Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 14 March, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (5)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الـدعـاء

يعلم إبن أبي طالب رضي الله عنه من كتاب ربه أن الله سبحانه وتعالي { لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ وهو اللطيف الخبير } الأنعام 103 وأتبع هذا البيان قوله تعالي { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } الأنعام 104 وفي هذا دلالة قاطعة علي أن الإنسان إذا أراد أن يبصر فعليه أن يلتزم بآيات ربه في الكتاب وفي نفسه وفي الأرض وفي السماء ، لا يتجاوزها إلي ما وراء ذلك مما لا تصل إليه الأبصار ، وفي تجربة موسي عليه السلام بيان لقوم يعقلون { ولما جاء موسي لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلي الجبل فإن إستقر مكانه فسوف تراني فلما تجلّي ربُه للجبل جعله دكا وخرّ موسي صَعِقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } الأعراف 143 ذلك بان الله سبحانه وتعالي الذي علّم الإنسانَ مالم يعلم هو أعز وأجل من أن يمنع عنه إلا علما لا يقدر عليه بقدراته المحدودة ولا يستطيع أن يصل إليه بمُكنته الضعيفة . وينبغي للإنسان الذي لم يخرج من مجرته ، ولم يجد شفاء لأكثر أمراضه ، أن يقصر جهده فيما أتيح له من آيات ربه في الكتاب وفي نفسه وفي الأرض وفي السماء .

وعلي ذلك مضت سنة الأنبياء والمرسلين ، فإذا سؤلوا عن الله قالوا هو الذي خلق الأرض والسماوات العلي ، قال نوح عليه السلام { مالكم لاترجون لله وقارا . وقد خلقكم أطوارا . ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا . وجعل القمر فيهن نورا . وجعل الشمس سراجا . والله أنبتكم من الأرض نباتا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا . والله جعل لكم الأرض بساطا . لتسلكوا منها سبلا فجاجا } نوح 15 وقال إبراهيم عليه السلام { قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا علي ذلكم من الشاهدين } الأنبياء 56 وقال عليه السلام لذلك الذي أدبر واستكبر { ربي الذي يحي ويميت . قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأت بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين } البقرة 258 وقال هود عليه السلام { فاتقوا الله وأطيعون . واتقوا الذي . أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين . وجنات وعيون } الشعراء 131 وقال صالح عليه السلام { قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } هود 61 ولما جاء موسي عليه السلام سأله فرعون { قال فمن ربكما يا موسي . قال ربنا الذي أعطي كل شئ خلقه ثم هدي . قال فما بال القرون الأولي . قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسي . الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا . وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجا من نبات شتي . كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي } طه 49 وقال محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خـاتم النبيين { وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلي الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب . فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يَذرَؤكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم } الشوري 10 اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ، عرفوا الله بآياته وعرّفوه بها ، فهَدوا وهُدوا إلي صراط مستقيم ، واهتدوا إلي الدرجات العلي بما آمنوا وصبروا وآثروا الآخرة علي الحياة الدنيا { كلا بل تحبون العاجلة . وتذرون الآخرة . وجوه يومئذ ناضرة . إلي ربها ناظرة } القيامة 20

ولو أننا نتدبر دعاء الصالحين في أحسن القصص من كتاب ربنا ، لوجدناهم يدعون ربهم ويدعون إليه بآياته وبأسمائه الحسني ، وجاء إبن أبي طالب رضي الله عنه تلميذ الوحي والنبوة علي هذا النهج القويم ، سأله سائل وهو في المسجد أن يصف الله حتي كأنه يراه رأي العين ، فغضب رضي الله عنه وقام في الناس خطيبا فقال : ( الحمد لله الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده ، وهو رادع الأبصار أن تناله أو تدركه ، الجوَاد الذي لا يغيضه – أي لا ينقصه أو يذهب بما عنده – سؤال السائلين ، ياأيها السائل مادلّك القرآن عليه من صفته فائتم به – أي اجعله لك إماما تستهديه وتتبعه – وما كلّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب فكِل – أي دع – علمه إلي الله سبحانه ، واعلم أن الراسخين في العلم هم الذَين أغناهم الله عن إقتحام السُّدُد – جمع سدة وهي باب الدار – المضروبة دون الغيوب ، فمدح الله تعالي اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا به علما ، وسمّي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث في كنهه رسوخا ، كالملائكة إذ قالوا { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } البقرة 32 ، فاقتصر أيها السائل علي ذلك ، ولا تقدر عظمة الله سبحانه علي قدر عقلك فتكون من الهالكين ، لقد أرانا الله سبحانه من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته مادلّنا علي معرفته ، فصار كل ماخلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته ناطقة بتدبيره ودلالته قائمة علي إبداعه ، ولقد تم خلقه وأذعن الخلق لطاعته وأجاب كل شيء إلى دعوته ، لا يعترض دونه رَيث المبطئ ، ولا أناة المتلكئ ، قال تعالي { إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } النحل 40 أقام من الأشياء أَوَدَها – أي اعوجاجها – نهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادها ، وفرقها أجناساً مختلفة في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات ، وقدّر الأرزاق فكثرها وقللها ، وقسّمها علي الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي مَن أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها ، ثم قرن بسعتها عقابيل – أي شدائد – فاقتها ، وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفُرج أفراحها غصص أتراحها ، سبحانه هو عالم السر من ضمائر المضمرين ، ونجوي المتخافتين ، وخواطر رجم الظنون ، وعُقَد عزيمات اليقين ، وما غشيته سُدْفة – أي ظلمة – ليل ، أو ذَرَّ – أي طلع – عليه شارق نهار ، لم يلحقه في ذلك كلفة ، ولا اعترضته في حفظ ماإبتدعه من خلقه عارضه ، ولا إعتورته في تنفيذ الأمور وتدبير الخلق ملالة ولا فَترة ، بل نَفَذَ فيهم علمُه وأحصاهم عَدُّه ، ووسعهم عدله ، وسبغهم فضله ، مع تقصيرهم عن تقديره حق قدره ، اللهم لك الأسماء الحسني ، إن تُؤَمَّل فخيرُ مؤمّل ، وإن ترج فأكرمُ مَرجُو ، ربنا هب لنا في هذا المقام رضاك ، وأغننا بفضلك عن مَن سواك ، إنك علي كل شئ قدير )

إن الذين يتدبرون القرآن يعلمون أنه الحق من ربهم تنزيل من الرحمن الرحيم { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } فصلت 42 وإنه لتنزيل رب العالمين { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا } النساء 82 ومن آيات ذلك وشواهده في الكتاب قوله تبارك وتعالي { أيحسَب الإنسان أن لن نجمع عظامه . بلي قادرين علي نُسَوِّي بنانه } القيامة 3 إن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل علي أن تسوية جزء صغير من جسم الإنسان وهو البنان أعظم عند الله من تسوية الجسم بكل عظامه ، ولقد أدرك الناس علم البصمات ، وعلموا أنه لم يثبت حتي الآن أن إثنين في الأرض يتشابهان في بصمة بنان كل منهما ، رغم أنه قد ثبت تشابه بصمتين في غير البنان من الأصابع ، الأمر الذي يدعو إلي أخذ البصمات العشر في الإثبات ، وأدركوا يؤمئذ أن تسوية البنان أعظم ولا شك من تسوية الجسم كله .

وفي آيتين كريمتين يقول الله تبارك وتعالي { وتري الأرضَ هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } الحج 5 { ومن آياته أنك تري الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتي إنه علي كل شئ قدير } فصلت 39 أنت تراها هامدة خاشعة ، ولكن الله سبحانه وتعالي يري غير الذي تري ، فكل شئ فيها يتركب من الذرة ، وكل ذرة لها نواة ، وكل نواة يتحرك حولها الألكترون حركة دائبة منتظمة ، فهي لم تكن أبدا هامدة ولا خاشعة إلا فيما كان الناس يرون من ظاهرها ، حتي إذا بلغوا علم الذرة فقد أصبحوا يرون غير مارأوا من قبل .

يقول الله تبارك وتعالي { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزَلين . بلي إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسوّمين . وماجعله الله إلا بشـرى لكـم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا مـن عند الله العزيز الحكيم } آل عمران 123 ويقول سبحانه وتعالي في آية أخري { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مُردِفين . وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } الأنفال 9 هنالك قد يقول قائل { وكان الإنسان أكثر شئ جدلا } الكهف 54 قد يقول إننا نعلم من الله أنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون البقرة 117 ، آل عمران 47 ، النحل 40 ، مريم 35 ، يس 82 ، غافر ( أو المؤمن ) 68 ، ولقد ورد بيان الله سبحانه في كل هذه الأيات بصيغة الحصر والقصر ، فما الحاجة إلي هذا الحشد من الملائكة !؟ ذلك بأن الإنسان أسرع إلي الإيمان بما يحسه ويلمسه ، فجاءت آيتا هؤلاء الملائكة بصيغة الحصر والقصر ( ما … إلا ) ليستيقن الذين آمنوا وليستبشروا ولتطمئن قلوبهم ، هذا هو كل ماأراده الله سبحانه بهذا الحشد من الملائكة ، ولو أن الله سبحانه وتعالي لم يرد إلا النصر لكان يكفي أن يقول له كن فيكون بغير ملائكة وبغير شئ علي الإطلاق ، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالي لا يبتلي عباده المؤمنين إلا وهو معهم وهو أرحم بهم من أنفسهم ولكنهم درجات عند ربهم بما جاهدوا وصبروا وكانوا يتقون .

ومن دعائه رضي الله عنه يسأل اليسار من ربه ، ويكــره أن يؤتي نعمة ممن سواه سبحانه وتعالي ، فيقول : ( اللهم صُن وجهي باليسار ، ولا تَبذُل جاهي بالإقتار ، فأسترزق طالبي رزقَك ، وأستعطف شرار خلقك ، وأُبتلي بحمد من أعطاني ، وأفُتتن بذم من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله وليُّ الإعطاء والمنع إنك علي كل شئ قدير ) .

إن كل أحاديث أمير المؤمنين رضي الله عنه تدل دلالة قاطعة علي أن المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان كانوا رضي الله عنهم جميعا في جيشه ، يقول رضي الله عنه :( لا تشتدّن عليكم فَرةٌ – أي هزيمة – بعدها كرة ، ولا جولة بعدها حملة ، واعطوا السيوف حقوقها ، ووطئوا للجُنُوب مصارعها ، واذمُروا أنفسكم علي الطعن الدعسي – أي الشديد – فو الذي فلق الحبة وبرأ النَسَمَة – قوله رضي الله عنه النسمة بفتح النون والسين والميم أبلغ في الفصاحة من قولك الروح – ما أسلموا ولكن استسلموا ، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه ) يقول ذلك رضي الله عنه ثم يدعو ربه فيقول : ( اللهم إليك أفضت القلوب، ومُدَّت الأعناق ، وشَخَصَت الأبصار ، اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا ، وكثرة عدونا ، وتشتت أهوائنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) .

وما أعظم استغفاره إذ يقول رضي الله عنه : ( اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به منى ، فإن عُدت فعُد علىّ بالمغفرة ، اللهم اغفر لي ما وأيت – أي عاهدت – من نفسي ولم تجد له وفاء عندي ، اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي ، اللهم اغفر لي رُمَزَات الألحاظ – اللحظ هو باطن العين ، والرمز هو الإشارة به – وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان – أي الفؤاد – وهفوات اللسان ) .

ويعلم إبن أبي طالب مـن كتاب ربه أن الظلم درجات { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً . ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيما . ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً } النساء 110 وربما أراد رضي الله عنه أن يبين ذلك للناس فقال : ( إن الظلم ثلاثة ، ظلم لا يغفر ، وظلم لا يُترك ، وظلم مغفور لا يُطلب . فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله ، قال تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهَنَات – الهنات جمع هنة وهي سادس الأسماء الخمسة بمعنى الشئِ اليسير ولم نقف على استعمالها في اللهجات الدارجة إلا في اللهجة الليبية – وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا ، وفي هذا يجب القصاص ، ليس هو جرحا بالمدى ولاضربا بالسياط ، ولكنه ما يستصغر ذلك معه ) .

والشرك الذي لا يغفر ، ليس هو الركوع أو السجود لغير الله فحسب أو هو مجرد عبادة شئِ من دون الله سبحانه ، بل هو في كل طاعة يلزم الإنسان نفسه بها بغير إكراه وقلبه منشرح بهذه الطاعة وهو يعلم أنه يعصي بها الله ولو كان يؤمن بالله وحده لا شريك له ، قال تعالى { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } الأنعام 121 وهذا هو ما يفسرقوله تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } يوسف 106 فيا طالما دأب الناس على طاعة سادتهم وكبرائهم بمعصية الله ، ولو أنهم آمنوا بالله ورسوله لعلموا أنهم لا يغنون عنهم من الله من شئِ ، قال تعالى { يومَ تُقلّب وجهُهم في النار يقولون ياليتنا اطعنا اللهَ واطعنا الرسولا . وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيراً } الاحزاب 66 فذلك هو الظلم الذي لا يغفر ، وهذا هو الفساد الكبير .

وأما ظلم الناس بعضهم بعضا فلا يُترك إلا بالقصاص { ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون } البقرة 179 وليس أتعس في الارض من أمة يفلت الظالم فيها ظافراً بثمرة ظلمه ولا يُقتَص منه ، ويُقهر المظلوم فيها ويُغلب على أمره فلا يُقتص له . وفيما عدا العقوبات الخاصة المبينة في القرآن لبعض الجرائم ، فإن الظالم لا يعاقب ( جرحا بالمدى ولا ضربا بالسياط ) وإنما يعاقب الظالم بمثل ما عاقب به { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير الصابرين } النحل 126 { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } البقرة 194 { وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلُها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } الشورى 40 والتماثل في الأشياء لا يقصد به نفس الشئِ بجنسه وذاته ، وإنما يقصد به أن تكون العقوبة على قدر الإعتداء ، أي بمثل ما أحدثت في نفس المعتدى عليه من الألم والإحساس بالمرارة ، والصبر أولى عند الله وأعظم أجرا عند مليك مقتدر ، ذلك من أعظم ما يدعوبه الانسان ويتقرب به إلى الله ويرجو به رحمته ويخاف عذابه { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفارة له } المائدة 45 ذلك هو القصاص الذي فرض علي بني إسرائيل ، فمن عفا وأصلح فهي صدقة يكفر الله بها عن سيئاته ويغفر له من ذنوبه ويدخله في رحمته ، وما يقال في الدية إلا ما قيل في العقاب ، الصدقة بها أولي عند الله وأعظم أجرا ، ولا نجد في كتاب ربنا مقدارا محدداً للدية في القتل سواء كان خطأ أو عمدا ، وإنما هو بقدر مايرفع به الظلم ويرضي به أهل المجني عليه ، والله سبحانه وتعالي الذي يعظهم بالتصدق به إبتغاء عفوه ومرضاته لايرضي لهم أن يتعسفوا فيه ويتشددوا به غلظة وغلوا وقياسا بقيمة النوق والذهب وزينة الحياة الدنيا . وكيف يغالون فيه وربما كان قتله أقرب رحما ، كالذي يُقتل في مجالس الخمر والميسر والفسوق عن أمر الله ، أو كان في عاقبته شئ من قتل الغلام الذي قتله صاحب موسي عليهما السلام { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلها ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما } الكهف 80 وليس في العقل ولا في المنطق ولا في شريعة الله أن يتساوى الناس في الدية ، فليس العالم الصالح كالفاسق الجهول ، وليس البر كالفاجر ، ولا صاحب المروءة كاللئيم .

وما كان إستسقاء ابن أبي طالب رضي الله عنه إلا دعاء يبتغي به الوسيلة ويتقرب به إلى الله عسى أن يؤتيه غيثاً نافعاً ، ويبدله من بعد خوفه رحمة وأمنا ، قام رضي الله عنه في الناس لما حُبس عنهم المطر يعظهم ويدعوهم إلى إستغاثة ربهم فقال : ( إن الأرض التي تُقلِكم والسماء التي تظلكم مطيعتان لربكم ، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم ، ولا زلفة إليكم ، ولا لخير ترجوانه منكم ، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا ، أقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا . إن الله يبتلى عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات ، ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكر متذكر ، ويزدجر مزدجر ، وقد جعل الله سبحانه الإستغفار سبباً لدرور الرزق ورحمة الخلق فقال { استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } نوح 10 فرحم الله امرأ إستقبل توبته ، واستقال خطيئته ، وبادر منيّته . اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان – الخروج من تحت الأستار والأكنان تعبير بالغ الفصاحة دلالة علي خروج المضطر فرارا إلي الله ، وليس هو خروج الذين يهيمون في الأرض لا يلوون علي شئ – خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان ، وبعد عجيج – أي صرخة – البهائم والولدان ، راغبين في رحمتك ، راجين فضل نعمتك . اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين – جمع سنة وهي القحط والجذب قال تعالي { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكّرون } الأعراف 130 – ولا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا يا أرحم الراحمين ، اللهم إنا نشكو إليك مالا يخفي عليك فقد الجأتنا المضايق الوعرة ، وأجاءتنا – أي الجأتنا إليك مضطرين – المقاحط المجدبة ، وتلاحمت علينا الفتن المستصعَبة ، اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك ، واسقنا سُقيا تنبت بها ماقد فات ، وتحيي بها ما قد مات ، أنك ياربنا علي ما تشاء قدير ) .

الاستسقاء ليس مراسم يخرج فيها الناس سدي ، ثم يعودون من بعدها إلي ماكانوا عليه وإلي ما نُهوا عنه ، وإنما الاستسقاء توبة نصوح ، وتذكر متذكر ، وإقلاع مزدجر ، وإقامة حدود الله كما بينها الله سبحانه في كتابه { ولو أنهم أقاموا التوارة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } المائدة 66 فالرزق والخير والنماء مرتبط بإقامة الوحي والعمل بمقتضاه { ولو أن أهل القري آمنو واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } الأعراف 96 وهذه بركات الله سبحانه مرتبطة بالإيمان والتقوي وعذابه في الدنيا وفي الآخرة لزام علي من كذب وتولي .

يبين الله لعباده أنه قريب مجيب الدعاء ، وإنما يستجيب الله سبحانه للذين يبتغون إليه الوسيلة ويؤمنون به لا يشركون في حكمه الذي بيّنه للناس في الكتاب أحدا { قل ادعو الذين زعمتهم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا . اولئك الذين يدعون يبتغون إلي ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } الإسراء 56 .

وفي ذلك يقول إبن أبي طالب رضي الله عنه : ( إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلي الله سبحانه الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله ، فإنه ذِروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة ، وإقام الصلاة فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنه جُنّة – أي وقاية – من العقاب ، وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويَرْحَضَان – أي يغسلان – الذنب ، وصلة الرحم فإنها مَثراة في المال ، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء ، وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان ، وأفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر ، وارغبوا فيما وَعد المتقين فإن وعده أصدق الوعد، واقتدوا بهدي نبيكم فإنه أفضل الهدى ، واستنوا بسنته فإنها أهدى السنن ، وتعلموا القرآن فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص ) . أولئك الذين يبتغون إلى ربهم الوسيلة من تلاميذ الوحي والنبوة ، أولئك الذين يدعون ربهم فيستجيب لهم .

وفي موطن آخر يخرج إبن أبي طالب فراراً إلى الله يستسقى ربه فيقول : ( اللهم قد انصاحت – أي يبست من الجدب – جبالنا ، واغبّرت أرضنا – أي أصبح الغبار يتطاير منها لجفافها – وهامت دوابنا ، اللهم إنك أنت الرجاء للمبتئس ، والبلاغ – أي الكفاية – للملتمس ، ربنا لا تؤاخذنا باعمالنا ، ولا تاخذنا بذنوبنا ، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق – إنبعق المزن أي أنفرج عن المطر – والربيع المغدق ، والنبات المونق ، سَحّا وابلا تحي به ما قد فات ، اللهم سُقيا منك تُعشِب بها نجادنا – جمع نجد وهي ما ارتفع من الارض – وتجري بها وهادنا – جمع وهدة وهي ما انخفض من الارض – ويخصب بها جَنابنا – أي ناحيتنا – وتقبل بها ثمارنا ، وتعيش بها مواشينا ، وأرسل علينا سماء مدرارا غير خُلّب برقها – البرق الخلب ما يطمعك في المطر ولا مطر فيه – ولا جَهَام عارضها – أي ما يعرض في الأفق من السحاب ولا رجاء منه – ولا قَزَع ربابها – القزع هو القطع الصغيرة المتفرقة والرباب هو السحاب الأبيض – ولا شَفّان ذِهابها – الشَّفَّان هي الريح الباردة والذهاب بكسر الذال هي الأمطار اللينة ، وتقدير القول ( ولاذات شفان ذهابها ) حذفت ( ذات ) للعلم بالسياق – فإنك يا ربنا تنزل الغيث من بعد ما قنطوا ، وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد ) .

وكذلك فإن الدعاء ليس محفوظات مسطورة ، وإنما الدعاء ما يفيض به القلب وينطق به اللسان إلى الله العلي القدير نداءً خفياً بايمان ثابت بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وهو أرحم الراحمين ، وإنما يستجيب الله للذين يستجيبون له ويؤمنون به ، والذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . والصبر هو المحافظة على الإيمان والتقوى في الشدائد { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتُبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } القصص 10 ويمكن أن نشعر بفؤاد أم ألقت ولدها في اليم ليأخذه عدو الله وعدوه ، هنالك ربط الله سبحانه على قلبها لتكون من المؤمنين ، وهذا هو الصبر أن يحافظ الإنسان على إيمانه وتقواه إذا أحسّ البأس أو داهمته الفواجع ، أما ما عسى أن يصنع به البأس أو تترك الفواجع في نفسه من الأسف والحزن ، فإن أبا يوسف عليهما السلام قد إبيضت عيناه أسفا وحزناً { وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } يوسف 84 وكان عليه السلام صابراً لأنه احتفظ بإيمانه وتقواه وقال { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } يوسف 86 .

وكان إبن أبي طالب رضي الله عنه أقرب ما يكون إلى ربه بالدعاء ، فإذا انطلق في سفره إبتهل إلى الله سبحانه وتعالى بقوله : ( اللهم إني أعوذ بك من وعثاء – أي مشقة – السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، وأنت الخليفة في الأهل ، ولا يجمعهما غيرك لأن المستخلف لا يكون مستصحبا ، والمستصحب لا يكون مستخلفا ) .

وقد بلغ رضي الله عنه قمة الفصاحة إذا دعى ربه ؛ فيراه بما تدل عليه آيات خلقه وآثار نعمته ، فلا يبصره من عرفه ، ولا ينكره من لم يره ، هو الأعلى سبحانه وهو الأقرب إلى خلقه ، ليس كمثله شيء فلا يشبهه المشبهون ، ولا يجحده الجاحدون ، فقال : ( الحمد لله الذي بَطَن خفيات الأمور ، ودَلّت عليه آيات الظهور – أي ما ظهر من آيات خلقه وآثار نعمته في الأرض وفي السماء – وامتنع على عين البصير ، فلا عين من لم يره تنكره ، ولا قلب من أثبته يبصره سبق في العلو فلا شيء أعلى منه ، وقَرُب في الدنو فلا شيء أقرب منه ، فلا إستعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ، ولا قربه ساواهم به في المكان ، لم يُطلع العقولَ على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود – العلم هو ما يُهتدي به فإذا ظهر كشف عما وراءه من الحقائق – تعالى الله عما يقول المشبهون والجاحدون علوا كبيرا ) .

ونجد فلسفة الدعاء في قول إبن أبى طالب رضي الله عنه : ( إن الذي بيده خزائن السماوات والأرض ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ويلجئك إلى من يشفع لله إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يُعيّرك بالإنابة – أي بالرجوع إليه – ولم يُؤيّسك من الرحمة ، بل جعل نُزوعك –أي رجوعك –عن الذنب حسنة { إلا مَن تاب وآمن وعمل عملا صالحا فؤلئك يُبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً } الفرقان 70 ثم جعل في يديك مفاتح خزائنه ، بما أذن لك من سؤاله ، فمتى شئت إستفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستطمرت شآبيب رحمته – الشؤبوب هو الدفعة من المطر – فلا يُقنِطَنّك إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل ، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه ، وتؤتي خيرا منه عاجلاً أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر تطلبه وفيه هلاكك ، إستودع اللهَ دينك ودنياك ، وأسأله خير القضاء لك في الدنيا والآخرة ) .

يقول لك أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى ( لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ) ، سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ، وما كان جوابه صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي { إن هو إلا وحي يوحي } النجم 4 سُؤل عن الأهلة { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } البقرة 189 وسؤل عن الشهر الحرام { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به } البقرة 217 وسئل عن الخمر والميسر { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } البقرة 219 وسألوه عـما ينفقون { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفــو } البقـرة 219 وسألـوه عـن اليتامى { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } البقرة 220 وسألوه عــن المحيض { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } البقرة 222 وسُئل عما أحل للناس { يسألونك ماذا أحل لهم قــل أحـل لكـم الـطيبات } المائدة 4 وسألوه عن الأنفال { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } الانفال 1 وسألوه عن الروح { يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } الإسراء 85 وسُئل عن ذي القرنين { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شـيء سببا فأتبع سببا } الكهف 83 وسُئل عــن الجبـال { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا } طه 15 وسألوه صلى الله عليه وسلم عـن السـاعة { يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله } الحزاب 63 كلما سئل رسول الله في شأن من شئون الدنيا أو الآخرة ، فإن الوحي يتنزل عليه صلى الله عليه وسلم بتفويضه في الجواب بقوله تبارك وتعالى ( قل ) ، باستثناء سؤال واحد ينفرد بذاته ويتميز في القرآن كله بأنه لا تفويض فيه ، بل يتجلى سبحانه وتعالى لعباده قبل أن يسأله أحد من خلقه متفضلا على سائر الخلق بعزته وجلاله { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشُدون } البقرة 186 وكذلك فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون صلته بعباده صلة مباشرة لاوساطة فيها ، ولا حاجب لها ، ولا في الرد على من عسى أن يسأل عنها لذلك فرض عليهم أن يسلموا له وجوههم ، وأن يخلصوا له دينهم الحق بكتابه العزيز علما وعملا بغير وسيط أو حاجب أو شفيع .

ويقول لك أمير المؤمنين (إن العطية على قدر النية) ، فإنك تدعو بشيء ولا تدري إن كـان خيــراً لك أم شـراً {ويدعو الإنسانُ بالشر دعاءَه بالخير وكان الإنسان عجولا } الإسراء 10 والله الذي علم النية وما تخفى الصدور قد علم سبحـانه وتعالى أنك إنما تسأله خيرا ، فيدرأ عنك شر ما سألت ، ويؤتيك بدعائك خيرا كثيرا وأنت لا تدري أن الله قد إستجاب لك على قدر نيتك سبحانه وتعالى إنه هـــو العليم الحكيم { وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } البقرة 216 .

والله قد كره لك أن تدعو أحدا غيره ، لأن الدعاء من الذل ، ولا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه إلا لله الذي خلقه ورزقه وكرّمه ولم يلجئه إلى من يشفع له إليه سبحانه وتعالى يعطي بغير حساب ، وفي عطائه العزة لعباده المؤمنين الذين استجابوا له ، وآمنوا بكلماته ، وخشعت قلوبهم لعزته وجلاله ، وكل عطاء غيره ذل في الحياة الدنيا ، وطلبه بدعاء غيره شرك لا يغفره الله في الآخرة ، قال تعالى { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير . إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءَكم ولو سمعوا ما إستجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } فاطر 13 .

النمـل

يقول إبن كثير في مقـدمة كتابه ( تفسير القرآن العظيم ) : ( فإن قال قائل فما أحسن طريق التفسير ؛ فالجواب إن أصح الطريق في ذلك يُفسر القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكانه قد بُسط في موضوع آخر ) ، ولا شك أن هذا القول يستند إلى قوله تبارك وتعالى { ولا يأتونك بَمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } الفرقان 33 وإلى قوله تبارك وتعالى { ونَزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمةً وبشرى للمسلمين } النحل 89 .

ويريد الله سبحانه وتعالى أن يبيّن لعباده أنه رغم صغر حجم النملة ودقة خلقها فيما ترى الأعين منها ، فإن لها لنظاما وفهما لما يجري حولها من الأمـور فقــال وقـوله الحق {وحُشر لسليمانَ جُنُودُهُ من الجن والانس والطير فهم يُوزَعُون . حتى إذا أتَوا على وادِ النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يَحطِمنّكم سليمانُ وجنودُه وهم لا يشـعرون } النمل 18 .

ويقول إبن كثير في تفسير هذه الآية : ( إن إسم هذه النملة حرس ، وإنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان ، وأنها كانت عرجاء ، وكانت بقدر الذئب ، فخافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها ، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم ، ففهم ذلك سليمان عليه السلام { فتبسم ضاحكا من قولها وقال ربِ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } النمل 19 .

ويقول البيضاوي في تفسير هذه الآية : ( كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرّت عنهم مخافةَ حطمهم ، فتبعها غيرها ، فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمل فتبعتها ، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ، مع أنه لا يمتنع أن خلق الله سبحانه وتعالى فيها العقل والنطق ) .

لقد أراد كل من من الحافظ بن كثير وناصر الدين البيضاوي رحمهما الله أن يقرب هذا الحدث من الأذهان ؛ فأما أحدهما فقد جعل النملة ذئباً ، وجعل لها قبيلة وإسما ، ولو كانت تلك النملة ذئبا لما كانت قد وجدت لها مساكن في ذلك الوادي ، ولما كانت قد وجدت سبيلها إلى النجاة إلا بالانطلاق عدوا على غير هدى ، ولكن الآية أنها نملة كالنمل الذي نراه على هيئته بأبصارنا يوم أنزل الله كتابه على رسوله بالحق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وأما الآخر فقد جعلها حركة من فزع تلك النملة لما رأت سليمان وجنودَه ، ففزع النمل من حولها ، وإضطربوا باضطرابها ، فتتابعوا من ورائها يلتسمون النجاة في مساكنهم ، ولكن سليمان عليه السلام لم يبتسم ضاحكاً من حركتها ، بل تبسم ضاحكاً من { قولها } .

ما كان عجبا أن يكون للنمل منطق كما جعل الله للطير ولك شيء منطقا { وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهـو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } فصلت 21 إن آية النمل الذي يشهده العلماء أنه يحمل أثقالا تفوق وزنه أضعافا مضاعفة ، وينطلق بها إلى مساكنه ركضا لا يتعثر في طريقه ولا ينوء بأوزاره ، بل يمضي هادئا بسرعته العادية وكأنه لا يحمل شيئاً ، ويجعل لأثقاله في الصيف خزائن رزقه في الشتاء ، وإن الذي يعي الشتاء من الصيف لقادر ولا شك أن يعي الخطر من الأمن ، وإنما الآية الكبرى أن يسمع سليمان بإذن ربه قول النملة ويعي منطقها سبحان الله تعالى علوا كبيرا إنه على كل شيء قدير .

فماذا يقول إبن أبي طالب في خلق النمل : ( انظروا إلى النملة في صغر هيئتها ولطافته – أي دقة تركيب هذه الهيئة – لا تكاد تُنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على ارضها ، وصَبَت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتُعِدّها في مستقرها ، تجمع في حرها وبردها ، وفي ورودها لصَدَرها – الصدر بعد الورود هو العودة بعد الذهاب – لا يُغفِلها القيوم ، ولا يحِرمها الرحمن ، ولو في الصفا اليابس – الصفا هو الحجر الأملس لا شقوق فيه – والحجر الجامس – أي اليابس – ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها ، وما في جوفها من شراسيف بطنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ، فسبحان الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يكن له شريك في فطرتها التي فطرها عليها ، ولم يعنه على خلقها ورزقها أحد في الأرض ولا في السماء ، ولو ضربت في مذاهب الفكر لتبلغ غاياته ، ما بلغت من الدلالة إلا على أن فاطر النمل هو فاطر النخل لدقة تفاصيل كل شيء ، وعجائب اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف في خلق الرحمن إلا سواء ، فويل لمن يجحد الخالق العظيم الذي قدر فسوى ودبر فهدى ، ذلك الذي يزعم أنه كالنبات ماله من زارع ، ولا لإختلاف الخلق من صانع ، ولم يلجأوا – أي لم يستندوا – إلى حجة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل ثَمّ بناء بغير بان ) .

إن دقة خلق النمل قد أوحت إلى إبن أبي طالب أن يرى الدقة في خلق كل شيء ( الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف ) كل أولئك سواء في خلق الرحمن ، لأنه يتركب من أجزاء دقيقة أعظم دقة من خلق النمل . وهو بذلك قد أدرك خلق الخلية التي يتركب منها كل شيء حي ، خلق يتركب من بلايين هذه الأجزاء الدقيقة ليكون قوياً ظاهراً ، وخلق آخر يتركب من جزء واحد منها لكي لا تدركه الأبصار إلا بالمجاهر العظيمة. وهذا الإختلاف لا يغير شيئاً من استواء الخلق كله على قوائمه التي يقوم بها في أحسن تقويم ، خلقا سويا لا ينقصه شيء مما يحتاج إليه في حياته ، ويمده بأسباب الحياة مما يجد في الأرض من الرزق ثم يعود كل شيء إلى الأرض ترابا كما كان ترابا ، فلا تنقص الأرض شيئا مما خلـق الله عليها { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ } ق 4 .

وهذا يفسر قوله تعالى { أو لم يرَوا أنا نأتي الأرض ننقُصها من أطرفها } الرعد 41 { أفلا يَرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } الأنبياء 44 آيتان في القرآن دلالةً على أن هذه الظاهرة قديمة مستمرة قدم الخلق واستمراره ، فالأرض تنقص من طرفها السفلي بما تخرج من غذاء كل الأحياء في طرفها العلوي ، ثم يعود كل شيء مما كان عليها في طرفها العلوي بالموت ترابا في طرفها السفلي ، فكل ما ينقص في طرف يزيد في الطرف الآخر في معادلة دقيقة من يوم خلق الله الأرض وإلى يوم يبعثون ، ولا يفلت من ذلك من شيء يصّاعد في جو السماء بل يرجع إليها صاغرا سواء كان طائرا أم سائلا أم غباراً { والسماء ذات الرجع } الطارق 11 فهي كالكفت ، والكفت هو الوعاء الصغير الذي تُحفظ فيه الأشياء من الضياع { الم نجعل الأرض كفاتا . أحيـاءً وأموتا } المرسلات 25 .

الكــلام

الكلام هو كل ما يخرج من أفواه الناس من قول أو حديث { كُبَرتْ كلمةً تخرج من أفواههم } الكهف 5 وكل ما يصدر عن الناس ليعبروا به عما في أنفسهم فهو قول { وقولوا للناس حسناً } البقرة 83 { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } الإسراء 23 والحديث هو كل تعبير عما عُرف من العلوم أو سُمع به من الأنباء { هل أتاك حديث موسى } النازعات 15 { هل أتاك حديث الغاشية } الغاشية 1 وكل ما يخرج من الأصوات فهو نطق سواء فهمته أم لم تفهمه { وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير } النمل 16 فلما علم سليمان عليه السلام منطق النملة ، فقد أصبح منطقها قول{ فتَبسّم ضاحكاً من قولها } النمل 19 .

وقد عنى إبن أبي طالب رضي الله عنه بما يتكلم به الناس عناية فائقة ، تلى قوَلَه تعالى { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } فصلت 30 ثــم قال : ( لقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ، ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ، ولا تخالفوا عنها ، فإن أهل المروق مُنقَطَعٌ بهم عند الله ، فاجعلوا اللسان واحدا ، وليحفظ الرجل لسانه ، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه ، والله ما أرى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتى يحفظ لسانه ، إن لسان المؤمن من وراء قلبه ، وإن قلب المنافق من وراء لسانه ، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبَّره في نفسه ، فإن كان خيراً أبداه ، وإن كان شراً واراه ، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه ، وقد قال رسول الله صلا الله عليه وسلم : " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه " فمن إستطاع منكم أن يلقى الله تعالى وهو نقىَّ الراحة من دماء المسلمين وأموالهم ، سليمَ اللسان من أعراضهم ، فليفعل ) .

ليس أبغض عند إبن أبي طالب من عيب الناس بعضهم بعضا ، فهو رضي الله عنه يقول : ( يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، فكان من نفسه في شُغُل ، والناس في راحة منه ) .

ويفتأ رضي الله عنه ينهي الناس عن عيب بعضهم بعضا ، فيقول : ( إنما ينبغي لأهل العصمة – الذين مَنَّ اللهُ عليهم فعصمهم من الزلل – أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية ، كيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه ، ألا يذكر ستر الله عليه من ذنوبه ، كيف يذمه بذنب قد ركب مثله ، فإن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجُرأتُه على عيب الناس أكبر . فلا تعجل في عيب أحد فلعله مغفور له ، ولا تأمن على نفسك معصية صغيرة فلعلك معذب عليها .{ إذ تلقّونَه بالسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسَبونه هينا وهو عند الله عظيم } النور 15 فليكفف مَن علم منكم عيب غيره لِما يعلم مِن عيب نفسه ، وليكن الشكر شاغلا له على ما عافاه الله مما إبتلَى به غيرَه).

وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهو خير ما يتكلم به الناس فـي الحياة الدنيا ، وفـي هـذا يقـول رضـي الله عنه : ( إن الله سبحانه لم يلعن أحدا ممن كانوا قبلكم ، إلا لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي ، والحلماء لترك التناهي).

ويبيّن رضي الله عنه أن الناس إذا أصابهم البغي ، وفُتنوا بظلم في هذه الحياة الدنيا ، وزُلزلوا بطغيان في معايشهم ، وأصبحوا أحد باكيين ؛ باك يبكي على دينه و آخر يبكي على دنياه ، فإنهم إذن في منطق مختلف، ولا نجاة إذن إلا للصابرين ، يقول إبن أبي طالب رضي الله عنه : ( لا يزالون حتى لا يدعوا لله مُحَرَّما إلا استحلوه ، ولا عَقْدا إلا نكثوه ، فلا يبقى بيت مضَر ولا وَبَر إلا دخلوه بظلمهم – المدر بيوت الحضر مبنية بالمدر أي الحجارة واحدتها مدرة ، والوبر بيوت الأعراب – حتى تكون نُصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده ؛ إذا شهد – أي حضر – أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، ويكون أعظمكم في هذه الفتنة عناءً أحسنكم بالله ظنا ، فإذا ابتليتم بهم فاصبروا ، فإن العاقبة للمتقين ) .

فالصبر أولى للمؤمنيين في مثل هذه الفتنة من تقية المنافق ؛ إذا حضر الظالم أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، إلا ما استطاعوا أن يدفعوا من الظلم ، أو يصنعوا من المعروف بالتي هي أحسن ، ذلك من موعظة القرآن في حديث موسى عليه السلام ، ألزم قومه الصبر وكلمة التقوى ، فأرادوا أن يغروه بفرعون ففوض أمرهم إلى الله { قال موسى لقومه إستعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يُهلِك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } الأعراف 128 ولقد اهلك الله عدوهم ، واستخلفهم في الأرض ، وعلم ما يعلمون ، وما هم بمعجزين في الأرض ، وإنهم لأهون عند الله من فرعون ومَن كان قبله مِن الظالمين ، قضى اليهم وهو يقضي عليهم .

ويصف إبن أبي طالب رضي الله عنه عبادَ الله المتقين فيقول : ( مِن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عباده ، وصبراً في شدة وتحرجا عن الطمع . يُمسى وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر . قرة عينه فيما لا يزول – أي الآخرة – وزَهَادَته فيما لا يبقى – أي الدنيا – يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل . صبور في المكاره ، شكور في الرخاء . لا يحيف على مَن يُبغِض ، ولا يأثم فيمن يحب . لا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحق . وإن صَمَت لم يَغُمَّه صمته ، وإن حدث أو ضحك لم يعل صوته . نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة . بعده عمَّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده بكبر ، ولا دنوه بمكر ) . ويصف المنافين فيقول : ( يتلونون الوانا ، ويُفتنون فتونا . قلوبهم مريضة ، وصفاحهم – أي وجوههم – نقية . وصفُهم دواء ، وقولُهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء . لهم إلى كل قلب شفيع ، ولكل شَجْو – أي حزن – دموع . أعدوا لكل حق باطلا ، ولكل باب مفتاحا ) .

وإذا علا صوت المنافق ، وخفت صوت المؤمنين ، أصبحت فتنة وفساد كبير ، وأصبح المؤمن مستضعفا يخاف على نفسه أن يُفتن في دينه ، فلا مناص من الهجرة في أرض الله { إن الذين تَوفَّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى اللهُ أن يعفوَ عنهم وكان الله عفــوا غفورا } النساء 97 .

مـن أجل ذلك يقـول إبن أبي طالب رضي الله عنـه : ( الهجرة قائمة على حدها الأول . ما كان لله في أهل الأرض حاجة من مُسْتَسَرِّ الإمَّة ومُعْلَنِها ، لا يقع إسم الهجرة على أحد بمعرفة الحجة في الأرض . فمن عرفها وأقرَّ بها فهو مهاجر ، ولا يقع اســم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه ) .

ويقول الإمام محمد عبده رحمه الله فـي هـذا القـول البليغ : ( إن الهجرة قائمة على حدها الأول ، أي لم يزل حكمها الوجوب على مَن بلغته حجة الإسلام ورضي الإسلام دينا ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " محمول على الهجرة من مكة ، والهجرة فرضت على المكلفين لمصلحتهم ) لأن الله سبحانه وتعالى لا حاجة به إلى من يضمر إيمانه في الفتنة ، ولا إلى من يعلنه في الأمن .

وانما فرضت الهجرة لمن ظُلم في الأرض ، أوخشى على نفسه أن يُفتن في دينه إذا أقام بها { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظُلموا لنُبَوِّئَنَّهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعملون . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } النحل 41 { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } النحل110.

ولا شك أن مكة البلد الحرام ، الذي جعل الله سبحانه فيها الكعبة البيت الحرام ، تعتبر إستثناء من حكم الهجرة لأمنها وشرفها وقداستها ، و يقول إبن أبى طالب رضي الله عنه : ( الم تر أن الله سبحانه قد جعل بيته الحرام قياما للناس بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دَمِثَة – لينة – فصار مثابة لهم تهوى إليه أفئدتهم من مفاوز سحيقة وفجاج عميقة ، ليجعل ذلك أبوابا إلى فضله وأسبابا لعفوه )


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home