Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 11 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (9)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.} (البقرة183)

صـوم رمضـان

ورد النص على وجوب الصيام بقوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } (البقرة 183) بمعنى فرض عليكم الصيام، وقد ورد النص على الواجب المفروض فرضاً بهذه الصياغة في آيات كثيرة منها قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (البقرة 178). { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ } (البقرة 180) { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } (البقرة 216) وهي في هذه الآيات جميعها بمعنى فرض عليكم الصيام من ربكم كما فرض عليكم القصاص في القتلى إلا ما استثنى بقرآن وفرضت عليكم الوصية للوالدين والأقربين إذا شارف أحدكم الموت فلا يحل لكم أن تبطلوها بمقولة إنها وقعت حال مرض الموت لأن أحدكم لا يعلم كيف يكون حاله وهو يتهيء للرحيل والملائكة من حوله يقضون ما أمرهم الله به وكذلك فرض عليكم القتال كلما قاتلكم عدو أو ظاهر على قتالكم أو جاء ليفسد في الأرض بعد إصلاحها.

والوجوب هنا لا محيد عنه لأنه تنزيل بقرآن وكل ما فرض بقرآن فهو واجب لرب العالمين ولن نخوض في بحث حكمة وجوبه تفصيلاً بغير علم مما جاء به الذكر الحكيم. فلقد وصف شهر الصيام بأنه مشهد من المشاهد وكأنه قتال فرض على المسلمين لقهر نوازعهم ونزواتهم التي لا تبرح تلح عليهم لإشباعها من جوع أو عطش أو هوى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (البقرة 185). وليس أظهر في الدلالة على أن الشهر من المشاهد يقف فيه المسلم وجهاً لوجه أمام نزواته ليقهرها وينتصر عليها من أن الصيام تقرر عقاباً في بعض الحالات ليذوق الجانح وبال أمره { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .} (المائدة 95) وترتبط هذه الحكمة البالغة ارتباطاً وثيقاً بما شرع الصيام من أجله، وذلك لأن المسلم الذي يخرج منتصراً على حاجاته الطبيعية والمشروعة من المأكل والمشرب في هذا المشهد العظيم يكون أقدر على اتقاء الفتن والصمود في مواجهتها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .} (البقرة 183). وهكذا يذوق المؤمن وبال الجوع والعطش في مشهد الشهر العظيم فيخرج من ذلك ظاهراً على نفسه ظافراً على ذاته فيكون أقدر على التقوى وأقوى على الصمود أمام مفاتن الدنيا وزينتها. والصيام من بعد ذلك خير من الفطر ولو كان في بعض الحالات المرخص بها، ويقتضي البحث في مدى هذا الخير وأبعاده بحوثاً ضافية من أولي العلم في الطب البشري والنفسي وغيرهم لقوله تعالى { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . } (البقرة 184).

وكنا ذكرنا من قبل أنه لا يجوز الاستثناء من أحكام القرآن إلا بقرآن فالله تبارك وتعالى من حكمته وفضله على الناس لا يكلف نفساً إلا وسعها { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (البقرة 286). {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .} (الأعراف42) والله سبحانه وتعالى هو خالق الأنفس وهو أعلم بما تطيق وبما لا تطيق وعلى الذين يؤمنون بالله وبكتابه أن يطمئنوا إلى ما فرض عليهم في القرآن وألا يستثنوا من ذلك شيئاً إلا إذا استثنى بقرآن.

والاستثناء من الصيام قد يكون دائماً وقد يكون موقوتاً وهو يتقرر في الحالتين بحسب ما يقدره المسلم بنفسه مستعيناً في ذلك بأهل الرأي والمشورة الصالحة من الأطباء وينبغي الحذر كل الحذر في هذا الأمر الخطير مع العلم بأن الله سبحانه وتعالى وإن كان قد رخص للمسلمين في الاستثناء من الصيام رحمة منه وفضلاً إلا إنه لم يحبب لهم أن يأتوا هذه الرخصة فقال وقوله الحق { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . }(البقرة 184) فالصوم تطوعاً في جميع الحالات المستثناة خير من العمل بالرخصة.

أولاً: الاستثناء الدائم يكون في الحالات التي ينوء فيها المسلم بالصيام بما لا طاقة له به وقد ورد النص عليها بقوله تعالى { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } (البقرة 184) وذلك بسبب الشيخوخة المضنية أو مرض دائم لا يرجى الشفاء منه في قريب، وفي هذه الحالة يستبدل بالصيام إطعام مسكين عن كل يوم يفطر فيه وينبغي البحث الدقيق عمن ينطبق عليه هذا الوصف لإطعامه كما ينبغي إطعامه من أوسط ما يطعم به المسلم أهله بحسب ما يتيسر له عادة.

ثانياً: الاستثناء المؤقت ويكون في حالات السفر مع المشقة لأن العلة من الاستثناء هي تعذر الصيام، والصيام لا يتعذر لمن يكون راكباً في طائرة أو باخرة أو سيارة لمسافات قريبة أو يكون في حالات المرض العارض الذي يرجى الشفاء منه في قريب وفي هاتين الحالتين يرخص للمسلم أن يفطر على أن يستدرك ما فاته من صيام الشهر في غيره يوماً بيوم { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ } (البقرة 185).

وبعد فإن الحذر أوجب ما يكون في الترخيص بهذه الاستثناءات والصوم خير من الفطر في الحالات المستثناة جميعاً، ولن نكون أرحم بأنفسنا من الله أرحم الراحمين ولن نكون أعلم منه بأنفسنا وهو خالق كل شيء { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . } (البقرة 184).

ويمسك الصائم عن ثلاث : المأكل والمشرب والرفث إلى النساء وقد ورد النص على إباحتها جميعاً ليلة الصيام { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } (البقرة 187).

الصوم مشهد من المشاهد له حرمته وله هيبته ووقاره لذلك تقرر أن الأصل في نهاره الصوم وتقررت الإباحة في ليله بالنسبة للمأكل والمشرب والرفث إلى النساء، وينبغي أن يتصرف المسلم بحسب ما يقتضيه هذا المشهد بأن يسلم وجهه لربه ويصوم مخلصاً له دينه فلا يسف ولا يلغو ولا يسرف في لهو أو لعب وأن يعتصم بذكر الله وبتلاوة القرآن الكريم وبالصلاة وأن يعتزل الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلاً إلا من يعمر مجلسه بذكر الله وتدبر آياته وأن يكون كريماً مع أهله ينفق عليهم بسخاء في هذا الشهر المبارك وأن يطعم جاره ولو كان غنياً وأن يسعى إلى الفقراء يجود عليهم بما لا يحوجهم في شهر اعتادت فيه الأسواق أن تعمر بمختلف أصناف المأكل والملبس، مشهد يتكرر كل عام ليتقي به المؤمنون من مشهد يوم عظيم.

{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (البقرة 185).

وبهذه الآية الكريمة يتحدد أجل الصيام بشهر رمضان وهي تستوجب صيام الشهر كله من أول أيامه إلى آخر يوم فيه { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وتتحدد الشهور عند الله بقوله تعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } (التوبة 36) . فهي إثنا عشر شهراً وهي كذلك اليوم ومنذ خلق الله السموات والأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سنة من سنن كونه تبارك وتعالى ونظاماً ثابتاً لقوانين الحركة في ملكه عز وجل، وقوله تعالى { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} يدل دلالة صريحة على أن العدة كلها تتحدد شهراً بشهر بما تتحدد به الأشهر الحرم. ولقد سبق القول في حديثنا عن الحج أن الأشهر الحرم هي ميقات الحج يبدأ بأول يوم من شوال وينتهي بآخر يوم في محرم، ويقول الله تبارك وتعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } (البقرة 189). وبذلك فإن الأشهر الحرم وهي ميقات الحج تتحدد بالأهلة في ذلك كأي شهر آخر من الإثنى عشر شهراً بما في ذلك شهر رمضان فهو يبدأ بظهور هلاله وينتهي بظهور هلال الشهر الذي يليله وهو شهر شوال. ولقد أثبت العلم الحديث أنه ما بين ظهور الهلال وظهور الهلال الذي يليه في أي شهر من الشهور القمرية على مدى الزمان مدة لا تزيد ولا تنقص عن تسعة وعشرين يوماً واثنتي عشرة ساعة وأربع وأربعين دقيقة وثانيتين وثمانية أعشار الثانية لا تختلف في أي شهر عن الآخر مهما كانت الأحوال وإنما يعتبره المسلمون مرة بتسع وعشرين يوماً ومرة أخرى بثلاثين يوماً ليستكملوا بالشهر المزيد ما نقص فيما قبله ولو أنهم درسوا هذه الظاهرة ولم يأخذوا بعصم الإصرار على إثبات الهلال بالرؤية البصرية وعملوا على قياسه بالمقاييس العلمية التي أصبحت من بديهات العلوم الفلكية في حياتنا المعاصرة لكانت شهورنا القمرية تتحدد سلفاً ولأي مدى في المستقبل البعيد أو الماضي السحيق بالساعة والدقيقة والثانية.

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } على أن ذلك لا يعني أن نجتنب التقويم الشمسي مطلقاً فلئن كان القمر يحدد الشهر بأكمله فإن الشمس هي التي تحدد اليوم الذي لا يبدأ إلا بظهور ضيائها ولا ينتهي إلا بظهور ضياء شمس اليوم التالي في نظام دقيق وسُنةٍ لا يجد لها العلماء تفسيراً إلا إنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه { فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . } (الأنعام 96).

وفي ليلة من ليالي هذا الشهر المبارك أنزل القرآن الكريم على خاتم النبيين محمد رسول الله e يحمله جبريل الأمين عليه السلام { مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . } (البقرة 97). { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ . لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ .} (الدخان 3-8). { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } (البقرة 185) { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .} (القدر) ليلة من ليالي هذا الشهر المبارك ليلة مباركة أنزل فيها القرآن ليلة القدر ليلة واحدة خير من ألف شهر، ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، ليلة يرسل الله فيها ملائكته يتنزلون بأمره، ليلة واحدة من ليالي شهر واحد هو شهر رمضان لا يعلمها إلا هو سبحانه استظهر قيمها كتابه تفصيلاً وأخفاها بين طيات شهر واحد من اثنى عشر شهراً لا يدركها إلا الذين ينشدونها في الشهر كله وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أيهم أسبق إلى رحمة ربه وأشد حرصاً عليها وأقوى إيماناً به تبارك وتعالى وبكلماته، هي ليلة واحدة خير من أكثر من ثمانين عاما ، وماذا في العمر من بعد الثمانين ، آية بالغة تدلك على أنها خير من عمرك كله في هذه الحياة الدنيا .

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } (البقرة 187).

تحددت بداية الصيام بدقة لا سبيل للاختلاف عليها ولا مساغ للاجتهاد فيها بالخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أي من أول ضوء يشق عتمة الليل معلناً بداية الفجر. وأما نهاية الصيام فبالليل { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } فهل ترك تحديد بداية الليل ليجتهد فيها المجتهدون وليدلي فيها كل بدلوه فيقول قوم إن الليل يبدأ بغروب الشمس ويقول آخرون بل من بعد غروب الشمس بقليل ويأتي آخرون ليحددوا بداية الليل بظهور النجوم وسبحان الله جل من قائل { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً .} (النساء 82).

{ وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ . } (يس 37).

{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً . } (الإسراء 12).

هذا هو تعريف الليل من النهار وتعريف النهار من الليل في آيتين بينتين لمن لا يعرف الفارق بين الليل والنهار، فالنهار ينسلخ من الليل شيئاً فشيئاً كما تسلخ الشاة شيئاً فشيئاً حتى إذا ما انسلخ النهار تماماً بداً الليل بالظلام { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ .} وإذا في هذه الآية الكريمة هي إذا الفُجَاءَة التي تفيد حدوث ما بعدها فوراً وفي الحال بمعنى أنه فور انسلاخ النهار تظلم الدنيا معلنة بداية الليل ولا يبدأ الليل إلا بانسلاخ النهار تماماً لأن الشيء لا ينسلخ عن الشيء إلا بانتزاعه تماماً وذلك بغياب آخر ضوء من ضياء الشمس ويستمر الليل ما استمر الظلام حتى إذا انطلق أول خيط أبيض يشق العتمة من المشرق بدأ الناس يبصرون وأول شيء يبصرونه هو هذا الخيط الأبيض الذي لا يلبث حتى يملأ الدنيا ضياء.

وهكذا فإن الفرق بين الليل والنهار بحسب هاتين الآيتين الكريمتين هو الفرق بين الظلام الكامل الذي يبدأ به الليل بحسب الآية الأولى أي في اللحظة التي ينسلخ فيها النهار بضيائه انسلاخاً تاماً وبين الإبصار مرة أخرى بانطلاق أول ضوء يشق هذا الظلام بحسب الآية الثانية ويمر الليل والنهار عبر مراحل متعددة تتحدد جميعها بحركة الشمس إن جاز هذا التعبير ابتداء من الفجر وهو كما أسلفنا محدد بما لا اختلاف عليه بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ثم بمشرق الشمس ثم بغروب الشمس ثم لا يبرح الشفق الأحمر مغرب الأرض إلا بعد انقضاء فترة تعادل الفترة ما بين الفجر والشروق. يبدأ الفجر بظهور أول ضوء من ضياء الشمس عندما تكون الشمس في فلك أدنى من الأفق الشرقي بزاوية قدرها ثمان عشرة درجة ونصف الدرجة ويبدأ الشروق عندما تطل الشمس برأسها من الأفق الشرقي. ويبدأ الشفق الأحمر بعد أن تغوص الشمس في الأفق الغربي ويظل منتشراً هنالك حتى تنزل الشمس إلى فلك أدنى من الأفق الغربي بزاوية قدرها ثمان عشرة درجة ونصف الدرجة، ولو قامت نخلة عند ذلك الأفق البعيد والشفق الأحمر ما يزال منتشراً من خلفها لأمكن لك أن تبصرها بعينك المجردة إن كنت حاد البصر أو بالعدسات الصناعية إن كنت ضعيف البصر، وهذا هو الإبصار الذي يتحدد بوجوده النهار، أما بعد أن يختفي الشفق الأحمر فلن تستطيع بمجرد العين أن تبصر من تلك النخلة شيئاً وهذا هو الإظلام الذي يتحدد الليل ببدايته. { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .} (سورة القدر).

الحديث في هذه السورة الكريمة عن ليلة من ليالي شهر رمضان وعن أي ليلة أخرى لا يميزها عن غيرها من الليالي من الناحية الفلكية شيء، فالليل من سنن الله ولن تجد لسنة الله تحويلاً. هذه الليلة هي ليلة القدر { سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ . } (حتى) في هذه الآية الكريمة تفيد نهاية ما قبلها بظهور ما بعدها. وتدل هذه الآية الكريمة على أن الليل ينتهي بمطلع الفجر أي بظهور أول ضوء من ضياء الشمس، وبالتالي فإن الليل لا يبدأ إلا باختفاء آخر ضوء من ضيائها وهو ما لا يتحقق إلا بغياب الشفق الأحمر تماماً.

وحديث آخر عن فلك الليل والنهار وما يفصل بينهما تحدده مسيرة نبي الله لوط عليه السلام بأهله بعد أن أمر الله بتدمير قريته الظالم أهلها.

{ قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.} (هود 81).

{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ } (القمر 33-34).

نبي الله لوط عليه السلام كذبه قومه فأرسل ربه رسلاً إليه ليحددوا له خطة مسيرته لينجو هو وأهله إلا امرأته من عذاب واقع بهم، وتحددت الخطة بأن يخرج بأهله {بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ } أي أن المسيرة تبدأ ليلاً، وتنتهي مسيرة النجاة بعد الفجر بقليل وعندها يكونون قد ابتعدوا عن منطقة الضرب { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ .} والسحر هو الفترة ما بين الفجر والشروق وهي لا تجاوز عادة ساعة ونصف الساعة، ثم تشرق الشمس ويبدأ الصبح وينفذ أمر الله بتدمير هذه القرية الظالمة بعد أن نجا منها لوط وأهله أما امرأته فإنها ستلتفت من دون أهله جميعاً لترى ما حل بأهلها فيصيبها ما أصابهم.

المسيرة إذن تبدأ ليلاً وتصل إلى منطقة النجاة بالسحر وتدمر القرية بعد ذلك بالصبح وهذه الآيات البينات قاطعة الدلالة على أن هنالك فارقاً زمنياً غير قليل بين الليل والسحر وهو الفارق الذي استغرقته مسيرة لوط عليه السلام ويقابل السحر وهو سابق على الصبح في الجانب الغربي من الأرض الشفق الأحمر وهو لا حق على الغروب وسابق الليل. وإذا كان السحر بضيائه الأبيض يختلف عن الليل ولا يعتبر من الليل في شيء فترتيباً على ذلك يجب القول بأن الشفق بضيائه الحمراء يختلف عن الليل ولا يمكن اعتباره جزءاً منه في أدنى شيء.

وبدلالة الآيات البينات جميعها فإن الليل لا يبدأ إلا بغياب آخر ما ينتشر في المغرب من الشفق الأحمر، فإذا انسلخ الشفق الأحمر من الأفق الغربي تماماً وأقبل الليل أفطر الصائم وحل له الطعام والشراب والرفث حتى يتبين له أول ضوء أبيض في الأفق الشرقي بمطلع الفجر.

{ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْل ِ} وسبحان الله تبارك وتعالى يصوغ آياته وقد سبق علمه بشؤون خلقه سبحانه عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو له غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فقال وقوله الحق { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} سبحانه علم أن عباده سيختلفون في الليل ويستشكل عليهم تمييزه من النهار رغم وضوحه في القرآن وتفسيره في آياته وبيانه بياناً دقيقاً وافياً كافياً شافياً فقال { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} وكان يكفي لولا علمه تعالى بالغيب وبما نختلف عليه الآن في هذا الشأن أن يقول ثم صوموا إلى الليل، فإذا كنا نؤمن بأنه ليس هنالك حرف واحد زائد في القرآن تماماً كما نؤمن بأنه ليس هنالك حرف واحد ناقص منه لأدركنا الحكمة البالغة من قوله تعالى { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} وفيه الدليل القاطع والآية الكبرى على علمه تبارك وتعالى بالغيب.

ولو أراد الله أن يفطر الصائم في المغرب لكان نص عليه صراحة كما نص عليه في غير قليل من الآيات {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ }، (الكهف 17). { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } (الكهف 86)، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . } (ق 39). {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } (طه 130).

ولو أراد الله أن يفطر الصائم والشفق الأحمر ما يزال منتشراً في الأفق الغربي من بعد غروب الشمس بقليل أو بكثير لكان نص عليه كما في قوله تعالى { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ . وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ .} (الانشقاق 16-17)، بل إن هذه الآية الكريمة لتدل دلالة أخرى وتقيم البينة القاطعة على أن الشفق شيء والليل شيء آخر، فهذان قسمان بآيتين مختلفتين آية الشفق وآية الليل ولو كان الشفق هو الليل والليل هو الشفق لكان القسم واحداً.

ولو أراد الله أن يفطر الصائم عند مطلع النجوم من بعد غروب الشمس والشفق الأحمر ما يزال منتشراً في الأفق الغربي وقبل أن يتم انسلاخ النهار تماماً لكان نص عليه صراحة كما في قوله تعالى { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ .} (النحل 16). { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ .‏ } (الطور 49).

ويستند القائلون بوجوب الإفطار بغروب الشمس إلى ما نقله بعض الرواة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنه كان مع جماعة من قومه وكانوا صائمين فغربت الشمس فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم افطروا فقال واحد من صحابته إن علينا لنهاراً يا رسول الله فقال افطروا قال إن علينا لنهاراً يا رسول الله قال افطروا ففطروا.

ولن نركن إلى هذه الرواية لأنه لا ينبغي للمؤمن بالله ورسوله أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه بدليل قاطع لا شبهة فيه، وكما ذكرنا من قبل في مقدمة هذا الكتاب لم يثبت للعلماء بدليل قاطع أنَّ من كتب البخاري مثلاً هو البخاري نفسه. ولكننا مع ذلك سنقف قليلاً عند قول الصحابي –إن علينا لنهاراً- وذلك بعد أن غربت الشمس، وقد يكون قالها لإعرابي من الصحابة أو من غيرهم أما أن يكون قد قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يعلم الناس جميعاً دين الله بما يتنزل عليه من الوحي فهذا أمر لا مسوغ لقبوله لا عقلاً ولا منطقاً، فما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ليجهل الفرق بين الليل والنهار وما كان صلى الله عليه وسلم ليَعْدل عن دين ربه فيبيح للصائمين من المسلمين أن يفطروا قبل أن يتموا صيامهم إلى الليل. نقف عند قول الصحابي-إن علينا لنهاراً- وذلك بعد أن غربت الشمس لنستظهر من هذا القول أن العرب كانوا يعلمون أن النهار يمتد من بعد غروب الشمس حتى يقبل الليل بغياب الشفق الأحمر ونستظهر منها كذلك أن العرب كانوا يعلمون أن الليل لا يحل بمجرد غروب الشمس.

وحتى مع التسليم بصحة هذه الرواية كلها ألا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمرهم بالسفر في تلك اللحظة فجأة وكان السفر شاقاً وهو رحيم بهم فقال لهم أفطروا فنظر الصحابي في الأفق الغربي بعد أن غربت الشمس فوجد الشفق الأحمر ما يزال منتشراً فيه فقال له إن علينا لنهاراً فقال لهم أفطروا فنظر الصاحبي في الأفق الغربي بعد أن غربت الشمس فوجد الشفق الأحمر ما يزال منتشراً فيه فقال له إن علينا لنهاراً فقال لهم أفطروا فتحير الصحابي من أمره لأن الله يأمره بأن يتم الصيام إلى الليل وهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يفطر في المغرب فأعادها ثانية –إن علينا لنهاراً- فقال أفطروا فإننا سنسافر إن شاء الله في الحال ثم تلا قوله تعالى { وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }، ألا يمكن أن تكون الرواية هكذا، وحتى ولو كانت كذلك ألا يغني القرآن عنها أو ليس الله بكاف عباده بما أنزل من الذكر. ألا إن الذكر الحكيم ليغني عن كل ذكر، ألا وإنه كاف عباد الله جميعاً الآن وفيما سلف وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ليس في قضية كقضية الليل والنهار بل في كل شأن يعنيهم من شؤونهم في الدنيا وفي الآخرة وفيما قبل ذلك وفي غير شؤونهم مما يزخر به ملكوت السماوات والأرض ومما خلق من شيء وعلم سبحانه وتعالى أنه يتوجب علينا العلم به بحسب عقولنا التي خلقها تبارك وتعالى بعلمه ومشيئته. { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .} (الأعراف 203، 204).

فذلكم الصيام كما فرضه الله تبارك وتعالى في كتابه وبّين أحكامه تفصيلاً لكل شيء، وكما يجب الصيام في شهر رمضان فإنه يجوز نفلاً في غيره لمن يشاء سواء تصادف ذلك مع يوم جمعة أو مع يوم عيد ولا نجد الصيام محرماً على صائم أن يفرضه لربه إلا عند اليهود (كانت يهوديت قد بقيت أرملة ثلاث سنين وستة أشهر، وكانت قد هيأت لها في أعلى بيتها غرفة سرية وكانت تقيم فيها مع جواريها وتغلقها، وكانت تصوم جميع أيام حياتها ما خلا السبوت ورؤوس الشهور وأعياد آل إسرائيل- سفر يهوديت الفصل الثامن) فالذين يحرمون صيام الجمع والأعياد إنما يضاهؤون قول الذين هجروا التوراة من بني إسرائيل واتبعوا أهواءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وكذلك فقد أغنانا الله بكلماته التامات عما سواه، ومع ذلك فقد جاء في تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك (عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان) ذلك لمن يستيقن بغير قرآن.

ولا يفوتنا أن نذكر بأنه إذا غربت الشمس فقد وجبت صلاة الدلوك متصلة إلى غسق الليل –كما رأينا في باب الصلاة- عملاً بقوله تعالى { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } أما صلاة (التراويح) فهي من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل من رمضان وغير رمضان ثلثه أو نصفه أو ثلثيه إلا قليلاً قرة عين للصائمين من قبل أن يفطروا ومن بعد رحمة من ربك إنه هو العزيز الرحيم، ولم تعرف صلاة ( التراويح ) إلا في عهد عمر بن الخطاب لما جاءه رجل يحدثه عن قوم إبتدعوا صلاة من بعد صلاة العشاء في رمضان ، فأجازها عمر بقوله : نعم البدعة هي!. { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } (هود 114) لا نعلم أطرافاً لليل من المشرق ولا من المغرب، وإذا كان الفجر هو طرف النهار من المشرق فإن الشفق هو طرف النهار من المغرب، فهو من النهار بدلالة هذه الآية الكريمة ولا يجوز الفطر إلا في الليل من بعده.

وكما رأينا من هجر آيات الله في الحج وفي إقامة الصلاة وفي صوم رمضان وكما سنرى في مواضع كثيرة أخرى مما أوحى إلينا من كتاب ربنا لا مبدل لكلماته، فإن المؤمن يستمسك بكتاب ربه ويرجع إليه لا يعدل عنه ولو اختلف فيه الناس جميعاً، لأنه يعلم أنهم لن يغنوا عنه من الله شيئاً وأن الله هو الولي الحميد.

أما الذين يخالفون عن أمر ربهم بما أنزل عليهم في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلسوف يصدون عنه بما يألفوه من آبائهم وبما يجدونه في مذاهبهم مودة بينهم في الحياة الدنيا.

أولئك لا يفاضلون بين ما يألفونه وبين دعوة الحق ولو أنهم يفعلون لرجحت دعوة الحق على ما يألفونه من الباطل، ولكنهم يفاضلون بين ما يألفونه وبين الداعي وهو بشر مثلهم.

ويبين الله تبارك وتعالى هذه القضية في دعوة موسى وعيسى عليهما السلام { أم أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ .} (الزخرف 52) هكذا عرض فرعون القضية على قومه مفاضلة بينه وبين موسى وليست مفاضلة بين الحق والباطل.

وقال الملأ من قوم عيسى { أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } (الزخرف 58) وكذلك يعرضون القضية على قومهم خياراً بين آلهتهم التي يألفونها وبين عيسى وهو بشر مثلهم وليست خياراً بين الحق والباطل.

إن هؤلاء وأولئك يعلمون أن عرض القضية على هذا النحو يرجح كفتهم على حساب الحق، لأن الناس لا ترجح البشر على ما يألفونه مما وجدوا عليه آباءهم { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ .} (الزخرف 22) وأولوا الألباب يستمسكون بالحق بصرف النظر عن الرجل الذي جاءهم به ولو لم يكن عظيماً في إحدى القريتين، ويقولون للذين يجادلون بالباطل قول الحق من ربهم { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ .} (فصلت 52).

*   *   *

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } (التوبة 39).

التزامات الأشهـر الحـرم

جاء في (نزهة المجالس) لعبد الرحمن الشافعي، الجزء الأول، صفحة 170 : إن رسول صلى الله عليه وسلم دعى إلى التكبير (للفطر من ليلته –أي ليلة عيد الفطر- إلى أن يحرم بصلاة العيد) وفي هذا دلالة على أن شوال هو أول الأشهر الحرم وبه يحرم المسلم حيثما يكون في أرض الله.

بظهور هلال شوال يفطر الصائمون ويستقبلون الأشهر الحرم وهي أربعة سبق تحديدها في حديثنا عن الحج وعن الصوم وهي شهور شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، وفي هذه الأشهر الحرم يبدأ صيام آخر يكبح فيه المسلمون جماعاتٍ وأفراداً جماحهم عن الظلم والعدوان.

وتجدر الإشارة إلى أن الله تبارك وتعالى نسخ بآية الشهر الحرام ما كان عليه العمل عند بني إسرائيل من آية اليوم الحرام { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .}، (البقرة 106) فُرض على بني إسرائيل يوم حرام كل أسبوع { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً .}، (النساء 154)، {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ.} (البقرة 65، 66) هذا هو اليوم الحرام كان آية لبني إسرائيل وأصاب الذين اعتدوا منهم في هذا اليوم أخسأ الجزاء في الحياة الدنيا أن جعلهم الله قروداً خاسئة، ونسخت هذه الآية بالقرآن الكريم فجاء الله تبارك وتعالى بخير منها أربعة أشهر حرم متصلة بتواصل أهلتها {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } (التوبة 36).

إن الله تبارك وتعالى من فضله على الناس جعل مكاناً آمناً وجعل زماناً آمناً، فأما المكان الآمن فهو مكة بحدودها المعروفة حول المسجد الحرام { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .} (النمل 91) { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .} (القصص 57) { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ .} (العنكبوت 67)، وأما الزمان الآمن فيبدأ بهلال شوال وينتهي بهلال صفر، أربعة أشهر حرم يأمن فيها الناس ظلم بعضهم بعضاً ويخلد كل منهم إلى الاطمئنان فتصفو أذهانهم وتلين قلوبهم ولعلهم يألفون الأمن ويتذوقون نعمته ويدرك كل منهم أنه حارس أمين على أمنه بقدر ما هو حارس أمين على أمن أخيه الإنسان من نفسه.

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } (البقرة 217).

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }(التوبة 36).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .} (المائدة 1، 2).

أولاً ـ القتال :

الحديث عن القتال في الإسلام يقتضي من الباحث أن يستنبط أحكام الحرب والسلم من القرآن الكريم، وهو أمر يستوجب دراسة مستفيضة نكتفي منها بالمبادئ العامة ومن خلال هذه الدراسة فليس من العسير على الباحث أن يستنبط التفصيلات مما سيرد في هذا الصدد من آيات الله البينات مكملة بأخواتها، وليس فيما نورده ولا فيما أوردناه من قبل اجتهاد في القرآن الحكيم ولا تفسير له وإنما هو تدبر ونظر في آيات الله والتزام بها واستنباط منها.

ونتساءل أولاً عن العدو الذي أذن الله للمسلمين بقتاله، الأصل في القرآن أنه لا يجوز قتل النفس –أي نفس سواء كانت نفساً مؤمنة أم نفساً كافرة أم حتى مشركة- إلا بالحق { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً . } (الإسراء 33). هذا هو حق الحياة في القرآن الكريم يحفظه الله لكل نفس لا تستباح حرمته إلا بالحق الذي بيّنه المولى عز وجل في القرآن تفصيلاً.

ثم نتساءل عما إن كان من هذا الحق أن يرفع المسلم السلاح على غير المسلم حتى ينطق بالشهادتين. يا طالما شنف المؤرخون آذان المسلمين بأخبار ما أسموه بالفتوحات الإسلامية في الشام وفي العراق وفي مصر وفي المغرب وفي الأندلس وغيرها، ويا طالما طرب المسلمون وهم يستمعون إلى أنباء خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص والقعقاع وطارق بن زياد وغيرهم. ولن نكلف أنفسنا مشقة البحث في هذا الركام كله أو بعضه ولكننا نرفضه جملة وتفصيلاً. وجاءني صاحبي يقول لي إنه ليس من حق أحد أن يتصرف في تاريخ أمة فأمسكت عن الرد عليه، حتى كنت في زيارته يوماً في بيته وجعل يشكو من حكومة مستبدة تسلطت على بلاده ثم جاءته ابنته وسألته أن يمدها بعناصر موضوع إنشائي كلفت بكتابته عن هذه الحكومة ذاتها فبدأ يمدها من أخبار هذه الحكومة بعناصر العظمة والثناء والمجد حتى إذا ما انتهى وانصرفت ابنته لتسجل ما زودها به أبوها قلت له : هل تؤمن بما رويت لابنتك، قال : وهل تريد لها أن ترسب في الامتحان، قلت : فهذا تاريخ تعيشه وتعرفه وترضى لنفسك أن تزيفه بنفسك فما بالك بتاريخ لم تعشه ولم تعرفه.

ثَم مبدأ عام مطلق جاء به القرآن الكريم وفرضه على المسلمين بقوله تبارك وتعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .‏ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .} (البقرة 256، 257)، ولا يقبل في التاريخ ولا في المنطق من القول أن يكون السابقون الأولون قد خالفوا هذا المبدأ العام وجاؤوا بنقيضه على نحو ما يرويه- المؤرخون، فالله تبارك وتعالى يقول وقوله الحق { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }، ثم يتبع هذا المبدأ العام المطلق والأساس الفكري العظيم بالسبب الذي بني عليه فيقول وقوله الحق { قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ }، فبعدما يتضح الرشد من الغي وتقوم الحجة بالمنطق والبيان وبأحسن الحديث يبدأ الاختيار لأولي الألباب { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} .

وثَم مبدأ عام مطلق آخر جاء به القرآن الكريم وفرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بقوله تبارك وتعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .} (النحل 125) - { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ.} (العنكبوت 46، 47) وهكذا يبين الله كيف تكون الدعوة إلى دينه تبارك وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدل بالتي هي أحسن. والحكمة هي ما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً } (الإسراء 39) والموعظة الحسنة هي بما أنزل علينا من الكتاب والحكمة {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (البقرة 231). وليس أحسن حديثاً من الجدل بالقرآن {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ .} (الزمر 23) وهكذا فإن الدعوة إلى دين الله إنما تكون بالقرآن الكريم ولا تكون بغيره أبداً لا تكون بالسيف مطلقاً ولا تكون بغير قرآن أبداً { تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ . وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ .} (الجاثية 6-11).

ولكي نؤكد هذه الحقيقة فإننا لن نسترشد بالمشككين في الأحداث التي يقدمها التاريخ الإسلامي – وهم كثر بفضل الله تبارك وتعالى – بل نرجع إلى أشد المتفائلين من الذين يحسنون الظن بهذا الركام التاريخي ويتصدون للدفاع عنه.. يتفق جمهور الفقهاء على أن تدوين هذا الركام إنما بدأ في أواسط القرن الثاني الهجري، فلقد ورد في تذكرة الحفاظ للذهبي وفي النجوم الزاهرة لابن تغري بردي وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي أنه في السنة الثالثة والأربعين بعد المائة شرع علماء الإسلام في التدوين فصنف ابن جريج بمكة ومالك بن أنس الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام ومَعْمَر باليمن وصنف ابن إسحاق (المغازي) وهو المصطلح العلمي عندهم لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي، وأجمع جمهور الفقهاء على أنه من قبل ذلك كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف غير مرتبة..

ولنا أن نتساءل عن قيمة تاريخ بدأ تدوينه بعد مائة عام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يزيد.

ولقد نعلم أن عبد الله بن عباس رحمه الله كان أهم مراجع العلماء جميعاً سواء في التاريخ الإسلامي أو الحديث أو الفقه، والحقيقة التي يثبتها ابن سعد في الطبقات أن ابن عباس رحمه الله لم يترك كتباً بل نقل عنه التلاميذ والموالي.. ومن عجب أن ابن سعد يروي في طبقاته أن ابنه علياً رحمه الله كان إذا أراد شيئاً من علم أبيه كتب إلى كريب بن أبي مسلم مولى أبيه ابن عباس رحمه الله ليبعث إليه بصحف أبيه فلا يبعث بها إليه بل ينسخ نسخة منها يرسلها إليه ويحتفظ بالأخرى.. فأي علم هذا الذي يحتكره الموالي ويحجبونه عن الأبناء، ومن أين لنا أن نستوثق أن كريباً هذا كان أميناً فيما ينسخه أو أنه كان صادقاً فيما كان يرويه.

وجاءت قوائم أسماء الصحابة الذين نتباهى بهم اليوم والذين يتخذون مكانهم في العناوين الكبرى لأسفار الأساطير من مولى بني خطمه شرحبيل بن سعد المتوفي سنة 123هـ، ويجمع العلماء أنه متهم فيما يرويه من الأساطير ورفض ابن إسحاق والواقدي وابن سعد أن يعتمد رواياته. ومع ذلك لم تأتنا قوائم أسماء الصحابة إلا عن طريقه.

وسيف بن عمر التميمي ويسمى في بعض الروايات الضبي الأسدي توفي سنة 180 هـ لم يترك كتباً بل روى عنه كتابان أحدهما عن (الردّة والفتوحات) والآخر عن (الفتنة وحديث الجمل).. ولا يثق أكثر العلماء فيما نقل عنه إلا الطبري فقد نقل عنه في أكثر من ثلثمائة موضع.. ومع ذلك فقد وصلت إلينا عن طريق الضبي هذا أحاديث عروة عن عائشة.

وأول من كتب في السيرة النبوية – حسبما أثبته المتفائلون بهذا الركام - هو محمد بن إسحاق، ولد سنة 75 هـ كان جده يسار من أول من وصل إلى المدينة من سبي الفتوح.. ويروى أن الإمام مالك بن أنس ناصبه العداء واتهمه بالدجل.

وترد كثير من الروايات التي جاء بها الطبري والكسائي وابن إسحاق وابن قتيبة والمسعودي والمقدسي إلى وهب بن منبه اليماني، ويذكر المستبشرون بهذا الركام التاريخي أن وهباً هذا كان قد تلقى العلم عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وتأثر بما قرأه من كتب أهل الكتاب فجاءت رواياته أقرب إلى الأساطير وأشد تأثراً بالقصص اليهودي.. ورغم أن العلماء لا يثقون به إلا أن اعتماد ابن إسحاق وابن قتيبة والمسعودي والمقدسي والطبري والكسائي على رواياته جعل ابن منبه هذا من أكبر النوافذ التي تسلل منها الفكر اليهودي إلى المسلمين.

وعاصم الذي تنسب إليه أكثر روايات الحديث هو عاصم بن عمرو بن قتادة توفي سنة 119 هـ. إن عاصماً هذا هو نفسه الذي يروى العلماء أنه رحل إلى دمشق يَلتمس المعونة من ملوك بني أمية، واشتهر بتورطه في الديون حتى تدخل الخليفة عمر بن عبد العزيز فقضى دينه وأمره أن يجلس في مسجد دمشق ليحدث الناس (بالمغازي) وبقى في دمشق حتى انقضى القرن الهجري الأول ثم عاد إلى المدينة ليصبح فيها – حسبما يقولون - من الرواة الثقاة بعد قرن كامل من هجرة رسول الله r.. ويروي العلماء أن جده قتادة شهد بدراً وكان يحمل لواء قبيلة بني ظفر في حنين، ولكن شيئاً من ذلك لا يعطي عاصماً الحق في أن يروي في الدين غير الحق إن كان قد روى شيئاً.

وأبو روق عطية بن الحارث الهمداني.. يذكر ابن النديم أنه كان من موالي الزبير بن العوام وأنه كان من تلاميذ الشعبي.. ولم يترك أبو روق هذا كتباً ولكننا نجد رواياته في أسفار الطبري وبصفة خاصة في حوادث عثمان.. وينسب إلى أبي روق هذا أكثر ما يروى عن عبد الله بن سبأ وأكثر ما يروى عن أبي ذر الغفاري كما ينسب إليه الكثير من حوادث الجاهلية وكثير من الإسرائيليات.

والشعبي توفى سنة 105 هـ، هو أبو عمرو بن شراحيل ولد في الكوفة وفر إلى المدينة هرباً من المختار الثقفي.. توطدت علاقته بعبد الملك بن مروان وعينه عمر بن عبد العزيز للقضاء.. لا يختلف العلماء في أنه إنما تلقى علومه عمن أسلم من أهل الكتاب.. وكذلك لا يختلف العلماء في أنه اشتهر بما روى من الإسرائيليات سواء في الفقه أو في التفسير.. ولا نستطيع أن نظلم الرجل فإنه لم يترك من بعده كتباً وإنما نقل الأتباع والتلاميذ فقهه وتفسيره حتى أثبتها الطبري في مباحثه في مواضع عديدة من أسفاره.

وأبو معشر السندي توفي سنة 170 هـ، اسمه الأصلي عبد الرحمن بن هلال.. يروي العلماء أنه اختطف من موطنه في السند وبيع في المدينة وسمي فيها باسم نجيح ثم اشتهر بأبي معشر وحرر نفسه من الرق بالكتابة توطدت علاقته بالخليفة المهدي، ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل.. أنه قال كان أبو معشر بصيراً (بالمغازي) وينقل عن أبي معشر هذا فيما رواه من الأساطير كل من الواقدي والطبري وابن سعد.

والهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الثعلي توفي سنة 207 هـ، يروي العلماء أنه كان ضعيف النسب وأنه كان يناصب الناس العداء وأن جاريته قالت إنه إذا أصبح جلس يكذب.. هجاه كل من أبي نواس ودعبل الخزاعي.. يذكر ابن النديم أنه ترك أكثر من خمسين كتاباً وأيده في ذلك ياقوت في معجم الأدباء، ولعل أهم هذه الكتب فيما يرويه ابن النديم وياقوت كتاب تاريخ الأشراف الكبير.. فجاء كتاب أنساب الأشراف للبلاذري على منواله، واعتمد الطبري على ما جاء به الهيثم الثعلي هذا من الروايات عن الأنبياء والراشدين والأمويين وبعض العباسيين.

وفجأة وبدون جسور تاريخية أو مقدمات منقولة أو وثائق مأثورة ينسب إلى البخاري مصنف ضخم بعنوان (التاريخ الكبير) نقرأ في ثمانية مجلدات منه ترجمة لنحو من أربعين ألف رجل وامرأة من رواة الحديث.. كيف تعرف عليهم.. أين قرأ لهم.. متى سمع عنهم..

لا نجد جواباً شافياً على شيء من ذلك عند العلماء.. لقد ولد محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي سنة 194 هـ، وتوفي سنة 256 هـ، ويذكر العلماء أن جد أبيه كان إيرانياً وكان مولى لبعض ولاة بخاري وأنه تجول في مكة والمدينة ومصر ثم توفي في قرية قريبة من سمرقند.

وينسب إلى الطبري أنه جاء ليقذف بكل هذا الركام التاريخي وليتبوأ مكانه في قمة المؤرخين الذين أرخوا في الإسلام.. هو محمد بن جرير الطبري ولد سنة 225 هـ، وتوفي سنة 310 هـ، درس على الرازي ورحل إلى بغداد وطاف بالبصرة والكوفة والشام ومصر ثم عاد إلى طبرستان واستقر في بغداد.. ولا نجد صعوبة في مصادره التي نقل عنها فقد تضمنتها أسانيد أخباره، وإنما يعنينا فضلاً عما سبقت الإشارة إليه من مصادره أنه يرجع في تاريخ الرسل والأنبياء إلى سيرة ابن إسحاق وإلى كتب وهب بن منبه، ويستند إلى كتب اليهود وإلى التوارة فيما رواه من تاريخ اليهود، وأخذ السيرة النبوية عن كثير منهم عروة بن الزبير وابن إسحاق، واعتمد علي سيف بن عمر فيما رواه عن حديث الجمل.. ويلاحظ أنه أسرف في رواية تاريخ ما قبله، ولم يرو من أحداث عصره الذي عايشه وشهد عليه إلا قليلاً.. وكأنه بذلك كان أول من أدرك مهمةَ المؤرخ المحترف.. أن يضرب في الغيب وأن يكتم الشهادة.. وكان أصدق ما يقول عندما قال : إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا.. هذا إن كان قد قاله فعلاً.

ولعل أخطر ما أحدثه الطبري أنه أغنى الناس عمن سواه، فهجر الناس في عصره كل مؤلف غيره، وعكفوا عليه باعتباره موسوعة جامعة لكتب السابقين ومعارف الأولين.. وأصبح وما يزال أخطر وصي في الدين.. وإنما العالم من فتح أبواب المعرفة للناس ليبحثوا فيها ويجادلوا عنها ولم يغلق عليهم شيئاً من أبوابها..

وكان لتاريخ الطبري أو موسوعته التاريخية تاريخ عجيب.. ترجم لأول مرة إلى الفارسية في القرن الرابع الهجري بأمر من الأمير أبي صالح السماني.. وترجمت النسخة الفارسية إلى التركية في العهد العثماني ودونت هذه الترجمة في الأستانة سنة 1260م.. وترجمت كذلك من الفارسية إلى الفرنسية وطبعت في باريس سنة 1874م. فلما جاء ميقات طبع نسختها العربية الأصلية لم تكن هنالك نسخة واحدة كاملة في أي مكتبة من المكتبات، فأقبل المستشرقون على جمعها من مكتبات متفرقة وقذفوا بها إلى المطابع في سنة 1879م، ثم شكلت لجنة برئاسة دي جويه وعضوية كل من نولدكه وجويدي ومولر لإعادة طبعها في سنة 1897م. وكذلك ألقى المستشرقون تاريخ الطبري أو موسوعته التاريخية من جهالة الغيب فتلقفتها مطبعة الحسينية في مصر فأخرجتها إلى الناس في سنة 1920م. ولنا بعد ذلك أن نتساءل إن كان الطبري رحمه الله هو الذي كتب تاريخ الطبري...

وما حاجتنا إلى هذا الركام التاريخي والفقهي الذي يضرب في الغيب بغير بينة ظاهرة أو دليل قاطع أو سلطان مبين، وقد حفظ الله لنا كتابه تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين. والله حفظ لنا كتابه مسطوراً من أول قوله تعالى { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ . الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} في سورة الفاتحة إلى آخر الناس. والجدير بالذكر أن { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ هي آية ورد ذكرها في القرآن مرة واحدة في بداية كل سورة ما عدا سورة التوبة، ومرتين في سورة النمل، ويجب تلاوتها في موضعها من القرآن، فلا نتجاوزها ولا نفاضل بها، فكل من عند الله لا مبدل لكلماته.

ومن المصاحف ما يلتزم بذلك فلا يجعل لهذه الآية سطراً مستقلاً، بل يدمجها في السورة فيتبعها بالآية التالية، ومن ذلك المصحف المحفوظ بالمتحف البريطاني برقم (ب 468.ف.1401.أر) وهو من المصاحف المصرية المدونة في القرن الرابع عشر الميلادي، فتقرأ السطر الأول من سورة التكوير على سبيل المثال على النحو التالي { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ. إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . }. وجاء في كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين لأبي شامة : (إنه عند سقوط الدولة الفاطمية أقام صلاح الدين الأيوبي البيع في القصر الفاطمي، ومما بيع خزانة الكتب وكانت من عجائب الدنيا لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ومن عجائبها أنه كان بها عشرون ومائتان وألف نسخة من تاريخ الطبري). إن النسخة المعتمدة اليوم في مكاتبنا لتاريخ الطبري هي من إخراج المستشرقين، وهم يمنون علينا صراحة أنهم هم الذين أخرجوها لنا من جهالة الغيب من نسخ قليلة متفرقة، فأين ذهبت عشرون ومائتان وألف نسخة من هذا التاريخ يقال إنها بيعت من تلك الخزانة بعد سقوط الدولة الفاطمية.

ومن قبل الطبري أخرج المستشرق الفرنسي باربييه دي منار (مروج الذهب) لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي في سنة 1861 في تسع مجلدات اعتماداً على ثلاث مخطوطات محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس، إحداها نسخة كاملة جيء بها من القسطنطينية من 832 ورقة بقلم خطاط يدعى محمد بن أحمد البندري انتهى من نسخها سنة 1120هـ والثانية نسخة من 137 ورقة بقلم خطاط يدعى إبراهيم أبو اليمن نسخها سنة 974 وأعرض دي منار عن النسخة الثالثة بمقولة أن أخطاءها جسيمة ونواقصها لا تحصى، واعتمدت دار الأندلس في نشر هذا الكتاب على الطبعة التي أخرجها هذا المستشرق الفرنسي.

وكتاب (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان) لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان المتوفي سنة 681 هـ وجده المستشرق فردينند وستنفيلد في خمس مخطوطات إحداها في ليدن واثنتان في غوطا والأخريان في برلين، ولكنه اعتمد نسخة غوطا بخط المدعو أبي الرحي الإسرائيلي في سنة 693 هـ، وكان هذا الإسرائيلي قد نقلها من نسخة يملكها القاضي علاء الدين!؟ ثم أخرجته دار الثقافة في بيروت بتحقيق الدكتور حسن عباس الذي أقر صراحة أنه اعتمد على طبعة المستشرق وستنفيلد.

وسواء علينا أصحت رواية التاريخ أم لم تصح فليس هذا مما يعنينا في قليل أو كثير، بل الخطأ والخطر أن نأخذ من رواية التاريخ في ديننا ما لا يستقيم مع الوحي الذي أنزل علينا بكتاب ربنا مما قد يضيف إليه ما ليس فيه أو ينقص منه ما أحكمت آياته أو يتعارض مع بيانه وتفصيله وتفسيره.

مثال ذلك ما رواه المؤرخون أن عمر بن الخطاب رأى في الأسرى خلاف ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فأنزل الله قوله تعالى { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . } (الأنفال 57) ، وظاهر الآية يدل دلالة واضحة على أنه لا ينبغي للمسلمين أن يكون لهم أسرى إلا وفق ما بيَّنه الله بقوله تعالى { فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }، (محمد 4)، وأن الأسير يُطعم ويُؤى ويُمَنُّ عليه بإطلاق سراحه ولا يُمسك إلا ليفتدى به المسلمون أسيراً مسلماً، فإذا وضعت الحرب أوزارها انطلق الأسرى جميعاً أحراراً في أرض الله بحكم القرآن. ولكن كتب المؤرخين التي أخرجها أولئك المستشرقون –بما في ذلك سيرة ابن هشام التي أخرجها جتنجن سنة 1860- تقول إنه لما نزلت تلك الآية من سورة الأنفال أقبل عمر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان بكاءً مراً، فسألهما عن ذلك فقالا لولا رحمة الله لهلكنا جميعاً ولم ينج إلا عمر الذي رأى تقتيل الأسرى حتى لا يبقى منهم في أيدي المسلمين من أحد أبداً. هذا في كتب التاريخ مما يتعارض مع نصوص القرآن ويضع في الدين خلاف أحكام الله البينات، ولو صدق المؤرخون فيما يرونه في شأن الأسرى فلماذا أُمر رسول الله أن يقول للأسرى قول الحق من الله تبارك وتعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .}، (الأنفال 70) وهل مثل هذا القول الكريم الذي يفتح أبواب التوبة والرحمة والمغفرة يُقال لقوم قَضى بقتلهم تقتيلاً، ولقد اتفق الفقهاء حسبما جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية أنها آية محكمة، وليست منسوخة، وإنما اختلفوا في دلالتها فقال : قال ابن جريح أنها أنزلت في أسر العباس عم الرسول، وقال السدي بل إنها تُفسر على العموم، وهذا هو ما يرجحه ابن كثير لأنه كما يقول في تفسيره أشمل وأظهر.

وحتى ولو كان المستشرقون أمناء فيما أخرجوا لنا من كتب التاريخ الإسلامي، فإن كثيراً من اليهود ومن النصارى قد شاركوا في تدوين هذا التاريخ مع بقائهم على مللهم. فإذا علمنا أن هؤلاء من أمثال عمرو بن متى وأبي صالح الأرمني وابن الراهب وأغابيوس المنبجي وابن شرارة وابن مماتي وابن جرير وابن العبري- قد ظهروا في فترة مبكرة من ظهور التدوين التاريخي في عهد العباسيين والفاطميين لأدركنا ما كان لهم من الخطر على هذا التاريخ.

لذلك فإنه ينبغي لنا أن نعيد النظر فيما يسمى بالتاريخ الإسلامي كله وأن نتناوله برمته بالفحص والتمحيص، وللمسلمين في ذلك ثلاثة مواقف :

(أولاً) : أن نرفضه كله جملة وتفصيلاً ونريح أذهاننا من هذا العناء وهو ما اقترحه وأفضله، ويكفينا من سيرة الرسول وأصحابه ما أثبته القرآن.

(ثانياً) : أو نقبله وفي هذا الحالة لا أرى إلا أن يكون السابقون الأولون قاتلوا دفاعاً عن النفس أو عن الديار أو عن الدين أو بالحق وهو ما أجيز لهم بالقرآن حتى انتهى بهم المطاف إلى هذه الفتوحات وهو ما لا نجده فيما توارثناه من أسفار هذا التاريخ، أو أنهم رضوان الله عليهم جميعاً قد دعوا من أهل الأقطار التي فتحت عليهم لحكمها بدين الله القيم وما جاء به من المبادئ الإنسانية الراقية والأخلاق القويمة الفاضلة بغير حرب وهو ما لا نجده في هذه الأسفار أيضاً.

(ثالثاً) : أن يصر بعد ذلك من يشاء على قبوله على ما هو عليه وهذا ينتهي بصاحبه إلى نتيجتين – الأولى - أن السابقين الأولين خالفوا دين الله وتركوا الدعوة إلى الله بكتابه وخرجوا بسيوفهم لإكراه الناس في الدين – والثانية - أن هذا الدين الحنيف لا ينتشر بالحجة والعقل كما ينتشر بالدم والسيف، وهذان افتراءان لا يجوز أيهما لا على الدين الحنيف ولا على السابقين الأولين في شيء ولا يستقيمان مع ضوابط الحكمة والموعظة الحسنة بالقرآن الكريم.

ومن خلال ما شنف به المؤرخون آذان المسلمين وما طرب له المسلمون من سماع رواياتهم تناسوا أنه لمما يسيء أشد الإساءة لهذا الدين ولأهله أن يكون المسلمون مقاتلين بهذه القوى الصاعقة، الأمر الذي صيغ في تلك الروايات بأسلوب باطنه العذاب لهذه الأمة التي يأتمنها الله تبارك وتعالى على كتابه، فهو يصمها بالروح الدموية والتعصب والمسارعة في القهر والأسر، وينفر الأمم الأخرى من المسلمين ويدعوها إلى النفير لقتالهم دفاعاً عن أرواحهم وأعراضهم وأولادهم وأموالهم ومعتقداتهم.

بدأت الأمم تستنفر أبناءها وتتحد فيما بينها لسحق المسلمين الذين يستبيحون لأنفسهم قتل غير المسلمين بغير الحق، وما كان للمسلمين أن يعرفوا لهم ديناً غير القرآن وما كان لهم حق إلا بالقرآن بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه ما كان ليعرف من الدين شيئاً إلا بما أوحى إليه من آيات الذكر الحكيم { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ .‏} (الشورى 52، 53).

ليس من تكاليف الإسلام فيما نقرأ من كتاب ربنا أن يقاتل المسلم أحداً أو يرفع السلاح على أحد بغير الحق، بل المسلمون مطالبون بأن يأخذوا حذرهم وأن يكونوا دائماً على استعداد لرد العدوان عن دينهم وعن أنفسهم وعن ديارهم.. وأكثر من ذلك فإن القرآن ليحبب للمسلمين أن يبروا غيرهم وأن يقسطوا إليهم ما داموا لا يقاتلونهم في الدين أو يخرجونهم من ديارهم { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.}، (الممتحنة 8، 9). وإلى هذا الحد من المبادئ الإنسانية السامية التي لا يتسنى لبشر أن يدركها بغير قرآن يضع الله سبحانه من رحمته ومن فضله للناس قواعد ثابتة لا مبدل لها لحق الإنسان في الحياة وحقه في حرية اختيار ما يشاء لنفسه ويقر له فوق ذلك بحق ثابت في البر وفي القسط ما بقى آمناً مستأمناً لا يبادر المسلمين بعدوان.

المسلمون مطالبون بالاستعداد لرد العدوان فإذا اعتدى عليهم وجب عليهم أن يقاتلوا حتى يكف المعتدون أيديهم عنهم، فإن كف المعتدون أيديهم وجنحوا للسلم وجب على المسلمين أن يكفوا أيديهم ويجنحوا لها { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ . وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لْعَلِيمُ .‏ }(الأنفال 60، 61).

والقوة في هذه الآية الكريمة هي أداة الحرب والخيل تعبير عن وسائل المواصلات، وتتطور الحرب ما شاء لها الله أن تتطور ولا تخرج في شيء عن أن تكون أداة حرب لقهر العدو ووسائل مواصلات في البر أو البحر أو الجو أو عبر الأثير. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها والفاء في قوله تعالى { فَاجْنَحْ لَهَا } هي فاء التعقيب والترتيب التي تقتضي حدوث ما بعدها فوراً وفي الحال، فإنما يكتب على المسلمين القتال إذا اعتدى عليهم المعتدون، فيجب في هذه الحالة الخروج لقتالهم والنفير لرد عدوانهم بما في أيدي المسلمين من الاستعدادات، فإذا كف المعتدون أيديهم وجنحوا إلى السلم وجب على المسلمين عملاً بهذه الآية الكريمة أن يكفوا أيديهم وأن يجنحوا إلى السلم فوراً وفي الحال رغم أن المعتدين هم الذين بادروهم بالحرب أول مرة. هذا هو قانون الحرب والسلام في الإسلام، السلام هو شريعة المسلمين ولا يؤذن بالحرب إلا إذا أعلنها المعتدون، وهم إنما يعلنونها على قوم أخذوا حذرهم واستعدوا لها بأدواتها وسبل مواصلاتها يقارعون العدوان قتالاً بقتال حتى يجنح عدوهم إلى السلم طوعاً أو كرهاً فيجنح لها المسلمون من بعد. وكان ذلك في فقه القانون الدولي حكماً عجباً إنه تنزيل من رب العالمين يهدي إلى الرشد ويدعو إلى إعلاء القيم الإنسانية فيأمر بالبر ويضع الموازين القسط ويحض على الخير ويدعو إلى الصفح {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ . فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ .‏} (الزخرف 88، 89)، {فيما نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .} (المائدة 13) { إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ . وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ . خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ .} (الأعراف 196-199) { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (البقرة 109) تلك آيات الله لا اختلاف فيها نزلت بالخير من لدن حكيم خبير رحمة للعالمين وأولى الناس بالرحمة وبالخير وبالعفو والصفح هم الذين يتبعون ما أنزل الله ولذلك فرض عليهم السلام قانوناً ومبدأ حتى يُقاتَلوا، فإذا قوتلوا أو أعتُدي عليهم أُذن لهم بأن يقاتلوا لقهر العدوان لا لخرق السلام، فإذا ما تم لهم قهر العدوان وعاد السلام من جديد طوعاً أو كرهاً وجب عليهم أن يخلدوا إليه فهو مبدأهم منه ينطلقون وإليه يعودون.

{ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.}، (التوبة 5). اختلف الفقهاء في بيان هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً، ولن نخرج عما نلتزمه في هذه الدراسة من تجنب الخوض فيما يختلف فيه الناس من الكتاب ثم الرد على ما يختلفون فيه، بل نلتزم ببيان الآية بالآية من القرآن ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

إن من آيات الله الكبرى التي حفظ الله بها كتابه العزيز، أنك إذا فهمت الآية من القرآن خلاف الذي أراده الله بها، فإنك لا محالة مصطدم بآية أخرى كالذي يصطدم برأسه في الجبل الأشم. فإذا ترويت وصبرت وتأملت هذه الآية بتلك، وجاهدت في الله لا تستعين على كلماته سبحانه إلا به، ولم تصطنع الحيل كقولك آية نسخت أو غير ذلك من الأقوال التي لم ينزل الله بها من سلطان فعسى الله أن يبينها لك.

قالوا في هذه الآية إنها آية السيف التي نسخت آيات الرحمة والصلح والمحافظة على المواثيق، ومن هؤلاء أو على رأسهم ابن كثير والطبري مع أن الأخير قد أورد في تفسيره لقوله تعالى { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .} (الممتحنة 8)، إنها آية محكمة وإن الله لا ينهى المسلمين عن البر والقسط بمن يقف منهم موقف المسالمة والمحاسنة والحياد من آية ملة كانوا.

وقالوا في هذه الآية إنها خاصة بمن نقض عهده من المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الإسلام هو دين السلم والسلام الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام، فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها لا يعدل بها هدفاً آخر ومن هؤلاء الشيخ محمد دروزه في كتابه التفسير الحديث، ويتفق معه في هذا الاتجاه الشيخ رشيد رضا صاحب المنار الذي يرى أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعاً عن المسلمين وأن السلم واجبة في غير هذه الحالة.

وجاء آخرون بحل وسط بين الرأيين فقالوا بأن القاعدة هي الحرب بين المعسكر الإسلامي وغيره من المعسكرات قاطبة والاستثناء هو ما يكون من المهادنة بينهما، وفي الطليعة من هذا الرأي حركة الإخوان المسلمين.

وقبل أن نتناول مبادئ الحرب والسلام في القرآن الكريم نشير إلى ما جاء في الفصل الخامس عشر من سفر الملوك الأول لنقرأه ونتذكره وحسب (1- وقال صموئيل لشاول أنا الذي أرسلني الرب لأمسحك ملكاً على شعبه على إسرائيل فاسمع الآن قول الرب- 2- هكذا يقول رب الجنود قد افتقدت ما صنع عماليق بإسرائيل وكيف وقفوا لهم في الطريق عند خروجهم من مصر- 3- فهلم الآن واضرب عماليق وابسل جميع مالهم ولا تعف عنهم بل اقتل الرجال والنساء والصبيان والرضع والبقر والغنم والإبل والحمير- 9- وعفا شاول والشعب عن أجاج وعن خيار الغنم والبقر وكل سمين والحملان وكل ما كان جيداً ولم يحبوا أن يبسلوها ولكن كل ما كان حقيراً مهزولاً أبسلوه- 10- فكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً- 11- إني قد ندمت على إقامتي شاول ملكاً لأنه مال عن اتباعي ولم يقم كلامي- 12- فقال صموئيل أترى الرب يسر بالمحرقات والذبائح كما يسر بالطاعة لكلام الرب إن الطاعة خير من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش- 22- فقال شاول قد خطئت حيث تعديت أمر الرب وكلامك لأني خفت من الشعب وسمعت لصوتهم- 25- فاغفر الآن خطيئتي وارجع معي فاسجد للرب- 26- فقال صموئيل لشاول لا أرجع معك لأنك رذلت كلام الرب وقد رذلك الرب عن أن تكون ملكاً على إسرائيل).

مع هذا الذي نقرأه وغيره كثير مما يرويه اليهود من سحق الأمم الأخرى وحرق ديارها وقتل أبقارها وأغنامها، فإنه لعجيب أن نجد من اليهود ومن يضاهؤون قولهم من يرى الإسلام ديناً دموياً يؤسس بنيانه على سحق غير المسلمين وإهدار دمائهم ولا يستند هؤلاء ولا غيرهم في هذه الدعوة الباطلة إلى آيات الله البينات التي فرضها الله لعباده ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، بل يستندون عمداً أو جهالة إلى ما يصر عليه المؤرخون من أساطير ما أسموه بالفتوحات الإسلامية بغير بينة ظاهرة أو سلطان بيّن.

مشروعـية الحـرب

{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .} (الحج 39-41).

تضع هذه الآيات الكريمة القواعد التي يؤذن للمسلمين بالقتال على بينه منها، فهي تقرر بأن الذين يُقاتلون قد ظُلموا والله لا يريد الظلم بالعباد جميعاً لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة من أمن من هؤلاء ومن لم يؤمن { تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ .} (آل عمران 108) { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ .} (فصلت 46) فإذا بادر العدو بقتال المسلمين فهذا آذان لهم بأنهم قد ظلموا ومن ثم يتقرر لهم الحق في أن ينتصروا لأنفسهم بالقتال لدفع الظلم عنهم، والقتال في هذه الحالة وفضلاً عن أنه حق مشروع تقرر للمسلمين دفاعاً عن أنفسهم فإنه كتاب مفروض عليهم لا يقعد عن النهوض به إلا من أذن له الله بقرآن أو أذن له ولي الأمر في جماعة المسلمين {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ .} (البقرة 216).

والله يعد من هؤلاء الذين ظُلموا بالنصر أولئك الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهم عباد الرحمن ينصرونه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .} وهو تبارك وتعالى إنما يعدهم بالنصر إذا خرجوا دفاعاً عن ديارهم وأموالهم ودينهم { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِير}، ديار المسلمين جديرة بالحماية وهي أجدر ما تكون بالدفاع عنها باعتبارها الديار الحصينة التي يأمن فيها المسلم على نفسه ودينه وماله وعرضه ويشعر فيها بعزته كمسلم وكرامته كإنسان وهي قاعدة قابلة للاتساع بانضمام الديار الأخرى إليها سلماً أو حرباً، وإنما هي قاعدة تتسع حرباً عندما يقهر الآخرون على عدوان بادروا به المسلمين في ديارهم جزاء ما اقترفوا من العدوان.

يكون القتال مشروعاً للمسلمين إذا بادرهم المعتدون بقتال أو هموا بإخراجهم من ديارهم دفاعاً عن الدين وهو ما ورد التعبير عنه بقوله تعالى { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً } (الحج 40) الصوامع تعبير عن الخزائن التي يختزن فيها المسلمون أرزاقهم والبِيَع جمع بَيع وهو تعبير عن التجارة، وكلاهما تعبير عن المال والاقتصاد ويتطور الاقتصاد ما شاء له الله أن يتطور فلا يعدو في جوهره وحقيقته أن يكون تخزيناً للبضائع وتجارة فيها. وأما الصلوات فهي جمع الصلة وهي تعبير عن العلاقات بمفهومها الإنساني العام فتشمل صلة الإنسان بربه وصلته بوالديه وصلته بأبنائه وصلته بزوجه وصلته برحمه وذوى قرباه وأصدقائه وجيرانه وإخوانه المسلمين عامة وهي صلاة جديرة بالحماية والدفاع عنها، وأما المساجد فهي ندوة المسلمين وملتقاهم لذكر الله والتشاور في أمورهم العامة والخاصة وهي من هذا الوجه تعبير عن النظام في جماعة المسلمين، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة إن الصوامع هي معابد اليهود والنصارى والمجوس ، والبيع أوسع منها كما جاء في إبن كثير ، وهو أمر غير مفهوم في مساق هذه الآية !!

من اجل ذلك يؤذن للمسلمين بالقتال رداً لعدوان يهدد بالخطر ديارهم أو اقتصادهم أو علاقاتهم الإنسانية أو نظامهم، فإذا التزموا بذلك فلم يخرجوا للقتال طمعاً في غيرهم أو بغياً وعدواناً على الآخرين واخلصوا النية لله وقاتلوا انتصاراً لدينه وابتغاء مرضاته أمِنوا نصراً مؤكداً بما وعد به الله تبارك وتعالى { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ }ومن أصدق من الله حديثاً.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home