Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 14 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (10)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

(1) حرمة البيت الحرام

{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ .‏ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ . اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ . فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ . أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ . قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ . إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ . أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ .‏ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . }(التوبة 1-28).

{ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ }لعل أكثر ما اختلف فيه الناس في بيان تلك الآيات البينات من سورة التوبة أنهم لم يتدبروا قوله تبارك وتعالى { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ } ولذلك وجدنا أكثرهم لا يتريث قليلاً ليتدبر من هذا القول شيئاً. يقول الإمام الزبيدي رحمه الله في تاج العروس (ساح الماء يسيح سيحاً وسيحاناً إذا جرى على وجه الأرض، وساح الظل أي فاء، والسيح الماء الجاري على وجه الأرض وجمعه سيوح، وماء سيح أو غيل إذا جرى على وجه الأرض وجمعه أسياح، قال ذو الرمة: يا حبذا سيح إذا الصيف التهب، وانساح باله اتسع ومنه ساحة الدار، قال الفرزدق : وكم للمسلمين أسحت بحري بإذن الله من نهر ونهر) ونضيف إلى قول الإمام الزبيدي رحمه الله أنه بهذا الذي أثبته في قاموسه العظيم قد بين كذلك المعنى العظيم من السيح الذي جاء في قوله تبارك وتعالى { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ } (التوبة 112). { عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً .} (التحريم 5). السائحون والسائحات أولئك الذين يوسعون بالهم ويوسعون على الناس بعفوهم وعطائهم وسماحتهم ومحاسن أخلاقهم.

{ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ } السياحة في هذه الآية الكريمة إنذار إلى المشركين بأن ينتشروا في أرض الله الواسعة، وهي تكفيهم كما تكفي الماء إذا ساح فيها بعيداً عن المسجد الحرام. والحديث في هذه الآيات جميعاً من أول سورة التوبة إلى الآية الثانية والعشرين منها إنما يتعلق كله بالمسجد الحرام، ولا مكان للمشركين في المسجد بعد أن قامت دولة المسلمين فيه إلا إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.

وقد أمهلت هذه الآيات البينات المشركين الذين يقيمون حول البيت الحرام أربعة أشهر هي الأشهر الحرم { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ويبين من سياق هذه الآية الكريمة أن الأشهر الحرم هي أشهر متصلة على نحو ما سبقت الإشارة إليه، وليس صحيحاً ما يراه أبعاض أنها ثلاثة أشهر متصلة رابعها شهر رجب بل هي الشهور الأربعة السابقة على النسيء وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ذلك لأن هذه المدة هي إنذار للمشركين، ولا يستقيم في الفهم الصحيح أن ينعقد هذا الإنذار إلى مدته إلا إذا كانت الأشهر الحرم متصلة لا يفصل بينها يوم واحد.

ويستثنى من هذا الأجل الذين عاهدهم المسلمون من المشركين وحافظوا على عهدهم لا ينقصون المسلمين شيئاً ولا يظاهرون عليهم أحداً، فإذا كان العهد موقوتاً بما يزيد على هذه المدة التي تضمنها الإنذار وجب على المسلمين أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم. فإذا انسلخ الأشهر الحرم وهي الأشهر الأربعة التي أنذر الله بها المشركين في البيت الحرام، وبقى من المشركين من لم يسح في الأرض على سعتها ورغم ما أنذر به ودون أن يكون له عهد من المسلمين لأجل يجاوز ذلك، فهؤلاء يجب قتالهم بظهور هلال صفر وتطهير المسجد الحرام من رجسهم إلا إذا كانوا قد تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فهؤلاء من المسلمين لهم ما للمسلمين من حقوق الإقامة في مكة وعليهم ما على المسلمين من الواجبات.

ولو تدبرنا قوله تعالى { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ .}، لما وجدنا هذه الآية تنطبق على قوم في الأرض إلا على أهل مكة من المشركين، فهم الذين نكثوا أيمانهم وهم الذين هموا بإخراج الرسول وهم الذين بدأوا المسلمين أول مرة.

ثم ترد الإشارات كلها لتدل دلالة قاطعة على أن هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة حتى يسيحوا في الأرض بعيداً عن المسجد الحرام، إنما هي حرب لا هوادة فيها ولا يمنع المسلمين من النهوض بها وليجه أو رحم أو أي اعتبار آخر لم يتنزل به قرآن. كانت هنالك صلاة المودة ولا شك ونهى الله أن يتخذها المؤمنون ذريعة ألا يقاتلوا { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .}، وكان المشركون هم أصحاب السلطة في مكة قبل أن تقوم فيها دولة المسلمين وهم الذين كانوا يتولون عمارة المسجد الحرام وسقاية الحجيج، وكان لهم بهذه المثابة شرف الذين ينهضون بشؤون الدين، ولقد أسقط الله هذه المثابة من الاعتبار وجعل كل الشرف للذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .}، وكان بين هؤلاء وأولئك صلاة الرحم والقربى، ولقد نهى الله تبارك وتعالى أن يشفع شيء من ذلك للمشركين بالإقامة في مكة على شركهم، { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . }.

ثم تقرأ قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . }، وبذلك فقد فرض الله منذ ذلك اليوم الأغر على عباده الذين آمنوا أن يطهروا المسجد الحرام من رجس المشركين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن اقترب من المسجد الحرام من لا يتوب إلى الله ولا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة فإن على المسلمين كافة أن يقاتلوا حتى يظل المسجد الحرام عامراً طاهراً أو يموتوا دون ذلك.

هذه هي حرمة البلد الأمين، لا يقيم فيه إلا الذين تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فإذا اقترب من المسجد الحرام غير هؤلاء فيجب قتالهم حتى يسيحوا في أرض الله. ومما يقطع بأن هذا الحكم لا يتضمن حرباً معلنة بالسيف على المشركين كافة، أن الله قد رخص للمشركين بالسياحة في الأرض خلال الأجل الذي منح لهم، ولو كان الأمر غير ذلك لوجب على المسلمين أن يطاردوهم حيثما كانوا في سياحتهم بعيداً عن المسجد الحرام.

(2) قتال مانعي الجزية

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ .} (التوبة 28-33).

أول ما ينبغي لنا أن ننتبه إليه في دراستنا لهذه الآيات البينات من سورة التوبة أنها إنما أنزلت حيت توطد نظام المسلمين في مكة وقامت لهم دولة فيها، ففي مكة حرم آمن لا يعرف المشركون من حرمته ولا من نظام أمنه شيئاً. وقد شرح الله لعباده المسلمين نظام حرمته وقوانين أمنه ثم أورثهم المسجد الحرام، والبلد الأمين تصديقاً لوعده تبارك وتعالى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً .} (الفتح 27).

قامت للمسلمين دولة في مكة ووتطدوا نظامهم فيها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا } فهذا خطاب لا يوجه إلا لقوم أمكن لهم الله في المسجد الحرام، وما كان لهم أن يمنعوا المشركين عن المسجد الحرام إلا بعد قيام دولتهم في مكة بعد فتحها. ولا يستثنى من هذا الحكم أحد من المشركين لأي سبب من الأسباب { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} ولا يدخلنه أو يقترب منه إلا الذين تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.

وترد الآيات من بعد في شأن نظام المقيمين في دولة المسلمين بعد قيامها في مكة {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .} فإذا كان لا ينبغي للمشركين أن يقربوا المسجد الحرام فليس ثَم في القرآن ما يمنع من إقامتهم في هذه الدولة بعيداً عنه، وإنما أوجب الله على المسلمين أن يعرضوا عليهم الدين فإن أسلموا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما حملوا به، وإن أعرضوا وآثروا البقاء على دينهم كان لهم ذلك على أن يعطوا الجزية، وهي ضريبة يفرضها المسلمون عليهم بالعدل، فإذا رفضوا الكتاب وامتنعوا عن أداء الجزية وجب على المسلمين قتالهم حتى يعطوها صاغرين أو يرحلوا عن ديارهم.

و(حتى) في قوله تعالى { حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .}، تفيد الكف والنهاية كما في قوله تعالى { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } (البقرة 187) أي أنه ينبغي على المسلمين أن يكفوا عن القتال بمجرد إعطاء الجزية. والجزية لا تطلب من قوم لهم ديار في دول أخرى غير دولة المسلمين وإلا لكانت تدخلاً لا يقره القرآن في شؤون الغير وحرباً معلنة على الأمم كافة وهو ما تأباه آيات الكتاب على نحو ما أسلفنا. وما كان للمسلمين أن يخيروا غيرهم إما الإسلام أو الجزية أو القتال كما يرد في أساطير المؤرخين وغيرهم، لأن ذلك لا يستقيم في التفسير مع روح الدين الحنيف ولا مع آيات الكتاب التي تحض المسلمين على الدخول في السلم وتمنعهم من قتال أحد لا يبادرهم بعدوان ويعيش في داره آمناً لا يجنح لقتال المسلمين ولا يظاهر عليهم أحداً. وتجاهل البحث عن الموضع الذي تتناوله هذه الآيات البينات هو الذي يجر إلى الخلط في فهمها، وباستقرائها على نحو ما أسلفنا يتبين لنا أن الجزية قد فرضت بمقتضى أحكامها على غير المسلمين من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، وإنما يتعين إنذارهم بالكتاب لقوله تعالى { مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .} وذلك بأن يعرض عليهم الإيمان بالله وباليوم الآخر وأن يحرموا ما حرم الله ورسوله وأن يدينوا دين الحق كما تنزل بالقرآن الكريم ويخيروا بين الدين والإيمان وبين أداء الجزية، فإن رفضوا الأمرين وأصروا على دينهم ومنعوا الجزية وجب قتالهم حتى يدينوا دين الحق أو يدفعوها أو يخرجوا من دولة المسلمين. وينطبق هذا الحكم على اليهود والنصارى الذين يقيمون في دولة الإسلام فعليهم أداء الجزية المفروضة طبقاً لأحكام هذه الآيات لأنهم لا يدينون دين الحق {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران 19) ولما ورد من أوصافهم في هذه الآيات البينات من قوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .} إلى قوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} فالدين الحق هو الإسلام كما فرضه الله على رسوله وأرسله بالقرآن الكريم.

والقرآن الكريم هو الكتاب منزلاً من لدنه تبارك وتعالى وهو حجة الله الخالدة، فمن أوتي الكتاب فعليه الإيمان ومن رفضه فعليه الجزية إن شاء أن يقيم في دولة الإسلام فإن بقى فيها على غير دين الحق مصراً على عدم أداء الجزية وجب قتاله حتى يؤديها صاغراً، لهم أن يكون في دينهم ما يشاؤون ، ولكن ليس لهم أن يقيموا في ديار المسلمين إلا إذا إلتزموا بأداء الجزية.

والجزية بهذا المعنى هي جزاء الأمن والحماية والرعاية التي يوفرها المجتمع الإسلامي لغير المسلمين الذين يقيمون آمنين في ديار المسلمين سواء كانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم، جزية من جزاء مثل مرية من مِراء، ولقد نرى أننا نزن المفردات على كلمة (فعل) ومشتقاتها، وإذا استقام هذا الوزن في الشعر فإنه لا يستقيم في النثر إلا على وزن أقرب كلمة تدل على المعنى. فجزية على وزن مرية من جزاء على وزن مراء، ويقدرها أولو الأمر شورى بينهم بما يتفق مع مقتضيات العدل والإنصاف بحسب الأحوال الاقتصادية من الشدة أو الرخاء، ولا يُكلّف غير المسلمين إلا بالجزية خلاف المسلمين الذين كُلفوا بالزكاة في أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية نفقات يتطوعون بها، وصدقات تفرض عليهم جبراً إذا لم يؤدوها وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، وأما الذين يقيمون في غير ديار المسلمين فلا جزية عليهم ولا زكاة، ولا شأن للمسلمين بهم طالما لم يبادروا المسلمين بعدوان ولم يظاهروا عليهم أحداً ولم يخرجوهم ولم يظاهروا على إخراجهم من ديارهم { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ } (الأنفال 72).

وقال قائل منهم لما سمع هذا الذكر يتلى عليه مفصلاً بل تريدون مسالمة الصهيونية والاستكانة إلى الاستعمار، وكأن الصهيونية والاستعمار ليسا بعدوان يستوجب المقاومة ولو بالقتال إذا اقتضى الأمر. أم يقولون بل تنكرون السنة وعمل السلف الصالح، ونقول إن اتبعتم القرآن فسوف تتبعون السنة المثلى وعمل السلف الصالح، وإن لم تفعلوا فسوف تنكرون القرآن الذي فصّل لكم سنة الذين من قبلكم وبيّن لكم كل شيء تبياناً وهدى ورحمة وصدقاً وعدلاً وفسّر لكم كل شيء تفسيراً. الصلاة والسلام على رسول الله بلغ الرسالة بإذن ربه { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِين} (المائدة 3) ولم يلبث أن رفعه الله إليه وجيهاً طاهراً مبرءاً، وجاء من بعده أبوبكر- نعم الصحابي إذا حدَّثوا عنه بما يوافق عمل تلميذ أخلص قلبه لله ورسوله –ولكنهم يقولون إنه خليفة رسول الله!! في أي شيء يستطيع بشر أن يخلف رسول الله؟! أمن هو هذا الذي يخلف رسول الله الذي شهد الله سبحانه إنه لعلى خلق عظيم إنه بأعين الله وإنه يعصمه من الناس وإن فضل الله كان عليه عظيما. لا ضير فقد شهدوا أن الإنسان خليفة الله في الأرض { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ .} (الزخرف 19) وأياً ما كان الأمر من ولايته فأنهم يقولون إنه بدأ بحرب الردة، ويقول الدكتور علي حسن عبد القادر عميد كلية الشريعة بالأزهر في كتابه (نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي) دار الكتب الحديثة، الطبعة الثالثة 1965، صفحة 58: (ذلك أنه عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد كثير من العرب، وكانت ردتهم خروجاً على السلطة السياسية للمدينة أكثر منه خروجاً عن الدين الإسلامي، وقد ظنوا أنهم بايعوا النبي وحده وأن ذلك كان منوطاً بشخصه فقط، وهي الفكرة السائدة عند العرب في معاهداتهم ومبايعاتهم، ولم يكن جهاد أهل الردة جهاداً ضد المرتدين عن الدين، بل ضد أولئك الذين امتنعوا عن أداء الضريبة للمدينة، وكان جهاداً لأجل السيادة السياسية على العرب، ونجاح هذه الحملات لم يكن إعادة لهؤلاء العرب إلى حظيرة الإسلام بل كان على الأكثر مداً للسيادة وتدعيماً لها).

ويستنبط من هذه الشهادة الصادقة أن أبا بكر قد اجتهد رأيه في قتال مسلمين خرجوا على طاعته -هذا إن كان رحمه الله قد فعل- ولم يشرع ولا ينبغي له أن يشرع في دين الله تبارك وتعالى ما ليس بقرآن.

(3) القتال لرد العدوان

{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ . فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ . الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .} (البقرة 190-194).

تلك آيات الله البينات لا تبيح العدوان إلاّ على المعتدي وبقدر عدوانه، فإذا انتهى فلا عدوان إلا على الظالمين. وهي واضحة الدلالة على أن قتال المسلمين إنما هو لقهر العدوان انتصاراً للسلام، فلا يخرج أحدهم ليقاتل في سبيل الله إلا في مواجهة أولئك الذين يقاتلون المسلمين، كما أنها قاطعة الدلالة على أنه لا يباح القتال للمسلمين اعتداء على الغير أو طمعاً في أموالهم أو ديارهم { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ .‏} ويرد بعد ذلك قوله تبارك وتعالى {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} والواو في قوله تعالى { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } هي واو العلاقة والارتباط التي أشرنا إليها من قبل وهي لاستظهار الحكمة من فرض القتال في هذه الحالة، ذلك لأنه ليس أشد وطأة على النفس من فتنة العدو الذي يظفر بثمار عدوانه ويظهر على المسلمين بعدته وعتاده فخير لهم ولا شك أن يقتلوا ويموتوا عن آخرهم من أن يقعوا ضحية العدوان أذلة بغير حق فاشلين بغير كرامة يختال العدو بينهم ليسفه دينهم ويستبيح حرماتهم ويكشف عوراتهم وتكبر أجيالهم في هذا الحضيض، وتتقرر حرمة المسجد الحرام بقوله تعالى { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ .} ثم الله تبارك وتعالى يفرض الرحمة من رحمته والمغفرة من فضله فلا يطلق يد المسلمين في رقاب أعدائهم رغم أنهم هم الذين بدأوا بالعدوان وخرجوا لخرق السلام فيقول وقوله الحق { فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} ثم يحذر من الفتنة في قوله تعالى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } وأي فتنة أشد على المسلم من أن يظفر به عدوه الذي لا يراعي فيه إلاً ولا ذمة، وأي فتنة أشد عليه من أن ينتصر عليه من لا خلاق له ومع ذلك {انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ . }(البقرة 193) ولا قتال في الشهر الحرام كمبدأ معلن في الإسلام يحترمه المسلمون ويعرفه غيرهم، وإنما يخرج المسلمون للقتال فيه قصاصاً ممن يعتدون على حرمته { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ويطبق على هذا القتال أحكام القصاص كما أوردها الله في كتابه العزيز { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . } فالاعتداء قصاصاً إنما يكون بمثل الاعتداء الذي وقع انتهاكاً لحرمة الشهر الحرام.

(4) القتال دفاعاً عن المستضعفين

{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .‏ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً . الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً . } (النساء 74-77).

يقول الله تبارك وتعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } والحديث في هذه الآية الكريمة عن مسلمين قالوا أسلمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فهم الذين قيل لهم كفوا أيديكم ولا تعتدوا وفرض عليهم السلام شريعة ومنهاجاً لا يخرجون إلا لقتال عدو يخرج لقتالهم تماماً كما قيل لهم أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وإنما يكتب عليهم القتل عندما يتعرضون للقتال كتاباً مفروضاً يستوجب عليهم أن يخرجوا له لا يخشون في ذلك أحداً إلا الله ولا يركنون في ذلك إلى متاع الدنيا { قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى }.

وإنما يفرض على المسلمين القتال دفاعاً عن دين الله وعن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، والقعود عن قتال العدو الذي يغير على المسلمين يعرض الدين للخطر كما يكشف الضعفاء من القوم رجالاً ونساء وولداناً لأهواء العدو الظافر بهم. وهذا هو الظلم الذي لا يملك المرء فيه إلا أن يستجير بربه لا يجد ملاذاً إلا إليه فيقول { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً .} .

القرية التي لا تجد من أهل البأس من يتولى أمرها بالحق وينصرها من الظلم هي القرية الظالم أهلها، لأنها لا تجد حرجاً في تسليم دينها وضعيفها لعدو طامع بها، وتفرط في حرماتها وعوراتها لمن لا يؤمن جانبه ولا يوثق في حكمه. والله تبارك وتعالى إنما يفرض القتال في هذه الحالة دفاعاً عن الدين وعن المستضعفين ولا يفرضه عدواناً على أحد، وفي هذه الآية الكريمة يؤكد المولى عز وجل هذا المعنى بقوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } فالله لا يأمر إلا بالسلم وأهم مظاهر السلم التقوى بإقامة الصلاة والبر بإيتاء الزكاة، وإنما يفرض القتال على المسلمين فرضاً عندما يتعرض كيانهم وسلمهم ودينهم وحرماتهم للخطر { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } والتساؤل الأول في قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } هو الرد على سؤال هؤلاء حيث قالوا { رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } فهل يرتضي هؤلاء ذل الحياة وهوانها والتفريط في دينهم وضعيفهم خلوداً على العيش الرخيص كالسوائم الضالة { قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } .

ويضرب الله مثلاً تاريخياً بقوم أخرجوا من ديارهم وابتعدوا عن أبنائهم ووجدوا أنه لا مناص لهم من القتال في سبيل الله حتى يعودوا إلى ديارهم وأبنائهم، ومع ذلك فقد استحبوا القعود على قتال كتب عليهم لاسترداد حقوقهم واعتذروا بأنهم ليس لهم قائد ينظم صفوفهم للقتال واطمأنوا بذلك حتى بعث الله لهم ملكاً عليهم فلما تولى شؤونهم وفصل بالجنود أوردهم نهراً ولم يمض إلى عدوه إلا بمن أطاعه منهم ثم انتصر بمن معه بإذن الله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .‏ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ .} (البقرة 246-251).

هذه هي آية المعركة الظافرة وتلك سنّة الله في عباده الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ومن هذه الآية الكريمة فإنك ترى أن نصر الله ينصر به عباده المؤمنين بثلاثة أمور : قائد له علم طالوت وصحة جسمه، وجندي له صبر داوود وإقدامه، وحق ينطلق به القائد والجنود دفاعاً عن الدين والديار والسلام.

ومثل من التاريخ عن قوم آخرين سبقوا هؤلاء وكانوا قد أخرجوا من ديار مقدسة كتبت لهم وكان نبيهم عليه السلام يحرضهم على القتال فلا ينفرون في سبيل الله فخذلهم الله وحرم عليهم حق العودة إلى ديارهم المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .‏ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .}، (المائدة 20-26) وهذه هي المعركة الخاسرة كان فيها القائد موسى عليه السلام وكفى به من عباده عالماً حكيماً قوياً أميناً وكان فيها الحق بالعودة إلى ديار مقدسة كتبت لقومه ولكن تخلف الجند عن الحق وعن القائد ورضوا بالقعود خشية الناس فخسروا المعركة وخسروا الحق.

(5) القتال دفاعاً عن الدين

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . }(البقرة 217).

يُفتن الناس بالخير والشر في الحياة الدنيا.. فإذا ابتلاه ربه بشيء من ذلك فهو امتحان لعباده بالحق والعدل ولأنه تبارك وتعالى هو الحق وهو العدل ليميز الخبيث من الطيب {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً }، (الأنبياء 35). أما فتنة الناس بعضهم بعضاً فهي فتنة من لا يؤمن جانبه ولا ثقة في عدله ولذلك وصفت في القرآن بأشد من القتل حقاً وصدقاً فليس بعد القتل إلا الموت وهو ملاق الناس حتماً مقضياً، أما الفتنة فمن ورائها موت أمة وضياع دين وخسارة الدنيا والآخرة معاً وفساد في الأرض هيهات أن يستقيم لها إصلاح من بعده. وأخطر الفتن في الأرض أن يظفر العدو بأهل الإسلام { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } الإسلام هو دين الله في الأرض قائماً على السلام بالقسط وبالعدل، والمسلمون يحملون الكتاب لنشره بين الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن فتنوا وهلكوا طوى الكتاب ورفع من قلوب الناس واتخذه الناس مهجوراً وهو قائم عليهم بالحجة البالغة إلى يوم القيامة.

وإنما يجب قتال الذين يردون المسلمين عن دينهم دفاعاً عن السلام في الأرض وعن حق الناس في الحرية التي كرم الله بها عباده والعدل الذي آثرهم به والقسط الذي فرضه عليهم { الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً .} (النساء 76). {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ .} (التوبة 12) {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ .} (البقرة 193).

فالله تبارك وتعالى كتب على المسلمين القتال لدفع الفتنة عن دينه في الأرض وعلم أنه كره لهم فقال وقوله الحق { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ .} (البقرة 216). والخير في القتال إنما هو رد الفتنة عن الدين ودفع الظلم عن المسلمين وحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وإقرار السلام في الأرض وقهر البغي والعدوان وليس الخير في عرض الدنيا من المغانم وإن تقرر حق المسلمين الظافرين فيها جزاء ما تكبدوه من عناء مقارعة الباغي المعتدي وفرضت عليه جزاء بغيه وعدوانه، وهو حق لا ترفضه شريعة في الأرض دينية أو غير دينية. والقعود عن قتال الباغي والخروج لقهر عدوانه شر كله من حيث هو تسليم للظلم ورضاء بالعدوان وإقرار للبغي في الأرض وكشف الدين للخطر وتعريض الأمة للضياع والذلة والهوان ورضاء بفتنة خير منها الموت جماعات وأفراداً.

(6) قتال ناقض الميثاق

{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ . اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ . فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ . أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ .‏ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . } (التوبة 7-15).

تحذر هذه الآيات الكريمة بادئ الرأي من عقد المواثيق مع المشركين باعتبارهم قوم لا أيمان لهم ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فالغدر والخيانة أمر مفترض فيهم ما ركنوا إلى شركهم وتحللوا من عهود الدين وأحكامه وتحرروا من رقابة الله عليهم. ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى ألزم المسلمين على عهد رسول الله بما عاهدوا عليه المشركين عند المسجد الحرام، وأمرهم بالاستقامة على عهدهم ما استقام المشركون على العهد وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دين المسلمين فقد أوجب الله الخروج لقتالهم. وأظهر ما تدل عليه هذه الآيات البينات أن المسلمين ملزمون باحترام الميثاق والالتزام بالعهد حتى ينقضه الباغي بعدوانه، كما أنها تحذر المسلمين من التورط في مواثيق مع من لا يتصور منه احترامها والالتزام بها.

الميثاق من الوثاق وهو تعبير للدلالة على قوه الالتزام به وعدم جواز التحلل منه وتعرفه الآية الكريمة من قوله تعالى { فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ . وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ .} (الفجر 25، 26) كما يعبر الله عنه بمن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فذلك الذي يمسك بعروة لا انفصام لها {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .} (لقمان 22) والميثاق هو عهد يتفق عليه طرفان ويعبر عنه في فقه القانون الدولي بالاتفاقيات والمعاهدات ويقدم فيه كل طرف للآخر ما يعاهد الله عليه بقصد احترامه والالتزام به، وجدير بالمسلم ألا يتورط في مواثيقه وخاصة مع أهل الشرك وأن يكون موقفه منهم موقف المستعد لرد العدوان لأنه لا يتصور منهم غير العدوان عملاً بقوله تعالى {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}. ويجوز للمسلمين أن يرتبطوا بمواثيق مع غيرهم فيما تبينه آيات الكتاب التي تمنع المسلمين من القتال ولو انتصاراً لقوم أسلموا ضد قومهم ما التزم هؤلاء بميثاقهم مع المسلمين { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .}، (الأنفال 72)، أو الاتفاق على أن تكون ديار أهل الميثاق آمنة من قتال المسلمين فيها ولو ضد قوم يقاتلونهم ما أقام هؤلاء في ديارهم { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً . إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } (النساء 89، 90).

ويبين من هذه الآيات البينات أنه يجوز للمسلمين أن يرتبطوا بمواثيق مع غيرهم لضمان السلم والأمن فيما بينهم وبين الغير وهو ما يسمى في الفقه الدولي بمواثيق الأمن أو معاهدات السلام أو اتفاقيات عدم الاعتداء، ويجوز ذلك إلى الحد الذي يتعهد فيه المسلمون - مقابل تعهد الطرف الآخر بطبيعة الحال- بألا يقاتلوا عدواً يقاتلهم في أراضيهم { إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } وأن يمتنعوا عن قتالهم ولو انتصاراً لمؤمن يشتبك معهم في قتال { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } .

ويجب على المسلمين أن يلتزموا بميثاقهم تماماً كما تعهدوا به، ومن أجل هذا الالتزام المغلظ جاء التحذير قاطعاً بعدم التورط فيه وتدبر الأمر ملياً قبل التعهد به ولا يحل للمسلمين أن ينقضوا ميثاقهم إلا إذا انقضت مدته أو أخل به الطرف الآخر أو طعنوا في دين الله أو قاموا بمساندة عدو يقاتل المسلمين { إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ .} (التوبة 4)، {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ . أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ .‏} (التوبة 12- 13).

(7) القتال دفاعاً عن المسلمين

فرض الله تبارك وتعالى على المؤمنين أينما كانوا تحالفاً بالقرآن، فإذا أقاموا في وطن واحد وجمع بينهم شرع الله والالتزام بالجهاد في سبيله فأولئك يتولى بعضهم بعضاً ويدافع بعضهم عن بعض، أما إذا أقام بعضهم في أوطان أخرى فلا ولاية للمسلمين عليهم ولا شأن لهم بهم إلا إذا اعتدى عليهم في الدين فهنالك يجب على المسلمين أن يتدخلوا لرفع الظلم عنهم إذا دعوا إلى ذلك. فإذا لم يتعرضوا لشيء من العدوان في الدين ولم يستنصروا المسلمين في ظلم واقع بهم فلا يحل للمسلمين أن يتدخلوا من تلقاء أنفسهم، ومع ذلك فإذا كان المسلمون متورطين في ميثاق مع هؤلاء فإن شيئاً من ذلك لا يجيز لهم التحلل من ميثاقهم على نحو ما رأينا من قبل.

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (الأنفال 72).

ولذلك فإنه لا يحل للمسلمين أن يتحركوا دفاعاً عن مسلمين يقيمون في أوطان أخرى غير أوطانهم إلا بثلاثة شروط :

(أولاً): أن يتعرض هؤلاء المسلمون لاضطهاد في الدين { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } (الأنفال 72) فلا يجوز الانتصار لهم بسبب نزاع قبلي أو من أجل خلاف مادي أو على أمر لا شأن له بالدين.

(ثانياً): أن يطلب هؤلاء المسلمون النصر لقوله تعالى { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} و(إن) في الآية الكريمة هي (إن) الشرطية التي لا تجيز الجواب إلا بوقوع الشرط وهو طلب التدخل.

(ثالثاً): ألا يكون المسلمون مرتبطين بميثاق من مواثيق السلم وعدم الاعتداء بينهم وبين هؤلاء القوم { فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ } وفي هذه الحالة يستمد المسلمون حقهم في القتال من حق إخوانهم في رد العدوان عن أنفسهم الأمر الذي يعتبر دفاعاً شرعياً عن الغير.

(8) القتال دفاعاً عن الديار

ورد التعبير عن الأوطان في القرآن الكريم بالديار وهو تعبير أصدق وأشمل دلالة من الوطن ففيه معنى الاستقرار والحماية والاعتزاز والارتباط المصلحي، باعتبار أن سكان لوطن الواحد أهلٌ كأهل دار واحدة. فالإنسان يحتمي في داره ويخلد فيها إلى الأمن والاطمئنان يعتز بها ويسعى إلى حمايتها وإعلاء شأنها ويحترم حقوق جاره لأنه لا غنى له عنه في السراء أو الضراء على سواء، وكل ذلك مما يرتبط به الإنسان من حقوق والتزامات نحو داره الخاصة متحقق بأوفر ما يكون نحو مجموعة الديار الأخرى التي يعيش بينها.

وأوجب الله على المسلمين من بين ما أوجبه عليهم نحو ديارهم أن يخرجوا للقتال دفاعاً عنها وأن يقاتلوا كل عدو غاصب يستولي عليها بغير حق { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .} (الحج 40) تقرر هذه الآية الكريمة حق الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق في العودة إليها بالقوة، وتبدو قيمة الديار بالنسبة- للمسلمين من حيث هي كيان اقتصادي وهو ما ورد التعبير عنه بالصوامع والبيع أي الخزائن والتجارة ويشكلان معاً أساس الاقتصاد كما سبقت الإشارة إليه من قبل، ومن حيث هي كيان اجتماعي يرتبط كل فرد فيه بالآخر بصلة القربى أو الرحم أو الجوار أو الدين أو الصداقة أو غير ذلك من الصِلات وهو ما ورد التعبير عنه بالصلوات، ومن حيث هي كيان عقائدي يرتبط فيه الجميع بالعروة الوثقى في ناديهم الأكبر وهو المسجد الذي يعبر عن ذكر الله والصلاة والتشاور فيه بين جماعة المسلمين للخير العام والخاص.

وفي مرحلة الاستعداد لاسترداد الديار المغتصبة أوجب الله تعالى للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم حقاً في البر على الذين أنعم الله عليهم بوطن إسلامي يستقرون فيه وينعمون فيه بالحماية والعزة والكرامة فقال وقوله الحق { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ .} (الحشر 8-10).

هذا ما ينبغي للمسلمين بالنسبة لإخوانهم الذين هاجروا إليهم من بعد أن أخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً، وينبغي لهم أيضاً ألا يصادقوا من أخرجهم من ديارهم أو ظاهر على إخراجهم وألا يتولونهم { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .} (الممتحنة 9).

والمرحلة الأخيرة التي ينبغي للمسلمين أن يتهيأوا لها هي الخروج قتالاً في سبيل الله لإخراج العدو الباغي من حيث أَخرج المسلمين ظلماً وعدواناً { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ .‏ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } (البقرة 190، 191).

(9) قتال المنافقين

{ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً . وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً . إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً . سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً .} (النساء 88-91).

كانت الهجرة وما تزال منذ بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق جهاداً في سبيل الله فرضها الله على رسوله فهاجر برفقة صحابي كريم { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (التوبة 40) ويجب أن نطهر هذه المسيرة المباركة مما علق بها من أساطير المؤرخين حتى لا يفوتنا المثل الأعلى والقدوة الحسنة فيها، فلقد كانت إيذاناً لمن آمن مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة حيث يمكنهم أن يعبدوا الله وأن يدعوا إلى دينه في مأمن من مكر الذين كفروا وحيث يمكن أن تسمع كلمة الله بالحسنى بعيداً عن ضجيج المكابرين ولغوهم، والمعركة في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم حسبما تصورها آيات الله البينات كانت تواجه فئتين من المنافقين، فئة لم تكن تحارب الدين ولا تخرج أهله ومع ذلك فقد أخلدت إلى الأرض ولم تهاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم انتصاراً له ولدينه الحق وتود لو كفر المسلمون وأراحوا أنفسهم من عناء الدين فأصبح الجميع سواء كما كانوا من قبل لا يقاتل بعضهم بعضاً، ويعتبر الله تبارك وتعالى هؤلاء المنافقين خطراً ينبغي الحذر منه ويحظر على المسلمين أن يتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ويأذن لهم بقتالهم إذا لم يعتزلوا المسلمين ويلقوا إليهم السلم.

والفئة الثانية من المنافقين قوم وقفوا من الجانبين موقفاً سلبياً فلم يؤمنوا مع المسلمين ويهاجروا ولم يجندوا أنفسهم للقتال في صفوف أعدائهم بل آثروا السلامة والأمن من الجانبين وأولئك لا سلطان للمسلمين عليهم إلا إذا ناصبوهم العداء ولم يكفوا أيديهم عنهم.

كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة مع رفيقه الصحابي إيذاناً بالحركة الإيجابية انتصاراً لدين الله، وهي ما تزال من القدوة الحسنة لكل من أراد انتصار الدين وإظهاره بالجهاد في سبيل الله سواء لحماية الذين آمنوا من الذين يبغون في الأرض بغير الحق أو لنشر الدين في ديار تقبل الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة أو للتجمع في مركز يمكن أن تنطلق منه الدعوة إلى دين الله بالحق وإظهاره بإذن الله على الدين كله { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً . إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً . وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (النساء 97-100) فأرض الله واسعة وما تزال عامرة بالقلوب المؤمنة التي تتسع لدعوة الحق بكلمة الله العليا وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده إن الله عزيز حكيم.

(10) قتال الفئة الباغية

{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .} (الحجرات 9، 10).

المؤمنون إخوة ألف الله بينهم وجمعهم على كلمة التقوى ووحد بينهم على أسس قويمة من الدين الحنيف والأخلاق الكريمة السمحة، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من ربهم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ويدينون دين الحق من ربهم، ويحفظ كل منهم لأخيه حقه الإنساني في الحياة الحرة الكريمة وفي نصيب مفروض من رغد العيش. لذلك يقول الله تبارك وتعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } ولا يتصور من المؤمن أن يعتدي على أخيه إلا أن تسول له النفس الأمّارة بالسوء أو يوسوس له الشيطان فينزغ بينهما وكان الشيطان للإنسان عدواً مبيناً، وقد ورد النص بهذه الآيات الكريمة لعلاج مثل هذه الحالات فإذا ما وصل الأمر بين طائفتين من المؤمنين إلى أن ترفع إحداهما السلاح على الأخرى فقد أوجب الله على الآخرين أن يبادروا بالإصلاح بينهما، فإذا لم يجد ذلك شيئاً وجب قتال الفئة الباغية حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت وجب الإصلاح بينهما بالعدل وبالقسط.

ولا شك أن قتال المسلمين في هذه الحالة هو من أخطر ما يمكن أن يعترض سبيلهم من القضايا السياسية، فيجب أن تكون المبادرة إلى الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين مبادرة سريعة وفعالة حتى تحقن دماء المؤمنين فلا يفشلوا وتذهب ريحهم كما حذّرنا المولى تبارك وتعالى بقوله { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .}، (الأنفال 46). وأن تكون الدعوة إلى الإصلاح بينهما قوية وجادة ومحذرة من عواقب البغي والعدوان. ولا يجوز التحول من السعي بين الطرفين بالإصلاح إلى قتال الفئة الباغية إلا بعد أن تستنفد المبادرة جميع غاياتها ولم يعد بد من الاحتكام إلى السيف لوضع حد للبغي. هنالك يبدأ الاختيار الصعب فيا طالما انحاز المسلمون سواء في الداخل أو في الخارج إلى الفئة الباغية لقهر المظلومين وضرب براعم الحق قبل أن تنفتح على الناس، فكانوا بذلك وبالاً على أنفسهم وأسرع إلى تخريب بيوتهم فدالت دولتهم وانكسرت شوكتهم وأصبحوا صيداً سهلاً لكل طامع فيهم ليشتت شملهم وليذهب ريحهم.

قلنا إن الحديث عن القتال في الإسلام يقتضي من الباحث أن يستنبط أحكام الحرب والسلم من القرآن الكريم، وإن الأمر ليستوجب دراسات مستفيضة لا نظن أننا أحطنا بالنذر اليسير مما ينبغي للباحث أن يستنبطه منها، ولكنها على أي حال محاولة لوضع العناوين العريضة لاستنباطات تقتضي للإحاطة بها إنشاء الجامعات المتفرغة لدراساتها والعاكفة على بحث ما خفى منها في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. هنالك وضع الأسري، ومعنى ملك اليمين وحساب الفئ وغير ذلك مما أحاط به القرآن الكريم تفصيلاً ونرى وجوب بحثها في دراسة خاصة ونكتفي بما سبقت الإشارة إليه لنخرج منه جميعاً بأنه وإن جاز القتال للمسلمين في حالات معينة ورد النص عليها في القرآن على سبيل الحصر استثناء من الأصل العام الذي فرض على المسلمين كافة جماعات وأفراداً بألا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق إن جاز ذلك للمسلمين وفي حدود ما بيّنه الله تبارك وتعالى في كتابه تفصيلاً، إلا أن شيئاً من ذلك لا يرخص القتال في الأشهر الحرم متى التزم العدو بهذه الهدنة المفروضة من الله العزيز الرحيم، فإن خرقها العدو أصبح المسلمون في حل من هذه الحرمة وجاز لهم رد العدوان بالقتال { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .} (البقرة 194).

ويعتبر القتال في الشهر الحرام من الكبائر لقوله تعالى { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ومتى كان القتال في الشهر الحرام من الكبائر فقد تعين اجتنابه { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً . } (النساء 31). ولئن كان القتال في الشهر الحرام كبيراً فإن الأكبر منه عند الله الكفر بالله وصد الناس عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وإخراج أهله وابتغاء الفتنة في الأرض { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } فكل أولئك من الكبائر التي يفرض الله تبارك وتعالى من فضله على الناس أن يجتنبوها وأن يحرصوا كل الحرص على عدم التورط فيها في الشهر الحرام.

ونجد في أكثر قوانين الأرض أن الرجال يجبرون على القتال كرهاً. ولا نجد في القرآن ما يرخص لأولى الأمر شيئاً من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى قد جعل القتال في سبيله عبادة لا إكراه فيها وسباقاً بين المؤمنين أيهم أقرب من الله رحمة وأوفر حظاً في الحياة الدنيا وفي الآخرة { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً . }(النساء 95، 96).

ضعفاء الجسم والمرضى والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون وغير هؤلاء من أولى الضرر يستثنون من الجهاد في سبيل الله ولا حرج عليهم إذا قعدوا عن ذلك { لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ .‏ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . } (التوبة 91-93).

لا سبيل لأولى الأمر على غير أولي الضرر من الذين قعدوا عن الجهاد في سبيل الله إلا في أموالهم إن كانوا من الأغنياء الذين يبخلون بأموالهم ولا ينفقونها جهاداً في سبيل الله، فيجوز لأولي الأمر أن يفرضوا ضريبة للجهاد في سبيل الله تؤدى كرهاً من أموال الأغنياء. أما القتال فلا إكراه فيه ولم يجعل الله على المؤمنين سبيلاً فيه لأحد مهما كانت الأسباب أو المبررات، فمن شاء خرج إليه طوعاً ومن شاء قعد عنه وهو من المؤمنين الذين وعدهم الله الحسنى في درجات أدنى من الذين خرجوا بأنفسهم جهاداً في سبيل الله.

وأي قتال هذا الذي يخرج إليه المقاتلون كرهاً.. شهد الله أنه قد يصلح في معركة ولكنه لا يصلح لأمة تريد وجه الله.. لو أراد الله لجمع الناس على الهدى، ولكن الله خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملاً { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ .}، (آل عمران 142). فإذا خرج المؤمنون إلى القتال طوعاً واختاروا لأنفسهم أن يقيموا الحجة لله على أنهم لا يؤثرون في سبيله شيئاً فأولئك الذين يقاتلون في سبيله صفاً من الذين يحبهم الله ويدخلهم في رحمة منه وفضل وحسن أولئك بلاءً في الحياة الدنيا { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ . } (الصف 4) أما الذين يخرجون كرهاً من المؤمنين الذين لم يعدوا أنفسهم للقتال أو المنافقين الذين يحسدون المؤمنين فأولئك ضررهم أكبر من نفعهم، وإنما حسابهم على الله كل بحسب ما علم الله في صدره من الإيمان أو الكفر والنفاق { لوخَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ .} (التوبة 47).

مثل الذين يكرهون الناس على القتال كمثل الذين يرفعون السياط على رقاب المؤمنين ليحملوهم إلى المساجد إذا نودي للصلاة أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم والله غني عن العالمين { سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ . }(التوبة 95).

بل إن المؤمنين قد يعدون رجالاً من المقاتلين طوعاً، وقد ينفقون عليهم في سبيل إعدادهم للقتال من أموالهم، فإذا استنفروا لم ينفروا وأرادوا القعود.. هؤلاء لا يطلق عليهم الرصاص ولا يقدمون إلى المحاكم العسكرية بتهمة الفرار من الجندية أو غير ذلك مما نجده في قوانين البشر.. في كلمات الله تبارك وتعالى التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها نجد المؤمنين يطلقون سراحهم ويعرضون عنهم ويمنعونهم من القتال معهم في سبيل الله في معارك أخرى { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ . فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ . فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ .} (التوبة 81-83). هؤلاء رضوا بالقعود فقعدوا فكان لهم ذلك وأعرض عنهم المؤمنون وأسقطوهم ولم يقبلوا نفيرهم من بعد وفوضوا أمرهم إلى الله.

فسيقولون كيف نترك أوطاننا وأبناءنا وأعراضنا وأموالنا بغير جيوش أعدت للقتال إعداداً ودعمت بالقوة وبرباط الخيل تدعيماً.. إن الأمة التي لا تجد من رجالها من يقاتل في سبيل الله طوعاً أمة لا خير فيها في الدنيا ولا في الآخرة، أولئك الذين ظلموا أنفسهم من أهل القرى وقال المستضعفون الذين آمنوا منهم { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً .} (النساء 75).

الرجال يقبلون في القوات المسلحة طوعاً ويستنفرون للقتال طوعاً ويجزل لهم العطاء من مال المؤمنين بغير حساب لأنهم أعظم درجة عند الله وعند الذين آمنوا { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (الحجرات 13)، ولا ينفق عليهم من شيء لغير ذلك لأن الله اشترى منهم أموالهم وأنفسهم لحماية كلمته في الأرض بالحق.. فإذا استقال أحدهم من هذا الأمر فعلى أولي الأمر أن يقبلوا استقالته في لحظة تقديمها ويطلقوا سراحه ليقعد حيث يشاء وإذا استأذن أولي الأمر في نفير فليس لأولى الأمر أن يبغوا عليه سبيلاً وعليهم ألا يقبلوا تطوعه من بعد ذلك أبداً لأنهم رضوا بالقعود عن القتال في سبيل الله وكره الله انبعاثهم فثبطهم فلا يقال لهم إلا اقعدوا مع القاعدين.. ولقد أدرك طالوت عليه السلام هذه الحكمة من سنن الله التي بينها لعباده المؤمنين، ففرض على جنوده ابتلاءً قاسياً حتى منعهم من شرب الماء إلا بمقدار ما يغترف بيده لأنه لم يشأ أن يقاتل إلا بمن أراد وجه الله، وظل يفتح أبواب القعود باباَ بعد باب حتى بلغ جالوت بصفوة المؤمنين فحارب معركته وانتصر بالقلة الباقية على الكثرة الباغية بإذن الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

إن المؤمنين الذين يعرفون فضل الله عليهم إذا خرجوا قتالاً في سبيله وابتغاء مرضاته ليسوا بحاجة إلى قوانين التجنيد الإجباري ولا يرهبهم الرصاص من خلفهم إذا ولوا الأدبار أو قعدوا عن القتال.. إنما يحتاج إلى هذه القوانين من كان يريد علواً في الأرض أو أراد فيها الفساد ليظهر على الناس بعدته وعتاده وشهد الله أن أولئك هم الخاسرون في الحياة الدنيا وفي الآخرة كدأب آل فرعون والذين من بعدهم قوم هولاكو وهتلر ونابليون.. { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.} (الأنفال 47).

ومن قبل عندما قعد بنو إسرائيل عن القتال في سبيل الله مع موسى وهارون عليهما السلام ولم يجد موسى عليه السلام حيلة مع القوم الذين ظلموا أنفسهم { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .} (المائدة 25). لم يأذن الله لموسى عليه السلام أن يجندهم جبراً أو يحملهم على القتال كرهاً، بل هو الله سبحانه وتعالى { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .} (المائدة 28). كره الله انبعاثهم فاقعدهم أربعين سنة.

لا نجد في القرآن ما يفرض على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيل الله كرهاً، بل نجد أن الله سبحانه وتعالى قد فرض عليهم أن يمنعوا فريقاً من المؤمنين من القتال إذا كانوا مستنفرين للتفقه في دين الله ذلك لأنهم في نفير لا يقل شأناً عن النفير قتالاً في سبيل الله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .} (التوبة 122). الذين يتفقهون في دين الله من العلماء والتلاميذ الذين يعيدون صياغة علوم الأمة ومعارفها النظرية والعملية كلها في خدمة دين الله أولئك في نفير عظيم ولا يقبل تطوعهم في القتال أبداً.. لأنهم يصنعون خير أمة أخرجت للناس.. ويستنبطون لهم النذر لعلهم يحذرون.

الدعوة إلى القتال في سبيل الله كالدعوة إلى دين الله سواء بسواء.. لا إكراه فيها.. فمن شاء فليقاتل ومن شاء فليقعد.. ومن أراد القعود في ولاية المؤمنين وفي ظلال من حمايتهم فعليه أن يدفع من أمواله بحسب ما يقدر عليه {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ } (آل عمران 167). آيات بينات من عند الله سبحانه وتعالى لا اختلاف فيها قائمة بالحق على صراط مستقيم.. من لم يرد القتال في سبيل الله فعليه أن يدفع من أمواله.. قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

ونجد قوماً خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالاً في سبيل الله.. ولم يكد يبدأ القتال حتى استأذنوه فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دون أن يتبين حقيقة أمرهم.. { عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ .} (التوبة 43)، إذا تطوع المقاتلون فإن لهم أن يقعدوا إذا شاؤوا القعود ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وفي هذه الحالة يجب منعهم من الخروج إلى القتال من بعد.. أما أولو الضرر أو العذر فإن لهم أن يستأذنوا، وفي هذه الحالة لا ينبغي لولي الأمر أن يأذن لهم بالقعود حتى يتبين له الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.. فإذا صدقوا كان له أن يأذن لهم، وإذا كذبوا وجب عليه أن يدمغهم في القاعدين.

المقاتلون الذين يتطوعون للقتال في سبيل الله ينبغي أن يكونوا تحت تصرف ولي الأمر ورهن إشارته في كل حين.. وليس لهم أن يقعدوا بأعذار كاذبة.. فإذا أرادوا القعود فإن لهم ذلك في جميع الأحوال، ولكن ليس لهم أن يتسللوا لواذاً بل عليهم أن يقولوها صريحة إنهم رضوا بأن يكونوا مع الخوالف بغير عذر أو ضرر حتى يدمغهم ولي الأمر في القاعدين.

(ثانياً) صيد البر

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ } (المائدة 1-2).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ.‏ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .} (المائدة 95-96).

كما حقن الله تبارك وتعالى دماء البشر في الأشهر الحرم، فكذلك حقن الله دماء الكائنات البرية من الطير والدواب والزواحف وغيرها في هذه الأشهر المباركة، والحكمة من ذلك ظاهرة قصد بها حفظ النوع وحماية هذه الكائنات من الانقراض حتى تعمر الأرض بطيرها ودوابها كما عمرت ببشرها { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ .} (الأنعام 38).

ولا يشمل هذا الحظر نحر الأنعام لقوله تعالى {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } (المائدة 1) والحكمة من ذلك ظاهرة أيضاً من حيث أن الإنسان بطبعه قد جبل على حفظها ورعايتها، وهي ثمانية أزواج مبينة في القرآن تفصيلاً بقوله تعالى { وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .‏ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .} (الأنعام 142-144).

ويحرم المسلم بظهور هلال شوال كما أسلفنا من قبل ويحل بظهور هلال صفر في أربعة أشهر حرم هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهذا هو المقصود من قوله تعالى { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي وأنتم في هذه الأشهر الحرم. ولا يمكن أن ينصرف المعني إلى أولئك الذين فرضوا على أنفسهم ملابس الإحرام في الحج وحسب (أولاً) لأنه ليس في الملبس حرام وحلال فكل ما نسجه الله لعباده من فضله ورحمته حلال على المسلم أن يلبسه بما في ذلك ما نسج من الحرير، فلا يجد المسلم فيما يتلى عليه من قرآن محرماً على مكتس أن يلبسه من حرير أو غير حرير. (ثانياً) ولأنه ليس في الحج لباس خاص يلتزم به الحاج ولا يحل له الحج إلا بلباسه فيحرم به ويحل بخلعه، فليس من ذلك شيء في القرآن والمسلم يحج بهذا الذي يعتاده المسلمون اليوم كما يحج بغيره ولقد أشرنا إلى ذلك في موضعه من باب الحج، فلا حرام في اللباس إلا ما بلغ حد الإسراف وجاوز المعقول.

فالإحرام هو بالأشهر الحرم وليس بغيرها والمسلم يحرم بدخولها سواء كان في الحج أو كان في بلاده أو كان في غير ذلك يضرب في أرض الله ابتغاء فضله ورضوانه.

خلق الله الإنسان في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ويتحرك فيها كيف يشاء براً وبحراً { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً .} (الإسراء 70)، فأما البر فهو اليابسة من الأرض سواء كانت في مستوى سطح البحر أو انخفضت عنه أو ارتفعت عليه، ويشمل ذلك السهول والوديان والمنخفضات الأرضية والصحاري والجبال والتلال وغيرها، وأما البحر فهو كل منخفض من الأرض تغطيه المياه ويكون صالحاً للصيد منه سواء كان عذباً فراتاً أو ملحاً أجاجاً. { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً َتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .} (فاطر 12)، ويشمل ذلك البحار والمحيطات والأنهار والمستنقعات وغيرها.

وإنما حرم صيد البر في الأشهر الحرم، وأبيح صيد البحر في هذه الأشهر المباركة. وإنك لترى في الخلق عجباً لا يستقيم في العقل ولا في المنطق إخضاعه للصدفة المجردة عن مشيئة خالق عزيز عليم حكيم مقتدر، ومن آيات خلق الله التي ترد على المكابرين بالصدفة أنك ترى خلقاً يعيش في البر فإذا ألقيت به في البحر هلك، ومن ذلك الإنسان والأنعام والطير، وترى خلقاً آخر يعيش في البحر فإذا أخرجته منه إلى البر هلك، ومن ذلك الحوت والقواقع البحرية، ثم تجد خلقاً ثالثاً تستوي عنده الحياة في البر وفي البحر معاً كالتماسيح والضفادع فإذا بحثت في أمر هذه الخلائق جميعاً وجدت فيها قاسماً مشتركاً من الخلية الحية والأعضاء التناسلية والأجهزة الهضمية والتنفسية وغيرها مما يدل على وحدة الخالق وعظمة قدرته، فإذا بحثت في الكائنات البحرية وجدت لها نظاماً عجباً في حفظ النوع لا يؤثر فيه الصيد الفردي، أما الصيد التجاري فيمكن إخضاعه بسهولة لرقابة الدولة وأجهزتها الفعّالة إذا كان يخشى منه على النوع، فهو أمر جبلت عليه الحكومات لحماية ثرواتها المائية كلما تعرضت للخطر كما جبل الرعاة على حماية الأنعام. وأما إذا بحثت في الكائنات البرية فإنك تجدها لا تتكاثر إلا بين أيدي الناس غير بعيد عن رصاصهم وكلابهم وصقورهم وأيديهم، فلذلك فرضت حمايتها بحقن دمائها في الأشهر الحرم.

وهكذا فإنك ترى من القرآن نظاماً عجباً يتنزل بقدر ما يحتاجه الكون من نظام تعمر به الأرض، فالصيد الفردي لا يؤثر في البحر ولكنه يؤثر في البر فأبيح في الأول وحرم في الآخر، والصيد التجاري البحري يمكن إخضاعه لإشراف الحكومات ورقابتها فترك شأنه لولي الأمر ينظمه بما تمليه عليه قواعد الإصلاح في الأرض، وأبيحت الأنعام لأنها خلقت بطبيعتها في حماية الناس يرعونها ويتولون أمرها ولقد جبلوا على العناية بها وحفظ نوعها.

ولقد ورد النص على تحريم صيد البر في الأشهر الحرم بصياغة عامة مطلقة {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } ، فلا يتقيد بمكان ما من البر فيسري التحريم في الجبال كما يسري في الوديان وفي السهول وفي الصحاري وفي كل بر يستوي بسطح البحر أو يرتفع عليه أو ينخفض عنه، ولا يتقيد كذلك بالغاية من الصيد فيحرم على من يصطاد لطعامه أو لطعام غيره أو للباسه أو لفرش بيته أو لغير ذلك من غايات الصيد.

ولا يحل صيد البر في الأشهر الحرم إلا في حالة الاضطرار من حيث إنها ترخص كقاعدة عامة بالتحلل من أي التزام يفرضه الدين { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.} (المائدة 3)، فمن الجأه الجوع ولم يجد طعاماً إلا الصيد فله أن يصطاد منه ما يكفي لطعامه حتى ينجو، فإن تجاوز في الصيد مقدار ما يكفي لنجاته من الموت جوعاً فهذا هو التجانف للإثم، والمسلم الذي يمسك بالكتاب يعرف متى يضطر ومتى لا تضطره المخامص ويعرف كيف يأخذ بالرخصة بما لا يورطه في الإثم.

وليس من الصيد إبادة الحشرات الضارة والكائنات الحية التي يخشى منها على حياة الإنسان أو صحته كالذباب والبعوض والقمل وغير ذلك، لأن الإنسان لا يخرج لصيدها بل هي التي تخرج لاصطياده وهو لا يبحث عنها لمنفعته بل هي التي تبحث عنه لمنفعتها وهو لا يقضي عليها لذاتها وإنما ليدفع ضررها عن نفسه، ولما كان الصيد هو الخروج لقنص كائن حي يحقق صيده منفعة للإنسان فإن القتل في هذه الحالة لا ينطوي تحت هذا الفهم ويخرج بالتالي من نطاق التحريم.

حرم الله تبارك وتعالى صيد البر في الأشهر الحرم، وفرض العقاب على قتله فبينما نجد الآية الأولى من سورة المائدة تنص على تحريم الصيد في الأشهر الحرم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ .}، نجد الآية الخامسة والتسعين من سورة المائدة تنص على معاقبة من يقتل الصيد في الأشهر الحرم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .} ..

وبداهاً أن ثّم فارقاً كبيراً بين الصيد والقتل، فمن اصطاد ولم يقتل فلا تفرض عليه هذه العقوبة وإن جاز إخضاعه لما يشاء ولي الأمر من التعذيرات كالذي يقتنص طائراً من طيور الزينة بشباكه ليحفظه في بيته أو يقتنص صقراً ليدربه على الصيد، وإنما تفرض العقوبة كما جاء بها المولى تبارك وتعالى على من يقتل الصيد، ولا توقع هذه العقوبة إلا على القتل العمد لقوله تعالى { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً } ،أما قتل الصيد خطأ فلم يرد له حد في القرآن.

قال صاحبي وهو يحاورني أئنك لتقول إن القرآن قد جاء بكل صغيرة وكبيرة من أمور البشر في مختلف العصور وتطوراتها، لو كان الأمر كذلك لتنزل القرآن في آلاف المجلدات والأسفار. قلت هذا عندما تكتبه أنت أو يكتبه فقهاء الإنس والجن، أما عندما يكتبه الأول والآخر والظاهر والباطن العليم الحكيم الملك الواحد المقتدر فإن الأمر لا يحتاج إلى أكثر مما نزل به القرآن. قال وكيف يكون ذلك؟ قلت إن الآية الواحدة بل الكلمة الواحدة أحياناً بل الحرف الواحد في غير قليل من كتاب الله العزيز يتنزل كالنور يرسل ضياءه فيشتت الظلمات فتتّضح الرؤية وتبصر بها أشياء وأشياء، إن هذه شمس واحدة ترى بنورها كل شيء في الكون، وفي بيتك لا تحتاج إلا إلى شمعة واحدة لترى بها في الظلمات كل شيء، وكذلك آيات القرآن الكريم وكلماته وأحرفه هي المصابيح بين يديك تطلقها على أمر فتكشف لك أموراً وأموراً.

وإذا تلبثنا قليلاً مع هذه الآيات البينات من سورة المائدة لنرى ما تكشف عنه بنورها من مبادئ قضائية سامية لأدركنا أن البشر في صراعهم الحضاري العنيف ما يزالون بغير قرآن دون العدالة التي فرضها الله في الأرض.

(1) مبدأ شخصية العقوبة

تقرر هذا المبدأ من شريعة الله على عهد إبراهيم وجاءت به صحف موسى ونزل به القرآن {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .} (النجم 36-38) فلا تحمل نفس إلاّ خطيئتها ولا تعاقب إلا بجرمها ولا تسأل عما تأثم به غيرها إلا بقدر حصاد ما تزرعه بيدها من الضلالة في الأرض { ليحملوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ .}، (النحل 25)، وجاءت الآية 95 من سورة المائدة لتؤكد هذا المبدأ بقوله تبارك تعالى { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وإنما تتقرر العقوبات وتوقع على الجانحين لتذوق كل نفس وبال أمرها، ولا تسأل نفس عن وبال أمر نفس أخرى إلا بمقدار ما حرضتها أو اشتركت معها أو ساعدتها على جريرتها.

(2) مبدأ عدم رجعية التشريعات الجنائية

{ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .} الآية السابقة تقرر تجريم قتل الصيد في الأشهر الحرم وتعاقب عليه بواحدة من العقوبات التي نص عليها إما بغرامة تفرض للكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً، وهذا تشريع جنائي بتجريم الفعل والعقاب عليه، ولا عقاب على الأفعال السابقة عليه { عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف} ويتأكد هذا المبدأ بقوله تعالى { مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً .} (الإسراء 15).

وقد يصح التساؤل عن تنفيذ هذه العقوبة فيما تعلق منها بما يفرض للكعبة من الغرامات، وقد سبق لنا في باب الحج أن أوضحنا أن عمارة المسجد الحرام من الواجبات التي فرضها الله على عباده المؤمنين، ويجب في كل قطر إسلامي أن يكون هناك صندوق لعمارة المسجد الحرام يكون من بين موارده الغرامات والكفارات والصدقات وتحول هذه الأموال لتنفق على عمارة الكعبة البيت الحرام بالتنسيق مع بقية الأقطار الإسلامية الأخرى، وهذا هو المقصود من قوله تعالى : { فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ }.

(3) رفض نظام القاضي الجنائي الفرد

يصنف فقهاء القانون الجنائي الجرائم إلى مخالفات وجنح وجنايات بحسب ما يفرض على الجريمة من العقاب، ولا تثريب على ذلك في القرآن متى كان التشريع الجنائي في فقه القرآن لا يتم إلا بوصف الجريمة وتقرير العقاب عليها سواء بالغرامة أم الحبس أم السجن أم الجلد أم الإعدام، فما تقرر من ذلك بقرآن فهو من الحدود التي لا ينبغي التصرف فيها أو استبدال ما تقرر بشأنها من العقاب، وما لم يرد بشأنه قرآن فهو من قبيل ما يمكن أن يصطلح على تسميته بالتعذيرات والأمر بشأنها لولي الأمر بعد مشورة أهل الرأي في الجماعة المسلمة بحسب ما تستقر عليه هذه الجماعة من دساتير أو أعرف.

ولو أمعنا النظر في هذه الجريمة من حيث العقوبة المقررة لها لما وجدناها تخرج عن وصف المخالفة التي يمكن للمحكمة أن تستبدل بها كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً تفرضه المحكمة على الجانح يوماً أو عدة أيام بحسب كل جريمة على حدة، ومع ذلك فقد نيط فرض العقوبة بقضاء محكمة يجمع إثنان من قضاتها على الحكم بها وبالتالي فلا يجوز أن تشكل المحاكم الجنائية من قاض واحد ويتحقق إجماع القاضيين بتشكيل المحكمة من ثلاثة قضاة وهو أيسر في العمل إذا كان الحكم لا يصدر إلا بأغلبية الآراء، ومن باب أولى لا يستقيم تشكيل المحاكم التي تنظر في الجنايات إلا من عدد من القضاة لا يقل عن ذلك وإن جاز أن تشكل من أكثر من ذلك إذ لا ينبغي تفسير هذا النص إلا باعتبار أنه الحد الأدنى الذي لا تتحقق العدالة التي أرادها الله في الأرض إلا به، وبذلك فإن عدم جواز استئناف الحكم في بعض المخالفات يخالف هذا المبدأ القويم.

(4) مبدأ اشتراط العدل في القاضي المسلم

{ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ } فالعدل شرط أساسي ينبغي أن يتوفر في القاضي الذي يلي القضاء في الإسلام ولو كان ما يعرض عليه من شؤون المسلمين للفصل فيه لا يعدو أن يكون مخالفات هذا شأنها وهذا حجم العقاب الذي يفرضه الشارع جزاء مقارفتها، والعدل هو جميع الصفات الفاضلة التي يمكن للإنسان أن يتحلى بها كما أن الظلم هو جميع الصفات الرذيلة التي يمكن أن يوصف بها إنسان. فالكافر ظالم لنفسه ولا يمكن أن يكون عادلاً { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ .}، (الأعراف 175-177) والذي يتعدى حدود الله ظالم لنفسه ولا يمكن أن يكون عادلاً { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .} (البقرة 229) وهكذا فلو تتبعنا في كتاب الله العزيز ما نهى الله عنه ابتداء من الشرك { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ .}، (لقمان 13) لوجدنا أن الظلم هو صفة عامة يوصف بها كل من ينحرف في فعله أو في قوله أو في تفكيره عن مقتضيات دينه ويستوي في ذلك أن ينعكس هذا الانحراف على نفسه أو على أهله أو على جيرانه أو على قومه أو على الإنسانية بأي مفهوم من مفاهيمها، ومن كان ظالماً فلا يوصف بالعدل وبالتالي فإنه لا يصلح للقضاء فيجب أن يكون القاضي المسلم مؤمناً صالحاً صادقاً أميناً يكف يده عن الأذى ويغض بصره عن عورة أخيه ويمسك لسانه عن اللغو ويكظم غيظه ويعفو عمن يسيء إليه، وإنما ينبغي له فوق كل ذلك أن يؤتى بسطة في العلم والجسم حتى تكون أحكامه أقرب إلى الحق فالله تبارك وتعالى عندما اصطفى لعباده ولياً اصطفاه لبسطة في العلم والجسم {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . }، (البقرة 247).

وقد يسأل أبعاض ومن أين للمجتمعات بالعدد الكافي من هؤلاء القضاة وهو تساؤل في غير موضعه لأن الحديث في هذا المقام عن القاضي في مجتمع خلقه القرآن، أما المجتمعات التي تتخذ هذا القرآن مهجوراً ويجعلونه قراطيس يبدونها ولا يدرسون منه شيئاً ولا يتعلمون منه الحكم ولا يستخلصون منه هدى الله وقدوة رسوله فتلك مجتمعات لا ينبغي لها أن تبحث عن القاضي العادل فوليها منها ظالم لنفسه مبين { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ .} (الأعراف 58). وأولى للذي خبث أن يُغير ما بنفسه قبل أن يطلب التغيير من الآخرين.

(ثالثاً) حظر الظلم في الأشهر الحرم

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } (التوبة 36).

يستنبط من آيات الذكر الحكيم كما أسلفنا أن الظلم هو صفة عامة يوصف بها من ينحرف في فعله أو في قوله أو في تفكيره عن مقتضيات دينه وأنه يستوي في ذلك أن ينعكس هذا الانحراف على نفسه أو على أهله أو على جيرانه أو على قومه أو على الإنسانية بأي مفهوم من مفاهيمها.

وإنما يعنينا أن نذكر مرة أخرى أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بإرادة حرة يوجهها تفكير مستقل فهو ليس كالسماوات والأرض قال لها { اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .} فاستقر كل كوكب في فلكه واستقام كل أمر فيهما على ما أشهد الله تبارك وتعالى عباده العلماء وأخضع أعناقهم لآياته الكبرى { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ . الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ .} (الملك 1-4) وهو ليس في سلوكه كما هو في خلقه فشتان بين يده كيف ركبها الله وسواها وبينها حين يبطش بها أو يسفك الدماء أو يحصل بها على ما ليس بحق، وشتان بين عينه كيف خلقت وكيف استوت في مكانها الصحيح الذي أراده الله لها وبينها حين تتجسس أو تطلع على عورات الناس بغير حق، ولو شاء الله لأخضع سلوكه كما أخضع خَلقه وكما أخضع كل شيء للقنوت له، ولكنه وهب له حياة كاملة ليسلك بنفسه وبكامل حريته طريقاً إلى الرحمة أو طريقاً إلى العذاب، ومع ذلك فقد علم سبحانه وتعالى وهو العليم القدير أنه ليس بوسع الإنسان أن يختار لنفسه سبيل الرشد من الغي فلم يشأ سبحانه أن يتركه سدى فأوضح له كلتا السبيلين وبينهما بياناً مفصلاً بكتبه ورسالاته إلى الأرض حتى يقيم الحجة على عباده ليكون حسابه من بعد حساباً عسيراً وجزاؤه جزاء وفاقاً { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.} (الإنسان 1-3).

أضاء الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين مصابيح الهدى حتى يبين لهم سبيل الحق ليسلكوها وحبب إليهم الإيمان وزيّنه في نفوسهم ليهتدوا به دون إكراه عليهم في ذلك من أحد، كما ألقى ظلالاً قاتمة على الظلم ليجتنبه الناس وكره إليهم هذه السبيل وحذرهم من ولوجها ووعدهم يوماً يبعثون فيه ليشهدهم على أنفسهم ولتجد كل نفس ما تسعى وتوفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . } (الحجرات 7، 8).

الراشدون هم عباد الرحمن الذين اهتدوا بهديه واتبعوا الرسول الذي هداه الله إلى الإيمان.. ونجد في القرآن تفسير الإيمان في قوله تبارك وتعالى { قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ .} (يوسف 17)، فيرد الإيمان في هذه الآية الكريمة بمعنى التصديق.. وبذلك فإن المؤمن بالله هو الذي يصدق كلمات الله الدالة عليه سبحانه وتعالى وعلى ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومنهاج الصالحين من عباده، وترسيخ هذا الإيمان في النفوس وتثبيته في الأفئدة حتى يستقيم سلوك المؤمن على مقتضيات هذا الإيمان سواء في قوله أو فعله أو تفكيره.

وكل سبيل تنحرف بالناس عن سبيل الله كما بينها في القرآن تفصيلاً أو تنشد الهدى فيما وراء القرآن بغير علم هو الظلم الذي ينبغي للمسلم أن يجتنبه { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ .‏ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ . وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ. أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.} (يوسف 103-108).

الانحراف عن سبيل الله هو الظلم الذي لا يريده الله لعباده، وينبغي للمسلم أن يكون أشد حذراً من ذلك في الأشهر الحرم حتى يصبح هذا الحذر عاماً بعد عام من مستلزمات حياته وجبلة لا محيص عنها.

وأوجب ما يكون الحذر مما يسبغه الناس بعضهم على بعض من مظاهر القداسة والتقوى ومسوح الزهد والمعرفة، فتلك شهادة بأنه لا يصدر هؤلاء إلا عن الحق. فإذا شهد الناس هذه الشهادة فإنهم سيتلقون كل ما يُنسب إليهم من القول ومن الفعل على أنه الحق، فيصبح لهم في دين الله مصادر غير كتاب الله الذي أنزل بالحق تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء وهدي ورحمة للعالمين.

ولقد جاء التاريخ الإسلامي تاريخاً للأشخاص بالرحمة على بعض وباللعنة على الآخرين، فنسبوا كل ما يريدون للأمة أن تهجر به كتاب ربها إلى الذين ترحموا عليهم، وصبوا اللعنات على الذين خالفوهم في الأمر ولو كانوا صالحين.

من ذلك ما جاء به المؤرخون في شأن عمر بن عبد العزيز ذلك الخليفة الأموي الذي ما برح الشك يحوط بحياته وخلافته ومماته، وذلك ليسبغوا القداسة على أنه كان أول من أمر بتدوين الحديث وبث الوعاظ في المساجد ليحدثوا الناس (بالمغازي) وبدأ في ولايته – التي لم تدم أكثر من عامين- رحلة الأمة إلى هجر القرآن والاختلاف فيه.

إن الله يقص على رسوله القصص بالقرآن ثم يقول له { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران44) ويقول { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ( القصص 44) {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (بوسيف102) { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَ} (هود 49) ويقول سبحانه وتعالى لأهل الكتاب الذين أسرفوا في رواية التاريخ { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (البقرة 133 ) وعلم رسول الله أن التاريخ من الغيب فقال {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (ص69) وفي ذلك دلالة على أن رواية التاريخ من الشهادة ، لاينبغي لها أن تكتم ، ولاينبغي لها أن تروي رميا بالغيب ، إلا إن تكون عن شهادة موثقة .


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home