفعون إلا إذا اهتدوا إلى سبيل ربهم وحملوا أنفسهم بأنفسهم عليها واستقاموا بها على بينة من الله ورضوان.. ولا يسقطون إلا إذا ضلوا عن سبيل ربهم وحملوا أنفسهم على سبل متفرقة لم ينزل الله بها من سلطان ثم تخبطوا في الظلمات وفي ضلال بعيد.

لا حياة للإنسان في الدنيا ولا في الآخرة إلا بخلق الله وعلى سبيل من الله، فأما الخلق فقد جاء الإنسان في هذه الحياة الدنيا في أحسن تقويم وأما السبيل فقد بَينها الله لعباده في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم بالحق.. فمن شاء استقام به ومن شاء انصرف عنه.. ويشاء الله من رحمته أن يدعو عباده إلى الإصغاء إليه وتدبر آياته بقلوب متحررة من الخوف متفتحة للعلم بالحق والإيمان، ثم ليكن لهم بعد ذلك ما يشاؤون { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} (الأنعام 113).

ولو تأملنا هذه الحياة الدنيا سواء من حيث حركة التاريخ أو حركات الشعوب والأفراد لوجدنا أنها لا تعدو أن تكون حركة صراع الحق والباطل، وهو صراع لا يحتدم بعيداً عن أعين الله سبحانه وتعالى ولا يحتكم إلى عناصر القوة وحدها كما يظن الواهمون، بل هو الصراع الذي يحكمه في النهاية قول الله تبارك وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ. } (الأنبياء 18).

وعلم الله سبحانه وتعالى أنه ما أنزل على عباده من الآيات والذكر الحكيم إلا بالحق، ومع ذلك فقد ترك لهم حرية الاختيار { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29)، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .} (يونس 99). { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (البقرة 256). لذلك لم يأذن الله لرسوله ولا للمؤمنين أن يبادروا أحداً بعدوان، وألزمهم أن يكفوا أيديهم عن الناس فلا يقاتلونهم إلا إذا تعرضوا لعدوانهم وأمرهم بأن يردوا القتال بالقتال والعدوان بقدر العدوان حتى إذا جنحوا إلى السلم فقد أوجب عليهم أن يجنحوا لها. ذلك لأن الله هو الحق ولا تتنزل كلماته إلا بالحق، فإذا كان الكفر موقفاً باطلاً فإن العدوان أمر باطل، والله لا يقذف الباطل بالباطل بل يقذفه بالحق فإذا هو زاهق.

أمر الله رسوله والمؤمنين بالدعوة إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يجعل عليهم من حرج فيمن يكفر بهم وحذرهم من الأسف على الكافرين أو الحرص على هداهم. إن معنى الحق عند الله أن يتجرد المؤمن من الهوى ومن الانفعال، فلا يصدر إلا عن الحق ولا يصدر عنه إلا الحق. فيؤمن بدينه لا يعدل عنه. ويدعو إليه لا يفتر فيه. فإن يؤذى في الله فهو خير له، وإذا قوتل عليه فعليه أن يرد القتال بقتال إذا استطاع إلى القتال سبيلاً، فإن لم يستطع فعليه أن يتقي، وإذا أُكره على الكفر فلا حرج عليه أن يكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.

ونقرأ في الأساطير أن المؤمنين ماتوا أو عذبوا بسياط أبي جهل ويأسف الناس عليهم وما يزالون يلعنون أبا جهل. هؤلاء لم يقرأوا القرآن لأنهم لو كانوا قرأوه ما كانوا صدقوا شيئاً من هذه الأساطير لأنه ليس فه القرآن ما يدل على أن أحداً من المؤمنين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعرض لمثل هذا العذاب، ولأن الله سبحانه وتعالى من رحمته كان قد جعل لمن يقع بين يدي أبي جهل هذا أحد مخرجين إما أن يتولوه فيتقوه أو يقولوا كلمة الكفر وقلبهم مطمئن بالإيمان. فإذا كانوا لم يفعلوا وكانوا يصرخون في وجه أبي جهل يقولون (أحد .. أحد) فهؤلاء إن صحت الأساطير ليسوا مفخرة في دين الله، بل إنهم قوم ألقوا بأيديهم إلى التهلكة وكان الله بهم رؤوفاً رحيماً.

ونتساءل عن مغزى هذه الأساطير في كتب التاريخ، وما معنى أن يتعلم أبناء المؤمنين هذه الدعاوى الباطلة.. إن الذي نعلمه من كتاب ربنا أنه أنزل على رسوله بالهدى ودين الحق.. وأُمر رسول الله كما أُمر المؤمنون بأن يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة.. وأُمروا بأن يعرضوا عن المشركين والكافرين والجاهلين ولم يؤمروا بقتال أحد بغير عدوان.. وكتب الله لعباده المؤمنين أن يعايشوا غيرهم معايشة حسنة وأن يتولوهم وأن يبروهم ويقسطوا إليهم متى جنحوا إلى السلم وكفواً أيديهم عن المؤمنين.. فإذا كانت القوة لغير المؤمنين فقد جعل الله لعباده مخرجين إما أن يتولوهم اتقاء شرهم أو يقولوا كلمة الكفر وقلبهم مطمئن بالإيمان.. هذا ما نعلمه من كتاب ربنا، وما هذه الأساطير التي يرويها المؤرخون بغير الحق إلا للانحراف بهذه السياسة الحكيمة التي رسمها الله بكلماته لعباده المؤمنين حتى لا يجنحوا إلى المواقف العصيبة والتشنجات المريضة والتلذذ بالعذاب وسفكَ الدماء ونطح الحجارة والهتاف بالشعارات بعد تفريغها من مضمونها..

وفي تجربة معاصرة رأينا الإخوان المسلمين يتهافتون على اتباع هذه الأساطير ويريدونها عوجاً تماماً كما أرادها الذين وضعوا هذه الأساطير في الدين، جنحوا إلى المواقف العصبية والتشنجات المريضة، وتنادوا بالعذاب وسفك الدماء ونطح الحجارة حتى إنهم كانوا يقولون (السجن خلوة والنفي سياحة) وخرجوا في المواكب السافرة يتحدون السلطان ويهتفون بالشعارات دون وعي بمضمونها أو فهم لحقائقها وأبعادها فماذا كان من عاقبة أمرهم.. لقد ذاقوا وبال أبي جهل وعلموا أنه لا قبل لبشر بالعذاب ولا حياة له في سجن ولا كرامة له منفياً في الأرض.. ولكن هل تعلموا أنه قد أضلتهم الأساطير وأنهم اتبعوا الباطل واعرضوا عن الذكر بعد إذ جاءهم وأنه لا سبيل إلى الله إلا بكلماته في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..!؟

المؤمن الحق لا يتعجل أمر الله بل يهتدي إلى سبله فيسلكها سبيلاً بعد سبيل ويصبر عليها حقباً بعد حقب، ويتبع الأسباب لا يسبقها سبباً بعد سبب. { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً . وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً . وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً .} (الفتح 18-21).

السكينة وفتح قريب جزاء المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفتح ليس من الفتوحات العسكرية كما يصورها المؤرخون من أصحاب الأساطير بل هو الفتح المبين الذي سأله الأنبياء والمرسلون، الفتح بين المؤمنين وقومهم الذين لم يؤمنوا بالحق.. الفتح بين الحق والباطل. والسكينة تلزم المؤمن الصبر حتى يأتيه الله بالفتح أو أمر من عنده فعجل لكم هذه.. هذه.. إشارة إلى أي شيء مما يرحم الله به عباده الذين آمنوا من مسكن طيب أو ركن شديد أو رزق حسن أو بسطة في الجسم أو مبوأ آمن.. ولقد أرادها الله إشارة للأولين والآخرين في الحياة الدنيا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليلتفت المؤمن إلى ما بين يديه وما خلفه مما أفاء الله به عليه من رحمته.. ولم ترد أبداً مجهلة ليتأولها المتأولون، بل هي دعوة من الرحمن إلى عباده الذين آمنوا لينظروا إلى ما أسبغ عليهم من رحمة عجلها الله لهم ليصطبروا بها لعلهم يرحمون.

وكف أيدي الناس عنكم.. إشارة إلى مثل من رحمته سبحانه وتعالى فلقد كف الله أيدي الناس عن المؤمنين بما أنزله عليهم من آيات الكتاب والحكمة.. فالمؤمن الذي يلتزم الكتاب ولا يعدل عنه يضمن بالقرآن كف أيدي الناس عنه.. لأنه مهما بلغت الشياطين من أعداء الله فإنهم سيكفوا أيديهم عن الذين لا يبادرون الناس بالعدوان، ولا يردون السيئة بمثلها بل يردونها بالحسنة، ولا يبتغون الجاهلين بل يقولون لهم سلاماً، ويمشون على الأرض هوناً ويغضون أصواتهم ويقولون لكم دينكم ولنا دين لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون الله يفصل بيننا يوم القيامة وهو خير الفاصلين، ويتقون من الطاغين تقاة ولو اضطروا إلى أن يتخذوا منهم أولياء فإذا بلغت أيديهم إلى أعناقهم أو سيقوا إلى العذاب يقولون كلمة الكفر وقلبهم مطمئن بالإيمان.. إن هذه السياسات الحميدة التي أرشد الله عباده المؤمنين إليها قد ضمنت لهم أن يكف الناس أيديهم عنهم كما ضمنت لهم أن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها.. إشارة إلى أي شيء مما يتطلع إليه عباد الله المؤمنون.. من قهر العدو أو هلاك الطغاة أو عودة الأرض.. ولقد أرادها الله إشارة ليصبر المؤمن على مالا يقدر عليه مما يتطلع إليه حتى يستطيع إليه سبيلاً أو يمكن له الله فيه بسلطان أو يجد له من دونه سبباً فيتبع سبباً.. ولم ترد أبداً مجهلة حتى يتأولها المتأولون. بل هي دعوة الرحمن إلى عباده بالحق ليصبروا حتى يأتيهم الفتح أو أمر من عنده، فهو سبحانه قد أحاط بكل شيء وكان الله على كل شيء مقتدراً.

قد نرى المؤمنين الذين سمعوا هذا القرآن ينظرون إلى ما تفضل الله به عليهم من نعمته التي لا تعد ولا تحصى ثم يتطلعون إلى ما لم يقدروا عليه من الطغاة فيقولون.. الحمد لله سبحانه هو الذي عجل لنا هذا من فضله وهو الذي أحاط بما لا نقدر عليه إن ربنا لطيف لما يشاء إنه هو الحكيم العليم.

فأما السحرة الذين جاء بهم فرعون فأمر يختلف عما نقرأه في الأساطير، هؤلاء قوم جاؤوا يوم الزينة ضحى بعد أن حشر الناس ليتبعوهم إن كانوا هم الغالبين.. فقال لهم موسى عليه السلام { وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى .} (طه 61). هؤلاء لم يأتوا إلا ليشهدوا لله بالحق أو يشهدوا لفرعون بالباطل، وسمعوا رسول الله يحذرهم أن يكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.

إذا جيء بالمؤمن ليكره على الكفر فلا حرج عليه إذا كفر وقلبه مطمئن بالإيمان أما إذا جيء به ليشهد لله في ملأ فعليه أن يقتدى بهؤلاء المصريين الأبرار ويقول كما قالوا عليهم السلام { قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه 72، 73).

شتان بين من يؤتى به ليكفر بالله أو يعذب عذاباً شديداً فيرضى العذاب حتى يذوق الموت ولا يجد من يهمس في أذنه بقول الله تبارك وتعالى { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (النحل 106). شتان بين هؤلاء وبين من يؤتى بهم ليشهدوا لله بالحق في ملأ عظيم { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } (البقرة 140) { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . } (البقرة 283) { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام 19) { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام 150).

وهكذا تتحدد مواقع الآيات باختلاف المواقف فمن رضى العذاب بغير الحق فكأنما ألقى بنفسه إلى التهلكة من بعد ما جعل الله له مخرجاً من العذاب وأما من جاء ليشهد لله في ملأ عظيم فعليه أن يشهد لله بالحق ويفوض أمره إلى الله فإذا قتل على ذلك فقد قتل في سبيل الله لأنه إنما قتل بعد ما أقام الحجة لله وفرق بين الحق والباطل ونصر الله ورسوله وأولئك الأحياء يرزقون عند ربهم بغير حساب.

وللناس في هذه الحياة الدنيا أعمال وغايات، وقضى الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده أن كل عمل صالح يصدر عن المؤمنين أو يصدر عن غيرهم فهو الخير. وإنما حبب الله إلى عباده أن تصدر أعمالهم عن الإيمان به وبرسالاته، وأن تكون أعمالهم في سبيله وابتغاء مرضاته { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.} (النساء 114) { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد 22). { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. }(البقرة 265). { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } (البقرة 272).

وعلم الله سبحانه وتعالى أن المشركين رجس سواء منهم من أشرك به آلهة أخرى أو أشرك في حكمه حكماً لم يرضه لهم أو أشرك بكتبه كتباً لم ينزل الله بها عليهم من سلطان، أولئك في الضلال المبين ودعا الله عباده المؤمنين أن يعرضوا عنهم وألاّ يتخذوا منهم أولياء في الحياة الدنيا ولو كانوا أولى قربى وأن يعتزلوهم كما اعتزل إبراهيم أباه وقومه وكما فعل الصالحون من بعده لا يبتغون بذلك عدواناً أو ظلماً ولا يريدون به قطع أرحامهم وإنما يفعلون ذلك ابتغاء وجه ربهم ويقولون لهم قولاً ليناً لعلهم يرجعون { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } (الإسراء 28).

والجهاد هو كل جهد يبذله الإنسان من قول أو عمل أو قتال، وإذا كان هذا الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته فهو خير وأبقى والله يجزي عنه في الحياة الدنيا وفي الآخرة على سواء. وقد تجد أن الخير قد أصبح أمراً مرفوضاً في أمة من الأمم أو في موقف من المواقف، فهنالك لا خير إلا في اعتزال الفتنة والإعراض عن الضلالة. ذلك ما وصفه الله أحسن الوصف في كتابه العزيز بشراء النفس ففي الضلالة وحكم الطغيان يسهل على الناس بيع أنفسهم إلا الذين اتقوا من الذين لا يخشون أحداً إلا الله أولئك يسلمون أنفسهم لربهم يؤمنون به ويتوكلون عليه ابتغاء مرضاة الله ويحفظونها من الذلة والمهانة وكان الله عزيزاً كريماً.

كل ما كان ابتغاء وجه الله ومرضاته فهو الحق لأنه باق عند الله.. والله حي لا يموت وكل ما كان ابتغاء الحياة الدنيا لذاتها فهو الباطل لأن الحياة الدنيا زائلة.. وكل ما كان زائلاً فهو لهو ولعب كتاب الله لا مبدل لكلماته ولا حق إلا به ولا خير إلا فيه.

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ . وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } (البقرة 204-207).

{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً . وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً . وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ. } (الكهف27).

هذه هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلو كتاب ربه فمن الناس من كان يؤمن به ومنهم من كان يكفر به ولا تثريب عليه صلى الله عليه وسلم فيمن كفر به.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. وما حسابهم على الرسول في شيء وما حسابه عليهم في شيء.. فأما الذين آمنوا فأولئك تحروا رشداً وعلى المؤمنين أن يصبروا أنفسهم مع هؤلاء لا يبتغون الحياة الدنيا مع غيرهم ولا يتعدونهم إلى الذين غفلوا عن الذكر واتبعوا أهواءهم.

ما أجمل الصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وحسن أولئك رفيقاً في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولو كانوا هم الضعفاء كالأعمى الذي فضله الله في القرآن تفضيلاً { عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } (عبس 1-11).

فضله الله سبحانه وتعالى رغم ما كان يبدو للمؤمنين أنه الأعمى الذي لا يقدر على شيء. فضله سبحانه وتعالى على من استغنى ولو كان أكثر مالاً وأعز نفراً لأنه من المؤمنين الذين أوجب الله على المؤمنين أن يصبروا أنفسهم معهم ولا يتعدونهم ابتغاء الحياة الدنيا.. فما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، والذين يؤثرونها ويرضون بها ويطمئنون إليها هم الواهمون الذين يظنون أنهم خلقوا لهواً ويحسبون أنهم يعيشون سدى.

إن الذين يحيون بكلمات الله لا يضلون عن الحق.. ولا يخدعهم الباطل.. ولا يفتنون بالحياة الدنيا وزينتها.. ويعلمون أنهم إنما يعيشون في ملك الله من الغيب أو من الشهادة على سواء.. فلا تشغلهم الأحداث عن الساعة. أولئك على الحق وعلى طريق مستقيم.

وأما الذين يغفلون عن كلمات الله أو يعرضون عنها فإنهم يضلون عن الحق.. يخدعهم الباطل ويفتنون بالحياة الدنيا وزينتها.. ويظنون أنهم يعيشون في ملك الطاغوت فيلههم الأمل ولا يريدون إلا الحياة الدنيا.. ذلك مبلغهم من العلم وأولئك على الباطل وفي ضلال مبين..

في أوج مملكة الطاغوت ومن ظلمات الضلالة في بيت فرعون خرج رجل مصري مؤمن أدرك الحق ولم يخدعه الباطل رغم قوة خداعه ليقول للناس { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. } (غافر 39-44).

وجاءت من بعد ذلك المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري لتقول للناس كافة في كتابها القيم (دفاع عن الإسلام) الذي نشره لها في روما فورجيني عام 1925: بفضل الإسلام اندحرت الوثنية بكل صورها، وتحررت مفاهيم الناس عن الكون وعن الدين من المسوخ التي كانت تحط من قدرها. وأدرك الإنسان مكانته الرفيعة عندما أصبح يقول مع إبراهيم عليه السلام { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.} (الأنعام 79) ويقول مع محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. } (الأنعام 162و163). لم يعد الإنسان يذل نفسه إلا أمام الخالق العظيم، فانطلقت إرادته من كل القيود وتحررت روحه من هوى الكهان وحفظة الألغاز وسماسرة الخلاص.. وبطلت الوساطة بين الإنسان وربه، وأصبح لا يرتبط بغيره من الناس إلا كما يرتبط إنسان حر بإنسان حر مثله.. وتختتم الدكتورة لورا فيشيا فاغليري كتابها القيم بقولها: إلى الكتاب العزيز الذي لم يحرفه أحد من الذين آمنوا به أو الذين كفروا به على السواء، إلى هذا الكتاب الذي لا يبلى ولا يزال إلى اليوم تماماً كما أوحى به الله إلى النبي الأمي وخاتم النبيين، إلى هذا المصدر الصافي دون غيره سيرجع المسلمون لينهلوا مباشرة من معينه المقدس وعندئذ تعود إليهم قوتهم السابقة بغير شك.. وهنالك من الدلائل القوية على أن هذا الأمر قد بدأ فعلاً...

فسلام على رجل مصري مؤمن من آل فرعون ..
وسلام على لورا فيشيا فاغليري...
والسلام على من اتبع الهدى...


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home