Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 14 February, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (1)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

بسم الله الرحمن الرحيم
( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه
وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) التوبة 100

عـلي بن أبي طالب
فكره وثقافته

مصطفى كمال المهدوي


إهــداء

إلى من كان له قلب أو ألقى
السمع وهو شهيد

( أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر وأقتدوا بهدي نبيكم فإنه أفضل الهدي
واستنوا بسنته فإنها أهدي السنن وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث )
                                                               علي بن أبي طالب

المقـدمـة

لقد حفظ لنا التاريخ كثيراً من أثر الفقهاء وأعلام الفكر والثقافة في أمتنا الرشيدة، والتي كانت خير أمة أخرجت للناس، لما آمنت بالله وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وحفظت كتاب الله الذي أنزل على رسوله بالحق.

ولقد أخرج المستشرقون أكثر ما نجد من بين أيدينا من كتب الفقه والتاريخ، ولم يكن لأصحاب هذا الموروث العظيم من أبناء هذه الأمة من الجهد في هذا السبق إلا قليل.
أخرج لنا باربييه دي منار (مروج الذهب) لأبي الحسن المسعودي، اعتماداً على مخطوطات محفوظة في المكتبة الأهلية في باريس وأخرجت لنا لجنة مشكلة من دي جويه ونولدكه وجويدي ومولر (تاريخ الطبري) إعتماداً على نسخ غير كاملة من مكتبات متفرقة. وأخرج لنا فردينند وستنفيلد: (وفيات الأعيان) لابن خلكان، وكتاب (المعارف) لإبن قتيبه، وكتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي، وكتاب (سيرة رسول الله) صلى الله عليه وسلم لإبن هشام. وأخرج لنا كيورتون (الملل والنحل) للشهرستاني، وكتاب (العمدة في أصول الدين) لحافظ الدين النسفي. وفي ليدن أخرج لنا كريل (الجامع الصحيح للبخاري) ، وخرج (صحيح مسلم) على نسقه في كلكتا.
والقائمة طويلة وكلها من إخراج المستشرقين، وربما كان آخرها مما نعلم كتاب (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي) أخرجه الفرد بل في باريس سنة 1938 عن طريق الناشر جينتز، وفي هذا الكتاب نجد للإستشراق تسمية لم نألفها من قبل، فهو يسميه (العلم الأوروبي) ، ويصف هذا العلم بأنه يغني عن الرجوع إلى القرآن والسنة.
إن أكثر ما نجد من كتب الفقه والفكر والثقافة لا يزال مغموراً لم يقرأ في خزائن كثيرة من خزائن الكتب في المغرب، وفي غيرها من متاحف الشرق والغرب ، وكأنما توقفت جهود المستشرقين عند حدود ما أخرجوه لنا، ولكن بقيت علوم اللسان العربي المبين محفوظة بجهود عربية إسلامية خالصة، لم يقربها المستشرقون ولم يقتحموا غمارها، وربما لم تخطر لهم على بال ، وعلى رأس هذه الكتب ، المعاجم العربية لإبن سيدة وإبن منظور والزبيدي ، وكتاب النحو لسيبويه، وكتاب (مغنى اللبيب) في حروف الجر لجمال الدين بن هشام الخزرجي، وغيرها كثير مما نجده عوناً وسنداً عظيماً لكثير من أبحاثنا.

ولقد أجمع الفقهاء في كافة العصور الإسلامية على أن القرآن الكريم هو الدليل اليقيني الوحيد في الإسلام، وأن كل ما عدا القرآن الكريم من المصادر بما في ذلك مصادر السنة هو من الأدلة الظنية التي تحتمل الشك كما تحتمل اليقين، ولذلك فقد إتفقوا جميعاً على أن من إستمسك بالقرآن وأنكر السنة فلا يُعدُ كافراً ، لأنه إنما أنكر شيئاً يختلف فيه العلماء، وعلى ذلك صدرت فتوى الأزهر الشريف بتاريخ 1/2/1990.

يعلم الله سبحانه وتعالى أنني لم أنكر ولا ينبغي لي أن أنكر شيئاً من سنة ثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أستطيع وقد آمنت بالحق الذي أنزل عليه ، بل إن السنة لم تكن في نطاق بحثي عندما أصدرت كتابي (البيان بالقرآن)، وإنما كنت أستنبط الآية من القرآن بأخواتها في القرآن الذي أنزل تبياناً وتفصيلاً وتفسيراً لكل شئ ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) الفرقان 33.

وكان أولى للذين أقاموا على النكير، وفوقوا عليّ بألسنة حداد من اللعن والسب والتكفير، أن يحتجوا عليّ بآية واحدة أخطأت فهمهما مما جاء في كتابي، ولم يفعلوا ، واكتفوا بأنني أنكر السنة ، وأصروا على رفض المناظرة والحوار، مع أننا نعلم من فقهائنا الأقدمين أن المناظرة هي أفضل محاكم الفكر على الإطلاق.

إن كثير من العلماء ليبحثون في السُنة وحدها، ولم نجد أحداً يتهمهم بإنكار القرآن ، فما بال هؤلاء القوم إذا بحثت في القرآن يتهمونني بإنكار السنة، وإتباع سبيل المستشرقين!!؟ ومتى إتبع المستشرقون شيئاً من القرآن!!؟.

ألا وإن كتاب (نهج البلاغة) الذي جمعه محمد بن الحسين بن إبراهيم بن موسى الكاظم من كتب أبي طالب وخطبه، لمن أعظم ما أورثنا الجهد العربي الإسلامي الخالص في مكتبتنا العربية الخالدة ، قرأته مرات كثيرة ، فوجدت فيه موسوعة قيمة لفكر إبن أبي طالب وثقافته، وتاريخاً ثابتاً لتلاميذ الوحي والنبوة، وقدوة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

سلام الله على إبن أبي طالب ، وعلى إخوانه من المهاجرين والأنصار، والذين إتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة، والصلاة والسلام على أستاذهم العظيم رسول الله وخاتم النبيين محمد بن عبدالله في العالمين ، والحمد لله الكبير المتعال وكفي به هادياً ونصيرا.

الـسقيفة

نعلم أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه هو أول من آمن من الفتية برسول الله صلي الله عليه وسلم ، فهو بذلك أولي برسول الله من قبل أن ينسب إليه بعصبة أو نسب وهو كذلك أولى الناس بإبراهيم عليه السلام ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين ) آل عمران 68 .
ونعلم أنه يفتأ صحابياً جليلاً علم الدين وفقه أحكامه وقاتل في سبيل الله وجاهد في الله حق جهاده ، ومع ذلك فهو يشهد لرسول الله بقوله: ( كنا إذا إحمر البأس – أي إشتد – إتقينا برسول الله ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه ) ، ويقول رضي الله عنه يصف رسول الله بقوله : ( هو إمام من إتقى وبصيرة من إهتدى ، سراج لمع ضؤه ، وشهاب سطع نوره ، وزند – أى العود الذي يقدح به – برق لمعه ، سيرته القصد وسنته الرشد ، وكلامه الفصل وحكمه العدل ، أرسله الله على حين فترة من الرسل وهفوة عن العمل وغباوة من الأمم ). ثم وهو من هو من الإيمان والتقى يشهد الله على أنه على أثر الرسول فيقول : ( والله ما أسمعهم الرسول شيئاً إلا وها أنا ذا اليوم مٌسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس ، ولا شٌقٍّت لهم الأبصار ولا جٌعٍلَت لهم الأفئدة إلا وقد أعطيتم مثلها ، فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود ).

ولم يكن دأب ابن أبي طالب أن يذكر الصحابة على أسمائهم ، بل وجدنا له بيانا ضافيا لصفاتهم في قوله: ( كنا مع رسول الله نقاتل أعداءنا ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللَّقم – أى الطريق – وصبرا على مَضَض الألم وجدا في جهاد العدو ، فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا ، فلما رأى اللهُ صِدْقَنا أنـزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى إستقر الإسلام مُلقيا جِرَانه – أى مكن الله لنا إسلامنا – ولعمرى لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا إخضَّر للإيمان عود ).

ونعلم أنه أقرب إلى رسول الله وأعلم به وبالنور الذى أنزل الله عليه ، ومع ذلك فإنه لا يفرق بينه وبين إخوانه الذين سبقوه من الرسل ولا يفاضل بينهم ، فإذا كان حديثه عنهم سلام الله عليهم جميعا فإنه يقول : ( ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلتَّه وحذره إبليس وعداوته ، فباع اليقين بشكه والعزيمة بوهنه واستبدل بالجذل وجلا ، ثم بسط الله سبحانه له في توبته ولقاه كلمة رحمته. واصطفي سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، فجهلوا حقه وإتخذوا الأنداد معه ، وإجتالتهم الشياطين – أى صرفتهم – عن معرفته ، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته . ولم يُخْلِ سبحانه خلقه من نبى مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة . رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم ، على ذلك نسلت القرون – أى مضت متتابعة – وسلفت الآباء ، إلى أن بعث الله سبحانه محمدا رسول الله لإنجاز عِدَته – أى وعده – وتمام نبوته ، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وطوائف متشتته فهداهم به من الضلالة وأنقذهم من الجهالة. ثم أكرمه عن دار الدنيا فقبضه إليه كريما ، وخَلَّف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها كتاب ربكم ).

إن الأنبياء والمرسلين هم المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الحياة الدنيا ، الله سبحانه وتعالى يفاضل بينهم ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) الإسراء 55 أما نحن فلسنا فى مستوى هذه المفاضلة ولذلك أمرنا بألا نفرق بينهم ( لا نفرق بين أحد من رسله) البقرة 285 . ولقد تشابه الأمر على بعض المفسرين فى بيان قوله تعالى ( فأوجس فى نفسه خيفة موسى ) طه 17 فظنوا أنه خاف على نفسه من كيد السحرة لما رأى حبالهم وعصيهم تسعى ، أما على الذي يعلم من الأنبياء ما يعلم من أمرهم فإنه قال : ( لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه ، وإنما أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال ) ، وكذلك نجد عليا رضى الله عنه قد حمل الآية على أحسن وجوهها عملا بقوله تعالى ( وإتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) الزمر 55 ، ففسرها بما يليق بالأنبياء وبما هم أولى به من الفضل . وإذ نستشهد عليا على عصره فلسوف نبدأ به من حيث قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واختاره الله إلى جواره، ذلك بأن كل ما كان فى حياة الرسول فهو فى القرآن مسطور لأنه صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشى على الأرض.

قال بعض اليهود لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه : ما دفنتم نبيكم حتى إختلفتم فيه ، فقال رضى الله عنه : ( إنما إختلفنا عنه ولم نختلف فيه ، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم ( إجعل لنا إله كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) الأعراف 138 ). لقد علم رضى الله عنه أنهم إنما يجادلونه عن يوم السقيفة عندما إجتمع المهاجرون والأنصار لخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما إنتهت إلى على رضى الله عنه أنباء السقيفة قال : ( ما قالت الأنصار ؟ ) ، قالوا : ( قالت منا أمير ومنكم أمير ) ، قال : ( فهل احتججتم عليهم بأن رسول الله وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ؟ ) قالوا : ( وما فى هذا من الحجة عليهم ؟ ) قال : ( لو كانت الإمارة فيهم ما كانت الوصية بهم، فماذا قالت قريش ؟) قالوا : ( إحتجت بأنها شجرة الرسول ) ، فقال رضي الله عنه ( إحتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ) .

ويستنبط من هذه الشهادة أن عليا رضي الله عنه لم يكن حاضر السقيفة ، ولم يكن راضيا عن مداولاتها ، فهو يقول فيها : ( هذا ماء اجن ولقمة يغص بها آكلها ، فإن أقل يقولوا حرص علي الملك ، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت ) ، كان رضي الله عنه أعلم الناس بالسلطة وبأصحابها إذ يقول : ( صاحب السلطان كراكب الأسد يُغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه ) ، من أجل ذلك كان عظيما عند علي بن أبي طالب أن يتنازع الناس الملك أو يختلفوا في سبيل مقاعد السلطان وهو الذي يتمسك بكتاب ربه لا مبدل لكلماته ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا من بعد ماجاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران 105 ، وكيف يختلف الناس علي هذه الحياة الدنيا وإبن أبي طالب يراها كفئ الظل فيقول : ( إنها عند ذوي العقول كفئ الظل بيَّنا تراه سابغا حتي قَلَص وزائدا حتي نقص ).

ويُبين رضي الله عنه أسباب الفتنة والإختلاف بقوله رضي الله عنه : ( إنما بَدؤ وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع يُخالَف فيها كتاب الله ، ويتولي رجال رجالا علي غير دين الله . فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف علي المرتابين ، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل إنقطعت عنه ألسن المعاندين ).
ويعظ الناس إجتناب الفتنة بتقوي الله فيقول : ( أوصيكم بتقوي الله التي هي الزاد وبها المعاد ، ودعا إليها أسمعُ داع ووعاها خير واع ، إن تقوي الله حمت أولياء الله محارمه والزمت قلوبهم مخافته ، ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ثم يخرج إلي الله لا مالا حمل ولا بناء نقل ، وسبحان الله ما أقرب الحى من الميت للحاقه به ، وأبعد الميت من الحى لإنقطاعه عنه ، إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه ، إن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا ، إن الذي أُمِرتم به أوسع من الذى نهيتم عنه وما أُحِلَّ لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قل لما كثر وما ضاق لما إتسع . وإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنَّتُه – أى وقايته – الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء ودُيِّثَ – أى أُذل – بالصغار والقماء – أى الضعف فهو قميء – وضُرِبَ على قلبه بالأسداد – جمع سد – وسيم الخسف ومنع النَّصَف . قمت بالأمر حين فشلوا ، وتطلعت حين تقبعوا – أى إختباؤا – وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فَوْتا – أي سبقا - ، الذليل عندى عزيز حتى آخذ الحق له ، والقوى عندى ضعيف حتى آخذ الحق منه ).

إننا نعلم من التاريخ أن عليا لم يكن حاضر السقيفة ، ولكننا لا نعلم إن كان شُغل عنها بزهده فى الخلافة ، أم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

غير أنه وبعد أن تمت البيعة لأبي بكر رضى الله عنه فى السقيفة جاءه العباس وأبو سفيان بن حرب وخاطباه فى أن يبايعا له بالخلافة ، فقال رضى الله عنه : ( شُقَّوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، وعرجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة . أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فاراح . هذا ماء أجن ، ولقمة يغص بها آكلها ) .

لقد إجتنب رضى الله عنه الفتنة ودخل فيما دخل الناس فيه لما قدّر نهج الخير فأخذه ، وأدرك سمت الشر فصدف عنه ، فهو الذي يقول : ( إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بيَّن فيه الخير والشر ، فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا . إن الله حرَّم حراما غير مجهول ، وأحل حلالا غير مدخول - أى معيب – وفضَّل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها – أى مواضعها – فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ). لقد كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه هو أحب الخلفاء الراشدين إلى قلبه فهو رضى الله عنه يقول شاهدا له : ( لله بلاؤه فقد قوّم الأود – أى الإعوجاج – وداوى العَمَد – أى العلة – خلَّف الفتنة – فلم تدركه ولم يدركها – وأقام السنة، ذهب نقى الثوب قليل العيب ، أصاب خيرها – أى الدنيا – وسبق شرها ، أدى إلى الله طاعته وإتقاه بحقه ، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدى فيها الضال ولا يستيقن المهتدى ) .

فلما انعقدت البيعة لعثمان رضى الله عنه عاد فدخل فيما دخل الناس فيه مخافة الله وإتقاء الفتنة فقال رضى الله عنه : ( لقد علمتم أنى أحق الناس بها ، و والله لأسْلَمَن ما سَلمِت أمورُ المسلمين ولم يكن فيها جور إلتماسا لأجر ذلك من زخرفه وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزِبرِجه – أى مجوهراته ).

ولما أن قُتل عثمان رضى الله عنه وأرادوا أن يبايعوه قال رضى الله عنه : ( دعونى والتمسوا غيرى فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول . وإن الآفاق قد أغامت – أى غطيت بالغيم – والمحجة – أى الطريق المستقيمة – قد تنكرت ، واعلموا أنى إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعَتْب العاتب ، وإن تركتمونى فأنا كأحدكم ولعلــــى أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا ).

الذي نعلمه علم اليقين أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يخلف أحدا من بعده ، ولا شرع للناس أسلوبا معينا لإختيار خلفه ، وليس في القرآن إلا قوله تعال ( وأمرهم شوري بينهم) الشوري 38 ، وفي ذلك تقول الدكتورة مني أبو الفضل في بحثها المقدم إلي ندوة ( النظرية السياسية في الإسلام ) بالمجلس الأعلي للثقافة بالقاهرة سنة 1981: ( إن رسول الله قد خلف وراءه عند وفاته أمة ، ولم يخلف إماما ، ولو لم تكن الأمة لما وجد لها إمام يؤمها ، فالإمام فرع من الأمة والأمة هي الأصل . والأمة هي مستودع الرسالة ، والقرآن هو شريعة هذه الأمة ووعاؤها .وبقاء هذه الأمة مرتبط بسبب قيامها أول مرة وهو القرآن ( انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر9 فهي باقية طالما حفظت القرآن. )

الـقرآن الـكريم

في كلمة جامعة يشهد رضى الله عنه للقـرآن فيقول : ( إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بَيَّن فيه الخير والشر ، فخذوا نهج الخير تهتدوا ، وأصدفوا – أى أعرضوا – عن سَمْت الشر – أى وجهته – تقصدوا – أى تستقيموا - ، إن الله حرم حراما غير مجهول وأحل حلالا غير مدخول – أى معيب – وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها – يشير بذلك إلى قوله تعالى ( وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) البقرة 217 - ، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها ، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ).

وفى موضع أخر يقول رضى الله عنه في كتاب الله الكريم : ( هو الناصح الذى لا يغش ، والهادى الذى لا يُضِل، والمحدث الذى لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ؛ زيادة فى هدى أو نقصان في عمى. وليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم – أى الشدة – فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغى والضلال. واسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه ، فإنه ينادى مناد يوم القيامة أن كل حارث مبتلى فى حرثه وعاقبة عمله غير حَرَثة القرآن ، فكونوا من حرثته وأتباعه واستَدِلوه على ربكم وإستنصحوه على أنفسكم ).

وقال رضى الله عنه : ( القرآن آمر زاجر وصامت ناطق ، حجة الله على خلقه أخذ عليهم ميثاقه وارتهن عليه أنفسهم . أتم نوره وأكمل به دينه ، وقبض نبيه وقد فَرَغ إلى الخلق من أحكام الهدى به. فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه ، فإنه لم يُخْف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلا وجعل له عَلَما باديا وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه. والله لن يرضى عنكم بشيء سَخِطَه على من كان قبلكم ، ولن يسخط عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم ، وإنما تسيرون في أثر بَيِّن ، وتتكلمون برجع قولٍ قد قاله الناس من قبلكم ).

ثم قال رضى الله عنه : ( أنزل الله الكتاب على رسوله نورا لا تُطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقده ، وبحرا لا يدرك قراره ، ومنهاجا لا يُضِل نهجُه ، وفرقانا لا يَخْمَد برهانه ، وتبيانا لا تُهدم أركانه ، وعزا لا تهزم أَنصاره ، وحقا لا تخذل أعوانه . وهو بحر لا يستنزفه المستنزفون ، وعيون لا يُنْضِبُها الماتحون ، ومناهل لا يُغِيضُها الواردون ، ومنازل لا يَضِل نهجَها المسافرون . جعله الله ريَّا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومعقلا منيعا ذِروَته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائَتَّم به ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفَلْجا – أى فوزا – لمن حاجَّ به ، وآية لمن توسم ، وجُنَّة – أى وقاية – لمن إستلأم – اللأمة هى عدة الحرب - ، وعلما لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى ).
ونستشهد عليا رضى الله عنه في القرآن فيقول فلا نجد من بين أيدينا ولا من خلفنا لنا قولا من بعد قوله : ( إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا ، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تُلى عليهم حق تلاوته ، ولا سلعة أغلى ثمنا من الكتاب إذا حُرِّف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرفُ من المنكر . وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد ، أفأمرهم الله سبحانه بإختلاف فأطاعوه ؟! أم نهاهم عنه فعصوه ؟! أم أنزل الله دينا تاما فقصَّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبليغه وأدائه ؟! والله سبحــانه يقول ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقـال ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) وذكر أن الكتاب يصدق بعضُه بعضا ، وأنه لا إختلاف فيه فقال سبحانه ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا ) وإن القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لا تَفْنى عجائبه ولا تُكشَفُ الظلمات إلا به ). ويصف رضى الله عنه القومَ الذين يصدفون عن آيات ربهم فيقول شاهدا عليهم : ( إن أبغض الخلائق رجلان : رجل وَكَلَه الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته . ورجل قَمَن – أى جمع - جهلا مُوضع – أى مسرع – فى جُهال الأمة ، عاد – أى مهرول – فى أغباش – أى أول ظلمات – الفتنة ، سماه أشباه الناس عالما وليس به ، بكَّر فاستكثر من جمع ما قَلَّ منه خير مما كثر ، ثم جلس بين الناس قاضيا فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه فقطع به ، لم يَعَضَّ على العلم بضرس قاطع ، لا مَلىُّ – أى ليس خليقا – بإصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فُوِّضَ إليه ). وعلم رضى الله عنه من ربه أن أكثر الناس ( لا يعلمون ) وأكثرهــم ( لا يعقلون ) وأن أكثرهم ( كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) فقال رضى الله عنــه : ( لا تستوحشوا فى طريق الهدى لقلة أهله ، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموا ذلك الرجل بالرضا ).

تلي رضى الله عنه قوله تعالى ( أَلهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) فقال مقالة بليغة نقتطف منها قولـــــه : ( أَفَبِمَصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟! لأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا ، ولو إستنطقوا عنهم عَرَصَات تلك الديار الخاوية والربوع الخالية لقالت ذهبوا فى الأرض ضُلاّلا وذهبتم فى أعقابهم جُهّالا ، وإنما كانوا جميعا فتشتتوا وآلافا فافترقوا ، جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون ، فكلهم وحيد وهم جميع لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء ).

وتلى قوله تعالى ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) فقـال : ( إن الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب تسمع به بعد الوَقْره – أى ثقل السمع – وتُبْصِر به بعد العُشْوَة – أى ضعف البصر – وتنقاد به بعد المعاندة ، وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا فلم تشغلهم عنه تجارة ولا بيع ، يقطعون به أيام حياتهم فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة كأنهم يرون مالا يرى الناس ويسمعون مالا يسمعون ).

وليس أشد وطأة على الإنسان من عدوه ومن الشدائد التي تنزل به ، وكان لعلى بن أبي طالب أعداء وحلت به البأساء والضراء ، فماذا يقول رضى الله عنه فى العدو لنعلم كيف يشهد تلاميذ القرآن لأنفسهم ؟! إنه يقول : ( إنى أكره لكم أن تكونوا سَبّابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب فى القول وأبلغَ في الغدر ، وقلتم مكان سبكم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالتهم حتى يَعرف الحق من جهله ، ويرعوى عن الغى والعدوان من لَهِج به – أى دأب عليه - ).

إن هذا هو القول الذى يليق بابن أبى طالب رضى الله عنه ، وهو الذى يدعو إلى الريبة فيما نسب إليه من سب معاوية و إبن طلحة وإبن الزبير وغيرهم من أهل القرى ، ويحملنا على أن نسقطه جميعا سواء منه ما أقحم على ما أثبته محمد بن الحسين أو أثبت فى غيره من المراجع . ما كان ينبغى لعلى بن إبن طالب وهو الذى علم من رسول الله ما علم من القرآن أن يسب أحدا ، والله سبحانه وتعالى قد نهى عن سب الذين يدعون من دونه( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) الأنعام 108 وما كان ينبغى له رضى الله عنه أن يحزن أو يضيق صدره بأعدائه وقد أمر الله بالصفح عن الخائنين ( ولا تزال تطَّلعُ على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ) المائدة 13 .

ولا نظن أن عليا قد زلزل فى شدة من بعد رسول الله صـلى الله عليه وسلم إلا يوم اختارت بنت النبى جوار ربها وديار أبيــها عند مليك مقتدر،هنـالك قال رضى الله عنـــه: ( السلام عليك يا رسول الله عنى وعن إبنتك النازلة فى جوارك ، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبرى ، ورَقَّ عنها تَجَلُّدى ، إلا أن لى فى التأسى بعظيم فُرْقَتِك وفادح مصيبتك موضع تَعَز ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، فلقد استُرجعت الوديعة وأخذت الرهينة ، أما حزنى فسرمد ، وأما ليلى فمُسَهَّد إلى أن يختار الله لى داراً أنت مقيم بها ) .
وعلم رضى الله عنه أن الله سبحانه وتعالى إنما أنزل القرآن ليتدبره الناس ولعلهم يتفكرون ، لذلك نجد عليا يدعو إلى العقل وينهى عن النقل فيقول : ( اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية ، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل ) وفى هذا السطر تؤلف الكتب ، فماذا عسى أن يقول العلماء في الفرق بين عقل الرعاية ، رعاية العلم بتدبره والتفكر فيه ، وعقل الرواية بمجرد نقله ولهج الألسن به بغير فهم أو رعاية ، وماذا عسى أن يقول العلماء فى رواة العلم ورعاته ؟!

وقال رضى الله عنه فى العلماء : ( إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بمــا جاؤا به ، وإن ولى محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته – أى نسبه – وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته ) ، إن هذا القول هو الحق الذي لا يصدر إلا عن تلاميذ القرآن من الذين آمنوا بالله وبرسوله وبالنور الذى أنزل إليه ، وهذا هو القول الذى يليق بإبن أبى طالب رضى الله عنه ، وهو الذى يدعونا إلى الريبة فى كل ما نسب إليه عكاظا بشجرة النبى وتفاخرا بعترته ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا والله ولى المؤمنين ) .

وأين الناس من قوله رضى الله عنه : ( نَبَذَ الكتابَ حملتهُ ، وتناساه حفظتهُ، فالكتاب وأهله منفيان طريدان ، وهما فى الناس وليس فيهم ، فاجتمع القوم على الفرقة وإفترقوا عن الجماعة ، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ، فلم يبق عندهم إلا إسمه ، ولا يعرفون إلا خطه وزَبْره ) . إذا لم يكن رضى الله عنه قد شاهد شيئا من ذلك فى عصره ، فإنه ترجمة واعية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أثبته الله فى كتابه بقوله تعالى ( وقال الرسول يارب إن قومى إتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان 30 فإذا هُجر القرآن هُجر أهله فهما منفيان طريدان وهو فيهم شاهد عليهم ، لأن الله سبحانه وتعالى قد وعد بحفظه ولم يستحفظ عليه أحدا من بعد الكتب ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر 9 ألا وإن الله سبحانه وتعالى كريم يحفظ كتابه و يحفظ أهل هذا الكتاب المحفوظ .

العـلمـاء

قال رضى الله عنه فى العلماء وهو خبير بهم وشاهد عليهم : ( إن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونه ، ويفجرون عيونه . يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة ، ويتساقون بكأس روية ويَصدُرون بريَّة . لا تشوبهم الريبة ولا تُسرع فيهم الغيبة . على ذلك عقد خَلقهم وأخلاقهم ، فعليه يتحابون ، وبه يتواصلون . فكانوا كتفاضل البَذر ، يُنْتَقي ، فيؤخذ منه ويُلقَى ، قد ميزه التخليص ، وهذبه التمحيص ).

العبد هو الذي جُبل على الطاعة فهى فى طبعه لا يتكلفها ولا يسأم منها ، ولا يستحسر تكاليفها ولا يتردد فى بذل النفيس والنفس في سبيلها ، ولا يرغب عنها إلى زينة الحياة الدينا ومتاعها ، لذلك كانت أول ما وصف به عباده من الأنبياء والصالحين ، وجا ء أبن أبى طالب يجعلها أول ما يوصف به العلماء ، والقرآن وهو سيد العلم كله ومفاتح خزائنه ولم يكن نورا إلا لمن يشاء الله من عباده ) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلي صراط مستقيم ) الشورى 51 .
وعباد الله العلماء الذين تقربوا إلي الله بطاعته فقربهم إلي علمه وا ستحفظهم ما يشاء من خزائنه ، فهم يصونونه ويفجرون عيونه ، ويحفظونه في أنفسهم ويعكفون علي دراسته فيما بينهم ويرفعون للناس مشاعله فتسستضيء بهم الأمة ويعلو شأنها بين الأمم . وهم يتحابون في العلم ويتواصلون به ، ويتولي بعضهم بعضا بمودة خالصة ، فتراهم وقد ارتقوا إلي ربوة كربوة عيسي بن مريم وأمه عليهما السلام ) ذات قرار ومعين ) المؤمنون 50 فهم علي قول ثابت لا ترقــي .إليهم الريبة ولا تطالهم الغيبة . أولئك الذين أمرالله سبحانه وتعالي من رحمته أن تستنفر في كل فرقة من المؤمنين طائفة منهم ليتدبروا العلم ويعلموه ، ومنعهم من الخروج قتالا في سبيله ) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) التوبة 122

والعلماء يتفاضلون فيما بينهم كتفاضل البذر ( ينتقي فيؤخذ منه ويلقي ) ولا سبيل إلي ذلك إلا بالمناظرة ومقارعة الحجة ، لا يتسابون ولا يتلاعنون ولا يحتكمون إلا في مجمعهم ، وكذلك كان فقهاؤنا الأقدمون رحمهم الله ، والإمام الشافعي كان أشد إمام يستمسك بالسنة ومع ذلك فإنه في كتابه ( الأم ) قد أثبت الذين يردونها وأورد حجتهم بقوله رحمه الله ( إن هؤلاء قوم عظم عليهم أن يعطوا السنة نفس المرتبة التي تجب للقرآن ، لأن الله أنزل كتابه ) تبيانا لكل شئ ) بلسان عربي مفهوم الدلالة فلا يحتاج إلي بيان غير ما تقتضيه معانيه العربية المبينة ، ولأن الذين يروون الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يمكن تبرئتهم من الكذب أو الخطأ أو النسيان ، ولأن رواية هؤلاء لايمكن أن تقرن بالقرآن الثابت ثبوتا قطعيا فكيف يصح أن تبينه وتقضي بتخصيصه وتفصيله ، ولأن القرآن كتب في عهد الرسول والسنة لم تكتب في عهده بل ثبت عنه أنه نهي الصحابة عن كتابتها ) فهو رحمه الله لم يسب أحدا منهم بل قدر رأيهم وأثبت حجتهم ، لأنه يعلم من إبن أبي طالب أن العلـم ( ما ميزه التخليص وهذبه التمحيص ) ويقول رحمه الله ( رأيى صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ) فهذا هو شأن العلماء يعلمون أن الحق لله وأن كل ما من دونه فليس بعلم إلا إذا ميزه التخليص وهذبه التمحيص.
ويعظ الناس شاهدا عليهم بقوله رضي الله عنه: ( تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص . إن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجة أعظم عليه والحسرة ألزم له وهو عند الله أشد لوما ) .
وكذلك فإن عليا لا ينطق إذا شهد إلا بالقرآن ، ولا يصدر إلا بوحيه ، ولا ويقول إلا بالحق الذي بين يديه ، فهو أحسن الحديـث ) الله نَّزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) الزمر 23 وهو ربيع القلــــوب ) ألا بذكر الله تطمئن القلوب) الرعد 28 وهو شفاء الصــدور) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) الإسراء 82 وهو أحسن القصص ) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ) يوسف 3 وينبغي له أن يتلي حق تـلاوته) الذين اتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) البقرة 121 وأما ذلك العــــــالم الذي علم القرآن وعمل بغيـــره ) واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتَبَعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فأقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف 175 .

إن عليا يري أن الأمور تتشابه علي الناس ، فهو الذي قال :( فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف علي المرتابين ، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل إنقطعت عنه ألسن المعاندين ) ثم هو رضي الله عنه يصف حال الناس فيما عسي أن يتشابه عليهم بقوله : ( إنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ؛ فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سَمْتُ – أي طريق – الهدي ، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمي ) ، وهذا الفهم مستنبط من قوله تعالي ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون . وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلي رجسهم وماتوا وهم كافرون ) التوبة 125 وينبه لقوله تعالي ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله ) آل عمران 7 .

ولقد إبُتلى رضى الله عنه بالحق يخالط الباطل ويلتبس به لما قالوا له ( لا حكم إلا لله ) فقال رضى الله عنه: ( كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله ، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر ، أما إلامرة البرة فيعمل فيها التقى، واما إلامرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته ).

والعلم عند ابن أبي طالب هو النظر في ملكوت السماوات والأرض وفهم أسراره فهو يقول: ( الحمد لله الذي لا يبلغ مِدْحَته القائلون ، ولا يحصى نعماءه العادُّون ، ولا يؤدي حقَه المجتهدون. الذي لا يدركه بُعد الهمم ، ولا يناله غَوْص الفِطَن ، الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل ممدود فطر الخلائق بقدرته ،ونشر الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان أرضه. أول الدين معرفته،وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له. أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه إبتداء ، أمال الأشياء لأوقاتها ولأم بين مختلفاتها عالما بها قبل إبتدائها ، محيطاً بحدودها وإنتهائها. ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء ، فأجرى فيها ماءً متلاطماً تيارُه متراكما زخَّاره ، حمله على متن الريح العاصفة فأمرها برده وسلطها على شده. ثم فتق ما بين السماوات العلا فملأهن أطوارا من ملائكته ، لا يغشاهم نوم العين ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان ، منهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده ، والسدنة لأبواب جنانه ،لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يَحُدُّونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر ).

ولننظر كيف ضرب ابن أبي طالب مثلاً ملك الموت ، وهو مخلوق كما أن الإنسان مخلوق ، ليبين رضى الله عنه أن الإنسان مهما أوتى من العلم فهو ما يزال عاجزاً أن يقطع فيه إلا قليلا: ( هل تحس بملك الموت إذا دخل منزلا ، أم هل تراه إذا توفى أحدا ، بل كيف يتوفى الجنين في بطن أمه ، أيلج عليه من بعض جوارحها ، أم هو ساكن معه في أحشائها ، كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله ؟! )

نظر رضى الله عنه إلى الطاووس فقال: (أقامه في أحكم تعديل ، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد – أي تنظيم وترتيب – فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جَنِىٌ جُنِىَ – أي جامع جُمع – من زهرة كل ربيع ، وإن ضاهيته بالملابس فهو كمْوشِىِّ الحلل أو مُونِقِ عَصْب اليمن ، يُخَيَّل لشدة بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به ). هذه هي الخضرة في قوله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ) الحج 63 وأجمل من ذلك ولا شك ملابس عباد الله في جناته ( ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ) الكهف 31 .
ونظر رضى الله عنه إلى الخفاش فقال : ( ومن لطائف صنعته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء ، ويبسطها الظلام القابض لكل حي. فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها ، وجاعلة الليل سراجاً تستدل به في التماس أرزاقها. فسبحان من جعل الليل لها نهاراً ومعاشاً ، والنهار سكناً وقرارا. وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج به عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان ، غير ذوات ريش ولا قصب – فأجنحتها من لحمها ليس لها ريش ولا أعواد – لم يرقا فينشقا ولم يغلظا فيثقلا. تطير وولدها لاصق بها لاجيء إليها ، لا يفارقها حتى تشتد أركانه وتحمله للنهوض جَناحه ويعرف مذاهب عيشه ).

ونظر رضى الله عنه إلى الجراد فقال: ( خلق الله سبحانه لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها الفم السوي ، وجعل لها الحس القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزراع في زرعهم ولا يستطيعون ذَبَّها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها وتقضي منه شهواتها ، وخلقها كله لا يكون إصبعا مُستَدِقَّة ) أي لا يكون في حجم الإصبع الصغيرة.

والعلماء عند ابن أبي طالب لا يتكبرون فهم القوم الذين وُصف التواضع بسجاياهم وضربت الأمثال بهم ، وفي ذلك يقول رضى الله عنــه: ( فاحذروا عاجل البغى ، وآجل وَخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنها مصيدة إبليس ومكيدته التي تساور – أي تثب على – قلوب الرجال مُساوِرة السموم القاتلة. والله يحرس عبادَه المؤمنين بالصلوات والزكوات ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكينا لأطرافهم ، وتخشيعا لأبصارهم ، وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم. أنظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم – أي ظهور – الفخر ، وقدع – أي منع – طوالع الكبر. ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب لشيء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة تليط – أي تلتصق – بعقول السفهاء غيركم. فإنكم تتعصبون لأمر لا يُعَرف له سببٌ ولا علة، أما إبليس فتعصب على آدم لأصله ، وطعن عليه في خلقته فقال أنا من نار وهو من طين. وأما الأغنياء من مُتْرَفَة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا ( نحن أكثر أموالاً وأولادا وما نحن بمعذبين ) سبأ 35. فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب – أي أمراء – القبائل ، بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة والآثار المحمودة. فتعصبوا لخلال الحمد من حفظ الجوار ، والوفاء بالعهود ، والطاعة للبر ، والمعصية للكبر، وإعظام القتل، والكف عن البغي ، وإجتناب الفساد في الأرض ).
إن الله سبحانه وتعالى قد رفع شهادة العلماء إلى الدرجات العلى فقال ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) آل عمران 18 ذلك بأن العلم هو معرفة الحقائق بالأدلة والبيان ، وتنقية الحقائق من الظن والهوى ، وتخليصها من شوائب الريبة والبهتان ، فهم على بينة من ربهم وهم أقرب الناس إلى خشيته والإيمان بـه ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر 128 وهم أحق بالدرجات العلي ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ) المجادلة 11 ولقد كان العلم هو أعظم مايمن به الله علي عباده من الأنبياء والصالحين ، حتي إذا بعث الله رسوله بالحق أمره ليستزيد علما ( وقل رب زدني علما ) ونهاه صلى الله عليه وسلم عن أن يقف على ما ليس له به علم ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) الإسراء 36 ومثل العلماء في القرآن كمثل صاحب موسى عليهما السلام دخلا تلك القرية وهما أحوج ما كانا إلى الضيافة وإلى الطعام ( فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فاقامه ) الكهف 77 أقام الجدار وهو يعلم أن تحته كنزا، فحفظ الكنز لليتيمين ولم يمسس منه شيئاً ، بل رفض رأي موسى عليه السلام أن يسأل أحداً أجراً ، ووُصف في القرآن بصفات العلماء ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) الكهف 65.

وكان من نصائح إبن أبي طالب لإبنه الحسن: ( وأعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ، وأحذر أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي إلتبس عليهم ، ودع القولَ فيما لا تعرف والخطابَ فيما لم تُكَلَّف ، واترك كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة ، فإن أشكل عليك شيء فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خُلقت جاهلاً ثم عُلِّمت. ولا تقل مالا تعلم ولا تقل مالا تحب أن يُقال لك. وأعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولا يُقَنِّطَنك إبطاءُ إجابته ، وربما أُخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الأمل ولا تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها ، فإنما أهلها سباع ضارية يَهِرُّ – أي يكره – بعضها بعضا ، وتجرَّع الغيظ – يعني أكظمه – فإني لم أر رجعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة ).

وبعلم من إبن أبي طالب وبما علَّم من العلم شهد رضى الله عنه قائلا: ( إنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل ، واللازم للحق ذليل. أهله معتكفون على العصيان مصطلحون على الإدهان. فتاهم عارم – أي شرس – وشائبهم آثم ، وعالمهم منافق ، وقارئهم مماذق – أي غشاش ).

ويفتأ رضى الله عنه شاهدا على ما يرى وناصحا أمينا بما علم من الحق فيقول: ( إن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه ، فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقول: إعمل الخير ودع الشر فإذا أنت جَوَادُ قاصد ).

والعالم طيب القلب عفيف اللسان، وشهد رضى الله عنه أنه لا يؤذي أحدٌ غيره بلسانه إلا العائبون فقال: ( كيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيَّره ببلواه، أما ذكر ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به، لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له، وليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له على معافاته مما أبتُلي به غيُره. طوبي لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وطوبي لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعة ربه، فكان في شغل من نفسه وكان الناس في راحة منـه).
ولم نقف في حديث إبن أبي طالب رضى الله عنه على قول واحد ينهي به العلماء عن عيب بعضهم بعضا أو عيب أحد غيرهم سواء في حوارهم العلمي أو مناظراتهم الفكرية ، فالعلماء مبرأون من العيب منَّزهون عن عيب بعضهم بعضا. ويبدو أن العلماء قد دأبوا على ذلك حتى إجتاحت جحافل التتار عاصمة الخلافة العباسية في سنة 656 هـ. وعاثوا في ديــار المسلمين فسادا وفتنـا وتقتيلا ، ذلك بأننا نجد كتاب ( الحاصل من المحصول ) لتاج الدين الأرموي المتوفي سنة 653 هـ شاهدا على ذلك، فهو يقول في بيان شروط التواتر: ( ورابعها شرطه إبن الراوندي أن يكون فيهم الإمام المعصوم ، وهو باطل وإلا لأفاد قوله– أي قول الرسول صلى الله عليه وسلم – وحده العلم). هكذا مقارعة الرأي بالرأي والحجة بالحجة بأدب وبلا غيظ أو إنفعال ، ومن المؤسف أن الذي حقق هذا الكتاب في عصرنا هذا يقول تعليقاً على ذلك في هامش الكتاب: ( إبن الراوندي هو أحمد بن يحي بن إسحق المشهور بإبن الراوندي البغدادي الفارسي الأصبهاني سكن بغداد وكان من متكلمي المعتزلة ثم فارقهم وصار ملحدا ) ، وما نظن أن محققَ الكتاب في عصرنا الحديث أعلمُ بإبن الراوندي من الأرموي الذي ذكره في كتابه من العلماء وشهد له أنه يشهد أن رسول الله صلى عليه وسلم إمام معصوم.

والأرموي من بعد ذلك يشهد على أن القرن السادس الهجري لم يكن يعرف المذاهب الدينية التي نعرفها في يومنا هذا، فهو لا يذكر الأئمة إلا بأسمائهم ، ولم يظهر من كتابه أنه عرف لهم مذاهب أو أصحابا يتمسكون بإجتهاداتهم. فقد ذكر الشافعي رحمه الله في ثمانية وأربعين موضعا بمثل قوله: ( في أن المشترك المفرد هل يجوز إعماله في جميع مفهوماته جوزه الشافعي والقاضي أبو بكر وأبو على الجبائي والقاضي عبد الجبار ولم يجوزه أبوهاشم وأبو الحسين والكرخي ) ، وذكر أبا حنيفة رحمه الله في ستة وعشرين موضعا بمثل قوله: ( إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فالحقيقة أولى عند أبي حنيفة والمجاز أولى عند أبي يوسف ) ، وذكر الإمام مالك رحمه الله في تسع مواضع بمثل قوله: ( تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك ) ، ولم يرد ذكر الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الأرموي على الإطلاق.

إن شهادة الأرموي تعزز شهادة إبن أبي طالب بأن الأمة في هذه القرون الأولى لم تكن تعرف إلا مجتهدا يجتهد رأيه في الدين على بصيرة من كتاب الله أو وفق ما يهتدي إليه من سنة رسوله ، فها هو ذا لا يذكر الأئمة إلا بأسمائهم على أنهم فقهاء من المجتهدين وعلى قدم المساواة مع غيرهم من العلماء ، ولو أنه عرف لهم مذاهبَ فقهية لكان قد ذكرهم بمذاهبهم كما ذكر الشيعة والخوارج والمعتزلة بمذاهبهم السياسية بقوله: ( الذين قالوا إنها – أي صيغة أفعل – مشتركة بين الوجوب والندب ، وهو قول المرتضى من الشيعـة ) ، وقوله: ( أما في القادح أو في المقدوح فيه إحتج الخوارج فقالوا: رأينا الصحابة قبلوا خبر الواحد على خلاف كلام الله وهو يوجب القدح فيـهم ) ، وقوله: ( لا يجوز للعامي أن يقلد المجتهدين في فروع الشرع خلافا لمعتزلة بغداد ).

وكذلك فقد عرفت الأمة في عصر الأرموي رحمه الله أحزاباً سياسية يوم تفرق الناس إلى شيعة تناصر عليا، وإلى خوارج تنشق عليه ، وإلى معتزلة يعتزلون الفتنة إلى حين. أما خارج نطاق هذه الأحزاب السياسية ، فلم يكن الأرموي يعرف إلا فقهاء يجتهدون الرأي فيتبعه بعض الناس ويعارضه آخرون أو يزيدون عليه أو يستثنون. وإذا ذكر مذهبا لأحد منهم أو لغيرهم فإنه لا يقصد بقوله هذا إلا ما ذهب هو إليه في إجتهاده ، كقوله: ( ولو فرضنا إنساناً طاف على العلماء في الدنيا مستكشفاً عنهم مذاهبهم لما حصل له العلم بإجماعهم لجواز رجوع أحدهم عن فتواه قبل فتوى الآخر ) ، وواضح أنه إنما يقصد بذلك إلى رأي كل عالم من هؤلاء العلماء ، ولكنه لا يذكر أحدا منهم كما نذكره اليوم بمذهبه فنقول نحن المالكية ، وعندهم في المذهب الحنفي ، أو اولئك الحنابلة ، أو هؤلاء الشافعية ، لا شيء من ذلك في كتاب الأرموي بل كل رأي منسوب إلى صاحبه على أنه مجرد فقيه من الفقهاء ، وللفقهاء من بعده أن يأخذوا برأيه أو يعرضوا عنه ، أو يضيفوا إليه أو يستثنوا منه.

ونذكر من التاريخ أن المستعصم العباسي – وهو الذي زحفت عليه جحافل التتار بعد ثلاث سنوات من وفاة الأرموي – كان قد طلب من وزيره أن يأمر علماء الفقه في المدرسة المستنصرية أن يقصروا دروسهم على أقوال من سبقهم من الأئمة ، ولا يدرسوا لتلاميذهم شيئاً من إجتهاداتهم. فدعاهم الوزير وأنبأهم بأمر المستعصم هذا ؛ فأما جمال الدين الجوزي – أستاذ فقه الإمام إبن حنبل – فقال إنه على هذا الرأي ، وأما الشرمساحي – أستاذ فقه الإمام مالك – فقال إنه إنما يرتب المسائل الخلافية دون أن يعلق عليها ، وأما شهاب الدين الزنجاني – أستاذ فقه الإمام الشافعي – وعبد الرحمن اللمغاني – أستاذ فقه الإمام أبي حنيفة – فقالا ذلك القول المأثور: ( إن المشايخ كانوا رجالا ونحن رجال ). رفع الوزير مقالات هؤلاء إلى سيده المستعصم فدعاهم إليه مصرا على ما أمرهم به ، فأطاعوه فكانوا أول من سن التمذهب في الفقه ، وكان سيدهم أول من أغلق باب الاجتهاد. ولم تعد المدرسة المستنصرية كما كانت من قبل جامعة تجتهد في الفقه الإسلامي بحرية مطلقة ، وأصبحت أربع مدارس مذهبية لا تحيد كل منها عن المذهب الذي تلتزمه وتلقنه دون أن تضيف إليه أو تعدل عنه ، ويحِفظه التلاميذ دون أن يكون لهم حق الإجتهاد فيه أو البحث عن أصوله أو التحقق من مراجعه ، وقُتلت المناظرة – وهي أعظم محاكم الفكر – في مهدها.

ويروي لنا تاج الدين المتوفي سنة 771 هـ في كتابه ( جمع الجوامـع ) أن الشيخ أبازرعة سأل أستاذه البلقيني عن الشيخ تقي الدين السبكي كيف يقلد وقد استكمل آلة الاجتهاد ؟! قال الشيخ – أبوزرعة – فسكت عني فقلت: ما عندي إن الامتناع عن ذلك – أي الاجتهاد – إلا للوظائف التي تجري على فقهاء المذاهب الأربعة ، وأن من خرج عليها واجتهد لم ينله شيء، وحُرم ولاية القضاء ، وإمتنع الناس عن استفتائه ونُسب إلى البدعة ، فتبسم ووافقني على ذلك.

وكما شهد الأرموي على عصره فإنه يشهد على نفسه فلا نجده يتعصب لرأي عالم من دون العلماء ، بل يقدم رأي كل واحد منهم بكل الإحترام والتقدير ويترك لك الترجيح بين الآراء كمثل قوله: ( أن يكون الأمر مطلقاً كقوله صُمْ ، النافون للفور قالوا إنه لا ينقطع الأمر ما لم يأت بالمأمور به، والمثبتون له منهم من قال إنه إن فات في الزمان الأول وجب الفعل في الزمان الثاني والثالث قضية الأمر الأول وهو قول أبي بكر الرازي ) و أبوبكر الرازي المتوفي سنة 370 هـ هو صاحب كتاب المحصول الذي حصله الأرموي ، ورغم ذلك فإنه لا يجعل له فضلاً على سائر العلماء ، ولا يقدمه إلا كصاحب إجتهاد في الفقه.
ويري الشيعة أن ( زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم ومتى كان الأمر كذلك فإن إجماع العلماء من حوله يعتبر حجة على الأمة ) ، وقد عارض الأرموي – وهو من أهل السنة – هذا الرأي فقال: ( لو وجبت موافقة إمام ساعده العلماء على الحكم بدليل في جملة الأحكام لا نسد باب الاجتهاد ) ، وهذه شهادة أخرى بأن باب الاجتهاد لم يكن مسدوداً في عصره ، ولا حجر عليه بالإجماع.

في السياسة يمتاز الناس بالنصرة ويتعالون بالعصبة والولاء ، أما في الاجتهاد فيمتاز الناس بالحجة ويتعالون بالإقناع. السياسة بالدين لا تقبل الحوار وترفض الجدل وتضيق ذرعاً بالمجتهدين ، أما المجتهدون من أهل السنة – ومنهم الأرموي – فلا يعرفون الإنشقاق ، ولا يلبسون الدين بالسياسة ، ولا يرون الإيمان إلا بالرأي والوعي والعلم والتدبر حتى قال نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين النيسابوري رحمه الله في كتابـه ( غرائب القرآن ورغائب الفرقان ) : إنك إذا قلَّدت الحقَ بغير وعي أو فهم لكنت ممن يتبع الظن والتخمين فتصبح من الذين قال الله فيـهم ( وأن تقولوا على الله ما لا تعملون ) الأعراف 33.

وفي كتابه للأشتر النخعى لما ولاّه على مصر يقول رضى الله عنـه: ( وأكثر مُدَارَسة العلماء ومنافثة – أي محادثة – الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس قبلك. وأردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشـادهم ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) فالـرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة ).

ونجد جوامع العلم وحكمة الفقه كله في قوله رضى الله عنه: ( إن الله إفترض عليكم الفرائض فلا تضيعوها، وحد لكم الحدود فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها ). ونذكر إبن الخطاب رضى الله عنه عندما نازعته نفسه في معنى الأب في قوله تعالى ( وفاكهة وأبا ) عبس 31 فلم يلبث أن إستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وقال: ( إنه التكلف ). من أجل ذلك وجدنا إبن أبي طالب يقول لإبنه وهو يعظه: ( فإن أشكل عليك شيء فاحمله على جهالتك به ، فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثم عُلِّمت).

القـتــال

إختلف المسلمون في القتال فمنهم من يرى أنه لا صلح ولا رحمة للمشركين ولا محافظة على مواثيقهم ، وعلى رأس هؤلاء إبن كثير والطبري ، رغم أن الطبري قد أورد في تفسيره لقوله تعالى ( لا يَنهاكم اللهُ عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبَرّوهم وتُقسطوا إليهم إن اللهَ يحبُ المقسطين ) الممتحنة 8 أنها آية محكمة وإن الله لا ينهى المسلمين عن البر والقسط بمن يقف منهم موقف المسالمة والمحاسنة والحياد من أي ملة كانوا.

ويرى آخرون أن الإسلام هو دين السلم والسلام الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام ، فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها لا يعدل بها ، ومن هؤلاء الشيخ محمد دروزه في كتابـه ( التفسير الحديث ) ، ويتفق معه في هذا الاتجاه الشيخ رشيد رضا صاحب (المنار) الذي يرى أن القتال في الإسلام لا يكون إلا دفاعا عن المسلمين وأن السلم واجبة في غير هذه الحالة.

وجاءت حركة الإخوان المسلمين لتقف موقفا وسطا بين هذين الرأيين ، فقالوا إن القاعدة هي الحرب بين المعسكر الإسلامي وغيره من المعسكرات قاطبة ، والاستثناء هو ما يكون بينهما من المهادنة.

وبتاريخ 23 ديسمبر 1999 أذاعت الفضائية المصرية حديثا للدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر قال فيه: ( إن الإسلام لا ينتشر بالسيف كما يزعم المبطلون ، وان آيات القرآن الكريم تؤكد أن القتال لم يُشرع إلى دفاعا عن الحق وردا لعدوان الظالمين ) واستشهد بقوله تعـالى( وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تَعتدوا ) البقرة 190 وبقوله تعالى ( أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير) الحج 39 وأكد أن الذين يقولون بغير ذلك إنما يروجون باطلاً ضد الإسلام.

وإذ نستشهد إبن أبي طالب رضى الله عنه فإنما نستشهد صحابياً مؤمناً لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرغب بنفسه عن نفس النبي الذي علمه العلم والإيمان ، يقول رضى الله عنه وهو العالم بفقه القتال وعلومه في كتابه إلى معقل بن قيس الرياحي: ( إتق الله الذي لا بد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه ، ولا تقاتلن إلا من قاتلك ، وسرالبردين- أي وقت ابتراد الأرض والهواء في الغداة والعشى – وغَوِّر بالناس – أي ارحمهم في الغائرة وهي الظهر – ورَفِّه بالسير – أي هون سيرك حتى لا ترهق نفسك ودابتك – ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا ، وقدَّره مُقاما لا ظعنا ، فأرح فيه بدنك ورَوِّح ظهرك ، فإذا وقفت حين ينبطح – أي ينبسط – السَّحر أو حين ينفجر الفجر فسر على بركة الله . فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا ، ولا تَدْنُ من القوم دُنُوَّ من يريد أن يُنشب الحربَ، ولا تَبَاعَد عنهم تَبَاَعُد من يهاب البأس، ولا يحملنكم شَنآنُهم على قتالهم قبل دُعائهم والإعذار إليهم ).

أولئك هم أصحاب الرسول وتلاميذه الأبرار ، يلبسون لباس التقوى في الحرب وفي السلم ، ولا يقاتلون أحدا حتى يبادرهم بالعدوان فإن جنحوا للسلم جنحوا لها ، وتراهم وهم في الحرب رحماء بأنفسهم وبدوابهم لا يروعون أحداً بليل ولا يباغتونهم بالبأس ، ويمدون لهم في السلم عسى أن يجنحوا لها ، فإن أصروا على عدوانهم فهم لها لا يتخلفون عن قتال يعلمون من ربهم أن لهم فيه إحدى الحسنيين وهم على ربهم يتوكلون ، إن كتاب إبن أبي طالب لإبن قيس هو شهادة الحق على قتال المؤمنين ، فكيف لا تدين لهم الدنيا ويرضى الناس بحكمهم بغير قتال.

ويكتب إبن أبي طالب إلى أمراء جيشه ألا يُكرهوا أحدا على القتال فيقول رضى الله عنه: ( إستغنِ بمن إنقاد معك عمن تقاعس عنك ، فإن المتكاره – أي المتثاقل بكراهة الحرب – مغيبه خير من شهوده ، وقعوده أغنى من نهوضه ) ، إن عليا يستنبط الحكمة من طالوت عليه السلام لما فتح لجنوده أبواب القعود بابا بعد باب ، حتى لقى عدوه بالقلة المؤمنة المخلصة فكان له النصر المبين ( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مُبتليكم بنهَر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يَطعَمه فإنه مني إلا من إغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم مُلاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) البقرة 249 ولما قعد قوم موسى عن القتال وقالوا له (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) المائدة 24 فإنه لم يحملهم على القتال في سبيل الله كرها ، ولم يشأ عليه السلام أن يخرج بهم إلى الحرب وهم كارهون بل قال ( قال ربِ إنى لا أملك إلا نفسى وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) المائدة 25.

وكتب الله على عباده المؤمنين القتال بالحق الذي شرعه الله لهم لا إكراه فيه ، فمن شاء فليقاتل في سبيل الله ومن لم يشأ فعليه أن يدفع من أمواله جهاداً فــي سبيل الله ( وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) آل عمران 167 والمؤمنون أحرار فيما يختارون لأنفسهم لا إكراه عليهم ، فإن قاتلوا فلا يدفعون وإن دفعوا فلا قتال عليهم ، وكلا وعد الله الحسنى ، أما الخروج إلى القتال بالمتكاره فإن قعوده كما قال إبن أبي طالب رضى الله عنه خير من نهوضه وغيابه خير من شهوده ، وكذلك كان التجنيد في مصر طوعا لا إكراه فيه ، فمن لم يشأ أن يتطوع وهو قادر على القتال فعليه أن يدفع بدلا أو ما كانوا يسمونه ( البدالية ).

ومن كتابه إلى الأشتر النخعي لما ولاه مصر يقول رضى الله عنه: ( إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة وإنقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها ، فلا تُقَويَّن سلطانَك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يُزيله ويَنقله. وإن إبتليت بخطأ ، فلا تَطمحَنَّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدى إلى أوليـاء المقتول حقهم ).
وكذلك يشهد أبن أبي طالب على حق الدماء وعاقبة سفكها بغير حقها عمداً أو خطأ ، فقد علم من مدرسة النبوة أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل نفس حرمــة إلا بالحق ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الأنعام 151 وعلم رضى الله عنه أن الظالمين يبادرون المؤمنين بالعدوان فيخرج المؤمنون لرد العدوان حتى إذا وضعت الحرب أوزارها فلا عدوان إلا على الظالمين الذين أسرفوا على أنفسهم بجريمة من جرائم الحرب ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثَقِفْتموهم وأََخْرِجوهم من حيث أخرجوكم والفتنةُ أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يُقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكـافرين. فإن إنتهَوا فـإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن إنتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) البقرة 190.
وكان رضى الله عنه يرصد أعداءه وهو حقه الذي علمه من مدرسـة الوحي ( وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد )التوبة5 فإذا علم أنهم انصرفوا عنه تولى عنهم وفوض أمره إلى الله ، ذلك بأنه لما جاءه الذين يرصدون له الأعداء سألهم: ( أ أمنوا فقطنوا – أي أقاموا – أم جبنوا فظعنـوا ) ، قال رجل منهم: ( بل ظعنوا يا أمير المؤمنين ) فقال رضى الله عنه: ( بعدا لهم كما بعدت ثمود ، أما لو أُشرعت الأسنة – أي صُوبت إليهم ـ وصُبِّت السيوف على هاماتهم ، لقد ندموا على ما كان منهم ، إن الشيطان اليوم قد إستفَلِّهم – أي هزمهم فهم قوم فَلَُ والجمع فلول – وهو غدا متبرىء منهم ومتخل عنهم ، فحسبهم بخروجهم من الهدى ، وارتكاسهم في الضلال والعمى ، وصدهم عن الحق وجِمَاحهم في التيه ).

وروى إبن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلي وكان ممن خرج للقتال ، أن عليا رضى الله عنه قال فيما كان يحض به الناس على الجهاد: ( أيها المؤمنون ، إنه من رأى عدوانا يُعمل به ومنكرا يُدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلي فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ). ويبين من هذا الحديث أنه رضى الله عنه إنما كان يخاطب جماعة المؤمنين ويدعوهم إلى الخروج جهادا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى ، وذلك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وليس في هذا الخطاب أي تحريض ليقتل الناس بعضهم بعضاً غدراً وإغتيالا ، فإذا عزم الأمر على الخروج جهادا في سبيل الله إذا ظهر الفساد في الأرض فمن خرج بسيفه فقد أصاب الهدى ، ومن أنكر الفساد بلسانه فهو خير له ، ومن قعد وهو ينكره بقلبه فلا جناح عليه.
ويقول رضى الله عنه في فضل الجهاد ، جهاد الأمة الذي يأمر به أمير المؤمنين ويخرج فيه الصالحون من المؤمنين لرد العدوان ، ويتخلف عنه المتكارهون ، جهاد في سبيل الله إبتغاء وجه الله ومرضاته دفاعاً عن الحق وعن المستضعفين وعن الديار ، يقول رضى الله عنه: ( إن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل ، ودُيِّث – أي أُذل – بالصغار ، وسيم الخسف ، ومُنع النَّصف ).

ويأبي رضى الله عنه أن يخرج بالمتكارهين معتصما بحكمة طالوت فينادي في القوم قائلاً : ( إني دعوتكم إلى القتال ليلاً ونهاراً وسراً وإعلانا ، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غُزى قوم في عُقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم حتى شُنت الغارات عليكم ومُلِكَتْ عليكم الأوطان. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الصيف قلتم هذه حَمَارَّة القيظ ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صَبَارَّة القُر ، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من السيف أَفر. لقد نهضت في القتال وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذَرَّفْتُ على الستين ولكن لا رأي لمن لا يُطاع ).
وهو رضى الله عنه لا يدعوهم إلى القتال بطرا أو عدوانا ، وإنما هو يدعوهم إلى قتال كُتب عليهم وليس لهم من دونه إلا الذلة والهوان في الحياة الدنيا وغضب الله عليهم في الآخرة ، فهو يقول: ( وقد قلبت هذا الأمر بطنه وظهره حتى منعنى النومَ فما وجدتني يسعني إلا قتالهم ، أو الجحود بما جاءني به محمد صلى الله عليه وسلم ، فكانت معالجة القتال أهون علىّ من معالجة العقاب ، وموتات الدنيا أهون من موتات الآخرة ). ويقول في موطن آخـر: ( لقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه ، وقلبت ظهره وبطنه ، فلم أرَ لي إلا القتال أو الكفر ). هذا هو خيار القتال عند تلاميذ الوحي لا يُسارعون فيه بطرا وعدوانا ، بل يقلبون ظاهر الأمر وباطنه ويضربون أنفه وعينه فلا يجدون بديلاً عن القتال إلا غضب الله والقهر والذل فــي الحياة الدنيا ، فيقول رضى الله عنه: ( الموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين ).


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home