Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 10 August, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (21)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

موسى عـليه السلام

{ طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ .‏ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ . وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .‏} (القصص 1-13).

ولد موسى عليه السلام في عهد طغيان السلطة في مصر.. كان عهد العزيز قد انقضى بكل ما كان فيه من العدل والخير والإيمان، وجاء فرعون وهامان وجنودهما بالظلم والكفر والفساد.. ويشاء الله تبارك وتعالى أن يضرب المثل للنظم الفاسدة في مصر على عهد فرعون، تماماً كما ضرب فيها المثل الأعلى للنظم الصالحة في عهد العزيز.. ولا يعنينا اسم عزيز يوسف كما لا يعنينا اسم فرعون موسى في شيء، لا يعنينا إن كان هو خوفو أو خفرع أو امنحتب. وإنما يعنينا أنه لما كان النظام صالحاً في مصر فقد سمي رئيسها عزيزاً، فلما أصبح نظامها فاسداً فقد سمي رئيسها فرعوناً، فارعاً متعملقاً متجبراً في الأرض بغير الحق.

وكما هو الحال في كل النظم الفاسدة، فقد جعل فرعون شعبه شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم.. ليشيع الإرهاب في نفوس الناس كافة حتى يسهل عليه أن يستبد بأمرهم ويعلن نفسه إله عليهم.

ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فأراد سبحانه وتعالى أن يقذف هذا الباطل بالحق المبين. ولقد يعلم فرعون أنه لن يأتيه الخطر إلا من القوم الذين استضعفوا، ولذلك نجده قد عمد إلى تقتيل أبنائهم حذراً منهم. { وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ .} (الحشر 2).

ولد موسى في ظلال قاتمة من الطغيان، فأوحى الله إلى أمه أن تقذف به في التابوت فتلقي به في اليم ليحمله اليم إلى الساحل فيأخذه عدو الله وعدو موسى ليربى في عقر داره. وكذلك يهزأ الظالمون بآيات ربهم فانظر كيف يستهزئ بهم ربهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون.

إن حديث فرعون في الكتاب لم يكن مجرد حديث ظالم طغى في الأرض وأفسد فيها واستبد بأهلها، فنال جزاءه في الدنيا واستحق أشد العذاب في الآخرة، بل هو حديث السياسة الذي لا ينفد عطاؤه كلما فسد النظام وتسلط الطغيان. ويضع الله الموازين القسط فلا يبرم أمر بعيداً عن أعين الله، بل كل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. كان فرعون في الضلالة ومن كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً، ومن ورائه موسى عليه السلام وليداً يربى في بيته ليقيم عليه الحجة البالغة من رب الأرض والسماوات العلى، ولينذره من بين يديه عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة والله من ورائهم محيط.

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً .} (الكهف 60). كان موسى عليه السلام من أولى العزم، فإذا أراد شيئاً فإنه لا يبرح حتى يبلغه ولو كلفه هذا أن يمضي فيه حقباً. ولا ريب أن العزم وقوة الإرادة من الخصال الحميدة التي يصنع الله بها رسله وعباده الصالحين، وأوصى بها محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تبارك وتعالى { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } (الأحقاف 35). إلا أنه ينبغي أن يعلق العزم على مشيئة الله، ونسى موسى عليه السلام أن يعلق إرادته على مشيئة الله فبلغ مجمع البحرين دون أن يدرك أنه بلغ ما يريد، فجاوزه هو وفتاه بعد أن نسيا حوتهما ليعود من بعد ذلك إلى غايته حين يشاء الله له أن يعود. { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً .‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً . قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً . قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً . }(الكهف 61-64).

لما بلغ موسى عليه السلام غايته أدرك أنه لا يبلغ ما يريد إلا أن يشاء الله، بل إنه قد يبلغ غايته فلا يدرك منها شيئاً فيتجاوزها ويظل يضرب في سبيله سرباً، فإذا شاء الله له أن يبلغ ما أراد جعل له من أمره سبباً ليرتد على آثاره قصصاً ولا شك إنه قد تعلم هذا الدرس العظيم فنراه عندما حذره صاحبه من إتباعه يقول له عليهما السلام { قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً . }(الكهف 69). وكذلك يصنع الله موسى على عينه وليكون من المرسلين، وكذلك يعظ الله عباده المؤمنين بقوله تبارك وتعالى { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً . إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً .} (الكهف 23-24).

{ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً . قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً .} (الكهف 65-66). التطلع إلى الرشد والتعطش الشديد إلى العلم هما سبيل المؤمن إلى الارتقاء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، عندما التقى موسى عليه السلام بهذا الرجل الصالح أدرك من فوره أنه قد أوتي رحمة من عند الله وأن الله قد علمه من لدنه علماً، فتشبث به وتطلع إليه لعله يتعلم مما علم رشداً. والذين لا يتطلعون إلى الرشد لا يبلغون منه شيئاً والذين لا يجدون في أنفسهم تعطشاً شديداً إلى العلم لا يتعلمون إذن أبداً، وما كان لموسى عليه السلام أن يُصنع على عين الله لو أنه ظل قابعاً في قصر فرعون يتنعم فيه بمتاع الحياة الدنيا وزينتها، فتراه يركب الأسفار ويقبل مخاطرها ونصبها بحثاً عن العلم وتطلعاً إلى الرشد فيتبع الرجل الصالح ليعلمه مما علمه الله وليهتدي إلى أقرب مما بلغه من العلم رشداً. والرغبة الجامحة في العلم يقابلها واجب الإصغاء إليه والصبر عليه، فلقد تسمع الشيء ولا تعي منه شيئاً ولكنك إذا أصغيت إليه وصبرت عليه فلعلك بالغ ما لم يبلغه أحد من قبلك كما بلغ موسى عليه السلام من صاحبه ما لم يستطع عليه صبراً { قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً . فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً .} (الكهف 70-73). لا ضير أن يكون الإنسان محاوراً أو مجادلاً، أما الذين يصادرون على القول ويلغون فيه فأولئك لا يهتدون إلى الرشد ولا يتعلمون شيئاً. لذلك نجد موسى عليه السلام يسارع في الاعتذار ويسأل صاحبَه ألاّ يرهقه من أمره عسراً، ولو أنه قد أخذته العزة بالخطأ وأغلظ على صاحبه في الجدل لكانا قد تفرقا دون أن يظفر منه بشيء ولكنه الصبر على العلم والتواضع فيه { فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً .‏ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً . قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً .} (الكهف 74-76).

إن موسى عليه السلام لا يكتفي بالاعتذار بعدما تكرر الخطأ منه، بل إنه يبادر إلى أن يفرض العقوبة على نفسه إذا عاد من بعد إلى ما أسرف فيه. قمة التواضع في طلب العلم ومنتهى الصبر في التطلع إلى الرشد، فهل نجد في الذين يتعلمون القول من ربهم تواضعاً كهذا التواضع أو صبراً كهذا الصبر { فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً . أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً . وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً . فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً.} (الكهف 77-82).

وكذلك يتعلم موسى على أعين الله أن أفضل العلم ما كان لدفع الأذى.. وأن خير الرشد ما كان ينفع الناس في الأرض.. وأن للصالحين في ذلك سبلاً متعددة منها الضرر لدفع ضرر أكبر منه، كما فعل الرجل الصالح بسفينة المساكين خرقها ليصرف الملك الغاصب عنها.. ومنها التضحية بالنفس الخبيثة لإنقاذ نفس طبيبة، كما فعل بغلام يوشك أن يرهق أبواه طغياناً وكفراً.. وحفظ الرجل الصالح كنز اليتيمين بالبناء والعمل الصالح عندما أقام الجدار فوقه. وفي دلالة واضحة نجد أن الله سبحانه وتعالى يريد الإصلاح بالإصلاح. فقد أخذ الرجل الصالح على عاتقه مسؤولية خرق السفينة قال{فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} (الكهف79).

كما أخذ على عاتقه مسؤولية قتل الغلام قال: { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ } (الكهف 81).. وجاء خطابه في هذه الحالة بصيغة الجمع {فَأَرَدْنَ} دلالة على أن الأمر يقتضي عزماً شديداً أو حسما حكيماً، أما بناء الجدار ليحفظ كنز اليتيمين فقد رده إلى الله سبحانه قال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } (الكهف 82) رحمة الله وسعت كل شيء وهو على كل شيء قدير ولن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ليبلغه بلطفه وبرحمته. وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يشاء الناس لأنفسهم ما يريدون.. فمنهم من يشاء الخير ومنهم يشاء الشر وأذن الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين أن يقابلوا الشر بالشر ولكنه سبحانه قد حبب إليهم أن يتعالوا على الشر بالخير.. فإذا قاتلهم الناس ظلماً وعدواناً فقد أذن الله لهم أن يقاتلوهم فإن جنحوا للسلم فعليهم أن يجنحوا لها لأن السلم هو الخير الذي أراده الله لعباده كافة من آمن منهم ومن لم يؤمن على سواء.. وإذا أساء إليهم الناس فجزاء سيئة سيئة مثلها ولكن الله حبب إليهم أن يصبروا وأن يعفوا وأن يصفحوا ويردوا السيئة بالحسنة لأن الإحسان هو الخير الذي أراده الله لعباده كافة من آمن منهم ومن لم يؤمن.. الأصل أن يجنح المؤمن للخير في كل غاياته وفي كل وسائله لبلوغ هذه الغايات..

فإن ابتغى الخير وفعل الخير لبلوغه فقد فعل ما أراد الله { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } (الكهف 82) والاستثناء أن يلجأ المؤمن إلى الشر إذا اضطر إليه ليبلغ غاية صالحة، ولكن عليه أن يعلم دائماً أن الله إنما أذن له فيه استثناء وفي حدود الضرورة التي ألجأته إليه وأنه إنما يفعله على مسؤوليته ويقترفه على عاتقه لمواجهة هذه الضرورة وبأقل قدر من الشر وأن يرجع إلى الخير كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

فلما كشف الرجل الصالح لموسى حقيقة كنز اليتيمين فقد شهد له أنه على طريق الرشد والهدى، ولو أنه لم يكن قد استيقن ذلك لما كان قد كشف له هذه الحقيقة وأتمنه عليها.

{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ . وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .} (القصص 14-21).

إن موسى عليه السلام في هذه المرحلة الخطيرة من حياته لم يعد ذلك الفتى الذي يربيه فرعون في قصوره وتكفله أمه عليها السلام، بل إنه قد بلغ أشده واستوى وآتاه الله من لدنه حكماً وعلماً. لقد عاش السياسة في قصور الملك وبلغ مرحلة النضج من عمره وأوتي الحكمة والعلم وإذا اجتمعت هذه الأمور لرجل فإنها تجعل منه رجل سياسة ورجل دولة.

ولا غرو أنه عليه السلام بما أوتي من الحكمة والعلم قد تطلع إلى إصلاح ما يفسد فرعون في الأرض، فنراه قد أصبح على رأس جماعة تتشيع له ونرى أن هذه الجماعة كانت تعمل في الخفاء. فإذا دخل المدينة حرص على أن يدخلها على حين غفلة من أهلها حتى لا يشتبه في أمره أحد، فلما استغاثه رجل من شيعته على رجل من عدوه وكزه موسى فقضى عليه وشاع الأمر بين الناس حتى إذا أراد أن يبطش بعدو لهما، ذكره بمقتل الآخر وحذره من العنف الذي يوشك أن يجنح إليه، فعلم أن الأمر قد شاع بين الناس وأنه لم يعد بد من الهجرة بعيداً عن القوم الظالمين.

لم تنجح الجماعة السياسية التي شكلها موسى عليه السلام في هذه المرحلة من حياته فقد انكشف أمرها وانفرط عقدها وأصبح قائدها خائفاً يترقب. إن هذه الحادثة لا تعدو أن تكون ضرباً أفضى إلى الموت، وهي بهذا الوصف لا تندرج تحت القتل العمد الذي يبرر الحكم بالإعدام، ولكن هيهات مع القوم الظالمين الذين عاش موسى معهم وعرف مظالمهم وطغيانهم. ولذلك فإنه لما حذره الرجل مما يدبر له في الخفاء، فقد آثر موسى الخروج لينجو بنفسه وانقطع بذلك عن الملك وعن السياسة. لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب للناس مثلاً بجدوى الجمعيات السرية لمناهضة الظلم والطغيان، لكان موسى عليه السلام قد نجح فيما كان يخطط له مع من شايعه على الحكمة والعلم والإصلاح في الأرض. إن مبدأ الجمعيات السرية يعني أن الأمة ستتفرق وراء الرجال، وقد تتفرق نفس الجمعية إذا اختلف الرأي في قيادتها. وتصبح الزعامة غاية في ذاتها حتى لا يختلف الرأي حول المبادئ، ويصبح التناصر بين أعضاء كل جمعية قاعدة أساسية لضمان نجاح مبادئها حتى ولو كان هذا التناصر قائماً على الظلم والعدوان، وينتهي الأمر داخل كل جمعية إلى تقديم الزعامة على المبادئ وعبادة الفرد واتباعه في الخطأ وفي الصواب على سواء.

إن الجمعيات السرية يجب أن تكون أمراً مرفوضاً في أمة تؤمن بكتاب الله ولو كان خيراً ما يجتمعون عليه سراً ويشايع بعضهم بعضاً في الخفاء لكان نجح موسى عليه السلام مع شيعته. وما من ظلم في الأرض يبرر الدعوة إلى تشكيل الجمعيات السرية، فليس بعد ظلم فرعون وطغيانه ظلم في الأرض أو طغيان. إن إرادة الله مع عصا يتوكأ عليها موسى ويهش بها على غنمه، كانت أقوى وأعز من كل من شايعه على الإصلاح في الأرض.

{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ . وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ .} (القصص 22، 28).

تكشف هذه الآيات الكريمة عن عظمة المؤمن عندما يخسر كل شيء.. خسر الملك والسياسة والدار والأصدقاء ولم يَنحَ بالّلائمة إلا على نفسه قال عليه السلام { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} (القصص 16) ولم يكن من الذين يعبدون الله على حرف ممن وصفهم الله في كتابه بقوله عز وجل { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ . يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ .} (الحج 11-13). أما موسى عليه السلام فتراه قد اعتصم بربه وتوكل عليه وعزم الهجرة وقال عليه السلام { عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ .} (القصص 22) وانطلق في رحلته الجديدة لا يلوي على أحد ولا يبتغي إلا النجاة من القوم الظالمين.

وورد ماء مدين فالتقى بالمرأتين وأعجبه حياؤهما فسقى لهما ثم تولى إلى الظل قال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير. هنالك أحب موسى عليه السلام أن ينكح إحداهما، ولكنه لم يجد من بين يديه أجرها ولا المال الذي يكفي بيتاً يقيمه لها فتراه يسأل ربه ويدعوه منيباً إليه عفيفاً بين يديه متوكلاً عليه. وذلك من الأخلاق الحميدة التي لا نكاد نجدها إلاّ في كلمات الله سبحانه { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } (النور 33). وعف موسى عليه السلام فأغناه الله من فضله، دعاه أبوهما إليه وفتح قلبه له وسمع منه ما كان من أمره وأحاطه بعطفه وزوجه إحدى ابنتيه وضمن له المأوى عشر سنين بعيداً عن القوم الظالمين، وما كان استئجار موسى مهراً بل كان أجر المأوى بغير من ولا أذى.

{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ .} (القصص 29). أوفى موسى العهد تماماً كما عاهد عليه صهره في مدين، وانطلق في رحلة جديدة يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله. لم يكن يخطط لمعركة سياسية جديدة ولم يكن يفكر في إعادة تنظيمه السري إلى سابق عهده من الحركة والنشاط، فالصالحون من عباد الله الراشدين لا يكررون الخطأ ولا يقعون في عواقبه الوخيمة. فها هو ذا عليه السلام يخرج بأهله يضرب في الوادي المقدس طوى لا يلوي على شيء ولا يبتغي إلا من فضل الله، لا يدري ما عسى أن يكون من أخباره ولا يتطلع في ساعته إلا إلى جذوة من النار لعلهم يصطلون.

{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى.‏ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى.‏ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. }(طه 11-44).

وكذلك يتنزل الفضل من الله تبارك وتعالى على قدر وبغير حساب، آمن موسى بربه وتوكل عليه في جميع أمره وأناب إليه في كل خطوة من خطواته. إذاً أخطأ استغفر ربه وأناب، وإذا أصابته فتنة اعتصم به وتوكل عليه. إنه من الصفوة الذين اختارهم الله على علم من الذين عرفوا الشرك فاجتنبوه، لم يخضعوا لغير الله ولم يبتغوا الهوى أن يعدلوا ولم يطيعوا أحداً في معصية الله. أسلموا لله وأخلصوا له فتطهرت نفوسهم وصغت قلوبهم، واقتربوا من ربهم فرفعهم في الأرض وأخلصهم بخالصة ذكرى الدار وعصمهم من الناس وكتبهم في الصالحين من عباده { ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 88-90).

جاءه نداء ربه في الوادي المقدس طوى بثلاث.. الخشوع لله { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى .} (طه 12) والطاعة الله { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . }(طه 14) والساعة { إن السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى . فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى . }(طه 15-16) .

{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى .} (طه 17) استفهام شامل غير محدود، ولذلك جاء جواب موسى شاملاً غير محدود. لم يطنب فيه بغير طائل ليطول وقوفه بين يدي ربه كما يزعمون، أبداً بل هو أوفى السؤال حقه كما ألقى عليه بحسب علمه { قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى .} (طه 18) وغاب عنه أن الله سبحانه وتعالى سيجعلها آية كبرى إلى فرعون وملئه وإلى بني إسرائيل من بعد إنه هو العليم الحكيم.

{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ . اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ .} (القصص 31، 32). آيتان عظيمتان وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. ما يزال الرجل مفتوناً بنفسه شغوفاً بها حتى يؤمن، فإذا آمن تضاءلت الدنيا كلها من حوله فلم يعد يهتم فيها بشيء إلا بمقدار ما يسلكه ابتغاء رحمة ربه. إن القوم في مصر لا يؤمنون ولذلك فإنهم ما يزالون مشغولين بأنفسهم، ومن اهتم بنفسه فإنه لن يلتفت إلى دعاء ربه إلا إذا خاطبه الداعى بما يضره وبما ينفعه. ألقى موسى عصاه فإذا هي حية تلقف كل ما وجدته أمامها بأمر ربها، ولو شاء الله لابتلعت كل من كان يقف هنالك من فرعون إلى آخر رجل في قومه. وأدخل موسى يده في جيبه ثم أخرجها جوهرة متلألئة من غير سوء ولو شاء الله لأدخل موسى حجارة مصر كلها في جيبه لتخرج جواهر مكنونة لا قبل لفرعون ولا لملئه بحملها {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ .} (الصافات 48، 49). بيضاء وجمعها بيض وتفسرها هذه الآية الكريمة بأنها الجواهر المكنونة.

آيتان حكيمتان بالغتان ليرى الذين لا يؤمنون النفع والضرر بين يدي هذا الذي أرسل إليهم بأمر ربهم، ثم ليعلموا أنه لا يملك من هاتين الآيتين نفعاً ولا ضراً إلا بأمر ربه فلا هو دفع بالحية لتلتهم أعداءه ولا هو أغنى قومه بما في جيبه بل هو كغيره من الأنبياء عليه السلام بشراً ورسولاً.

وآمن المصريون مصرياً بعد مصري، آمنت امرأة فرعون فلم تر الخير في قصور زوجها وهي ما تزال قائمة إلى يومنا هذا بشموخها وعظمة أثاثها وزينتها، بل رأت الخير في بيت يبنيه لها ربها في الجنة فضرب بها المثل الأعلى للذين يؤمنون { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .} (التحريم 11).

وآمن السحرة وكانوا أول من آمن من المصريين، لم يرهبهم ما أنذر به فرعون ولم يخافوا على أنفسهم من بطشه بل قالوا { قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ . إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ .} (الشعراء 50، 51). وقالوا بقلب قريب من الله عز وجل وأفئدة عالية متطهرة من الأرض وما عليها { قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .} (طه 72، 73). وآمن مصري من آل فرعون ونصر موسى على الضلالة في قومه وقام يدعو بدعوته فيقول عليه السلام { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . } (غافر 41-44).

ومن عجب أننا لا نجد في العهد القديم حديثاً عن هؤلاء، ولا نجد تفسيراً لذلك إلا أن اليهود لا يرون أحداً غيرهم جديراً بالإيمان، ولا يرون في دين موسى عليه السلام إلا دعوة عنصرية لا شأن بها لغير بني إسرائيل.

لم تكن دعوة الله إلى التغيير بإعداد الرجال للانقضاض على السلطة أو بالحرب الأهلية أو بالتنظيمات السرية. فلقد جرب موسى عليه السلام هذه التنظيمات وتبين له من عواقبها وعلم أنها لو كانت خيراً لما كان الله سبحانه قد أذن بفشلها. ولم تكن دعوة الله إلى الإصلاح بالاستيلاء على السلطة حرباً أو سلماً، بل تنزلت كلمات الله بالحق على موسى عليه السلام بالدعوة إلى دين الله بالحسنى. فمن شاء فليؤمن وليتوكل على الله فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ومن شاء فليكفر وليستمتع بما قدر له في هذه الحياة الدنيا وله فيها الخزي ومن ورائه في الآخرة عذاب غليظ.

{ اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي . اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى . قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى . فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى . إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى .} (طه 42-48).

القول اللين والدعوة بالحسنى. إنها سبيل الله سبحانه وتعالى وسنته فيمن أرسل من عباده ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولا نجد في التاريخ الحديث حركة قد نجحت في إصلاح ما فسد من أمر الناس إلا إذا اتخذت اللين سبيلاً ودعت إلى دين الله بالحسنى.

وامتثل موسى عليه السلام لأمر ربه، ولم يسأل فرعون إلا أن يطلق سراح بني إسرائيل وأن يكف عن تعذيبهم { وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ . حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ .} (الأعراف 104، 105). { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .} (طه 49، 50). وسبحانه الله هو الذي خلق وهو الذي هدى، فاستقام كل شيء في ملكه على الحق. خلق الأرض والكواكب والمجرات وهدى كل خلق في فلك عظيم، وخلق الإنسان وتركه خلفة في الأرض ليستقيم بوازع من نفسه على دين ربه.

{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ .} (الشعراء 18، 19). رأى فرعون أنه قد أحيط بالحجة وأنه أصبح محاصراً بالحق الذي أرسل به موسى، ولعله أراد أن يداهنه أو يساومه فتراه يذكره بأنه رُبي في بيته وليداً، وأنه قتل نفساً ولم يكن قد حوكم عليها. تماماً كما يفعل الطغاة عندما يخرجون أوراقهم القديمة ليكشفوا خصومهم، ويبحثون في ملفاتهم عن حسابات أعدائهم ليكيدوا لهم. {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ .} (الشعراء 20-22). إن موسى لا ينكر مما يذكره به فرعون شيئاً فهو قد وكز ذلك الرجل فقضى عليه ولكنه فعل ذلك عندما كان في ضلالة الجمعيات السرية دون أن يتعمد قتله ولا ينبغي أن يُقتل الإنسان بقتلٍ لم يتعمده. وهو يرد على ما يمن به عليه بأنه إن كان قد رباه في بيته وليداً فإنه لم يفعل ذلك رحمة أو إحساناً ولو كان فعل ذلك رحمة به وإحساناً إليه لكان أولى له أن يحسن ببني إسرائيل ولا يعبدهم، فيطوعهم لخدمته طاعة عمياء.

{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ . قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ . قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ . قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ . قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ .} (الشعراء 23-33).

إن موسى يدعو فرعون بوحي من ربه إلى أن ينظر في ملكوت السماوات والأرض.. ليرى أن كل شيء له خلق وله هدى، وما من شيء وجد في السماوات أو في الأرض سدى وما من شيء وجد في السماوات على غير هدى.. { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .} (طه 50) وليرى أن كل شيء تحددت له أبعاد رأسية { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَ} (مريم 65) تماماً كما تحددت له أبعاد أفقية { قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا } (الشعراء 28) ويتحدد مكان الأشياء بتحديد أبعادها الأفقية والرأسية، ثم يتحدد زمنها من الماضي والمستقبل { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ .} (الشعراء 26) وعلى هدى من هذا التحديد فلقد كان بوسع فرعون أن يدرك حقيقته في الأرض، فهو رغم ما أوتي من الملك لا يعدو أن يكون شيئاً ممن خلق في الأرض.. إن له زماناً ومكاناً وإنه لماض كما مضى آباؤه الأولون.. وإن يك قد خلق فإنه لم يخلق سدى، وإن يك قد وجد على الأرض فما كان له أن يتبوأها على غير هدى.

فهل سمع فرعون شيئاً مما جاءه من ربه أو عقل منه شيئاً.. لقد قبل التحدي وأعلن نفسه إلهاً في الأرض..

رغم ما بلغه فرعون من طغيان لا نجد له نظيراً في الأولين ولا في الآخرين فإن الله سبحانه وتعالى يأمر رسوله بألا يقول له إلا قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى وذلك حتى يقيم عليه الحجة ويأخذه بما يستحقه من العذاب في الدنيا وفي الآخرة.

{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ .} (القصص4). وكذلك نجد الطغاة في الأرض يفرقون ولا يوحدون فترى القوم في ملكهم شيعاً، يستضعف بعضهم بعضاً ويستبيح بعضهم حرمات بعض حتى تظل له اليد العليا بالقهر والعدوان.

وجاءه الحق من ربه فكفر به هو ومن حوله ظلماً وبغياً { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ . وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ .} (النمل 13، 14).

إن الآية الكريمة في القرآن الكريم لا تقص عليك القصص فحسب، بل هي تنقلك إلى المشهد ذاته لتعايشه وكأنما يحدث الساعة التي تتلو فيها أحسن القصص من كتاب الله، ولتستيقن كيف استيقنت أنفسهم ما جاءهم من الآيات وجحدوا بها برغم ذلك فإن لنا أن نعايش المشهد كما حدث يوم الزينة ضحى { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى . قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى . فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى . قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى . فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى . قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى . وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى .} (طه 60-70).

إن السحر الذي جاء به هؤلاء هو من قبيل التنويم المغنطيسي، حيث يمكن لإنسان أن يسيطر على مجموعة من الناس فيجعلهم يتخيلون أشياء لا وجود لها في الحقيقة، { قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى .} (طه 66) فهي لم تكن في الحقيقة تسعى بل خيل إلى الناس من سحرهم إنها تسعى {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى.} (طه 67) وشهد الله أنهم برعوا فيما جاؤوا به من هذا العلم الذي يؤثر به الساحر على أبصار الناس فيرهبهم ويخضعهم لسيطرته بتأثير من هذا الإرهاب { قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ .} (الأعراف 115-122). ولا شك أنهم لاحظوا أنهم نجحوا في التأثير على موسى عليه السلام حتى رأوه يوجس خيفة في نفسه، وتوشك أن تتجمد يده على عصاه لولا أن أوحى الله إليه بان يلقى بها. وكذلك فإنهم يعلمون أن نهاية السحر أن يقع الإنسان تحت تأثيرهم بإخضاعه لسيطرتهم حتى يرى العصا تسعى وهي لا تسعى ويرى الحبل كالأفعى إفكاً وبهتاناً مبيناً، أما أن تسقط العصا من يد من أوجس في نفسه خيفة فتتحول إلى ثعبان مبين ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل ينطلق الثعبان من فوره إلى الحبال والعصى التي ألقوا بها فيلتقهما الواحدة تلو الأخرى فلم يكن ذلك من السحر في شيء، إنها الآية الكبرى من ربهم فآمنوا برب هارون وموسى وخروا لله ساجدين.

آية كبرى لا قبل لأحد إلا أن يستيقنها إلا أن يكون عالياً من المسرفين، وكذلك كان فرعون أخذته العزة بالإثم فلم يجد من بين يديه إلا أن يكيل لهم الاتهامات الباطلة جزافاً وينذرهم عذاباً غليظاً.

اتهمهم بالتواطؤ مع موسى رغم أنه هو الذي جمعهم له، واتهمهم بأنهم يتآمرون عليه ليمكروا به رغم إنه هو الذي جاء بهم ليكيد لموسى وهارون.

{ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى .} (طه 71). { قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ .} (الأعراف 123، 124).

{ فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ . وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ .} (القصص 36-39).

الكبرياء بغير الحق هو بداية الرحلة الهالكة إلى الضياع، بدأ بها إبليس في الملأ الأعلى { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.} (ص 71، 78). رأى إبليس أنه أعظم خلقاً من آدم فأبى أن يفعل ما أمر الله به استكباراً بغير الحق فكان من الهالكين، تماماً كما رأى فرعون نفسه بملكه وأمواله وسلطانه أعظم شأناً من موسى عليه السلام فأبى أن يسجد كما سجد الذين لم يستكبروا لرب موسى وهارون {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ .} (الزخرف 51-53). وإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينزل على موسى أكبر مما سأله فرعون، ولكن الله سبحانه لا ينزل من الآيات إلا بمقدار { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ . وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ . فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون .} (الشعراء 4-6).

وكذلك هلك فرعون بكبريائه في الأرض بغير الحق كما هلك الذين من قبله قوم نوح { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً .} (نوح 5-7). وقوم عاد { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . }(فصلت 15). وقوم ثمود { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ .} (الأعراف 75، 76). وإلى مدين أخاهم شعيباً { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ .} (الأعراف 88).

الكبرياء بغير الحق نزل بها إبليس ملعوناً في الملأ الأعلى ووسوس بها إلى أوليائه من عهد نوح حتى بدأت آيات الكتاب تتنزل بالهدى ودين الحق على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ.} (المنافقون 5). تنزلت آيات ربهم بالحق فلم تكفهم الآيات ولم تغن عنهم النذر { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً.} (لفرقان 21). أو كالذي فكر في آيات ربه وقدر { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ .} (المدثر 19-26).

العلو بالحق عزة وهو فضيلة المؤمن إذ يعتز بربه وبدينه وبعمله والله يرفعه بها في الخالدين. والعلو بالباطل كبرياء بغير الحق وهي رذيلة الكذاب إذ تغرنه الحياة الدنيا فتنهار به في الخاسرين. واستكبر فرعون بغير الحق فكذب على نفسه وحجب نفسه عن الهدى، لا شك أنه كان يعلم أنه قد جاءه الحق من ربه.. لقد استيقن ذلك وجحد به علواً بغير الحق.. ورغم ما استيقنه في نفسه فإنه ما يزال يجادل في آيات ربه ظلماً وعلواً { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .} (غافر 56). ثم كذب على نفسه مرة أخرى عندما خيل إليه أنه إذا تنازل عن كبريائه فلسوف يسبقه إليه موسى وهارون، وما جاء موسى وهارون إلا بالحق من ربهما عذراً ونذراً ورحمة للعالمين { فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ . قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ . قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ .} (يونس 76-78).

وكذلك الغرور إذا أصاب صاحبه فإنه يصيبه بكذب على كذب.. وما يزال يصر على غروره كذباً بعد كذب حتى يصدق ما يكذب به ويحجب نفسه عن الحق المبين، فذاك الذي عبد هواه فجنح به في الضلالة وفي ظلمات بعضها فوق بعض { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ .} (الجاثية 23). وكذلك استكبر فرعون عن عبادة الله فعبد هواه، أبى أن يسجد لله عزيزاً كما سجد الذين آمنوا، فسجد للعذاب هواناً وذلاً في الحياة الدنيا وفي الآخرة { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .} (الحج 18).

أقام الله الحجة البالغة على فرعون بالحق، ليس بالتآمر ولا بالجمعيات أو التنظيمات السرية بل وجهاً لوجه بقول لين على أمر رشيد.. فآمن من آمن وكفر فرعون وجنوده واستكبروا في الأرض بغير الحق، فسجدوا هواناً وكانوا يُدعَون إلى السجود وهم سالمون.

{ وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ . قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ .} (الأعراف 127-129).

لم يكن الطاغية في حاجة إلى من يحرضه على مزيد من الطغيان، ولكنه نفاق الزمرة الطاغية التي تربط مصيرها بمصيره كالحطب للنار. إنها الحاشية في بعض القول ومراكز القوى في أقوال أخرى.. لا يتغير شيء.. ظالم مستبد يتسلط بأعوان من الفاسدين يحوطونه بالحماية ويمدونه بالأخبار الصحيحة والكاذبة ويسومون الناس العذاب ويعلقونهم على أعواد المشانق.. لا لشيء إلا ليبقى الظالم المستبد قائماً في كرسيه العتيد.. ولتتبوأ الزمرة الفاسدة مكانها من السلطة وتستأثر بمكاسب الحكم.

وقد يبدو للطاغية أنهم أقرب الناس مودة إليه وأنهم أحرص الناس على الولاء له، ولكنهم في الحقيقة لا يتولونه.. بل يتولون مصالحهم، فإذا سقط كانوا أول من ينقض عليه وأسرع إلى خليفته.. وربما كانوا أقرب الناس إلى الخليفة الجديد إذا كان هذا الخليفة قد ولى الأمر بطغيان جديد. إن الوالي الصالح قد يجد مشقة في العثور على الأعوان الصالحين، أما الطاغية فإنه لا يجد حرجاً في جمع الحاشية القديمة من حوله.. ولو كانوا أعوان عدوه الذي أسقطه بيده. وقد يكون الخليفة صالحاً ولكنه إذا ولى الأمر بسبل غير صالحة فإنه قد يضطر إلى الاستعانة بأعوان الطاغية القديم ليسيروا له الأمور إلى حين، ولكنهم قد يزينون له الأمور التي يشتهيها كدأب الملأ من قوم فرعون الذين يحرضونه على موسى وقومه ويصدقونه على ما يراه من فسادهم في الأرض فيخيل إليه أنهم يرون الأمور كما يراها وأنهم يطيعونه فيها عن عقيدة راسخة فيتشبث بهم ويتشبثون به حتى يصبحوا ركاماً في الهالكين.

إنهم يعلمون أنه ليس في حاجة إلى تحريضهم، ولكنهم يريدون أن يثبتوا له ولاءهم وهو قد يعلم أنهم ينافقونه، ولكنه يستيقن أنه لن يجد أفضل من هؤلاء أعواناً فيلتقي بهم على طريق واحدة رغم اختلاف مشاربهم ورغم ما يكذب به بعضهم على بعض.

ولقد نرى قوم موسى يألمون مما هو واقع بهم فيجتمعون من حوله عسى أن يجد لهم من أمرهم مخرجاً، ولكنه النبي المسلم المؤمن الذي توكل على الله وأناب إليه فلا يتحرك بغير هدى ولا يأمر إلا بما يوحى إليه. ولقد علم أن الجمعيات السرية وأحزاب التآمر السياسي لا تجدي نفعاً، لقد جرب مخاطرها ولن يعود إليها.. إن الصراع الذي تخوضه الأحزاب لا يكسبه إلا الأقوى وقد يكون أكثر ضرراً من فرعون، أما اعتزال الطغيان والصبر عليه والدعوة في مواجهته إلى الحق فذلك هو الصراع الذي ينتصر فيه الله الحق بالحق من أجل الحق.

استعينوا بالله واصبروا.. هذه هي دعوة النبي المؤمن الذي أسلم وجهه إلى الله.. إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.. فلا صراع عليها بل صبر فيها على تقوى من الله.. وأولئك كتب الله لهم العاقبة في الدنيا والآخرة { قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَ} (الأعراف 129) إنهم يريدون أن يحرضوه على فرعون ليجمع صفوفهم ويضرب بهم، إنها الدعوة إلى التآمر السياسي وكأنهم يقولون له إنه إذا لم يفعل شيئاً فما حاجتهم به.. فيعلنها لهم بحكمة النبي المؤمن الذي أسلم وجهه إلى الله. إنه سبحانه وتعالى قد يهلك عدوهم ويستخلفهم في الأرض فينظر كيف يعملون.. هل يصلحون في الأرض أم يفسدون.

{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ . وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ . فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .} (يونس 83-87).

الذرية هم الجيل الجديد من الفتية الذين لم يشربوا في قلوبهم تراكمات الضلالة والذين يبحثون عن الحقيقة بفطرتهم النقية وقلوبهم الصافية، أولئك أقرب إلى الإيمان وأولئك آمنوا بموسى عليه السلام على خوف من فرعون وملائهم.. لم يتخذ النبي المؤمن الذي أسلم وجهه إلى الله من هؤلاء جنداً ليضرب بهم فرعون، ولم يشكل منهم حزباً سياسياً معلناً أو تنظيماً سرياً ليتآمر بهم في الخفاء، بل أمرهم بأن يتوكلوا على الله إن كانوا قد أسلموا وجوههم إليه.

ونعم النصح ما نصحهم به موسى ونعم الطاعة ما أطاعوه في الأمر، { فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .} (يونس 85) فأمرهم الله بالصبر والصلاة وأوحى إليهم أن يلتزموا بيوتهم ويعتصموا بها.. إنه أمر باعتزال الفتنة والإعراض عن الجاهلين.

ولسوف يستعصي على الناس فهم هذه السياسة، رغم أن الله قد ضرب بها المثل الأعلى في كتابه العزيز، ربما هلعاً في أنفسهم وخلق الإنسان هلوعاً، أو عجلة من أمرهم وخلق الإنسان عجولاً. ولكن الذي يتلقى الوحي من ربه لا يرى الخير إلا في هذه السياسة فإن ظفر بعدوه فقد أظهره الله عليه بشرعية لا نزاع فيها وبغير أعوان يشاركونه سلطانه ويفسدون عليه أمره، وإن لم يظفر بعدوه فإنه ينجو من بطشه ويشري نفسه ابتغاء مرضاة الله.

{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ . وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ . }(الأعراف 130-135).

عندما يظهر عباد الله المؤمنون الذين يخلصون دينهم لله ولا يشركون به شيئاً ويتوكلون عليه وينيبون إليه من الذين يعتزلون الفتنة ولا يبغون الفساد في الأرض ويشترون أنفسهم ويعرضون عن الجاهلين، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا وتبدأ هنالك معارك الرحمن لقمع الظلم وردع العدوان بجنود لا قبل لقوة بها في الأرض { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ . }(غافر 51).

وبدأت المعارك سنة بعد سنة وما يزال فرعون سادراً في طغيانه وما يزال الملأ من قومه يسخرون بموسى ويتطيرون به، فجاءهم الطوفان يغرق حقولهم ويفسد مساكنهم والجراد يمحق غرسهم والقمل تحرق جلودهم والضفادع تصم آذانهم والدم آيات من ربهم ليروا العذاب الأليم.

وما كان الله ليأخذهم إلا بعد أن يقيم عليهم الحجة كاملة، كان بوسعهم أن يؤمنوا بالله ويتوجهوا إليه بالدعاء وينيبوا إليه.. ولكنهم كانوا قد طبع على قلوبهم فجاؤا موسى يسألونه أن يدعو لهم ربه. وعلم الله أنهم كاذبون ولكنه سبحانه وتعالى من حلمه ومن رحمته لا يأخذ عباده إلا بعد أن تقوم عليهم الحجة البالغة عذراً ونذراً فكشف عنهم العذاب إلى أجل مسمى عنده ثم إذا هم ينكثون..

{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ . ‏ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .} (الشعراء 52-68).

إذا أصبح الطغيان خطراً على النفس أو الدين فقد وجبت الهجرة في سبيل الله ما يزال المؤمن يدعو إلى دين ربه بالحسنى حتى يستشعر الخطر من القوم الظالمين فهنالك لا يسبقهم بالشر ولا يباغتهم بالعدوان ولا يجنح إلى التآمر بل يتركهم لأمر الله ويبحث له عن ركن شديد.

كان موسى قد صدع بما أمره الله ربه ودعاً إلى دين الله في قوم فرعون جهاراً {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ . أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ. وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ .} (الدخان 17-21). آمنوا أو لا تؤمنوا.. إنها دعوة الأنبياء جميعاً.. لا إكراه في الدين ويحذر موسى عليه السلام من طغيان القوم الظالمين فيقول عليه السلام {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ . وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ .} (الدخان 20-21) الرجم

الذي وجدناه في العهد القديم لم يكن أصلاً في دين الله، بل ها هوذا قائم في شرائع فرعون. وكما أحب اليهود العجل من أسيادهم القدامى فصنعوه من حليهم على أعين نبيهم هارون عليه السلام رغم حرصهم الشديد على الذهب والفضة، فقد أحب اليهود الرجم في شرائع أسيادهم القدامى فرجموا العروس إذا لم تكن بكراً، ورجموا الولد العاق ورجموا الحطاب الذي عمل يوم السبت، ورجموا من ألحد في أسماء الله بل رجموا الثور إذا نطح رجلاً. وكما أخرجوا العجل لقومهم وقالوا هذا إلهكم وإله موسى، فقد فرضوا الرجم في دينهم وقالوا هذا شرعكم وشرع موسى. { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ .} (الدخان 20) فأين الرجم من الفريقين، هل تراه في شريعة موسى الذي يستعيذ بربه منه، أم هي في شرائع فرعون من قبل أن تنزل التوراة ومن قبل أن يلقى إليه بالألواح.

بل إننا لا نجد الرجم إلا في شرائع الذين ظلموا قوم نوح { قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ .} (الشعراء 116) وقوم شعيب { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ .} (هود 91) وقوم إبراهيم {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً .} (مريم 46) وأصحاب القرية الظالم أهلها لما جاءهم المرسلون { قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (يس 18) وأصحاب الكهف إذ أووا إلى الكهف على خوف من قومهم أن يفتنهم فقالوا { إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً .} (الكهف 20). هذا هو الرجم لا تجده في القرآن إلا في شرائع الذين ظلموا أنفسهم فبئس ما شرع اليهود لأنفسهم وبئس القوم الذين يضاهئون اليهود في ضلالاتهم وفيما أشرب اليهود في قلوبهم من الظلم والبطش بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. إن كل ما يتجاوز القرآن زيادة أو نقصاً إطلاقاً أو تقييداً يجب أن يكون مرفوضاً عند القوم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويريدون وجه الله ورسوله r، لأنه كتاب أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير، أنزلت على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق لا تناقض فيه ولا اختلاف.

ومن الأمثلة الظاهرة على ذلك قوله تبارك وتعالى { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ . بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . }(آل عمران 123-126).

ولو لم يقل الله تبارك وتعالى { وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ } (آل عمران 126) وبصيغة الحصر والقصر (ما وإلا) لكان تنزيل الملائكة يوم بدر اختلافاً في القرآن، لأننا نعلم من الله أنه {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (البقرة 117) {إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (آل عمران 47) { إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (مريم 35) { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (النحل 40) { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .} (يس 82) وكل هؤلاء بصياغة الحصر والقصر (إن وما) أي أن أمر الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون سواء بتدخل الملائكة أو بغير تدخل من أي شيء على الإطلاق، من أجل ذلك يُبيِّن الله لعباده المؤمنين أن تنزيل الملائكة يوم بدر لم يكن إلا آية لهم ليستبشر المؤمنون ولتطمئن قلوبهم بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وكذلك فإنه يستفاد من مقارنة هذه الآيات بعضها ببعض أن صياغة (إن وما) أشد دلالة في الحصر والقصر من صياغة (ما وإلا) ذلك بأن الصياغة الأولى وردت في سياق الأصل بينما وردت الصياغة الثانية في سياق الاستثناء.

هذا كلام الله ينطق بالحق لا يرقى إليه حديث ولا يسبقه القول في الأرض ولا في السماء، هو الحق المطلق من اتبعه فقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أعرض عنه أو سعى فيه معاجزاً ليلبسه بالباطل فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتبع غير سبيل المؤمنين من الذين أشركوا بحكم الله ما لم ينزل به سلطاناً { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (آل عمران31) وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع شيئاً في دينه غير القرآن {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .} (الأعراف 203)، وذلك بأشد صياغة تدل على الحصر والقصر. فأي رجم بعد كلام الله في دين الله يبغون!؟

خشي موسى على نفسه وعلى قومه فاستعاذ بربه من القوم الظالمين.. وأصر فرعون على الضلالة رغم كل هذه الآيات البينات، وبيت السوء لموسى وقومه فجاءهم تحذير ربهم ليريهم بطشته الكبرى إن الله عزيز ذو انتقام { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ . وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ . كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ . } (الدخان 23-29).

وحين نتدبر نبأ فرعون في الكتاب، فإننا نجد حديثاً عن نظم الطغاة والمستبدين الذين علوا في الأرض وجعلوا أهلها شيعاً وأسرفوا على أنفسهم وعاثوا فيها فساداً لا نقول كما قالت اليهود في العهد القديم قالوا (ما كان فهو الذي سيكون وما صنع فهو الذي سيصنع فليس تحت الشمس شيء جديد- سفر الجامعة، الفصل الأول الجملة العاشرة) ولكننا نرى أن الناس لا يختلفون في غاياتهم { فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ .} (الأعراف 30). وكل فريق من الفريقين يتخذ لنفسه مسلكاً بحسب الغاية التي يتوخاها، فإذا كان من الذين اهتدوا فإنه يتخذ سبيل الرشد سبيلاً، وإذا كان من الذين ظغَوا فإنه يتخذ سبيل فرعون سبيلاً، فتجده يفرق بين الناس فيجعلهم شيعاً، ويستضعف طائفة منهم ليضطهدهم، ويولي أنصاره الذين يخضعون له وينفذون مشيئته بالحق وبالباطل، ويعزل الذين لا يطيعونه وقد يعذبهم عذاباً شديداً وما يزال يفسد في الأرض ويطيعه الناس على الفساد فيها حتى يهلك الحرث والنسل.. وعجباً ما جاء به أشعيا في نبوءته في العهد القديم إذ يقول في الفصل التاسع عشر من هذه النبوءة (وأُسلِّحُ مصرَ على مصر فيقاتل الإنسان أخاه والرجل صديقه مدينة مدينة ومملكة مملكة. ويهراق روح مصر في داخلها وأبيد مشورتها فيسألون الأوثان والسحرة وأصحاب التوابع والعرافين. وأدفع مصر إلى يد سيد قاس وملك ذي عزة يتسلط عليهم. وتنضب المياه من البحر ويجف النهر وييبس. وتنتن الأنهار وتتناقص جداول مصر وتجف فيذوي القصب والبردي. وتضحى أعمدتها محطمة وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفوس) الذي يعنينا من هذه النبوءة أن شيئاً من هذا الخراب لا يحدث إلا إذا تولى أمر مصر سيد قاس وملك ذو عزة يتسلط عليهم.. إن اليهود يعرفون طريقهم إلى تخريب مصر معرفة جيدة.. وربما دفعوا مصر بأيديهم إلى سيد قاس كما دفعوا من قبل استير إلى ملك أحشورش (وكان في العاصمة رجل يهودي اسمه مردكاي بن يائير. وكان حاضناً لابنة عمه أستير. فلما سمع بأمر الملك أدخلت أستير تحت يد حارس النساء فحسنت الجارية في عينيه. ولم تخبر أستير شعبها وأقاربها لأن مردكاي أوصاها بألا تخبر. وهكذا كانت تدخل الجارية على الملك ومهما ذكرت يعطي لها. فأحب الملك أستير على جميع النساء فوضع تاج الملك على رأسها- مقتطفات من الفصل الثاني من سفر أستير). فإذا تسلط سيد قاس أو سيدة قاسية فإنه سيتخذ في الناس سبيل فرعون كما بينها الله في كتابه العزيز، وسوف تكون عاقبته هو وجنوده كعاقبة فرعون لا تبديل لكلمات الله ولن تجد لسنته تحويلاً { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ . فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ . وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ .} (القصص 39-42). كما جعل الله من عباده الصالحين أئمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقد جعل الله من الأنظمة الفاسدة التي تتسلط على الناس بالقهر والعدوان أئمة تدعو إلى النار.. وكذلك يفعلون.

وكذلك يستهزيء الله بالظالمين ويمدهم في طغيانهم يعمهون.. فرعون بكل ظلمه وطغيانه في الأرض.. سبق الأولين والآخرين ظلماً وطغياناً حين قال { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي.} (القصص 38). يستهزيء به الله سبحانه فتراه يمد يده ليلتقط موسى عليه السلام ليكون له عدواً وحزناً، ثم تراه يمد ساقه ليغرق هو وجنوده في اليم... بيده وبساقه رغم أنفه وبغير جيش يعد لقهره ودون حاجة إلى جمعيات سرية أو معلنة لمناهضته.

ويتفضل الله على عباده الذين استضعفوا برحمته إنه ذو فضل عظيم { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } (الأعراف 138).

كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة.. قوم رأوا بأعينهم من الآيات ما لم ير أحد من العالمين.. ومع ذلك فإنك تراهم عندما أتوا على القوم الذين يعكفون على أصنام لهم يقولون لنبيهم {اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } (الأعراف 138) كيف يمكن تفسير ذلك.. إنها عقدة اتباع السيد القديم.. وهو ما يصفه الله تبارك وتعالى بقوله { وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } (البقرة 93). أي إن قلوبهم قد تشربت الضلالة فأصبح يبهرهم الكفر أكثر مما تنشرح له صدورهم من الإيمان.. لقد ولدوا وعايشوا طغيان فرعون وكفره، وكانت له آلهته ومنها عجل أبيس الذي تحدث عنه المؤرخون.. وما يزال الإنسان يطيع الذين يقهرونه حتى يصبح عبداً مطيعاً لهم، وربما بهره السيد بقوته وأحب مضاهاته ولو كان هذا السيد هو فرعون الذي نبذه الله في اليم ودمر ما كان يصنع هو وقومه وما كانوا يعرشون.. لذلك لم يكن عجباً أن يصنع اليهود في فلسطين ما كان يصنع فرعون النازية.. لقد جاؤوا فلسطين بعد أن أشربوا في قلوبهم الطائرات المدمرة والبغي والعدوان بغير الحق.. إنها نفس العقدة.. مضاهاة السيد القديم وإتباعه رغم ما يرون من الآيات ورغم نبي من الصالحين يمشي بينهم بالهدى ودين الحق.

وفي هذه الآية العظيمة نجد تحذيراً بيناً من الفتنة بالذين علوا في الأرض بغير الحق أو تبؤوا السيادة فيها بالظلم والعدوان { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً.} (الفرقان 20). وفي هذه الآية الكريمة نجد علاج هذه العقدة المدمرة.. الصبر.. والإيمان بأن الله بصير بالعباد.

لو أن هؤلاء القوم صبروا على فتنة فرعون لما استطاع أن يبهرهم بضلالاته، ولو كانوا يؤمنون بأن الله بصير بالعباد لكانوا قد رأوا نهايته المحتومة من قبل أن يأتيهم موسى عليه السلام بآيات الله ورسالته.. إن موسى عليه السلام بصبره وإيمانه كان قد رأى هذه النهاية المحتومة، بل رأى أكثر من ذلك حين قال لقومه { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ . }(الأعراف 129). وكان على الحق عليه السلام عندما حذرهم من أنفسهم إذا ظهروا في الأرض.

وكان القوم قد فتنوا بقارون من قبل فإذا هم فريقان يتنازعان.. فريق من الذين يريدون الحياة الدنيا بهرتهم زينته فتمنوا مكانه فكانوا من القوم الذين يجهلون. وفريق من الذين أوتوا العلم من الذين يريدون الآخرة لم تبهرهم زينته بل أشفقوا عليه من أوزارها { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (القصص 76-83).

إن حديث قارون قد يستغرق عمر البشر ولا ينفد منه شيء إنه حديث الثراء الذي لا يغني عن صاحبه من الله شيئاً.. إذا يشاء الله آتاه من الكنوز ما تنوء العصبة أولو القوة بحمل مفاتحه، وإذا يشاء خسف به وبداره الأرض فلم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً.. ولكنه أنكر هذه الحقيقة فكفر بها فتراه يفرح بزينته بغير الحق ولا ينفق منها إلا فساداً.. ثم تراه وقد أصابه الغرور وأنكر فضل الله عليه فيقول إنما أوتيته على علم عندي.. ولو أنه كان صادقاً لكان أدرك أن الفضل كله بيد الله سواء كان مالاً أو علماً أو تقوى أو هدى أو غير ذلك من الخير الذي يمن الله به على من يشاء من عباده.. وترى القوم الذين اختلفوا عليه من الذين يريدون الحياة الدنيا جهلاً فيتمنون مكانه، ومن الصابرين الذين أوتوا العلم فيقولون ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً.

تقرأ القصص من القرآن فترى المشاهد مشهداً بعد مشهد وكأنك تراها رأي العين وتسمع كل فريق وهو يدعو بدعوته ويتنادى على شاكلته.. وتقيس الأمور بمقاييس كل واحد من هؤلاء وهؤلاء.. وقد ترى الحق في جانب دون آخر وتجد نفسك مدعواً للوقوف في أحد الجانبين ضد الآخرين.. ولكن الله لا يتركك لتختار لنفسك، بل يختار لك الآخرة ويبين لك السبيل إليها { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} فالله سبحانه وتعالى كما قال موسى هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ويجادلون عن الأحاديث فهذا هو حديث موسى وعيسى ومحمد والنبيين من ربهم عليهم السلام جميعاً يثبتها الله في كتابه ومن أصدق من الله حديثاً.

{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى . كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى . وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى .} (طه 80-82). انطلقت المسيرة على أمر رشيد بهدى من الله وبما أوحى إلى نبي رشيد.. ورأى القوم من آيات ربهم ومن صدق نبيهم عليه السلام ما لا يمكن أن يتصور الكفر من بعده أبداً.. وجاءهم ميعاد ربهم ليشهدوا ما يوحى إليهم بجانب الطور الأيمن.. وتعجل موسى الميعاد فإنه هو الذي عرفناه من قبل شغوفاً بالعلم حريصاً على الرشد والإيمان فما باله اليوم لا يتعجل الميعاد إذا كان سيتلقى العلم والرشد والإيمان من رب الأرض والسماوات العلى { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ .} (الأعراف 142). تعجل موسى الميقات وانطلق إلى جانب الطور الأيمن واستخلف أخاه في قومه، لا يساوره الشك في أمرهم ولا يخشى عليهم بعد ما نجوا من عدوهم ورأوا من آيات ربهم.

ولكنها عقدة السيد القديم {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } (البقرة 93). تشرب الخطأ والضلالة أصدق في التعبير من كل ما جاء به علماء النفس، فالإنسان يتشرب من البيئة التي أحيط بها إذا التصق بأرضها وأسلم جذوره لامتصاص ما فيها. أما إذا ارتفع فوق بيئته وأوصل قلبه بكلمات ربه فإنه لن يتشرب من بيئته شيئاً خاطئاً، بل إنه قد يصلح من هذه البيئة ويؤثر فيها ويقوم اعوجاجها كما كان يفعل موسى وأخوه هارون عليهما السلام.

انطلق موسى عليه السلام إلى ميقات ربه متعجلاً وخلفه أخوه هارون في قومه، واستيقظ بنو إسرائيل على ما أشربوا في قلوبهم من عجل سيدهم القديم فأحبوا أن يكون لهم عجل كما كان لسيدهم عجل يعكف عليه، تماماً كما نراهم أشربو في قلوبهم من شرائع سيدهم القديم فأحبوا أن يرجموا كل شيء حتى الثور الذي ينطح صاحبه كما كان يرجم سيدهم من يعصي له أمراً، وكذلك نراهم إلى يومنا هذا أشربوا في قلوبهم من طعام سيدهم القديم يحبون عدسه وفومه وبصله وقثاءه ويؤثرونها حتى على رزق ربهم { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } (البقرة 61). نعم إنهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. يعكفون على العجل من دون الله ويرجمون الناس خلافاً لما أوحى إليهم من شرائع ربهم ويأكلون البصل والفوم بدلاً من المن والسلوى.. لماذا؟.. لأنهم لم يرتفعوا فوق البيئة التي عاشوا فيها بل التصقوا بأرضها ومدوا جذورهم فيها يمتصون الخطأ منها حتى أشربوا في قلوبهم ضلالة السيد القديم وشرائعه وطعامه.

{ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ . فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي . قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ . فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ . أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً . وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى . قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي . قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي . قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ . قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي . قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً . إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً .} (طه 83-98). هذا ما صنعه بنو إسرائيل من بعد موسى.. أخلفوا موعده.. وقذفوا حليهم بين يدي السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ . وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .} (الأعراف 148-151). إن من العبرة المستنبطة من حديث عجل بني إسرائيل أن موسى عليه السلام لما أراد أن يجتث جذورهم التي أشربوا بها العجل، فقد أحرق العجل أمام أعينهم ثم نسفه في اليم نسفاً وأمر بنفي الرجل الذي صنعه لهم من الأرض.. لم يأمر برجمه ولا بتعذيبه بل قال له {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ } ذلك جزاء أعداء الله الذين يفسدون في الأرض أن ينفوا منها.

انطلق موسى إلى ميقات ربه ثابت الإيمان بعد أن استخلف أخاه هارون في قومه {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ . وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ . سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ . وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (الأعراف 143-147).

ذلك مما كلم الله به موسى تكليماً، فسمعه موسى ووعاه بقلب رشيد ثم تطلع عليه السلام إلى النظر إلى ربه.. فكانت الآية الكبرى على عجز الإنسان عن ذلك والبينة على ذلك أن النظر إلى الله أكبر من النظر إلى جبل يدك دكاً.. إن موسى عليه السلام لم يحتمل النظر إلى جبل يدك من بين يديه دكاً فيخر مغشياً عليه رغم أنه احتمل من قبل ذلك أن يستمع إلى كلمات ربه.. فلعل السمع أفضل من البصر في تلقي العلم.. إنك ترى السراب فتحسبه ماء.. وقد تختلط عليك الألوان فتعجز عن التمييز بينها.. أما إذا كان الإنسان حاضر الذهن طاهر القلب فإنه يستمع القول فيتبع أحسنه { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .} (ق 37).

وجاءه الوحي من ربه مكتوباً في الألواح موعظة وتفصيلاً لكل شيء، تماماً كما أنزل علينا القرآن محفوظاً في المصاحف موعظة وتفصيلاً لكل شيء.. فأما الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق فلسوف يصرفهم الله عن آياته فلا يؤمنون بها.. أولئك الذين يريدون علواً في الأرض ويبغون فيها الفساد.. كمثل فرعون وقارون وهامان رأوا آيات ربهم فلم يؤمنوا بها.. ورأوا سبيل الرشد فلم يتخذوه سبيلاً.. ورأوا سبيل الغي فاتخذوه سبيلاً.. من الذين لا يريدون إلا الحياة الدنيا ويحسبون أنهم إنما خلقوا سدى وأنهم إلى ربهم لا يرجعون.

وعاد موسى إلى قومه بعد أن أنبأه الله من أخبارهم.. ثم تاب الله عليهم وعفا عنهم {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ . ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ . ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .} (البقرة 51-57).

تطلع موسى عليه السلام إلى النظر إلى ربه وتطلع بنو إسرائيل إلى رؤية ربهم.. ولكن شتان بين ما تطلع إليه موسى وبين ما تطلع إليه هؤلاء.. إن موسى يتطلع إلى النظر إلى ربه حباً وإيماناً { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } (الأعراف 143) أما هؤلاء فإنهم يتطلعون إلى رؤية ربهم تحدياً وكفراً { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } وتبين هذه الآيات الكريمة أن نفس الطلب قد ينطوي على موقفين مختلفين متناقضين كل التناقض، وإنما تتميز المواقف بما يصدر عن الفريقين في لحن القول { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ . وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ.} (محمد 29-30).

وكذلك فإن الله يبين لنا أن رحمته وسعت كل شيء، وأن أبواب التوبة إليه لا تنغلق حتى يحضر الإنسان الموت.. فإذا حضره الموت فقد انقضى الامتحان وبدأ الحساب، فمن عمل صالحاً فلنفسه ومن عمل سيئة فلا يجزى الذين يعملون السيئات إلا ما كانوا يعملون.

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .‏ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . }(المائدة 20-26).

الخوف.. لا بدّ للإنسان من خوف.. إما أن يخاف الإنسان ربه فيعيش حياته آمناً من كل خوف فلا يخاف من بعده سبحانه وتعالى من أحد أبداً.. حتى الجبابرة الذين كانوا في الأرض المقدسة التي كتبها الله لبني إسرائيل { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .} رجلان يخافان الله أنعم عليهما فأمنهما من كل خوف.. وأما الذين لا يخافون الله فإنهم سيخافون كل صيحة عليهم سواء جاءتهم الصيحة من جبار في الأرض أو من المستذلين فيها.. ولا بد للإنسان من السجود.. فإما أن يسجد لله طوعاً وخضوعاً وذلاً، فيرفع الله رأسه بين الناس عزة وشموخاً وقوة.. أو يأبى الإنسان أن يسجد لربه كبرياء بغير الحق أو كسلاً أو غفلة، فيسجد للعذاب هواناً وذلة { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .} (الحج 18). وكثير حق عليه العذاب هؤلاء سجدوا هواناً بعد أن أبَوا أن يسجدوا طوعاً كما سجد لله كل شيء.. إن الله لا يعجزه شيء في السماوات والأرض وكل شيء يأتي بأمره طوعاً أو كرهاً.. قال للسماوات والأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.. وشهد الله أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ولكن الناس قد تركوا في الحياة الدنيا لأنفسهم إن شاؤوا سجدوا لله طوعاً وإن شاؤوا ألاّ يسجدوا فيحق عليهم العذاب ويسجدوا هواناً وذلاً في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

خاف بنو إسرائيل من الجبارين ولم يخافوا الله فحرم عليهم ما كتبه الله لهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ذلاً وهواناً أَنعم الله على موسى ومن آمن معه فبرأه الله في كتابه الذي حفظه للناس كافة إلى يوم يبعثون { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً .} (الأحزاب 69-71).

لم يكن موسى عليه السلام رسولاً إلى قارون وفرعون وهامان فحسب ولم يكن رسولاً إلى بني إسرائيل فحسب، بل أرسل موسى إلى الناس كافة بكتاب أنزل عليه كالكتاب الذي أنزل علينا { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ .} (القصص 43). وأنزلت التوراة على موسى عليه السلام كما أنزل القرآن تفصيلاً لكل شيء { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ .} (الأنعام 154).

ولقد ذكر القوم في القرآن تارة باليهود وتارة أخرى ببني إسرائيل، وليس في القرآن مترادفات فلكل كلمة بيان ولكل حرف حكمة. فأما بنو إسرائيل فهم ذرية يعقوب عليه السلام، وإنما اختلط بهم من الأمم الأخرى من اعتنق دينهم وأصبح محسوباً عليهم { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ .} (البقرة 78). فمن كان من ذرية يعقوب فهو من بني إسرائيل ومن كان يعتنق ملتهم من الأميين فهو من اليهود ونحسب أن هذه التسمية قد جاءت من دعاء موسى عليه السلام إذ قال { إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } أي اهتدينا.. ذلك إنه وبعد أن سكت عن موسى الغضب وأخذ الألواح واستغفر ربه مما صنعه القوم من بعده فقد اختار سبعين رجلاً منهم لميقات جديد { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ . وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ . وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ . وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ .} (الأعراف 152-156).

فإذا ورد التعبير ببني إسرائيل فإنه لا يشمل إلا من كان من ذرية يعقوب عليه السلام، جعل الله منهم أئمة يهدون بأمره لما صبروا وكانوا بآيات الله يوقنون { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ . وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.} (السجدة 23-25). لقد دعا إبراهيم ربه أن يجعل من ذريته أئمة كما جعله للناس إماماً {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .} (البقرة 124). لم يجعل الله سبحانه وتعالى الإمامة عهداً في ذرية إبراهيم بغير قيد فلقد علم سبحانه أنه سيكون منهم ظالمون، بل جعلها في الذين يحملون كتبه ورسالاته ويؤمنون بآياته ويصبرون عليها ابتغاء وجه الله، وقد تفرق بنو إسرائيل في الأمم منهم اليهود ومنهم غير ذلك.

وأما إذا ورد التعبير باليهود فإنه للدلالة على الذين يعتنقون الملة جميعاً سواء من كان مهم من الأميين أو من بني إسرائيل على سواء، ولذلك فإننا نجدها في القرآن ترد مقابل الملل الأخرى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .} (البقرة 62). { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .} (الحج 17). وقال الله تبارك وتعالى { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُو} (المائدة 82). فهم أعداء الإيمان ليس لأنهم من بني إسرائيل عليه السلام، بل لما توارثونه في ملتهم من المعتقدات الخاطئة وما يحفظونه في كتبهم من الأساطير والكفر بالله ملائكته وكتبه وأنبيائه.

إن الذين آمنوا من بني إسرائيل من الذين استُحفِظوا على التوراة وآمنوا بآيات ربهم وصبروا وجاهدوا واتبعوا ملة أبيهم إبراهيم حنفاء لله، هؤلاء جعل الله فيهم الكتاب والحكم والنبوة وفضلهم الله على العالمين {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.}(الجاثية16). أما الذين جاؤوا بالأساطير وكذبوا على الأنبياء والصالحين وعبدوا الطاغوت وأورثوا قومهم ما أشربوا في قلوبهم من الضلالة، فهؤلاء مع الذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا كما كانوا من قبل أشد عداوة للأنبياء والصالحين والذين يأمرون بالقسط من الناس.

وكان بنو إسرائيل عبيداً لفرعون وملئه، فلما جاءهم موسى وهارون بالبينات استنكفوا واستكبروا { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ . فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ .} (المؤمنون 45-47).

استكبروا في الأرض بملكهم فيها وبما أوتوا من زينتها وزخرفها وظنوا أنها مانعتهم من الله { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ . فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ .} (الزخرف 51-52).

سقط نظام فرعون وكذلك يسقط الفراعنة غير مأسوف عليهم {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ . وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ . مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ . وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ .} (الدخان 25-32). ولسوف يظل فرعون مثلاً لكل نظام يتكبر في الأرض بغير الحق ظلماً وكفراً، لقد طغى في الأرض حتى نصب نفسه إلهاً وملك الأرض ومن عليها، وفرق بين الناس فجعل من يشاء عبيداً وجعل من يشاء أسياداً. وأفلت قارون من الرق واستطاع أن يتقرب من السادة وأن يصبح من أكثر هؤلاء زينة وأموالاً، ولم ينفعه نصح قومه الذين أخلصوا له فكان من المهلكين فإنه إذا جاء أمر ربك لا ينفع المال ولا تمنع الحصون ولا يغنى عن الظالمين من شيء في لأرض ولا في السماء.. ويشاء الله أن يقيم البينة على أنه لا يتكبر بغير الحق إلا جبان ولا يفرح بزينة الحياة الدنيا إلا المنافقون، فإنه لما أوشك فرعون على الغرق في اليم صرخ كما يصرخ الجبناء إذا غلبوا على أمرهم.. ونسى ما كان يزعم من الاستعلاء في الأرض وشهد على نفسه أنه كان يكذب على قومه تماماً كما كانوا يكذبون عليه رياءً ونفاقاً { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ .} (يونس 90-92).

وسقط النظام بسقوط الطغيان.. وورثه القوم الذين كانوا يستضعفون في الأرض.. وتحرر بنو إسرائيل من الرق وأنطلقوا ينتشرون في الأرض حيث يشاؤون { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً . قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً . فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً . وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً .} (الإسراء 101-104).

وسكن بنو إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها.. وجعل الله منهم ملوكاً وأنبياء واستحوذ الشيطان على أكثرهم فكانوا من المفسدين.. وظهر فيهم فراعنة وسلط الله عليهم فراعنة بظلمهم.. وظهر منهم وما يزال يظهر منهم قارون بعد قارون، وإذا يشاء الله يخسف بهم الأرض بعد الأرض.

وكذلك يقص الله الحق بكلماته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وعلى أولي الألباب أن يكتفوا بما في تفصيل العبرة دون تفاصيل الرواية التي لا تغني من الحق شيئاً، وإذا كان لا محالة فاعلاً فلا بأس من رواية ما يشهد عليه من القصص في حياته لمن يأتي من بعده إذا وجد فيه تفاصيل العبرة وإقامة الحجة لله تبارك وتعالى.

وإنما نستنبط ذلك من قوله تعالى { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَ} (الأنعام 144)، أما أن تقص رواية لم تشهد عليها، فذلك أقرب إلى الافتراء والاحتجاج بالظن، إلا أن تجد عليه دليلاً قاطعاً، ذلك بأن الله قد برأ رسوله من رواية قصص لم يشهد عليه إلا بما أوحى إليه من كتاب ربه { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف 102)، { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } (القصص 44)، { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } (آل عمران 44).

فما ظن الذي يقص الرواية بغير علم يوم القيامة، يوم يسأله الله عما يقص على مقصه هل كنت فيهم؟ أم كنت لديهم؟ أم كنت شاهداً عليهم؟ يومئذ يقول الذين أسرفوا على أنفسهم، سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نفتري الكذب بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

والرواية من الشهادة لا ينبغي أن يأتي بها المؤمن إلا بعلم، كما قال إخوة يوسف يوم جاؤوا بالحق { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } (يوسف 81)، ومن حديث رسول الله الذي يثبته الله في كتابه العزيز بقول الحق من ربه لا ريب فيه { مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ } (ص 69، 70)، أي أنه لا علم له إلا بما يوحى إليه بالحق من الحق تبارك وتعالى.

وكان اليهود أشد إسرافاً في رواية العهد القديم، فجاءهم قول الحق من ربهم { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (البقرة 133)، وأبى المستشرقون إلا أن يزلقوا المسلمين ليسرفوا على انفسهم كما أسرف اليهود على أنفسهم في رواية الأساطير ليفسدوا عليهم دينهم، وأبى الله سبحانه إلا أن يعمي أبصارهم عن علوم اللسان فلم يقربوها ليحفظ الله فيها مفاتح هذا القرآن، فخاضوا فيما يخوضون به بعيداً عن علوم القرآن وعلوم اللسان، وبقيت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين يدعون من دونه هي السلفى إلى يوم القيامة.

داود عـليه السلام

توفي موسى عليه السلام بعد أن أستُحِفظ على كتاب الله يحكم بينهم { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .} (المائدة 44).

وكان بنو إسرائيل من بعده قد أخرجوا من ديارهم، وكتب عليهم القتال حتى يعودوا آمنين إليها. ولقد نراهم رأي العين في ضعفهم ونسمع دعاء نبيهم يحرضهم على القتال فما كان الله لينصر القاعدين حتى ينفروا، وما كان الله ليخذلهم إذا خرجوا جهاداً في سبيله وابتغاء مرضاته { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ . تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .‏} (البقرة 246-252).

بهذه الآيات الكريمة بدأت رحلة داود إلى الملك.. كان عليه السلام رجلاً من بني إسرائيل.. لا يعنينا نسبه إلى يعقوب عليه السلام ولا تعنينا درجة قرابته بموسى وهارون عليهما السلام.. وإنما يعنينا أن الله سبحانه وتعالى لا يصطفي من عباده سدى ولا يختار منهم إلا على علم وبعد بلاء مبين.. فها هو داود عليه السلام مؤمناً بنبي يحرض المؤمنين على القتال لا يتولى عنه كما تولى عنه الظالمون.. ثم هو لا يجادل ملك طالوت بعد أن بعثه الله ملكاً بل يخرج معه جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته.. وورد معه ماء النهر فلم يشرب منه كما شرب الذين خالفوا عن أمره.. ثم كان من الذين آمنوا بنصر الله ينصر من يشاء فأبلى في القتال بلاء حسناً، وكان في طليعة المحاربين حتى أظهره الله على جالوت فقتله فاستحق الملك والحكمة وعلمه الله مما يشاء.

ذاق داود عليه السلام مع قومه مرارة القهر فكان طبيعياً أن يتطلع إلى القوة ليرد بها عدوان الظالمين، فأرشده الله إلى الحديد وجعله ليناً بين يديه.. ولم يكن يتطلع إلى القوة ليقهر بها الناس أو ليسبي نساءهم ويسلب أموالهم كما يزعم اليهود في أساطيرهم، بل ليحصن قومه من بطش أعدائهم { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ .} (سبأ 10). { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ . وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ .} (الأنبياء 79-80). علمه الله صناعة الأسلحة ليتحصن بها القوم من بأس أعدائهم ولا نجد في القرآن أن داود عليه السلام كما يزعم اليهود ومن شايعهم من المؤرخين المسلمين مقاتلاً لا يكف عن الحرب والدمار بغير الحق.

لا نجد في كتاب الله نبياً ولا رسولاً ولا عبداً صالحاً يخرج لقتال الناس بغير الحق بل يحصنون أنفسهم ويعدون لأعدائهم ما استطاعوا من القوة لرد الظلم والعدوان.. كذبوا على داود فقالوا إنه عاش قاهراً وكذبوا على عيسى فقالوا أنه مات مقهوراً فحقت عليهم لعنة داود وعيسى ابن مريم ولعنة الملائكة والناس أجمعين { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ .} (المائدة 78).

لا نجد داود عليه السلام في كتاب الله يتطلع من سقف بيته على عورة جاره، بل نراه رأى العين عاكفاً يصلي في محرابه قانتاً لله حنيفاً مسلماً وجهه إلى الله مخلصاً دينه لله ينشد العدل والإصلاح بين الناس.. فإذا أخطأ في قضية نعجة رأيناه يستغفر ربه راكعاً منيباً إليه {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ . وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ . وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ . إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ . قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ . فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ . يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ .} (ص 17-26). وإذ نتدبر هذه الآيات نجد أن داود عليه السلام كان عبداً مؤمناً قانتاً لله حنيفاً ولم يكن جباراً في الأرض ولم يكن من المشركين، وكان ملكاً حكيماً عالماً صالحاً يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه.. فإذا قضى لخصم قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر خرّ راكعاً مستغفراً ربه منيباً إليه، ولو كان الذي قضى به بين الخصمين نعجة واحدة.

ورأينا من قبل أن الله سبحانه وتعالى قد أذن لداود أن يجتهد للناس في السرد.. فإذا واجهه من سرد الأحداث أمر عالجه بتشريع يلائمه.. وأصبح ذلك من سنن الصالحين التي يجب على المسلمين أن يقتدوا بها { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (سبأ 10، 11). السرد هو تتابع الأمور ومنها سرد الحديث وسرد الأحداث.. وعلى أولياء الأمور أن يجتهدوا لها من الحلول ما يلائمها بسلطة تقديرية تسبغ عليها من العلم ومن الحكمة ما يقتضيه العمل الصالح على هدى من كتاب ربهم..

ويتساءل العلماء وما يزال العلماء يتساءلون عن الزبور الذي أوتي داود عليه السلام ورد في جامع البيان (الجزء 15 صفحة 71) والجامع لأحكام القرآن (الجزء 6 صفحة 17) ونهاية الأرب الجزء (14 صفحة 55) أن زبور داود كان دعاء علمه داود عليه السلام تحميداً وتمجيداً وليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولعلهم تأثروا بما جاء به العهد القديم في سفر المزامير وظنوا أن ما أنزل على داود كان كله على نحو ما جاء في هذا السفر.. ولن نتوقف مع العلماء فيما يستنبطونه لأنفسهم فإنه يكفينا أن الله سبحانه وتعالى قد بين لنا ما كتب فيه { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ . وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ .} (الأنبياء 105-107).

سليمان عـليه السلام

كتب الله لداود عليه السلام أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، فإذا كان سليمان عليه السلام صالحاً فهو أحق بالملك من بعده.. ولا يمنع من ذلك أن الملك سيكون وراثياً في آل داود، متى كان سيرث الملك لأنه أصلح الناس به وليس لمجرد أنه ابن داود عليه السلام.. الأبناء لا يرثون الملك عن آبائهم لمجرد أنهم أبناء الملك، أما إذا كان الابن هو أصلح الناس من بعده فليس في الدين ما يمنع أن يرث أباه في الملك.

وكانت الولاية قد تهيأت لسليمان من بعد داود، ولكنه أعرض عن الحكم خشية أن تشغله الولاية عن ذكر الله. لقد نرى سليمان يأسف أشد الأسف لمّا شغلته الخيل عن ذكر الله، فما باله لا يشفق على نفسه من الولاية أن تشغله عن الذكر. ففرغ الكرسي من الذي كان جديراً به وأحق أن يتبوأه، فقفز إليه الجسد مجرد جسد بلا عقل ولا قلب ولا علم ولا إيمان.. فهلك الحرث والنسل وظن سليمان أنها الفتنة، فاستغفر ربه وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. لم يسأله ذلك الملك علواً في الأرض فلا يستقيم ذلك في الفهم بعد ما رأيناه من إعراضه عن الخيل، ولكن الذي يستقيم في الفهم والمنطق ويتفق مع خلق الأنبياء والصالحين أنه إنما سأله ذلك حتى لا يشغله الملك عن الذكر ولا يشغله الذكر عن الملك فيقوم بالأمرين على أحسن ما ينبغي له ابتغاء وجه الله ورضوانه { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ . فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ . وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ . فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ . وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ . وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ . هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ .} (ص 30-40).

ما كان ينبغي للصالحين أن يزهدوا في الملك بل عليهم أن يتصدوا لأعبائه ويتوكلوا على الله فهو القادر على أن يمدهم بنصره كما أمد سليمان عليه السلام.. فإذا كان سليمان صالحاً وكان أبوه صالحاً فهو أولى بالملك وأحق بالولاية وليس له أن يتذرع بذكر الله ليذر الكرسي فارغاً.. ذلك لأن الإصلاح في الأرض من موقع الملك والدعوة إلى الإسلام بسلطان الولاية هو من عبادة الله كالذكر أو الصلاة.

وفضلاً عما تكامل لسليمان من شروط الولاية فإنه كان قد تدرب على الحكم في عهد ولاية أبيه، فقد رأيناه يقضي في ملك داود عليه السلام كما رأينا أن الله سبحانه وتعالى كان يفهمه ما يختلط عليه من الأمر فيما كان يعرض عليه من الدعاوى { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ .} (الأنبياء 78، 79)... وتدل هذه الآية الكريمة على أن القضاء فهم قبل أن يكون علماً... ولا يغني علم عن الفهم شيئاً.

تبوأ سليمان الكرسي ولاية وليس إلقاء كما كان ألقى عليه الجسد من قبل وأوتي بأمر ربه سلطاناً على الإنس والجن والطير والنمل، وكان ينهض بسلطانه خاشعاً لربه لا يغيب قلبه عن ذكر الله ولا يشغله الملك عن الآخرة ولا يفتنه شيء من زينة الحياة الدنيا وزخرفها مما لم يؤت أحد من بعده أبداً.. فيضرب سليمان بذلك المثل على أن الإنسان قادر بذكر الله على أن يعلو فوق الحياة الدنيا بكل ما يمكن أن ينبغي فيها من القوة أو الزينة أو السلطان وبكل ما يجتمع فيها من حوله من الإنس والجن والطير والدواب { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .} (العنكبوت 45). تلاوة الكتاب وإقام الصلاة وذكر الله ذكراً لا يغيب عن القلب ولا يشغل عنه الفؤاد أبداً في الحركة والسكون في الصمت وفي الضجيج في القوة وفي الضعف.. بمثل هذا الذكر يعلو الإنسان فوق الحياة الدنيا كما على سليمان عليه السلام على نفسه وعلى الإنس والجن والطير والجبال { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ . وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ. وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ . قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ . قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ . فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ . قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ . فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ . وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ . قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} (النمل 15-44).

هذا هو أحسن القصص من كتاب ربنا ميسر ومفسر بإذن الله للذين يستنبطون.. آتاه الله من الملك حتى سمع ما تهمس به النملة لأختها، فلما سمع قولها ازداد خشوعاً لربه وقال {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ .} ولما جاءته أنباء مملكة سبأ لم يطمع في ملكهم ولم يتطلع إلى قهرهم وسلب أموالهم وغزو أراضيهم، بل بعث إليهم يدعوهم بدعوة الحق إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كتاب كريم. ولكنهم أرادوا أن يساوموه في دينه فعلم ما يبيتونه في أنفسهم، وعلم أنهم قد غرتهم قوتهم وغرهم بأسهم فأراد أن يتصدى لمكرهم حرباً بحرب.. وبدأ بعرشهم فلما رآه مستقراً عنده ازداد خشوعاً بين يدي ربه وقال { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ .} (النمل 40) في أوج مجده وسلطانه لا يغيب الذكر عن قلبه ولا يشغل الفؤاد عن ربه، وكذلك كان سليمان عليه السلام حتى إذا أسلمت ملكة سبأ نراه يرفعها في مقامه ويستضيفها في الصرح بما ينبغي من الشرف والقدر للملوك الصالحين.

ولقد ظل سليمان يحكم حتى من بعد موته { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ . يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ . }(سبأ 12-14).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home