Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Tuesday, 14 November, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (27)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً.‏}(الطلاق 12). فخالق الشيء هو أعلم به وهو قادر عليه فإذا قضى أمراً فإن الله أسرع أمراً.. وما كان لمخلوق أن يختار إلا بمقدار ما يأذن به الله من أمره.. اللين في الأرض لا يقطع ولا يترك إلا بإذن الله {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ.} (الحشر5). والسماء لا تقع على الأرض إلا بإذنه { وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ}.

الخير من أمر الله.. وأما الشر فلا يقع إلا من بعد إذنه.. ولو شاء ربك ما فعلوه. الله لم يشأ الشر ولا يشاؤه أبداً ولكنه لو شاء لما وقع شر أبداً.. أمر الله بالخير ونهى عن الشر.. وأذن بالخير والشر.. فمن شاء اختار لنفسه خيراً ومن شاء اختار لنفسه شراً ولو شاء ربك لجمع الناس على الخير ولكنه سبحانه وتعالى أراد لكل نفس أن تكسب على نفسها ما تشاء ، ولو أن الله سبحانه وتعالى منع إنساناً عن خطيئة أراد أن يكسبها على نفسه وصرفه عنها ثم حمله على الخير لما كان سبحانه وتعالى قد ترك له من حرية الاختيار لنفسه شيئاً.

ليست هناك أشياء يخير فيها الإنسان وأخرى يسير فيها.. بل الله سبحانه وتعالى قد شاء للإنسان أن يختار لنفسه ما يشاء.. وأذن بالخير كما أذن بالشر وبين للإنسان أن الخير له في الدنيا والآخرة أن يختار الخير لنفسه، كما بين له أن الشر كل الشر له في الدنيا والآخرة أن يختار لنفسه الشر.. حبب إليه الخير وكره إليه الشر وأذن له أن يكون قيماً على نفسه فيختار لنفسه ما يشاء وبين له أنه لو كان قد اختار له شيئاً لما كان قد اختار له إلا الخير تماماً كما بين له أنه لو كان قد شاء له شيئاً لما كان قد شاء له أن يختار الشر.. ودعاه إلى أن يتلقى منه العلم وألا يأتمن على علمه أحداً إلا الله فإذا اتبع ما يتعلمه مما أوحى إليه من ربه فإنه سيكون ربانياً خيراً لا يأتيه الشر من بين يديه ولا من خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله.. ولن يكون مسيراً فيما تعلمه أو يتبعه إذن أبداً فالرجل يتعلم من الأحناف فيكون حنيفاً ويتعلم من الشيعة فيكون شيعياً ويتعلم من اليهود فيكون يهودياً فما له لا يتعلم من ربه فيكون ربانياً حنيفاً مسلماً { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ .} (آل عمران 79).

هذا أمر الله أنزلـه على عباده في كل كتاب وفي كل حكم وفي كل نبوة.. كونوا ربانيين.. لا يهود ولا نصارى.. لا مالكية ولا أحناف.. لا شيعة ولا حنابلة.. بل ربانيون بالعلم .. ولا علم إلا بالكتاب الذي أنزله الله تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء وتفسيراً لكل شيء.. فمن تعلمه وعلمه واتبع النور الذي بين يديه فأولئك هم الربانيون.. وتلك هي مشيئة الله في عباده أن يختاروا الكتاب لأنفسهم ولا يختارون من دونه أولياء.

{ لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً } (يوسف 31). { لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } (الروم 4). { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } (الطلاق 3). { مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً .} (الأحزاب 38). { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً .} (النساء 47. والأحزاب 37). إن القوم من بني إسرائيل قد علموا ذلك من ربهم فأما الذين يتبعون ما اختلط في أذهانهم من الكتاب فيقولون إذا كان الأمر كله لله من قبل ومن بعد وإذا كان الله بالغ أمره وكان أمره مفعولاً فلِمَ تعظون القوم الذين علم الله أنهم من أصحاب الجحيم.. وأما الذين اتبعوا الحق من ربهم وعلموا أن الله سبحانه قد شاء للناس أن يختاروا لأنفسهم ما يشاؤون وأن من مشيئته سبحانه وتعالى أنه شاء لهم أن يتبعوا من السبل ما يشاؤون وأنه سبحانه وتعالى علم الغيب كما علم الشهادة.. فإذا علم سبحانه أصحاب الجنة فذلك لا يعني أنهم لم يختاروا سبيلها بمحض إرادتهم، وإذا علم سبحانه أصحاب الجحيم فإن ذلك لا يعني أبداً أنهم لم يختاروا سبيلها بمحض مشيئتهم.. { وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ .} (الأعراف 164).

لكل إنسان أن يختار لنفسه ما يشاء.. غير إن هذه المشيئة لا تتم بعيداً عن أعين الله فهو القادر على أن ييسر سبيلها وهو القادر على أن يرهقها من أمرها عسراً.. لأن الأمر في النهاية هو اختيار وجه الله سبحانه واختيار سبيله، وهو أعلم بمن هو أحق بها وأهلها علم الله سبحانه وتعالى يوم ولد يوسف عليه السلام أنه عندما يصل إلى ملك مصر سيركع بين يديه ويقول { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .} (يوسف 101). لم يكن طريقه إلى الملك ميسراً بل كان طريقاً طويلاً شاقاً مريراً تعترضه المهالك والفتن والقهر والعذاب، وكانت اختياراته قاسية مع إخوته ومع امرأة العزيز وفي غيابة الجب وفي غياهب السجون.. لم يعرف اليأس في الأسر ولم يتخل عن الإيمان في السجن لم تفتنه امرأة العزيز ولم يغره ملك مصر وعلم الله كل ذلك فأعانه على اختياراته ونصره على نفسه وطوع له إرادته {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً .} (الكهف 17). النبيون والصديقون والشهداء والصالحون هم أعلى قمم الهدى وأئمة الذين هدى الله في الأرض اختارهم الله سبحانه وتعالى على علم بعد أن ابتلى سرائرهم ومحص قلوبهم وامتحن إيمانهم .. وظن الجاهلون أن الأمر يتم ارتجالاً أو أنه يبرم سدى كمثل الذين قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله فكان الجواب دامغاً داحضاً بقوله تبارك وتعالى { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (الأنعام 124). وكما أن الرسالة لا تؤتي إلا بعلم الله فكذلك الهدى لا يؤتى إلا بعلمه سبحانه وتعالى هو أعلم بمن اتقى.. إننا نحن البشر على ما نحن عليه من الضعف لا نختار شيئاً إلا بعد علم وتمحيص، فما بالك باختيار الله سبحانه وتعالى { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .} (القصص 68).

من أجل ذلك فلا مشيئة إلا بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى هو أعلم بالناس إذ هم أجنة في بطون أمهاتهم { إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً . يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً .} (الإنسان 29-31). إن الله كان عليماً حكيماً يختار بعلمه ويحكم بحكمته فمن علمه مؤمناً من عباده جعل له من أمره يسراً، ومن علمه ظالماً أعد له عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة وتظل التذكرة قائمة عليه بالحجة في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه محفوظاً بأمره سبحانه وتعالى إلى يوم يبعثون { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .‏ } (التكوير 27-29). كيف يشاء الله لفرعون بعدما صنع في الأرض أن يستقيم، كيف يشاء الله لقوم نوح بعد أن اتهموه بالضلالة أن يهتدوا، كيف يشاء الله لقوم هود أن يهتدوا بعد أن رموه بالسفاهة، كيف يشاء الله لقوم لوط أن يتطهروا من رجسهم بعد أن عيروا نبيهم بالطهارة وهموا بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم لمجرد أنهم أناس يتطهرون.. كيف يهدي الله من اختار الضلالة لنفسه بعد أن رأى من آيات ربه وعلم من كلماته سبحانه وتعالى علواً كبيراً يخلق ما يشاء ويختار.. ولا يختار سدى.. بل يختار بعلمه وبحكمته إنه كان عليماً حكيماً.

تبدأ اختيارات الإنسان عندما يميز القوم الذين آمنوا من القوم الذين كفروا سواء في بيته أم في قريته أم في الأرض جميعاً فيعرف سبيل هؤلاء وسبيل أولئك، وفي اللحظة التي يتولى فيها قوماً دون الآخرين يبدأ سلطان الله فيوله ما تولى.. فإذا تولى القوم الذين آمنوا يسر له طريقه وأعانه على اختياره ونصره بهم وأعزه فيهم ثم جعله معهم في الآخرة كما كان معهم في الدنيا، وإذا تولى القوم الذين كفروا مد له فيهم مداً ليزداد إثماً على إثم ثُم جعله معهم في ركام واحد في جهنم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً .} (النساء 144). من هذا الاختيار يبدأ سلطان الله على الناس.. فمن اختار ولاية الله وتولى حزبه من المؤمنين فقد هدى إلى صراط مستقيم، ومن اختار ولاية الشيطان وتولى حزبه فقد أراد أن يجعل لله عليه سلطاناً مبيناً.

{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً .} (الكهف 50) هذه هي ولاية الله يبينها بكتبه ورسالاته ويريد الله للناس أن يختاروا ولايته.. وتلك هي ولاية الشيطان يبينها للناس ليجتنبوا مسالكها ولو كانت عن طريق آبائهم أو عشيرتهم أو أقرب الناس إليهم {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ .‏ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .‏ }(المجادلة 19-22). يختار الإنسان ولاية الشيطان بيده أو بيد من يتولاه في الأرض من حزبه.. ذكر الله بحمده وتسبيحه وتلاوة آياته وإقامة الصلاة لذكره وشكر نعمته وتولى من يذكره في الأرض من عباده المؤمنين واجتناب القوم الذين يغفلون عن ذكره هو سبيل المؤمن لاختيار ولاية ربه { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً .} (الكهف 28).

ولا يستطيع أحد أن يحتج بأنه لم يكن حراً في اختيار أوليائه.. فمن اختار أولياء الله فقد اختار ولاية الله، ومن اختار أولياء الشيطان فقد اختار ولاية الشيطان { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ .} (النحل 98-100).

جعل الله القرآن نوراً يهدي به من يشاء من عباده { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ .} (الشورى 52و53)، فمن شرح صدره للقرآن فقد هدى إلى صراط الله، ومن حجب نفسه عن القرآن فلن يهتدي إذاً أبداً.. والله لا يهدي إنساناً إلى نوره ولا يحجب نوره عن أي إنسان إلا بعلمه وبما عنده سبحانه وتعالى من مفاتح الغيب.. فإذا علم الله أن إنساناً ستكون له في حياته الدنيا اختيارات تقربه إلى الله شرح صدره للإسلام وهداه إلى صراطه المستقيم، وإذا علم الله أن إنساناً ستكون له في حياته الدنيا اختيارات تقربه من الجحيم جعل صدره ضيقاً حرجاً وأضله وهداه إلى سواء الجحيم.. وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة لا يأمر إلا بالحق ولا يشاء من شيء في الأرض ولا في السماء إلا بالحق المبين.

والله سبحانه وتعالى من رحمته يبين لعباده أنه لا يشاء لهم شيئاً لا يختارونه هم لأنفسهم سواء من ثوابه أو من عقابه في الدنيا وفي الآخرة على سواء.. ولقد علم الله سبحانه وتعالى أن عباده فريقان فريق يريد الدنيا وفريق يريد الآخرة { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ }(آل عمران 152)، ويستجيب الله من رحمته لعباده بقدر ما يريد عباده لأنفسهم { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.} (آل عمران 145) ذلك لمن كان صالحاً وأراد أن يعجل الله له الثواب في الدنيا أولئك يؤتهم منها، أما الذين يريدون الحياة الدنيا لذاتها وفتوناً بزينتها فأولئك يوف الله لهم أعمالهم فيها وهم في الآخرة من الخاسرين { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (هود 15و16)، وكذلك يحذر الله سبحانه وتعالى عباده من طلب الدنيا لذاتها ويبين لهم من رحمته أنه إنما يريد لهم الآخرة، ويستقيم ذلك في الفهم مع طبيعة الحياة الدنيا الموقوته فما كان للإنسان أن يستبدل حياة قصيرة زائلة بحياة باقية خالدة، وما كان له أن يرضى بنعمة زائلة عن نعيم مقيم عند مليك مقتدر، وما كان له أن يؤثر داراً ليس له فيها إلا بمقدار ما يشاء الله لمن يريد على دار له فيها ما يشاء وعند الله فيها من فضله مزيد { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . }(الأنفال 17).

وفي بيان آخر في كتاب الله الذي لا تنفد كلماته يبين الله لعباده أنهم إنما يحرثون ما يزرعون، فمن كان حرثه للآخرة زاد الله له في حرثه ومن كان حرثه الدنيا جعل له نصيباً فيها فإذا جاء يوم القيامة تذكر أنه قد استوفى حرثه وأنه لم يعد يدخر لنفسه نصيباً من بعد ولن يجد من بين يديه إلا الحسرة على ما فرط فيها وذلك هو الخسران المبين { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ.} (الشورى 20).

كل شيء أصبح منوطاً بإرادة الإنسان وبقدر اختياراته في الحياة الدنيا، ولو أن الله قد أراد لنا شيئاً لما كان قد أراد لنا إلا الهدى، ولكن الله جعل الإنسان خلقاً مخلفاً ليشاء لنفسه ما يشاء من الضلالة أو الهدى.. من شاء الضلالة أضله الله ومن شاء الهدى هداه الله { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . } (فاطر 8).

يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ } أي بقدره كان ذلك.. بقدر ماذا.. بقدر مشيئة الله أم بقدر مشيئة الإنسان لا يقول ابن كثير شيئا ولا يجيب عن ذلك بشيء.. أما البيضاوي فقد سكت عن تفسير ذلك إذ قال رحمه الله (أفمن زين له سوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقاً والقبيح حسناً كمن لم يزين له، بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه فحذف الجواب لدلاله { اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ } وقيل تقديره أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة فحذف الجواب لدلالة { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} عليه ومعناه فلا تهلك نفسه عليهم للحسرات على غَيهم وأصرارهم) هذا هو ما نسب إلى البيضاوي في هذه الآية الكريمة.

ويرى علماء اللسان أن الضمير المستتر في الفعل يعود تقديره إلى أقرب اسم يسبق هذا الفعل، ومن ثم رأى بعض الفقهاء أن اسم الله هو أقرب الأسماء إلى الضمير المستتر في الفعل (يشاء).. ولو صح هذا الرأي لما كان هنالك معنى للثواب والعقاب ولأصبح الإنسان مسلوب الإرادة مسيراً إلى المجهول لا مشيئة له في الحياة الدنيا على الإطلاق، وهو رأي لا يستقيم مع وضوح الآيات البينات على إرادة الإنسان وحريته المطلقة في اختيار ما يشاء لنفسه في الحياة الدنيا فضلاً عن أن أقرب الأسماء إلى الضمير المستتر هو الاسم (من) وليس اسم الجلالة تبارك وتعالى { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ } يقول الإمام الزبيدي رحمه الله في تاج العروس (من بالفتح اسم بمعنى الذي ويكون للشرط وهو اسم مغن عن الكلام الكثير المتناهي في البعاد والطول وذلك أنك إذا قلت من يقم أقم معه كان كافياً عن ذكر جميع الناس) وكما يثنى (الذين) ويجمع على التذكير والتأنيث فكذلك تثنى (من) وتجمع على المذكر والمؤنث فتقول منان ومنتان بمعنى اللذين واللتين وتقول منون ومنات بمعنى الذين واللاتي، فهي اسم من الأسماء والضمير المستتر في قوله تعالى { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ } يعود إلى (من) من البشر بمعنى الذي لأنه أقرب الأسماء إلى الفعل (يشاء). إن الفهم الصحيح لآية من آيات الله هو الفهم الذي يضعها في موضعها ولا يختلف بها عن آية أخرى من آيات الكتاب الحكيم { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً .} (النساء 82)، إن قولك إن آية في القرآن تنسخ آية أخرى، يعني أنك قد وجدت في القرآن اختلافاً في هاتين الآيتين وهو ما لا يجوز على الكتاب ولا ينبغي لكلمات الله التي أنزلت لا اختلاف فيها إلا عند الذين يخطئون فهمها أو يحرفونها عن موضعها وقولك إن الضمير المستتر في قوله تعالى { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ } (فاطر 8). يعود إلى الله كقولك إن الذين يضلون قد ضلوا لأن الله قد شاء لهم أن يضلوا، والله لا يشاء الضلالة ولا يرضاها لعباده أبداً { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} (الأنعام 35). { وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ } (الأنعام 107). { سَيَقُولُ الَّذِينَ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ . قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .} (الأنعام 148). { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً } (يونس 99). {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} (هود 118). { وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .} (النحل 9)، ولكن الله سبحانه وتعالى قال الحق وبينه لعباده وشاء لهم أن يشاؤوا هم لأنفسهم ما يريدون، وأذن سبحانه أن يحمل عباده على ما يختارونه لأنفسهم فمن شاء الضلالة واختارها لنفسه أضله الله ومن شاء الهدى واختاره لنفسه هداه الله. وفي بيان واضح لا اختلاف فيه يقول الله تبارك وتعالى { اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ .} (الشورى 13)، من أناب إلى الله هداه الله إليه.. الضمير المستتر في الفعل (ينيب) يعود إلى الإنسان قولاً واحداً لا ريب فيه لأن الله سبحانه وتعالى لا ينيب أحداً فهو العزيز الغني الكبير الملك المتعال.. وكذلك فإن الضمير المستتر في الفعل (يشاء) في هذه الآية يعود إلى الاسم (من) بمعنى الذي قولاً واحداً.

القرآن هو بيان القرآن وهو تفسيره وفي القرآن ضوابط فهمه وتأويله.. فإذا أخطأت فهم الآية أو أسأت تأويلها فإنك ستصطدم حتماً بآية أخرى تنبهك إلى ذلك لتعيد النظر في الأمر حتى تهتدي إلى صراط مستقيم غير ذي عوج.. ذلك من آيات الله وذلك من أعظم ما يجد الإنسان في كتاب ربه من الآيات الكبر.

من شاء الضلالة فإن الله يضله.. ومن شاء الهدى فإن الله يهديه.. ولكن هذه المشيئة ليست مجرد رغبة طارئة أو أمنية عارضة بل هي حرص ودأب وعمل وتصميم. ويبين الله لعباده كيف يختارون الهدى لأنفسهم وكيف يجتنبون الضلالة ويتقون سبلها.. ولعل أول دعوة إلى دين الله أن يحذر الناس الاجتهاد في دين الله بغير الوحي. قد يصل الإنسان إلى المريخ بفكره وبعمل يديه، ولكنه لن يصل إلى ربه إلا بوحي من الله مبرأً ومطهراً من أي فكر إنساني أو عمل بشري، اجتهد الأولون سبيلاً إلى ربهم فمنهم من وصل إلى حجر في الأرض ومنهم من وصل إلى كوكب في السماء، فلما تطلع إبراهيم عليه السلام إلى ربه لم يصل إلى أبعد من الشمس فلما أفلت قال قول الحق من ربه { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } (الأنعام 77)، لا تنبغي طاعة في الدين إلا لله بما أوحى إلى عباده المرسلين، وكل طاعة في الدين بغير وحي فهي ضلالة { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .} (الزخرف 26-28)، الكلمة الباقية للذين يريدون وجه الله.. براءة مما يعبد الناس في الأرض بغير وحي من الله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.

مشيئة الإنسان ليست هوى ولكنها اختيارات وحرص ودأب وتصميم. من أراد الله فعليه أن يختار الهدى.. ومن أراد الهدى فعليه أن يختار الوحي.. ومن أراد الوحي فلن يجد من بين يديه ولا من خلفه إلا القرآن.. إن الرسول عليه الصلاة والسلام يؤكد هذه الحقيقة عندما أمره الله أن يقول للناس { قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ . } (سبأ 50)، فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهتدي إلا بالوحي، ولا ينبغي لأحد من بعده أن يهتدي بغير الوحي.. وإذا ورد التعبير بالذكر فإن الذكر قد يختلط به ذكر الأولين، وإذا ورد التعبير بالكتاب فقد يشمل ذلك التوراة والإنجيل، أما إذا ورد التعبير بالقرآن فإنه لا ينصرف إلا إلى كلمات الله التي بين أيدينا محفوظة في المصاحف بإذن الله { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (الإسراء 9)، ولن نجد قرآناً إلا في المصاحف ولن نجد الهدى في غيرها إذاً أبداً { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (الأنعام 161)، وجاء الصالحون من بعده صلى الله عليه وسلم ليقولوا قول الحق من ربهم { وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } (الأعراف 43).

هذا هو الاختيار الحق للإنسان وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالاستجابة.. الإسلام دعوة مطروحة بالوحي.. وهي دعوة صادقة لا إكراه فيها.. لكل إنسان أن يستجيب إليها ولكل إنسان أن يرفضها كما يشاء.. وفي هذه الدعوة لا يحتكم الإنسان إلا لسمعه.. { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ .} (الأنعام 36)، استجابة الإنسان لأي أمر هو النتيجة الطبيعية لما يسمع في الأرض.. وإنما يستجيب الإنسان إذا كان له سمع الأحياء.. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .} (ق 37)، ألقى السمع وهو شهيد فإن كثيراً من الناس يلقون السمع وهم غائبون أولئك يسمعون وفي آذانهم وقر لا يفقهون القول ولا تتميز عندهم الأشياء { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ .} (الأنفال 21-23).

وليس السمع هو مجرد الإصغاء للقول فإنك قد تصغي إلى لسان أعجمي دون أن تعي منه شيئاً، ولكن السمع هو تمحيص القول وتدبره وتشربه بأفئدة نقية وقلوب واعية وأذهان لا يخالطها الشرك.. عرض الإيمان على بني إسرائيل فلم يمحصوا القول ولم يتدبروه لأنهم كانوا قد أشربوا العجل { خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } (البقرة 93)، لم يرتفعوا فوق الضلالة في مصر بل أخلدوا إلى الأرض والتصقوا بها ومدوا جذورهم في أعماقها فأشربوا عجل فرعون واستحبوا طعامه مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، فلما عرض عليهم الإيمان أعرضوا وأرادوا عجل فرعون من ذهبهم وحليهم وفضلوا طعامه على المن والسلوى وكذلك اليوم يفعلون في فلسطين بعد أن اشربوا في قلوبهم طائرات هتلر ومدرعاته في القهر وسفك الدماء.

وتشرب الشرك هو أول ما ينبغي للإنسان أن يتجرد منه حين يسمع الوحي.. والشرك هو كل طاعة تخالف طاعة الله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .} (الأنعام 121)، مثل القلوب التي أشربت الشرك كمثل أكواب ملئت فلن تجد مكاناً لوحي ربها إلا أن تفرغه أباديد.. والشياطين من الإنس ومن الجن دأبوا على عداء النبوة والوحي { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ .} (الأنعام 112و113).

إنما يحجب الوحي عن القلوب التي أشربت الشرك.. وإنما يحجب الوحي عن الأفئدة التي تتسمع الكذب من شياطين الإنس والجن.. وكذلك يحجب الوحي عن القلوب التي طبع الله عليها..

يطبع الله على قلوب الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ .} (النحل 107، 108).

يطبع الله على قلوب الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق من الذين يجادلون في آيات الله بعد إذ أنزلت إليهم بينات مفصلات مفسرات لأولي الألباب { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ .} (غافر 35).

يطبع الله على قلوب المعتدين الذين يرون البينات من ربهم فيعرضون عنها ويقولون مالا يعلمون.. أولئك شر مكاناً وأضل سبيلاً.. أولئك الذين يعتدون على أنفسهم مرتين.. مرة عندما حجبوا الحق عن أنفسهم ومرة أخرى عندما أورثوا أنفسهم الضلالة.. يشترون الأوهام بغير دليل أتاهم ويتركون البينة من كتاب ربهم فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ . } (يونس 74).

يطبع الله على قلوب الذين لا يتعلمون كتاب ربهم ولا يتدبرونه ولا يتبعون النور الذي بين يديه وإذا عرضت عليهم آياته ليؤمنوا بها مبرأة من كل شرك مفصلة لكل مثل تولوا وقالوا إن أنتم إلا مبطلون { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .} (الروم 58، 59).

يطبع الله على قلوب الذين لا يتوبون عن ذنوبهم ولا ينيبون إلى ربهم { أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ . }(الأعراف 100).

يطبع الله على قلوب الذين يرضون لأنفسهم مقاعد خلاف الإيمان بالله والجهاد في سبيله {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ .‏ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ .} (التوبة 86، 87).

يطبع الله على قلوب الذين يستمعون القرآن وهم نجوى لاهية قلوبهم من الذين يترددون في قبول القرآن والذين لا تخشع له قلوبهم حين يتلى عليهم.. أولئك لم يؤمنوا ولن يؤمنوا فطبع على قلوبهم فهم لا يهتدون { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ .} (محمد 16).

ويطبع الله على قلوب الذين كفروا بعد إيمانهم { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ . }(المنافقون 3).

من أراد أن يستمع الوحي فعليه أن ينسلخ من الشرك وأن يبدد ما أشرب في قلبه منه.. وألا ينصت إلى الكذب مما يوحي به شياطين الإنس والجن، وأن يحذر المسالك التي يُطبع فيها على قلبه مما بينه الله لعباده.

وفي ذلك بلاء لإرادة الإنسان وتمحيص لاختيارته.. وهو في كل ذلك مرهون بمشيئته.. يستطيع الإنسان لا شك أن ينسلخ من الشرك إذا رفض أن يطيع أمراً خلاف كلمات الله التي أنزلها لعباده تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء.

يستطيع الإنسان ولا شك أن يصم آذانه عما يوحي به شياطين الإنس والجن من القول المنمق إذا أخضع كل قول لكلمات الله فأقام الدين ونقض كل ما يخالفه أو ينقص عنه أو يزيد عليه..

يستطيع الإنسان ألا يطلب الدنيا لذاتها وألا يؤثرها على الآخرة.. يستطيع الإنسان ألا يتكبر في الأرض ولا يجادل في آيات ربه بغير الحق.. يستطيع الإنسان أن يقبل على تعلم كتاب ربه وتدبر آياته.. يستطيع الإنسان أن يتوب عن ذنوبه وأن يكون مؤمناً صالحاً قانتاً لله حنيفاً.. وكل ذلك إنما يتم بمشيئة الإنسان وبمحض اختياره.. إن شاء سمع الوحي فأصغى فؤاده إلى القرآن فهدى إلى الله.. وإن شاء أعرض عنه فتصيدته الشياطين فهدته إلى الضلالة والعذاب في الدنيا والآخرة.

أمر الله بالهدى.. وعلم الذين آمنوا.. فأذن لهم أن يهتدوا.. وأمر الله باجتناب الضلالة.. وعلم الذين كفروا.. فحجب عنهم النور والكتاب.. { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ . } (الأعراف 29). { أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . } (يوسف 40). { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . } (النحل 90).{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ. } (النساء 58).

{ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ} (الأنعام 14).

{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ.‏} (يونس 104-106).

{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} (الشورى 15). عبادة الله.. والاستقامة على أمره.. في خلق منضبط كما تنضبط دقات قلب الإنسان ودورته الدموية في نظام بديع سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى.. ولو شاء لضبط أفئدتنا وأقوالنا وأفعالنا وكل تصرف من تصرفاتنا.. ولكنه أراد أن يكون كل ذلك بوازع من أنفسنا. فجمع في الوحي كل أمره.. ودعى عباده ليتعلموا الأمر الذي أنزل إليهم وليتدبروه ويتبعوا منه ما يستطيعون بإحسان ولا يعرضوا عنه أو يتخذونه مهجوراً وهو قائم عليهم بالحجة والبينة والحكمة والموعظة الحسنة { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ‏} (الشورى 52،53).

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ‏} (يونس 100).

{ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ .‏}، (البقرة 221).

{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . } (المائدة 15، 16).

{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّل} (آل عمران 145). { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }(التغابن 11).

لا تصيب مصيبة إلا بإذن الله.. إن شاء حال بينها وبين ما تصيب وإن شاء أطلقها والله علم الشهادة كما علم الغيب.. يعلم المؤمن فيهدي قلبه، ويعلم من يتبع رضوانه فيهديه بنوره وبكتابه.. ويعلم الكافر فيطبع على قلبه ويحجب عنه النور والكتاب ويتركه في الظلمات التي أرادها لنفسه. وليس في ذلك أي قيد على إرادة الإنسان.. فالذين آمنوا أولئك حزب الله ووعد الله لينصرن حزبه فيهديهم إليه صراطاً مستقيماً ويعصمهم من الناس ويؤتيهم من خير الدنيا والآخرة.. والذين كفروا أولئك حزب الشيطان وكتب الله ليغلبنهم وليعذبنهم في الدنيا والآخرة. {مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (الأنعام 39). من يشاء من الناس ضلالاً فإن الله يضلله، ومن يشأ من الناس الهدى فإن الله يجعله على صراط مستقيم.. ولكن كيف يشاء الناس الضلالة لأنفسهم وكيف يشاؤون الهدى ليولي الله سبحانه وتعالى كلاً ما تولاه من النجدين.. الذين يريدون الهدى ولا يريدون الضلالة في الأرض يجتنبون الظلم.. والكفر.. والفسوق.. لأن الله قد بين في الكتاب أنه لا يهدي القوم الظالمين ولا يهدي القوم الكافرين ولا يهدي القوم الفاسقين..

{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (الأنعام 144). يبين الله تبارك وتعالى أن أكبر ما يظلم به الناس أنفسهم في هذه الحياة الدنيا أن يحجبوا أنفسهم عن آيات كتابه العزيز.. ذلك لأن آيات الكتاب هي الهدى ولا ينبغي للإنسان أن يهتدي إلا بآيات الكتاب كما أنزلت عليهم من ربهم لا يحيدون عنها ولا يزيدون عليها ولا ينقصون منها ولا يغفلون عنها ولا يتبعون غيرها { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (الأنعام 144)، وإذا أراد الإنسان أن يأمن الكذب فلن يجد من بين يديه ولا من خلفه إلا القرآن { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً } (النساء 87). { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } (النساء 122)، فمن أراد الهدى بغير قرآن فإنه يحتمل مخاطرة لا قبل له بها من الذين يأتون بدين ليس من عند الله أو يقدمون للناس أحكاماً بغير سلطان أتاهم أو يفترون الأحاديث والأساطير ليحجبوا الناس عن دين ربهم..

وليس أظلم ممن كذب بآيات الله من الذين يتلى عليهم القرآن فلا يصدقون أنه من عند الله أو لا يؤمنون أنه الحق من ربهم أو تراهم في ريبهم يترددون في قبول بعض أحكامه أو يجادلون في بيانه وتفصيله { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ. وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ. } (الزمر 32-35).

وليس أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها أو ذكر بها ثم أعرض عنها، ينبغي للإنسان أن ينشرح صدره للإيمان في اللحظة التي يذكر فيها بآيات القرآن لأنها الحق من ربه في كتاب فصلت آياته تفصيلاً وأُنزلت بالحكمة تبياناً لكل شيء { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا } (الكهف 57). { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } (السجدة 22)، لا ترادف في آيات ولا تكرار في القرآن ولا ناسخ لآياته ولا منسوخ فيها بل آيات بينات أنزلت في مواضعها لدلالات خاصة بكل منها.. في الآية الأولى يذكر الظالم بآيات ربه فيعرض عنها فوراً وفي الآية الثانية يذكر الظالم بها ثم يعرض عنها بعد ما سمعها وعقلها ودمغته حجتها.. وكلا من الفريقين هم أظلم الناس في الأرض لأنهم يرون النور فيتبعون الظلمات ويرون الهدى فيتبعون الضلالة أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ } (البقرة 140)، أولئك يعرفون الحق وينكرونه.. يعرفون أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. ويعرفون أنه أنزل بالحق من ربهم.. ويعرفون أنه فصل كل شيء تفصيلاً وفسر كل شيء تفسيراً وأنزل على الناس بالحكمة تبياناً لكل شيء.. يعرفون كل ذلك ويكتمونه ولا يشهدون به خوفاً أو طمعاً أو مودة بينهم في الحياة الدنيا ويوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً.

في خمس آيات بينات رأينا أن أظلم الناس هم أولئك الذين يكذبون على الله سواء بالإفتراء عليه سبحانه أو بتكذيب آياته أو بالإعراض عنها أو بكتم الشهادة لله بالحق.. ويضاف إلى هؤلاء في أظلم الناس ضلالة في الأرض الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أو يسعون في خرابها { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. } (البقرة 114).

المساجد هي ملتقى المؤمنين على الحق { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً } (الجن 18)، لا دعوة في المساجد إلا بالله.. لأنها أماكن أرادها الله طهورة لذكره بالذكر الذي أنزله على عباده والدين الذي ارتضى لهم طهوراً مبرءاً من كل شرك.. من دعا فيها بدعوة ليست من عند الله أو ذكر فيها الله بغير ما علمه الله أو جاء بحديث يحجب الناس عن آيات ربهم أو أراد أن يحملهم على غير كتاب ربهم فقد احتمل مخاطرة لا قبل له بها يوم لا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا ناصراً.. من أراد الأمن بعيداً عن المخاطر فإنه يكتفي بآيات الله ولا يلزم نفسه إلا بأحكامها وخاصة إذا تبوأ مكانه ليدعو إلى الله في المساجد على ملأ من الناس.

لبث أصحاب الكهف في كهفهم ثلمائة سنين وازدادوا تسعاً ثم أعثر الله عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها.. وكان حدثاً عظيماً وآية من آيات الله يتدبرها المؤمنون فلا ينضب عطاؤها.. ناموا في كهفهم على خوف من ملئهم أن يفتنهم ثم قاموا على خوفهم رغم أن الأيام قد طويت صفحاتها.. انقضت قرون مرقدهم فلما قاموا لم يشعروا بالزمن الذي انقضى في مرقدهم وكأنه يوم أو بعض يوم.. والذين يحصون الأيام في الأزل حزبان حزب التقويم الشمسي وحزب التقويم القمري ونسى الحزبان ما أحصوا لما لبث أصحاب الكهف في كهفهم أمداً.. فجاء الله بالحسابين في تقويم واحد فكل ثلثمائة سنة في التقويم الشمسي تعادل تسع وثلثمائة سنين في التقويم القمري.. وكان خليقاً بالذين غلبوا على أمرهم أن يقيموا صرحاً على هذا الحدث حتى تظل الآية ظاهرة في الأرض يتذكرها الناس جيلاً بعد جيل { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً.} (الكهف 21)، يشهد الله بالقول الفصل للذين عزموا على أن يتخذوا عليهم مسجداً بأنهم غلبوا على أمرهم والله لا يشهد إلا بالحق ولا غلبة في الأرض بالحق إلا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.} (المجادلة 21)، ولا غلبة في الأرض بالحق إلا لحزب الله {فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.} (المائدة 56)، ولا غلبة في الأرض بالحق إلا لجند الله { وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ.} (الصافات 173)، فإذا شهد الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز لهؤلاء بأنهم قوم غلبوا على أمرهم فلقد شهد لهم بأنهم قوم آمنوا بالله ورسله وكانوا حزبه وجنده الغالبين، وأصبح رأيهم الذي رأوا سنة حميدة من سنن الصالحين التي يجب اتباعها.. لم يوافقوا على إقامة بنيان بل عزموا-بلام التأكيد ونونها- على أن يتخذوا عليهم مسجداً.. وما يزال المسلمون يقيمون النصب التذكارية والتماثيل والأضرحة والصروح وأولى بهم أن يتبعوا سنن الذين غلبوا على أمرهم فلا يتخذون على أحداثهم العظيمة التي يريدون أن تظل ظاهرة في الأرض وآية يتذكرها الناس جيلاً بعد جيل إلا مساجد يذكر فيها اسم الله ويعمرها الصالحون من عباده ومن سعى في خرابها فأولئك من أظلم الناس في الأرض.

ويفصل الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز معنى الظلم ويأتي بنماذج للظالمين تفصيلاً فيبين الله تبارك وتعالى أن اتباع الهوى بغير علم من الله ظلم { بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الروم 29)، وإن الذين يستبدلون بكلمات ربهم قولاً غير الذي قيل لهم بوحي من ربهم هم الظالمون { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} (الأعراف 162) وإن الذين لا يريدون إلا ترف الحياة الدنيا هم الظالمون { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ.} (هود 116)، ويبين الله لعباده أنه لن يصيبهم إلا بظلمهم وأنه لا يريد ظلماً للعباد { إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } (النساء 40)، ولكن الناس أنفسهم يظلمون فيحجبون أنفسهم عن الهدى فينساهم الله ويذرهم في طغيانهم يعمهون.. ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يبين لعباده أنهم إذا أرادوا الهدى فعليهم أن يتوبوا عن ظلمهم ويستغفروه إنه هو الغفور الرحيم {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً.} (النساء 64)، يتوب الله عليهم ويسبغ عليهم من رحمته إذا عزموا الأمر بإرادتهم على أن يكفوا عن الظلم { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً .} (النساء 110)، يغفر الله لهم ويرحمهم إذا عزموا الأمر بمحض إرادتهم على أن يتوبوا عن الظلم وعن السيئات.

لا تنغلق أبواب الرحمة على الظالمين إلا إذا جاءهم الموت.. وبوسعهم في كل وقت من قبل ذلك أن يكفوا عن الظلم ليتوب الله عليهم ويطهر قلوبهم ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً.. فمن شاء من البشر أن يهديه الله فعليه أن يتوب عن الظلم لأن الله لا يهدي القوم الظالمين ما ظلوا سادرين في غيهم لا يتوبون إلى الله ولا يستغفرونه..

{وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } (البقرة 264). يقول الإمام الزبيدي رحمه الله في تاج العروس (أصل الكفر من الكفر بمعنى الستر كالكافور والكفران، كفر بها كفراناً بمعنى حجرها وسترها) ويقول بعض العلماء الكفر على أربعة كفر إنكار وكفر جحود وكفر معاندة وكفر نفاق.. وقال الأزهري أصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه ويرد ضد الإيمان لأن الكفر فيه ستر الحق.. وقيل سمي الكافر كافراً لأنه مغطى على قلبه، وقال الليث يقال إنه سمي الكافر كافراً لأن الكفر غطى على قلبه كله.. وتقول العرب للزارع كافر لأنه يكفر البذر المبذور بتراب الأرض وفسر بذلك بعضهم قول الله تبارك وتعالى { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } (الحديد 20)، أي أعجب الزارع.. وقال الصاغاني يقال للزرع كافر لأنه يستر ما تحته.. والكافر من الأرض ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله أو يمر به أحد.

وحاصل ما يستنبط مما جاء به علماء اللسان في معنى الكفر أنه حجب الشيء أو ستره أو تغطيته أو إخفاؤه.. وهو على وجهين كفر صالح إذا كان الكافر يحجب باطلاً أو يستر عورة أو يغطي سيئة أو يخفي إساءة، وكفر فاسد إذا كان الكافر يحجب حقاً أو يستر نعمة أنعمها الله عليه أو يغطي حسنة أو يخفي إحساناً.

كان إبراهيم عليه السلام والذين آمنوا معه يكفرون بقومهم لما حجبوا عن أنفسهم ضلال هؤلاء القوم وكفرهم بالله الحق تبارك وتعالى { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } (الممتحنة 4)، والذين كانوا يتجاوزون عن السيئات ويتصدقون بحقهم في القِصاص من بني إسرائيل كان ذلك كفارة لهم { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } (المائدة 45)، وجعل الله سبحانه وتعالي الكفارات غطاءا لبعض آثامنا وستراً لبعض سيئاتنا { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } (المائدة 89)، والله سبحانه وتعالى يكفر عن عباده المؤمنين ما عملوا من السيئات { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } (محمد 2)، والله سبحانه وتعالى من رحمته لا يضيع عملاً صالحاً ابتغوا به الخير { لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. } (آل عمران 113، 115). { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } (الأنبياء 94).

من كفر بالله وهو الحق فقد حجب نفسه عن الإيمان به. ومن كفر بالملائكة الذين هم عباد الرحمن فقد حجب نفسه عن الإيمان بهم، ومن كفر بالرسل وهم القدوة الحسنة للبشر في الأرض فقد حجب نفسه عن هديهم، ومن كفر بالكتاب الذي أنزله الله لعباده تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء فقد حجب نفسه عن الهدى، ومن كفر بلقاء الله وهو الحق يوم لا يفلت ظالم بظلمه ولا يخيب مؤمن بسعيه فقد حجب نفسه عن يوم لا ريب فيه وعداً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلي لتجزي كل نفس بما تسعى. والكافر إنما يحجب نفسه عن الإيمان بمحض إرادته ويختار لنفسه الكفر ويرفض الإيمان بمحض مشيئته.. والله سبحانه وتعالى يقول الحق ويدعو عباده المؤمنين أن يذكروا الناس بالحق ولكن مشيئة اختيار الحق أو الكفر به هي مشيئتهم وهي التي سيحاسبون عليها يوم القيامة { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29)، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد شاء لعباده أن يختاروا لأنفسهم ما يشاؤون فلا يعني ذلك أبداً أنه شاء للكافر أن يكفر ولكنه إذا كفر وتمادى في كفره فإن الله يضله ويطبع على قلبه ويخزيه ولا يهديه إلى ما أعرض عنه من الحق.

ولا تنغلق أبواب رحمة الله على كافر يحجب نفسه عن الحق لأن الله سبحانه وتعالى يريد من رحمته أن يخرج عباده من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى والإيمان ليروا بأفئدتهم ما لا يرون بأبصارهم من آياته في الدنيا قبل الآخرة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } (الأنفال 38)، فإذا اختار الكفر من بعد إيمانه فإنه إنما يختار أن يطبع على قلبه في القوم الذين لا يفقهون من الذين يضلهم الله ويولهم ما تولوا من الضلالة والعذاب { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ } (المنافقون 3)، فمن طبع على قلبه فإنما يضل بكفره من بعد ما علم من الإيمان وأبصر من أبواب توبة الله ورحمته.. ذلك حين اختار الضلالة وآثر الحياة الدنيا، كمثل قوم نوح لما حجبوا أنفسهم عن الإيمان وأصروا على الكفر طبع الله على قلوبهم { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } (هود 36)، هنالك انتهى الامتحان وسحبت الأوراق وابتلى المؤمنون حتى أقاموا الحجة لله على أنهم كانوا صالحين وابتلى الكافرون حتى أقاموا الحجة لله على أنهم كانوا فاسقين.

{ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } (المائدة 108). ينقل الأصبهاني عن ابن الأعرابي أنه لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها، وعن ابن دريد أنه قال فسقت الرطبة عن قشرها أي خرجت ومنه اشتقاق الفاسق لانسلاخه عن الخير.

إن عرب الجاهلية لم تكن لتعرف أن تقوى الله هي خير لباس في هذه الحياة الدنيا { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } (الأعراف 26)، ولم تكن العرب في الجاهلية لتدرك

أن التقوى هي خير الزاد في الحياة الدنيا { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } (البقرة 197)، المؤمنون الصالحون من أولي الألباب الذين يذكرون الله كثيراً يعلمون أن تقوى الله على بينة من كتاب ربهم هي خير لباس لهم وخير زاد لهم في طريقهم إلى لقاء ربهم.. ولا ريب أن هذا المعنى من القيم العظيمة في كتاب الله لم يكن ليعلمها الأعراب من قبل أن ينزل عليهم الكتاب، فلما لبسوا لباس التقوى من ربهم وعلموا أنه أفضل ستر لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقد أصبح لهم من بعد ذلك ما قد ينفسقوا عنه فعرفوا الفسوق صفة لمن ينسلخ عن آيات ربه كما تنسلخ الرطبة عن قشرها { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف 175، 176)، هذا رجل آتاه الله آياته فانسلخ منها.. هو الذي انسلخ منها بإرادته وبمحض اختياره لأنه أراد أن يتبع هواه ويغوص في الأرض وكان الله يريد أن يرفعه بها إلى عنان السماء هو الذي اختار هذا الانسلاخ عن لباس التقوى بآيات ربه فكشف نفسه للشيطان فأورده المهالك في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فالفسوق هو الانسلاخ عن تقوى الله كما انسلخ ذلك الكلب عن آيات ربه أو كما تنسلخ الرطبة عن قشرها تماماً كما فعل إمام الفاسقين في الملأ الأعلى { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً.} (الكهف 50).

الذين يتلقون العلم وحياً من ربهم يعلمون أن لباس التقوى هو خير وقاية لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على السواء، فمن فسق منهم عن ذلك فقد كشف نفسه للشيطان وأصبح مؤهلاً لولايته في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. والذين ينسلخون عن لباس التقوى إنما يفعلون ذلك بمحض إرادتهم شاهدين على أنفسهم أنهم إنما فسقوا عن أمر ربهم كما فسقت الرطبة عن قشرها.. ولا يستوي الأتقياء والفاسقون { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ. وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.} (الجاثية 21-22)، لا يستوون عند الله في الحياة الدنيا ولا يستوون عند الله في الآخرة { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ .} (السجدة 18)، بل فضل الله الأتقياء على الفاسقين درجات في الحياة الدنيا وحين الموت وفي الآخرة.

والذين يتلقون العلم وحياً من ربهم يعلمون أنهم إنما خلقوا لينظر الله كيف يختارون لأنفسهم.. فمن لبس لباس التقوى ملتزماً بما أمر الله به معرضاً عما نهى الله عنه فقد اختار الله، ومن فسق عن لباس التقوى لا يلتزم بأمر الله ولا ينتهي بنهيه ولا يعدل عن الحياة الدنيا وزينتها فقد اختار الشيطان.. وللإنسان في ذلك أن يختار لنفسه ما يشاء.. فذلك حقه الذي أذن الله له فيه خالصاً في الحياة الدنيا إما التقوى وإما الفسوق.. وفيما عدا ذلك فإنه لا يملك أن يقطع زهرة أو يتركها قائمة إلا بإذن الله { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ . }(الحشر 5).

ومن اختار الفسوق عن أمر الله فإن الله لا يهديه إلى أمره بل يوله ما تولى كمثل الذين زاغوا عن أمر الله { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .} (الصف 5). هم الذين زاغوا بمحض اختيارهم فأزاغ الله قلوبهم.. فسقوا عن أمر الله بزيغهم فلا يهديهم إليه حتى يختاروا الهدى لأنفسهم ويعدلوا عن زيغهم.. أو كمثل الذين قيل لهم تعالوا إلى كلمات الله فلووا رؤوسهم وصدوا واستكبروا.. لوى الرأس استخفافاً وسخرية وطغياناً، والصد عن الذكر الذي أنزل للناس بأمر الله والاستكبار في الأرض بغير الحق كل ذلك من الأعمال الإرادية التي لا تخرج في مجموعها عن أن تكون فسوقاً عن خير لباس أنزله الله بعلمه رحمة للعالمين { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ. سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. } (المنافقون 5، 6).

لا يفسق الناس ما اتقوا.. ولا يفسقون ما ألقوا السمع إلى كلمات الله.. ولا يفسقون إلا إذا استحبوا ترف الحياة الدنيا على ما استمعوا إليه من الوحي في كتاب ربهم.

التقوى والسمع { ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .} (المائدة 108). الحذر مما يختار الإنسان لنفسه.. واتباع ما يوحى إليه من ربه.. وحب الله ورسوله والكتاب الذي أنزل إليه والجهاد به فوق كل حب.. ذلك من آيات الله لا يفسق الإنسان ولا يضل بعدها أبداً { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .} (التوبة 24). وكتب الله ألا يؤمن الفاسق حتى يعدل عن فسقه ويعود إلى تقواه كما علمه الله من أمره رحمة به في الحياة وفي الآخرة { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .} (يونس 33).

الظلم.. والكفر.. والفسق.. كل ذلك من الأعمال الإرادية التي يعمد إليها الإنسان بمشيئته وبمحض اختياره فيحجب نفسه عن تلقي الهدى وحياً من الله.. وكذلك فإن الذين يؤمنون ويسلمون إلى ربهم ويتلون الكتاب ويعملون الصالحات إنما يقومون بأعمال إرادية يعمدون إليها بمشيئتهم وبمحض اختيارهم فيعدون أنفسهم لتلقي الهدى وحياً من ربهم { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الحجرات 7، 8).

تلقي الهدى وحياً من الله؛ ذلك أعظم ما يختار الإنسان لنفسه في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، تلقي الهدى بكلمات الله لا يضيف إليها ولا يعدل عنها إلى الظن ولا إلى ما تهوى الأنفس {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. }(الأنعام 119) كمثل ذلك الذي جعل القرآن شيئاً وجعل الكتاب شيئاً آخر، والله سبحانه علَّم الأسماء، والاسم من وسم الشيء فجعل له سمة يُعرف بها ويُستَدل عليه بها. وما كان لبشر أن يزعم أن الله رب وأن الرحمن رب آخر، أو أن محمداً رسول الله وأن أحمد رسول آخر، وكذلك القرآن كله هو الكتاب وهو الذكر الحكيم وهو الفرقان وهو الهدى وهو الموعظة وهو القول الفصل وهو شفاء لما في الصدور، وكل أولئك من الأسماء التي تدل على هذا القرآن العظيم والتي يعرف بها.

أو كالذي جعل القرآن عضين كما جاء في قوله تعالى { كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الحجر 90-93) عضين جمع عضو وهو كل جزء وافر بذاته مستقل عما سواه في كيان واحد، والمرفوع عضون بكسر العين ورفع الضاد، ولا نعرف أنه يجمع على (أعضاء) وهو من الأخطاء الشائعة التي غيبت الدلالة في هذه الآية الكريمة. كمثل أولئك الذين يفسرون القرآن آية آية وكأن كل آية في القرآن مستقلة بذاتها عما سواها، والقرآن كله يفسر بعضه بعضاً، وتكمل الآية أختها أو تستثنى منها في كيان قائم على الحق لا يقبل التجزئة ولا يقبل القسمة عضين متفرقة.

وإن للآية في القرآن لإحساساً وهدى ونوراً مبيناً إذا تلوناها بقلوبنا، دون أن يخالطها شيء من تلقاء أنفسنا، ويُنسب إلى رسول الله rأنه قال: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) نعم فقد أخطأ إذ خالط القرآن برأيه وتحكم فيه من تلقاء نفسه. وروى أن عمر بن الخطاب نازعته نفسه لمعرفة معنى (الأب) في قوله تعالى: { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } (عبس 31) قيل فلم يلبث أن ردع نفسه بقوله: (والله إنه التكلف)، ثم قال: (ما عرفتموه فاعملوا به، وما جهلتموه فكلوه إلى الله).

من أجل ذلك نقول مراراً، ليس في هذا الكتاب بيان القرآن ولا تفسير له، وما أردنا به إلا غاية واحدة أن نقيم الحجة على أن القرآن هو بيان القرآن وهو تفصيله وتفسيره. وما قصدنا به إلا إلى الدعوة إلى تدبر القرآن بقلوبنا، فهو حكم الله ولا نشرك في حكمه أحداً؛ فإذا قيل لنا إن فهمك لهذه الآية بتلك لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها، أو يقال لنا إن إحساسك بهذه الآية لا يتفق مع مساقها ونسقها أو يتعارض مع تلك الآية الأخرى من القرآن المجيد، فهذا هو الحق الذي نقصد إليه من تدبر القرآن والحوار الحر الذي يتطلع إليه. أما وإنكم لا تتهمونا إلا بإنكار السنة فأذنوا لنا أن نقول لكم نحن أقرب إلى السنة منكم، لأننا ندعو إلى اتباع القرآن، وما كان رسول الله ليتبع شيئاً غير القرآن { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ } (الأنعام 50/ يونس 15/ الأحقاف 9) فانظروا في أنفسكم هل تتبعون من دون القرآن إلا ما يناقضه أو يضيف إليه أو يقيده أو ينسخ منه نسخاً مروعاً أو يجعله كالذين اقتسموه عضين متفرقة.

لقد كان للجن مقاعد في السماء من قبل أن ينزل هذا القرآن العظيم يستمعون بإذن ربهم إلى ما عسى أن يهتدوا به سواء السبيل، ولكنهم من بعد نزول القرآن لم يجدوا لهم من تلك المقاعد شيئاً { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } (الجن 8، 9) فلماذا أغلقت أبواب السماء في وجوههم لولا أنه لم يعد هنالك مزيد من الهدى أو الرحمة أو العلم أو البيان أو الحكمة البالغة إلا في هذا القرآن، محفوظاً في الأرض بإذن الله عزيزاً كريماً شامخاً إلى يوم القيامة.

وتلك دلالة قاطعة على أنه من ابتغى من الإنس أو الجن شيئاً يتجاوز القرآن أو يزيد عليه أو ينقص منه فلن يجد له إلا شهاباً رصداً { إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ.} (الحجر 18) فما بالنا نستمع القول بعيد عن هذا القرآن العظيم ولقد شهدت الجن أنه يغنيهم عن من سواه وأنه يكفيهم رشداً { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ.} (الأحقاف 29).

من الناس من يعجب من أمر الله.. فإذا سمع الهدى من ربه لم يهتد به بل تردد فيه يقول ما بال القوم الذين لا يقرأون هذا اللسان العربي، وما مصير القوم الذين لم يأتهم مثل ما جاءه من الرسل.. كمثل فرعون لما جاءه موسى بالبينات لم يهتد بها بل تساءل عن الذين من قبل من القوم الذين لم يشهدوا موسى ولم يسمعوا الهدى الذي جاء به من ربه { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى. قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى.‏ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى.} (طه 49-52). ما بال القرون الأولى.. ما بال الهندوس.. ما بال الزنوج.. تساؤل الذين في ريبهم يترددون أما الذين آمنوا فيقولون كما قال موسى قول الحق من ربه إنما علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.. كتب الله لا يهلكن قوماً في الأرض إلا ولهم منذرون يحذرونهم بطش ربهم { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ.} (الشعراء 208، 209). بيان الصدق من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى لا يهلك قوم في الأرض بعذاب من الله إلا من بعد النذر وبعد أن تقوم عليهم حجة ربهم وتحق عليهم كلمة العذاب بذل أو وباء أو حرب أو زلزال. وكتب الله لا يدخل النار قوم إلا وقد جاءهم نذير من ربهم ليقوا أنفسهم عذاب الجحيم { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ. وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ } (الملك 6-11). بيان الحق من الله الملك الحق لا يرد أحد بابًا من أبواب جهنم حتى يعترف بأنه قد جاءه نذير من ربه لينذره عذاب الجحيم.. إن ملائكة الرحمن لا يسألونه عن ذنوبه وعما أفسد في الأرض.. وإنما يسألونه عن النذير.. قالوا بلى قد جاءنا نذير.. فيدخلون النار بعد أن يقيموا الحجة على أنفسهم باعترافهم أنهم كذبوا النذير وسفهوه وعموا وصموا وكانوا في ضلال كبير.

وكتب الله أنه ما من أمة في الأرض إلا ولها منذر بالحق من ربهم { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ. } (فاطر 24). قول الصدق من الله تبارك وتعالى وصدق الله ورسوله ومن أصدق من الله قيلاً لا يخلق من أمة في الأرض إلا ويبعث فيها منذرين بإذنه ينذرونهم عذاب ربهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، سيقولون كيف ومتى وأين.. ونقول إن الله القادر على أن يوصل الهواء إلى كل رئة والماء إلى كل شريان هو القادر على أن يبلغ إنذاره إلى كل عقل { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } (الفرقان 1). كتاب الله أنزل بلسان عربي مبين للعالمين جميعاً من أم القرى إلى آخر قرية في الأرض قبل يوم القيامة وكفى بالله حسيباً.. وقال صاحبي إنما تأخرت هذه الأمة من تعقيد لسانها وصعوبة تعلمه.. فقلت إنك لا تعقد الطائرة العسكرية لمجرد التعقيد بل تعقد فيها على قدر ما تحتاج منها للمناورة لتبلغ بها في الحرب نصراً مبيناً.. ولا نجد لساناً في الأرض أقدر على التعبير والحجة والإقناع من هذا اللسان العربي المبين.. وربما كان ذلك سبب اختياره ليكون للعالمين نذيراً.. ويجد العلماء الفرنسيون من تلاوة القرآن بلسانه العربي من المشاعر ما لا يجدونه في ترجمته رغم أنهم يشهدون لهذه الترجمة بالأمانة والصدق.. فهذا كتاب عجز العلماء عن ترجمته وخليق بهم أن يعترفوا بعجزهم عن تفسيره بغير ما أنزل فيه أو بغير بينة ترشد إليه.. وفي هذا يقول الشيخ محمد عبده في تفسير المنار صفحة 34 الجزء الأول: (لا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات).

وكتب الله لكل قوم هاد يهديهم إلى صراط ربهم ويبين لهم سنن الذين من قبلهم { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } (الرعد 7) لكل أمة منذر من ربهم ولكل قوم هاد.. هذا هو الحق بحديث الحق من الحق تبارك وتعالى ومن أصدق من الله حديثاً.. هذا هو ما ينبغي أن يطمئن إليه قلب كل مؤمن يخشى الرحمن بالغيب ويخاف يوم الحساب.. لا ينذرهم بما يحذر الله منه في الدنيا والآخرة بل ويهديهم إليه بإذنه صراطاً مستقيماً، فمن شاء من الناس اختار الهدى وصدق المنذرين ومن شاء من الناس اختار الضلالة فحقت عليه كلمة العذاب.

إن هذه الحقائق الثابتة في كتاب الله تبين بيقين لا لبس فيه أن كل إنسان مسؤول عن نفسه ولا شأن له بمن ضل في الحياة الدنيا.. وإنه لا ينفعهم ما يجدون عليه آباءهم.. وأنه لا يضرهم إذا أجمع الناس على الضلالة من حولهم ما اعتصموا بالله وهدوا إلى صراطه على بينة مما أوحى إليهم من كتاب ربهم { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. }(المائدة 104، 105).

فسيقولون بل حسبنا ما وجدنا عليه رسول الله وقال رسول الله rقول الحق من ربه { قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ} (الأنبياء 45). وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينذر إلا بما أوحى إليه من كتاب ربه محفوظاً بين أيدينا بإذن الله إلى يوم القيامة ولو كره المشركون { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ} (الأنعام 19). وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتدي إلا بما أوحى إليه في هذا القرآن { قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.} (سبأ 50). الهدى بالوحي الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغه إلى الناس كافة من أم القرى إلى آخر قرية في الأرض قبل أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وليس الهدى بغير الوحي إذن أبداً { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً.} (الإسراء 9).

من أراد الضلالة فإن الله يضله.. ويختار الناس الضلالة بظلمهم أو بكفرهم أن بفسوقهم.. ومن أراد الهدى فإن الله يهديه.. ويختار الناس الهدى إذا سمعوا القول من ربهم فاتبعوا أحسنه { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ.} (الزمر 18). ويختار الناس الهدى إذا اتبعوا رضوان الله { قد يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (المائدة 16). ويختار الناس الهدى إذا أسلموا أمورهم إلى الله ولم يتبعوا الهوى من أنفسهم ولم يأذنوا لأنفسهم إلا بما أذن الله لهم من البينات والحكمة { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } (آل عمران 20). ويختار الناس الهدى إذا أنابوا إلى ربهم واطمأنت قلوبهم بذكر الله وآمنوا بكتاب ربهم وعملوا الصالحات ابتغاء وجه الله { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ.} (الوعد 27-29). الإيمان والعمل الصالح هما الطريقة المثلى لتلقي الهدى وحياً من الله فمن اختار الهدى فإن الله لا يهدي الناس إلا بإيمانهم وبما يعملون من الصالحات ابتغاء وجه ربهم { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.} (يونس 9). ويزداد المؤمن إيماناً بربه فيزيده إيماناً بإيمانه حتى يبلغ درجة الاعتصام بالله وهنالك يعلو على الحياة الدنيا ويتحرر من كل قيودها حتى من نفسه ويصبح روحاً طاهراً راقياً مهيئاً لتلقي الهدى وفعل الخيرات { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً.} (النساء 175). وما يزال المؤمن مستمسكاً بالإيمان حتى يرى الحق من ربه ببصر حديد فيحتقر الذين يتعالون بالحياة الدنيا وزينتها ولا يقيس الأمور إلا بمظاهر الناس يوم يحشرون إلى ربهم { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً. قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً. وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً.} (مريم 73-76).

إن الله يهدي من يشاء الهدى من الناس.. ولكن هذه المشيئة ليست أُمنيةً عارضة ولا هي رغبة طارئة.. بل هي اختيار حر وعمل متواصل ودأب وثبات، وهي أخذ وعطاء بين الإنسان وربه يعطي الإنسان من إيمانه بقدر ما يستطيع ويتلقى من الله الهدى وحياً بغير حساب.

قد ينكر بعض الناس على محمد صلى الله عليه وسلم النبوة والوحي، ولكن الناس أجمعوا في كل زمان ومكان على أنه كان رجلاً صالحاً وقائداً عظيماً وإنساناً فاضلاً.. ونسمع هذه الشهادة كل يوم من المفكرين والعلماء في مشارق الأرض ومغاربها، ولعل أعظم شهادة ما شهد به برناردشو يرحمه الله حيث قال لو بعث محمد في زماننا هذا لحل جميع مشاكلنا المعاصرة قبل أن يفرغ من قدح قهوه.. لا يختلف رجلان على أنه صلى الله عليه وسلم كان على صراط مستقيم فماذا قال صلى الله عليه وسلم في أسباب عظمته.. قال صلى الله عليه وسلم قول الحق من ربه { قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.} (سبأ 50). وقال قول الحق من ربه { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.} (الأنعام 161-163). هداه الله بالوحي فكان أول مؤمن به ثم أخلص حياته ومماته لله فهداه إلى صراط مستقيم.

ذلك ما شهد به علماء الأرض لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذا ما شهد به محمد صلى الله عليه وسلم لربه، ومن قبله موسى عليه السلام قال قول الحق من ربه { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.} (طه 50). الذي خلق هو القادر على أن يهدي من خلق.. إنك لا تعطي سيارتك ليصلحها من لا يعلم أسرارها، فما لك تعطي نفسك ليصلحها من لا يعلم منها إلا قليلاً { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء 9) لأنه تنزيل ممن خلق الإنسان وعلم أسراره جميعاً، فتجد الآية من هذا القرآن تمتزج بالذهن امتزاجاً متجانساً، فتنتشر الأفكار في العقل والقلب والروح كما تنتشر قطرات الماء في عروقه وتمتزج في جوفه، لأن الله الذي خلق الإنسان هو الذي أحياه بالماء وهو الذي هداه وحياً بالقرآن.

من أراد الضلالة فإن الله يضله ومن أراد الهدى فإن الله يهديه.. وما يزال الإنسان على كتاب مفتوح لا ينغلق عليه حتى يأتيه الموت فينغلق عليه القبر إلى يوم القيامة فمن بدل من الضلالة إلى الهدى وشاء الإيمان إرادة ودأباً فإن الله يهديه، ومن بدل من الهدى إلى الضلالة وشاء الظلم والكفر والفسوق والعصيان بعد الإيمان فإن الله يضله { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (الرعد 11).

الإيمان والعمل الصالح هما الضمانة للإنسان ليأمن على نفسه في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً.} (طه 112)، ومن كان ظالماً أو كافراً أو فاسقاً وأراد الإيمان وسعى إليه بكلمات الله فإن الله يتوب عليه ويهديه إليه صراطاً مستقيماً { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.} (المائدة 39).

هذه هي إرادة الإنسان ومشيئته حرة طليقة في كل ما يتعلق باختياراته، ولكنها ليست كذلك فيما عدا ذلك إلا بإذن الله { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29). الإنسان يختار لنفسه ما يشاء مما يتاح له من البدائل في الحياة الدنيا بإرادة حرة طليقة من كل قيد، أما ما يجاوز ذلك مما لا خيار له فيه فلا حرية له فيه إلا بإذن الله وليس له فيه ما يتمنى.. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يعظ عباده المؤمنين بألا ييأسوا على ما فاتهم وألا يفرحوا بما آتاهم.. فكل ما يصيبهم في هذه الحياة الدنيا مما لا خيار لهم فيه لا ينالهم إلا بقدر في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. }(الحديد 22، 23).

فقضية الإنسان المخير أو المسير قضية غير واردة في منطق العلم والإيمان.. لأن كل شيء بمشيئة الله وهو سبحانه وتعالى قد شاء لعباده أن يشاؤوا لأنفسهم ما يختارون من البدائل المتاحة لهم وحبب إليهم أن يختاروا لأنفسهم الهدى وبين لهم سبيل الهدى بكلماته التي أوحى بها إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب محفوظ.. ويعلم الذين أوتوا العلم أنه صلى الله عليه وسلم كان رجلاً صالحاً وإنساناً عظيماً لأنه كان يتبع هذا الهدى الذي أورثه الله العالمين من بعده في هذا الكتاب تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لك شيء وتفسيراً لكل شيء كان صلى الله عليه وسلم يقول قول الحق من ربه { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.} (يوسف 108).

وضرب الله مثلاً القوم الذين كانوا في غفلة من أثر الرسول فلم يبصروا بها فكشفوا أنفسهم لشيطان منهم أبصر بما لم يبصروا به فقبض قبضة من أثره عليه السلام فأضاعها فأصبحوا لا يبصرون.. كانوا على أثره إلى لقاء ربهم في جانب الطور الأمين {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} (طه 80). ولكنه عليه السلام كان سباقاً إلى ربه مطمئناً إلى أنه ما من بشر يتخلف عن لقاء الله، فعجل السير تاركاً لهم أثراً من خلفه يقتفونه من ورائه.. فلما بعدت الشقة بينه وبينهم ووصل موسى عليه السلام وناداه الله { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى.} (طه 83، 84).

ظن عليه السلام أن القوم لا يغفلون عن آثاره المبينة في طريقهم إلى الله، ولكن السامري أضاع الأثر فأحصروا فلم يجدوا سبيلهم إلى موسى عليه السلام فوقعوا في قبضة السامري { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ.} (طه 88). رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً فما كان حجتهم إلا أن قالوا { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } (طه 87) صحيح إنهم لم يتعمدوا أن يتخلفوا عن رسولهم ولكن غفلتهم عن أثره أتاحت للسامري أن يصنع بهم ما يشاء.. فلما سأله عن أمره وكيف أمكن له أن يضلهم ما كان جوابه إلا أنه أبصر من أثره عليه السلام ما لم يبصروا فقبضها في غفلة منهم فأضاعها فضاع سبيلهم إلى الرسول فانقطعوا عنه وسقطوا في يده فسهل عليه أن يفتنهم { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي.} (طه 96).

وكذلك يضل الناس إذا لم يكونوا على بصيرة من أثر الرسول.. يغفلون عنها فيضيعوا فيسقطوا في أيدي الشياطين من الإنس ومن الجن.. سامري يخرج لهم عجلاً وسامريون يخرجون لهم كتباً ويفترون لهم القصص والأحاديث.

لم يكن عجباً أن يكون هذا القرآن بصائر للناس { قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ.} (الأنعام 104) كان الرسول يتبع هذا القرآن على بصيرة هو ومن اتبعه فهدوا إلى صراط الله العزيز الحميد وما تزال هذه البصائر قائمة برحمة من الله وفضل محفوظة بعزته تبارك وتعالى لا يقبض منها السامري ولا ينبذ منها أحد بإذن الله إلى يوم القيامة { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف 203-205).

كان صلى الله عليه وسلم على شريعة بما أوحى إليه في هذا القرآن وكان يتبعها ولا يطيع فيما أوحى إليه من ربه أحداً.. فمن اتبع القرآن فقد اقتفى أثره واهتدى بهديه واتبع بصائر ما كان صلى الله عليه وسلم يتبعه في سبيله إلى الله رب الأرض والسماوات العلى { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ. هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ.} (الجاثية 18-20).

يوم هبط الإنسان هذه الأرض وعد الله إنه من يتبع هداه فلا يضل أبداً ولا يشقى { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً.‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى. وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى.} (طه 123-127).

وهؤلاء بنو إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين وجعل فيهم أنبياء وجعل منهم ملوكاً ورزقهم من الطيبات وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين لما تغافلوا عن أثر الرسول سنحت الفرصة للسامري ليحجبهم عن أثره فقبض قبضة من أثره فأضاعها فضلوا عن رسولهم وأحصروا عنه فتخلفوا عن سبيله.. لم يتخلفوا عنه بملكهم ولكنهم تخلفوا عنه بغفلتهم ولو أنهم كانوا حريصين على أثره يتبعونه أثراً بعد أثر لما كانوا قد سقطوا في قبضة السامري ليخرج لهم عجلاً يعكفون عليه من دون الله.. وكذلك يضل الذين من بعدهم إذا تغافلوا عن أثر رسولهم.. يسقطون في قبضة السامريين ليخرجوا لهم كتباً ومفتريات يعكفون عليها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. فشاء الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لعباده كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من اتبعه فقد اتبع الرسول على صراط مستقيم ومن تخلف عنه فقد سقط في يد السامريين ونبذ الأثر الباقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى عنه في ظلمات بعضها فوق بعض.. ومن الكرب العظيم أنهم يزينون للناس ما أخرجوا لهم من الكتب والمفتريات والروايات والأساطير ويقولون هي من عند الرسول r.. وليس هنالك من أثر بعد الرسل إلا هذا القرآن مطهراً مبرءاً من كل زيف وبهتان.

لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الهوى بل كان يتبع الوحي { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ.} (الأنعام 50). فمن أراد أن يتبع الرسول فإن الوحي باق بإذن الله محفوظ في المصاحف إلى يوم القيامة لا يقبض منه السامريون ولا يضل عنه إلا الغافلون.. ومن رحمة الله أنك لا تجد سامرياً يلعب في دين الله إلا بعيداً عن هذا القرآن تماماً كما عجز السامري أن يخرج عجله للناس وهم على أثر الرسول فلما هجروا أثره ضلوا عنه واتبعوا السامري عاكفين على عجله لا يهتدون.

ويقظة الإنسان فيما يتبعه من أثر الرسول عمل إرادي إن شاء حرص عليه فلم يسمح للسامريين أن يقبضوا منه شيئاً وإن شاء غفل عنه ليسقط في يد السامريين يضلونه كيف شاؤوا.. لا سبيل إلى الله إلا على أثر الرسول وليس للبشر من بعد الرسل إلا هذا القرآن عجز السامريون أن يقبضوا منه شيئاً ولكنهم وجدوا سبيلهم إلى هجره فمن هجره معهم فقد ضل السبيل ولن يصل إلى الله إذن أبداً.. ومن اتبعه فقد اتبع الرسل على صراط مستقيم أولئك لهم الأمن وعداً من الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.} (البقرة 38) { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى.} (طه 123). الذين يتبعون القرآن وهو الهدى من الله تبارك وتعالى لا يضل أحدهم ولا يشقى لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، والذين يتبعون القرآن على هدى من ربهم لا خوف عليهم في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا هم يحزنون وعداً من الله إن لله لا يخلف الميعاد.

الموت هو الغيب والحياة هي الشهادة والله وحده سبحانه هو عالم الغيب والشهادة، في الأزل كان الإنسان ميتاً فأحياه الله بالولادة ثم يغيب بالموت ثم يحييه بالبعث والنشور مرة أخرى ليوفيه حسابه على ما كان يختار لنفسه من بدائل الخير والشر { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.} (الملك 1، 2).

ويولد الإنسان في الحياة الدنيا ليشهد زينتها ويطلع زخرفها، فمن علم أنها جسر بين حياتين من الأزل إلى الأبد تعالى عليها ولم يشأ أن يطلبها لذاتها.. ومن غفل عن ماضيه في الأزل ومستقبله في الأبد أخلد إليها وتطلع إلى زخرفها وزينتها وطلبها لذاتها فخسرها وخسر ما وراءها { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. } (الكهف 7).

ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن جعله ابتلاء يسيراً.. فهو في الآخرة لا يعدو أن يكون ساعة من نهار.. وهو بمقياس أكبر معمر ممن نعلم في كتاب الله لم يبلغ يوماً من أيام الله إذ لبث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.. ولو أنه لبث ألف سنة لما كان قد بلغ أكثر من يوم واحد عند الله تبارك وتعالى علواً كبيراً {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (الحج 47).

يرى الذين آمنوا والذين أوتوا العلم من ربهم أن ابتلاءهم بالحياة الدنيا قد كان ابتلاء يسيراً فيستوي عندهم الخير والشر لا يأسون على ما فاتهم ولا يفرحون بما آتاهم ويصبرون على ما أصابهم ولا يبتغون إلا وجه ربهم ولا يرجون إلا رحمته ولا يخافون إلا عذابه.. فتراهم ركعاً سجداً يذكرون الله كثيراً ويسبحون بحمد ربهم ويتوبون إليه ويستغفرونه ويؤتون الحسنة وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون ويعرضون عن اللغو ويصفحون عن الجاهلين ويدفعون بالحسنة السيئة ويمشون على الأرض هوناً في سلوك منضبط على صراط مستقيم.

أما الذين لم يؤمنوا والذين أعرضوا عن العلم وحياً من ربهم واتبعوا السبل فتفرق بهم عن سبيل الله فإن الله سبحانه وتعالى لم يك ليتركهم سادرين في غيهم يعمهون في ضلالاتهم بل جعل لهم في البأساء والضراء نذيراً لعلهم يرجعون {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. }(الأنعام 42 - 43).

هؤلاء قوم نسوا ما ذكروا به في رسالات ربهم فأصابهم الله بالبأساء والضراء رحمة بهم ليتضرعوا إليه وليعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الحق المبين.. فلو أنهم تذكروا فتضرعوا لكشف الله عنهم البأساء والضراء وأدخلهم في رحمته.. ولكن الشيطان كان يوسوس إليهم أنهم لم يصنعوا شيئاً يستحقون عليه بأساً ولا ضراً وأنهم كانوا على الطريقة المثلى وإنما هذه الحياة الدنيا يوم لك ويوم عليك كجبلة الأباء ضراء وسراء { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ.} (الأعراف 94-96).

ابتلاء الخير والشر في الحياة الدنيا ليس جبلة موروثة ولا هي من السنة سدى بل ليتذكر الناس أنهم ليسوا على الطريقة ليرجعوا ويتضرعوا ويحسنوا فما من حسنة إلا من الله وما من سيئة إلا بما كسبت أيدي الناس { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } (النساء 79). لم تكن الحياة الدنيا أبداً يوماً لك يوماً عليك بل كانت دائماً حسنة بما أحسنت وسيئة بما أسأت { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} (النحل 30). { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.‏ }(الزمر 10).

الذين لا يعلمون بدائل الخير والشر وحياً من ربهم يتعلمونه زجراً ببدائل الحسنات والسيئات فإذا تضرعوا وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له وتابوا إليه فإن الله يبدل سيئاتهم حسنات ويكشف ما بهم من الضر ويدخلهم في رحمته.. وإذا زين لهم الشيطان ما كان من أمرهم ونسوا أنهم إنما ورثوا السيئات بما كسبت أيديهم فقست قلوبهم ولم يتضرعوا إلى ربهم ولم ينيبوا إليه فقد حقت عليهم كلمة العذاب في الخالدين.

والذين يتضرعون في الضراء إنما يفعلون ذلك بمشيئتهم وبمحض إرادتهم.. وكذلك فإن الذين قست قلوبهم فلم يتضرعوا واتبعوا ما توحي الشياطين إليهم إنما يفعلون ذلك بمشيئتهم وبمحض إرادتهم.. وكل إنسان يختار في الضراء ما يشاء لنفسه تضرعاً أو إعراضاً.. فالذين تضرعوا فقد اهتدوا والذين قست قلوبهم فأعرضوا أولئك لا يهتدون بوحي ولا يتضرعون في العذاب من الذين عموا وصموا في طغيان مقيم { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ.‏ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ. }(المؤمنون 73-76 ).

إنما يبلو الله عباده بالعذاب ليستكينوا له وليتضرعوا إليه وليتوبوا عن ضلالتهم وأولو الألباب في غنى عن ذلك إذ تكفيهم كلمات ربهم فيتبعون الهدى وحياً من الله.. ومن لم تغن عنه الآيات وحياً من الله فعسى أن يزجره العذاب.. ومن لم يزجره العذاب فقد حقت عليه كلمة الله في الذين اختاروا الضلالة وأصروا عليها كدأب الذين من قبلهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وأصحاب مدين والمؤتفكات من بعدهم { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ. }(الأعراف 94).

أشد الناس بلاء في الحياة الدنيا هم الذين يخالفون عن أمر ربهم.. والله سبحانه وتعالى إنما يبلوهم بالبأساء والضراء ليرجعوا عن غيهم وليتضرعوا له وليتوبوا إليه.. والله سبحانه وتعالى إنما يبلوهم بالبأساء والضراء ليذكرهم بما نسوا من آياته وبما كانوا يفسقون عن أمره عسى أن يستقيموا على الطريقة باختيار الهدى واتباع الذكر وحياً من ربهم. ولقد نجد في أعراف الناس أنهم يضعون القوانين ولا يكتفون بذلك بل يضعون العقوبات جزاءً وفاقاً لمن يخالف عن أمرها.. ولم يقل أحد أبداً إن هذه القوانين أو تلك العقوبات قيد على حرية الإنسان ومشيئته في اختيار ما يريد لنفسه.. فهو ما يزال قادراً على أن يستقيم على هذه القوانين بمحض إرادته، وهو كذلك قادر على أن يخالف عن أمرها بمطلق مشيئته، وهو في كلتا الحالتين يعلم علم اليقين أن الناس تشكر له ما استقام على قوانينها وتنقم منه إذا تمرد على أعرافها.

والله تبارك وتعالى يفصل الآيات وحياً من لدنه ليرجع الناس إليه ويتبعوا الهدى ويجتنوا الضلالة على صراط مستقيم {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.} (الأعراف 174). وعلم الله تبارك وتعالي أن أكثر الناس عن الذكر يعرضون وأنهم إذا سمعوا الذكر وحياً من ربهم فقليلاً ما يسمعون وإذا سمعوا فقليلاً مما يفقهون وإذا فقهوا من الذكر شيئاً فقليلاً ما يستقيمون، فوضع الله سبحانه وتعالى من رحمته علامات بالسراء والضراء ليتذكر الناس ما نسوا وليرجعوا عما أترفوا فيه وليتضرعوا فإذا كانوا في يسر من أمرهم فعسى أن يكونوا قد استفاموا على الطريقة أو اهتدوا.. أما إذا كانوا في عسر من الأمر فلا ريب أنهم ظلموا وأولى لهم أن يتضرعوا إلى ربهم وأن يتوبوا إليه { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ. } (السجدة 21، 22). إن الله لا يحب الفساد في الأرض بما كسبت أيدي الناس من الإثم ومن الضلالة ليذوقوا وبال أمرهم ولعلهم يهتدون { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏} (الروم 41).

لم يكن عجباً للناس أن يحب الله عباده المحسنين ويدخلهم في رحمته { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (البقرة 195/المائدة 13) { وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران 134-148 / المائدة 93). في خمس آيات بينات يعد الله عباده المحسنين بمحبته، ومع ذلك نجد قوماً يقولون بل كان عباد الله الذين أحسنوا هم أشد الناس بلاءً في الحياة الدنيا.. وإذا أصابتهم البأساء والضراء بما كسبت أيديهم لم يستكينوا لربهم ولم يتضرعوا له ولم يأسفوا على ما فرطوا في جنب الله، بل قال بعضهم لبعض قول إبليس وهو يزين لهم ما كانوا عليه من السيئات قالوا إنما هذه الحياة الدنيا يوم لك ويوم عليك، فيقبضون من أثر الرسول ما بشر به في كتاب الله { إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ.} (النحل 128) { إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } (الأعراف 56) { إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.} (التوبة 120). { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } (الحج 37). { وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } (العنكبوت 69).

قد يصيب الذين آمنوا والذين أحسنوا من الأذى ما يكره الناس ولكن الله يفرغ عليهم صبراً فيزدادوا قوة وصلابة وثباتاً على الحق وصفاء إلى الله.. يوسف عليه السلام لم يكن في سجنه هلوعاً مهيناً وما كان يؤوساً من القانطين.. لقد تبوأ في سجنه الإمامة فكان يعظ من حوله ويدعوهم إلى الله الواحد القهار ثم أصبح يشير على الملك ويفتيه في الأمر { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (يوسف 40). فذلك يوسف عليه السلام في سجنه عزيزاً مؤمناً وإماماً كريماً.. لم يكن برحمة الله في الضراء أبداً بل كان على التقوى. وإن الله مع الذين اتقوا سواء كانوا في سجن أم فيما يراه الغافلون من الأذى الذي يحتمله الصابرون ابتغاء وجه الله فينقلبوا بنعمة من الله وفضل. وامرأة مصرية مؤمنة كانت تملك الدنيا بأعظم زينتها وزخرفها وسلطانها وما زالت قصورها قائمة إلى يومنا هذا بكل ترفها وألوانها ومباهجها وربما حسدها الحاسدون على ما كانت فيه.. فهل كانت سعيدة بزينتها.. سلام الله على امرأة فرعون ورحمة الله وبركاته أعرضت عن كل ذلك ولم تجد في قصورها إلا المخاطر والعذاب.. سلام الله على امرأة مصرية مؤمنة لم تكن أبداً سعيدة في ترف بعلها وزينته بل كانت خائفة وجله تستغيث ربها وتسأله النجاة إلى جواره تبارك وتعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .} (التحريم 11). ذلك مؤمن لم يجد الضراء في سجنه لأنه كان مؤمناً تقياً محسناً.. وتلك مؤمنة لم تجد السراء في قصورها لأنها كانت مؤمنة تقية محسنة.. فما أصاب في الحياة الدنيا من الخير أو الشر لا يقاس بمظاهره بل بتفاعل الناس به وإحساسهم بعواقبه { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.} (البقرة 216).

الذين يتعلمون الهدى وحياً من الله يميزون بين الضراء التي يصيب بها الله عباده الذين أسرفوا لعلهم يرجعون وبين الأذى الذي لا ينجو منه أحد في هذه الحياة الدنيا { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } (آل عمران 110، 111). خير أمة أخرجت للناس هم الذين آمنوا بالله وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر أولئك لا يضرهم الناس إلا أذى ولا ينتصر عليهم الغالبون وعداً من الله إن الله لا يخلف الميعاد.. ويبين الله لعباده ما الأذى كالذي يصيب الناس إذا انهمر المطر أو أصابهم من المرض ما لا يقعدن أحدهم عن القتال { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } (النساء 102). فذلك هو الأذى الذي لا ينجو منه من أحد أبداً كالصداع والزكام والجروح الخفيفة وما يسمعه الناس من السفهاء وما يعلمونه من مكرهم.. قال الرسل عليهم السلام { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ. } (إبراهيم 12-14).

وكذلك يفتن الإنسان ليمتحن في إيمانه.. فلو أمن كل إنسان من الأذى لما كان قد تميز الصابرون الذين يبتغون وجه الله { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ. وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ.} (العنكبوت 10، 11). إن الإنسان في الخير لذو إرادة حرة وذو مشيئة طليقة.. ولكنه يُبتلى إذا أوذي في الله فإذا تضرع إلى الله واستكان لربه وعلم أنه هو القادر على أن يكشف ما أصابه من الأذى فلقد حقق ذاته وعلم بين يدي ربه أنه من المؤمنين حقاً.. وإذا تضرع إلى غير الله واستكان لهواه وسعى في الأرض يتخبط فيها ويسأل الناس إلحافاً لعلهم يكشفون ما أصابه من الأذى ولا يكاد يبصر رجاء في رحمة ربه التي وسعت كل شيء فقد خسر نفسه وعلم بين يدي ربه أنه من المنافقين حقاً { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ.} (العنكبوت 2-3). ولقد نجد المثل من أنفسنا رجلاً ما يزال يغدق الخير على زوجه ويتودد إليها ويعطف عليها، فما لها لا تحبه ولا تطيعه وتسهر على خدمته.. وإنما تعرف هذه المرأة إذا ابتليت في بعلها يوم مرضه أو يوم فقره فإذا صبرت معه فهي الزوج الصادقة وإذا كفرته فهي من المنافقين.. إنها في السراء لا تحقق ذاتها ولا تبتلى سرائرها لأنها إرادة من يعايش الخير وما من أحد لا يريد معايشة الخير.. ولكنها في الأذى تحقق ذاتها وتبتلى سرائرها وتكشف عن إرادة من يريد وجه الله ولا يؤثر على الله شيئاً من متاع الحياة الدنيا.

وليس بالأذى يمتحن الإنسان في إرادته.. بل بالإحساس بالأذى.. فمن صبر على آثاره الأليمة لم يمسه شيء من الأذى في نفسه، والذين لا يجدون بديلاً عن الإحساس بالأذى ولا يصبرون أنفسهم تضيق صدورهم ويسلمون للانهيار.. في أسفار لا قبل لأحد بالإحاطة بها وضع العلماء قواعد علم النفس وبيان ما يصيب النفس من الأذى.. وفي آية واحدة في هذا القرآن الذي أنزله الله لعباده رحمة وشفاء لما في الصدور يبين الله الداء ويصف له الدواء { وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.} (التوبة 118).

ثلاثة من عباد الله المؤمنين خلفوا.. تركوا.. من هم الثلاثة الذين تركوا أين وكيف تركوا.. ذلك من الجدل الذي لا يغني عنك شيئاً ولا يؤدي بك إلا إلى تيه بعيد.. ولكن الذي يهمنا أنهم تركوا فأهملوا فلم يجدوا لهم أحداً يتولى أمرهم.

وإنما يبدأ الأذى في اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه قد أصبح متروكاً مهملاً لا يجد من بين يديه ولا من خلفه من أحد يتولى أمره في مرض أو فقر أو حاجة في نفسه.. ليس بالمرض يتعذب الإنسان وإنما يتعذب الإنسان إذا ترك فأهمل فلم يجد من يتولى أمره في مرضه.. وليس بالفقر يتعذب الإنسان إنما يتعذب الإنسان إذا ترك فأهمل فلم يجد أحداً يتولاه في فقره.. وليس بالحاجة يتعذب الإنسان وإنما يتعذب الإنسان إذا ترك فأهمل فلم يجد أحداً يقضي له حاجته فأصبح مخلفاً في حاجته كالثلاثة الذين خلفوا..بعضهم يسمي هذه الظاهرة الإنسانية الحرمان وبعضهم يسميها الحاجة ومن علماء النفس من يسميها الشعور بالنقص.. ونراها في هذه الآية الكريمة التخلف عن الولاية حتى لا يجد الإنسان فيما خلف فيه ولياً رحيماً ولا صديقاً حميماً.. قد يجد الإنسان راحته النفسية في الحب، ولكنه لا يعدو أن يكون راحة من وجد من يهتم بأمره، ولذلك وصف الزواج في القرآن بأنه سكن للإنسان وأنه مودة ورحمة متبادلة بين الزوجين.. وإنما تبدأ المحنة بالتخلف عن الولاية ولو كان الإنسان في جمع من الناس.. لقد كانوا ثلاثة ومع ذلك فقد خلفوا فبدأت محنتهم في اللحظة التي لم يجدوا من حولهم من أحد يتولى أمرهم.

ثم تبدأ المرحلة الثانية.. إدراك المحنة.. {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } (التوبة 118) تركوا فأهملوا فتخلفوا عن أحد يتولى أمرهم في محنتهم فضاقت عليهم الأرض.. إن الأرض لا تضيق إلا على من أدرك أنه لا يستطيع أن يجد له ولياً يتولى حاجة في نفسه يريد قضاءها.. وربما كان السفر في الأرض أو التطلع إلى البحر راحة للنفس لأنه يعطي شيئاً من الإحساس بسعة الأرض، وربما كانت الطبيعة الجميلة بجبالها ووديانها وثمارها ونسيمها راحة للنفس لأنها تعطي شيئاً من الإحساس بالسعة، لأن العلة ليست في ضيق الأرض بل العلة في التخلف عن الولاية فيها.. ولو وجد الإنسان من يتولى حاجته في كوخ حقير لكان أسعد حالاً ممن لا يجد هذه الولاية في قصر مشيد.. الإنسان الذي يدرك رحمة من الأرض تغنيه عن تخلفه لا يدرك من محنته شيئاً مهما بلغت خطورتها في نظر الأطباء أو علماء النفس.

ثم تبدأ المرحلة الثالثة.. الإحساس بالمحنة.. وضاقت عليهم أنفسهم.. تركوا فأهملوا فلم يجدوا ولياً فضاقت عليهم أنفسهم.. تضيق نفس الإنسان تحت وطأة الإحساس بالمحنة من التخلف عن الولاية فيشعر بصدره ضيقاً حرجاً وينقبض قلبه حتى يسمع قرعه في أذنه ويحس الاختناق حتى يوشك أن يقذف المرارة من فمه.

هذه هي مراحل العلل النفسية وأسبابها.. وجد لها العلماء مسكناً في سياحة أو متعة أو عقار مخدر وعجزوا أن يجدوا لها شافياً إلا إذا استطاع أحدهم أن يتجاوز الإحساس بالمحنة بإحساس آخر أقوى منه.. إن الذين يصفون العقاقير المسكنة للمصابين بأمراض نفسية إنما يقدمون لهم أحاسيس المتعة بالتخدير بدلاً من أحاسيس المحنة التي تضيق بها صدورهم.. والذين يجلسون المرضى على الأرائك ليسمعوا منهم وليسمعوهم في أنفسهم قولاً إنما يقدمون لهم إحساساً مؤقتاً بأنهم ليسوا مخلفين وأن هنالك في الأرض من يتلوى أمرهم.. قد تهدأ هواجسهم شيئاً قليلاً بهذه العقاقير وتلك الجلسات ولكنها كثيراً ما تعود عليهم هواجسهم أشد عنفاً واكثر شراسة.. ويظل الاستعلاء بإحساس أقوى من الإحساس بالمحنة هو الشفاء الوحيد الذي يتجاوز كل هواجسها ويجتث كل إحساس بعذابها.

كان ذلك هو الشفاء الذي أنزله الله على عباده الذين تركوا فأهملوا فتخلفوا عن الولاية حتى أدركوا محنتهم.. { وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ } (التوبة 118) الإحساس بأنهم في ملجأ من الله هو الإحساس الأقوى الذي يتجاوز كل هواجس الإحساس بالمحنة ويجتث كل إحساس بعذابها.. الإحساس بأن الله هو الولي وأنه لا ملجأ منه إلا إليه.

الولاية لله بالحق هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى.. الإنابة إلى الله الملك الحق ملك الأرض والسماوات العلي بخلقه الذي بناه بأيدٍ قادرة على إتقان كل شيء.. التوكل على الله الذي أحاط بكل شيء وله القوة والعزة والملك يؤتى منه من يشاء.. إسلام كل أمر لمن بيده كل أمر والعودة إلى كلماته التي رسمت للإنسان خرائط حياته من الأزل إلى الأبد وجعلت هذه الحياة الدنيا حِطَّة لا ينبغي أن تطلب لذاتها.

عبادة الله وحده في خشوع صادق ونظام بديع.. قيام في الفجر.. قنوت في الليل.. وسجود في النهار.. صوم عن الطعام في شهر القرآن وصوم أربعة أشهر عن الظلم وسياحة في منازل الوحي عند أول بيت وضع للناس.. ذكر الله وحده وطاعته وحده في قنوت دائم.. ودعاء الله كدعاء زكريا الذي شهد أنه لم يكن بدعاء ربه شقياً. وإيتاء الزكاة بقلوب وجلة بغير مَنٍ ولا أذى بالله والنهار سراً وعلانية.

استبدال الحقائق بالهواجس هو الشفاء الوحيد لما في الصدور.. وفي هواجس الإحساس بالمحنة لا يجد الإنسان إلا حقيقة واحدة لا مبدل لها.. الإيمان بالله ولياً مرشداً وقوياً عزيزاً لا ملجأ منه إلا إليه.. وهذا هو الاستعلاء الأعظم فوق كل محنة وفوق كل عذاب بل فوق الحياة الدنيا بسرائها وضرائها وإنسها وجنها وكل شياطينها.. إن إحساساً عميقاً قوياً راسخاً بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.. والإحساس بأن العصمة بيد الله لا يملك من أحد من بعده لأحد من ضر أو نفع إلا من بعد إذنه { قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً.} (الأحزاب 17). إن هذا الإحساس هو الإحساس الوحيد الذي يجتث كل هواجس الحياة الدنيا وأراجيفها.. وربما أجتث الحياة الدنيا نفسها من نفسه فأراح منها وعاش حياته فيها في صفاء دائم لا يرى إلا ما يحب الله أن يراه ولا يسمع إلا ما يحب الله أن يسمعه ولا يعلم إلا بيد الله ولا يمشي إلا في سبيل الله على صراط مستقيم { أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .} (الملك 22). لا ملجأ من الله إلا إليه.. بهذا الاستعلاء كان شفاء الثلاثة الذين خلفوا في محنتهم التي ضاقت بها أنفسهم فتاب الله عليهم ليتوبوا إليه { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تاب الله عليهم.. أي تب الأذى عنهم وكفهم عن هواجسهم وكفاهم ما كانوا فيه في تخلفهم فصفت نفوسهم وصغت قلوبهم ليتوبوا إليه عوداً إلى رحمته إنه هو التواب الرحيم.

إن دعاء الصالحين في الحياة الدنيا لم يكن أبداً للاستمتاع بها بل ليجدوا فيها أوقاتاً تتسع لذكر الله وتسبيحه فلا يشغلهم فيها نكد عن الفرار إلى الله.. كذلك كان دعاء موسى عليه السلام بين يدي ربه { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً .} (طه 25-34).

اللجوء إلى الله والفرار إليه كما يلجأ المؤمنون ويفر الصالحون هو الرحيل الأعظم في الحياة الدنيا.. الفرار إلى من وسع كل شيء رحمة وعلماً.. فرار القوة بغير ضعف وفرار العزة لا ذل فيه { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ. وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } (الداريات 47-50). الهجرة إلى الله.. اللجوء إلى الله.. الفرار إلى الله.. هو الرحيل إلى الذي بنى السماء وما يزال قادراً على أن يوسع فيها وفرش الأرض فأحسن تمهيدها.. وخلق من كل شيء زوجين الخير مع الشر والعسر مع اليسر والمرض مع الشفاء والرحمة مع العذاب والسالب مع الموجب والذكر مع الأنثى.

شهد الله وملائكته وعباده الصالحون أن رحمة الله قد وسعت كل شيء.. ولن تضيق رحمة الله بفرار عبده إذا فر إليه مهما بلغت المحنة وطال الانتظار، ومهاما كانت أسباب المحنة وضاق صدر الإنسان بعذابها { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ. وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.} (الزمر 36-38). حسبي الله ونعم الوكيل.. كلمة صدق يفر بها المؤمنون إلى سعة من الله ورحمة منه وفضل.. إن ربي لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والفرار إلى الله في المحنة عمل إرادي يكشف عن إيمان صاحبه كما يكشف عن صبره وقوة عزيمته.. وهو من الأعمال الصالحة التي يجزي بها الله في الدنيا وفي الآخرة على سواء.. فمن شاء الهدى فر إلى الله في المحنة فوجد عند الله سعة من رحمته وهداه الله إليه صراطاً مستقيماً وجزاه بما صبر صبراً وإحساناً.. ومن شاء الضلالة فر إلى غير الله في محنته فوجد الذل والمهانة وخسر رحمة ربه وضل ضلالاً بعيداً.

{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسا. قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً.} (الإسراء 82-84).

البيان بالقرآن.. كتاب الله ورسالته إلى الناس كافة في كل زمان ومكان نتدبره في عشر مباحث أو تزيد قليلاً.. وبقى في القرآن بيان كل أمر وتفصيل كل حديث وتفسير كل حكم.. إنها كلمات الله.. ولن تنفد كلمات الله إذن أبداً.. كلمات طيبة مباركة يسَّرها الله للذين يتدبرون القول ويلقون السمع وهم شاهدون.. لا يجدون على قلوب أقفالها ولا يجدون في قلوبهم ما أشرب الذين ضلوا عن الذكر واتبعوا السبل فتفرق بهم عن سبيل الله.. أولئك يهديهم الله ويدخلهم في رحمة منه وفضل وينقلبوا بنعمة من ربهم لم يمسهم سوء ولم يرهقهم لغوب.

ومع بداية القرن العاشر الميلادي كان المسلمون قد قدموا بأيديهم إلى العالم وجهاً آخر ليس من الكتاب في شيء.. فصاح البابا أوريان الثاني سنة 1095 الميلادية يدعو إلى الحروب الصليبية (لتخليص الأرض المقدسة من الجنس الشرير الذي يضع اليد عليها) وقامت الحضارة الغربية بعد ذلك على التسامح الديني، تنهل غير بعيد من مناهل القرآن فيما جاء به من نظم الحكم والسياسة والإدارة والسلوك الاجتماعي.. شهد لهم بذلك شيخ من كبار مشايخ الأزهر الذي عاد منهم ليقول للناس إنه رأى أعمالهم من ديننا الحنيف.. وليته قال { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء 114).

ورغم زوال دولة المسلمين من أهل القرآن الذين هجروا كتاب ربهم.. ورغم انحسار أفكارهم التي كانت تبرر الحروب الصليبية.. فقد بقيت الأفكار القائلة بأن المسلمين قوم يدعون إلى عبادة الشهوة وإلى القوة الوحشية وإلى إقامة الشعائر بدلاً من تطهير القلوب.

ولقد رأينا في أبحاثنا أن المسلم الحق لا يعرف له ديناً إلا بالقرآن.. وأن القرآن بريء كل البراءة من هذه الأفكار.. فهل تحين ساعة يقدم فيها المسلمون الوجه الكريم لكتاب ربهم مطهراً من المفتريات ومن الضلالة.

براءة من الله ورسوله.. إن الله ورسوله والمؤمنين براء من المشركين.. فليتدبروا هذا القرآن.. وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.. لا يجدون في القرآن إلا دعوة إلى الحب وإلى المودة وإلى السلام ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً.

إن الدعوة إلى تدبر القرآن لا تكون إلاّ بالقرآن وحده مبرأ مما علق به من المفتريات والأساطير { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.} (المائدة 83) سمع علماء النصارى ما أنزل إلى الرسول فأتتهم البينة بصحف مطهرة فيها كتب قيمة فانفكت رقابهم وقالوا ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وكذلك تنفك الرقاب من الضلالة ومن الجهالة -وليس من الرق كما يزعمون- فك الرقاب الذي تقتحم به العقبات في قوله تعالى: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ} (البلد 11-13)، إنما يكون بتلاوة صحف الله مطهرة على الناس حتى تأتيهم البينة { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} (البينة 11-13) فإذا تلي هذا القرآن اليوم على علماء النصارى مبراً مما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم زيفاً وافتراءً، فلا ريب أنهم سيقولون مثلما قال آباؤهم من قبل : {رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران 53 / المائدة 83).

ولا حاجة لنا من بعدُ أن نبيّنه أو نفسره أو نفصله للناس إلاّ بما أنزل فيه جدلاً بالحسنى وبالقول اللّين على كلمة سواء، ذلك بأن القرآن يحمل دليل صحته ويهدي إلى الحق بكلماته ويقيم الحجة لله بالغة بآياته، فيراها العلماء رأي العين ولا يغفل عنها إلا الجاهلون { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. }(سبأ 6).

وما كان لداع من الدعاة أن يكون له إلا ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ رسالة ربه لا يتجاوز البلاغ إلى السيطرة على الناس أو فرض الوصاية عليهم، ذلك من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ومما يجب أن يكون قدوة للمؤمنين {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. }(التغابن 12).

وفي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يجب الالتزام بنصوص التنزيل تماماً كما أوحى بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك اقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ ويتبين ذلك من قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة 67) فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتزم الوحي فيما يبلغ عن ربه، فإن البلاغ بغير الوحي يعتبر قعوداً عن الرسالة، ولا عصمة في الدعوة إلى دين الله إلا بالتزام الوحي. والدعوة إلى دين الله يجب أن تكون خالصة لوجه الله ابتغاء الإصلاح في الأرض، ودون الحرص على أن يخالف الدعاة بها أحداً من الناس، وأن يستمسك الداعي برسالة ربه لا يحيد عنها إذا اختلف الناس عليها. ذلك بأن الناس إذا لم يتبينوا وجه الحق في رسالة ربهم، وعميت عليهم بما أشربوا في قلوبهم من ضلالة آبائهم، فإنهم سيكرهونها ولن يستطيع إذاً أن يلزم بها أحداً.

ذلك مما علمنا الله من مواقف ثلاثة من أنبياء الله الصالحين نوح وصالح وشعيب، فأما شعيب فقد قال { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ‏ }(هود 88) وهو في دعوته إلى الله حريص على ألا يخالف بها أحداً، بل يريد الإصلاح ما استطاع إليه سبيلاً.

وأما صالح فقد قال { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} (هود 63) فهو يعلم من ربه أن أحداً من الناس لن ينصره من الله إذا حاد عن رسالة ربه .

وأما نوح فقد قال { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (هود 28) فهو يعلم أنه إذا عميت رسالة ربه على الناس فكرهوها ولم يفقهوا شيئاً فيها فلن يملك أحد من دون الله أن يلزمهم بها.


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home