Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Monday, 10 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (3)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الرحمن . عـلم القرآن . خلق الإنسان

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ . } (البقرة 30-33).

ذهب الفقهاء مذاهب شتى في تفسير معنى الخلافة في قوله تبارك وتعالى { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ويبدو أنه ترجح لديهم أنه سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة له في الأرض، وهذا استنباط ظاهر الفساد ويوشك أن يكون هو الشرك ذاته، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يُستخلف لا في الأرض ولا في السماء. الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى حي لا يموت، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى موجود فوق كل وجود وقبل كل وجود وبعد كل وجود، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى لا يغيب عن خلقه في الأرض أو في السماء لا بسِنَة ولا بنوم ولا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة في الأرض أو في السماء وهو معها أينما كانت وهو القاهر فوقها له العزة في السماوات والأرض جميعاً وهو الغني الحميد.

فكيف يُستخلف الموجود فوق كل وجود، والخلافة بالمعنى الذي جاءوا به لا تكون إلا عن الغائبين وحاشى لله أن يغيب عن خلقه لحظة واحدة من الليل أو النهار، ثم من هو هذا الذي يقدر على أن يخلفه في أي شأن من شؤونه في الأرض أو في السماء { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } (فاطر 15)، وما كان خلف الشيء فهو وراءه وهو عكس ما كان أمامه أو ما بين يديه : { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } (مريم 64)، { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة } (يونس 92). هذا هو الأصل في اللسان العربي لمعنى الخلافة ومنه تشتق سائر الألفاظ التي تتركب به. التخلف عن الشيء بمعنى ترك الشيء وهو عكس إتباعه أو الأخذ به : { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ } (التوبة 81). والخالف وجمعه خوالف أو خالفون فهو مخلف وهم مخلفون إذا تركوا أمراً وانقطعوا عنه ولم يتبعوه : { فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ } (التوبة 87). وعدم إتباع الرأي يعتبر خلافاً فيه أو اختلافاً عليه وهو غير التفرق في الرأي أو التحزب فيه : { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران 105)، تفرقوا بمعنى أنه كان لكل طائفة منهم رأي يناقض رأي الطائفة الأخرى، واختلفوا بمعنى أن جميع الطوائف قعدت عن الرأي الصحيح ولم تتبع منه شيئاً بعد أن قامت البينة على صحته وصوابه. ومن يفي بما وعد به فإنه يقدمه ولا يتخلف عنه وعكس ذلك من يخلف الوعد فهو يؤخره ولا يتقدم به من بين يديه : { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } (إبراهيم 22)، ويخلف ولي الأمر إذا كان من ورائه يقوم مقامه إذا غاب عنه : { وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } (الأعراف 142)، فإذا حل ولي محل ولي آخر فقد خلفه في الأمر لأنه كان من خلفه يتربص به فهو خليفة { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } (ص 26)، وكما تطلق الخلافة على الأشخاص يحل بعضهم محل بعض فإنها تطلق كذلك على الأشياء يحل بعضها محل ما ذهب منها : { وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (سبأ 39).

وهكذا يتحدد معنى الخلافة للدلالة على أن هنالك شيئاً مخلفاً أي متروكاً كما في قوله تعالى : { وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ } (التوبة 118)، أي تركوا { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة} أي خلقاً متروكاً في الأرض يسير أمر نفسه، ولذلك جاءت صيحة الملائكة على الفور { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } لم تتصور الملائكة بادئ الرأي أن خلقاً يستقيم في الأرض إذا ترك وشأنه يتدبر أمره بوازع من ذاته فمبلغ علمهم أن لا يستقيم شيء في ملك الله إلا إذا كان خاضعاً خضوعاً مطلقاً لسنن الله تبارك وتعالى ابتداء من فلك الذرة إلى فلك المجرة إلى غير ذلك من سائر خلق الله في الأرض وفي السماوات ومن هؤلاء الملائكة أنفسهم الذين يسبحون بحمد ربهم ويقدسون له.

وجاء الرد بالآية الكبرى على مشهد من الملائكة لتعلم أن هذا الخلق الذي سيترك وشأنه في الأرض لن يترك سدى ولن يكون خلقاً منسياً، بل سيكون خلقاً يتلقى العلم فيتعلمه ثم يعلمه لغيره { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون َ . }. (البقرة 30-33).

وهكذا لم يشأ الله سبحانه أن يجعل الإنسان خاضعاً لسننه كما تخضع الأكوان في أفلاكها بل تركه لذاته يسير نفسه بنفسه، ولكنه من رحمته لم يشأ أن يتركه سدى بل جعله خلقاً يتلقى العلم ويعلمه لغيره تماماً كما تلقى آدم الأسماء من ربه وأنبأ الملائكة بها ليستقيم الحساب يوم تقوم الساعة وظل هذا هو أساس الخلق إنسان يهبط على الأرض فيجد نفسه خليفة فيها طليقاً يجد رزقه في الأرض كما يجد العلم بين يديه يتلقاه شيئاً فشيئاً حتى يَعْلَمَه ويجد نفسه قادراً في كل حين على أن يعلم ما تعلمه لغيره ثم يسير أموره بما يطمئن إليه بمحض إرادته { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } (الإنسان 3).

إذن فلقد كانت الملائكة على حق حين أزعجها خبر خلق يسير نفسه بوازع من ذاته مثلهم في ذلك مثل علماء الفلك إذا قلت لهم إن الله سيطلق آلاف الملايين من الكواكب في هذا الفضاء المنتظم لتتخذ لها الفلك الذي تراه هي بوازع من ذاتها دون أن تكون خاضعة في مدارها لوحي مباشر من لدن عزيز رحيم، لا شك أن علماء الفلك سينزعجون انزعاجاً شديداً لا يقل عن انزعاج الملائكة إذا غابت عنهم حكمة هذا الخلق، ولقد كانت حكمة الخلق هي العلم الذي يتلقاه الإنسان ويتقبله ويسير على هدى منه ويعلمه لغيره، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالقرآن فكان العلم كله من لدن عزيز رحيم مفصلاً ومفسراً وميسراً بإذن الله { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ . } (الرحمن 1-4).

الحق والباطل

لا يستقيم التمييز في هذه الحياة الدنيا بين جد وهزل فهي كلها لهو ولعب، وإنما يستبين هذه الحقيقة الدامغة أولئك الذين يحذرون الآخرة ويرجون رحمة الله يوم ينتهي هذا الضجيج ويقفون على ربهم في مشهد يوم عظيم { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ . وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . } (الأنعام 30-32).
ولقد نرى أنه كان للإنسان حياة عند ربه يوم أشهده الله على نفسه فشهد بين يديه بالحق : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .} (الأعراف 172-174)، كان ذلك في الخلق الأول وبدأت الحياة الدنيا عرضاً قليلاً ليمتحن الإنسان فيما شهد به بين يدي ربه فإذا قامت الساعة ووقف الإنسان على ربه على بصر حديد فلسوف يتذكر ما شهد به ولن ينفعه يومئذ أن يعتذر بالغفلة عن ذلك، ولن ينفعه يومئذ أنه ورث الشرك عن آبائه. فإن الله قد جعل له عقلاً وجعل له قلباً وأودع بين يديه كتاباً مرشداً، لا حجة له عند ربه بل حجة الله فوقه دامغة يوم يسمع نداء ربه بالحق : { حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ. } (النمل 84، 85)، ماذا كنتم تعملون، لا ينفع العمل الذي ينصرف به صاحبه عن الذكر وعن الإحاطة به لأنه كان يؤثر عليه الحياة الدنيا : { إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} (محمد 36)، وعند علماء اللسان إذا جاء البيان (بإنما) أو باستعمال (ما .. وإلا) فإنه للدلالة القاطعة على أنه أمر لا استثناء فيه، فالحياة الدنيا في ذاتها لذاتها لهو ولعب لا فصل ولا هزل.

ومثل الحياة الدنيا كماء ينزل بقدر من السماء فتنبت الأرض نباتاً عجباً، ومهما فتن الناس به وأعجبهم حسنه فإن مصيره إلى زوال : { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ . سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .} (الحديد 20، 21). هذه هي الحياة الدنيا نبات يعجب الكفار ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، وتلك هي الدار الآخرة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً. فالزوال والبقاء هما أساس التفرقة بين الحياة الدنيا وبين الدار الآخرة، فما كان في هذه الحياة زائلاً فهو من اللهو ومن اللعب وما كان باقياً فليس من اللهو ولا من اللعب في شيء. ولذلك فإنه يمكن القول بأن معيار اللهو واللعب إنما يكمن في الزوال، فإذا كانت الحياة الدنيا لا محالة زائلة فهي ولا ريب لهو ولعب ولا تغني عن الإنسان من الآخرة في شيء.

وإذا كانت الحياة الدنيا لهواً ولعباً زائلاً فإنه لا يستقيم التمييز فيها بين الجد والهزل، فكل ما كان ابتغاء الحياة الدنيا لذاتها فهو اللهو لأنه طلب أمر لا محالة زائل، وطلب الزائل من اللهو ومن اللعب وكذلك فإن وسائل طلبه مهما بدى فيها من مظاهر الحزم والجد فهي لهو ولعب كذلك. وإنما تتميز الأمور في هذه الحياة الدنيا بمعايير الحق والباطل، الحق ما كان ابتغاء وجه الله لأنه لا بقاء إلا لله وحده، والباطل ما كان ابتغاء غير الله لأن كل ما خلا وجه الله فهو زائل { وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص 88).

ما كان ابتغاء وجه الله فهو الحق لأنه هو الحق ولا بقاء إلا له وحده سبحانه وتعالى، وما كان ابتغاء غير الله فهو الباطل لأنه لا حق إلا بالله وكل ما عدا غير الله سبحانه فهو زائل، والذين يعقلون لا يستبدلون زائلاً بباق ولا يبتغون عن الحق باطلاً : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ . لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ . وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.} (الرعد 17-22). مثل الحق والباطل كمثل سيْل احتمل زبداً رابياً، فأما الماء فما يزال باقياً في الأرض ينفع الناس وأما الزبد فهو فقاقيع لا تلبث أن تنفجر فتذهب جفاء زائلاً. أو كإناء وضع على النار ابتغاء طعام أو غيره فأما الطعام فما يزال في الإناء باقياً لينفع الناس وأما ما كان يحتمله من الزبد فقد ذهب جفاء زائلاً. هذه هي الآية الكبرى في أساس التفرقة بين الحق والباطل، الحياة الدنيا في ذاتها زبد زائل ولا ينفع الناس فيها إلا العمل الصالح الذي يبتغي به الإنسان وجه ربه : { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً . الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً .} (الكهف 45و46). ومثل الباطل في الحياة الدنيا كمثل الزبد، وكل ما كان ابتغاء الحياة الدنيا لذاتها، فهو من اللهو وكل لهو باطل مهما تظاهر عليه من الجد أو أسبغ عليه من نظريات العلم. والذين يظنون أنهم قادرون على تنظيم الحياة وعلى توفير الأمن والسعادة للبشر ابتغاء الحياة الدنيا وزينتها بعيداً عن هدى ربهم وبغير علم من الله فيما أنزله لعباده من الذكر أولئك هم الواهمون الذين يريدونها لهواً ولعباً من الذين يحسبون الخلق لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا وعميت أبصارهم عن البصر بوجه الحق : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ .} (الأنبياء 16-18) الله وحده هو الحق الباقي سبحانه تبارك وتعالى، ولا يبقى في ملكه إلا كل حق باق. العمل الصالح ابتغاء وجه الله ذلك حق والله يرفعه وصاحبه باق عنده في الجنة خالدين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً، وكل ما عداه فهو زائل ذلك من اللهو والله يقذفه بالحق فإذا هو زاهق ويبقى صاحبه في النار خالدين فيها لا يجدون عنها حولاً : { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ . } (محمد 1-3) الحق ما كان باقياً والباطل ما كان زائلاً، وجاءت هذه الآية قاطعة الدلالة على أنه لا حق إلا الذي تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن اتبعه كان على الحق وهدى إلى طريق مستقيم ومن أعرض عنه فلن يجد من بين يديه ولا من خلفه إلا الباطل، قد يضيء له قليلاً ولكن لا يلبث أن ينقلب إلى ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور { أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ.} (البقرة 16و17) فذلك هو الذي اراد أن يستضيء بغير نور الله الذي أنزله على عباده مما أوحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، أعرض عنه عن جهل أو عن غفلة وذهب يستوقد ناراً لعله يستضيء بها وما من نار تستوقد في الأرض لتبقى، وقضى الله سبحانه وتعالى بأنه لن يكون بقاء إلا لنوره الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك هو النور الذي ما يزال بعد هذه القرون الطويلة والحادثات الجسام ساطعاً قوياً شامخاً يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وشهد الله وملائكته وأولو العلم أنه لم تبق دعوة تناقضه، ولم تصمد نظرية أراد صاحبها أن يدحض بها آية من آياته، ولم يفلح مكابر زعم أنه قادرٌ على أن يغني عن ذكره أو يأتي بتفصيل له ليس فيه، أو يقدم تفسيراً له ليس منه. إنه النور الذي لا يخبو ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.} (التوبة 32، 33) إن الذين يستوقدون ناراً ليستضيئوا بغير نور الله في الظلمات وفي ضلال مبين، كالذي استضاء بالماركسية أو بغيرها من كتب الضلالة ومواثيقها تضيء له ما بقى يحرسها بأسنة الحراب ولكن شهدت الأيام أنها لا تبقى إلا كما بقيت كتب الفاشية والنازية ومواثيقهما لأنها ليست من عند الله بل من بشر أرادوا أن يستوقدوا ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.

والله لا ينهى عن زينة الحياة الدنيا ولا عن الأخذ بأسباب القوة فيها، كلا بل إن الله سبحانه وتعالى قد حبب إلى عباده أن يسعوا في الأرض وأن يمشوا في مناكبها { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (الملك 15). ودعى سبحانه وتعالى عباده إلى النظر فيما خلق في السماوات والأرض { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (العنكبوت 20).

ومن آيات الله البينات حديث المدن الآمنة التي أرشد الله من رحمته إليها، فأينما وليت وجهك في الأرض فإنك تجد مدناً مباركة عامرة بمبانيها ومستشفياتها ومدارسها ومراكز أمنها ومرافقها، وقرى لا تجد فيها من ذلك إلا شيئاً قليلاً أو لا تجد فيها شيئاً من ذلك على الإطلاق. وما يزال أهل القرى يتركون مزارعهم ومراعيهم للخراب سعياً وراء رغد العيش في المدن المباركة. وما يزال أهل هذه المدن يضيقون ذرعاً بأفواج النازحين عليهم من أهل القرى حتى لتوشك هذه المدن أن تتفجر بمن فيها. من أجل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد دعا إلى بناء القرى بين المدن المباركة بناءً ظاهراً وتيسير المواصلات بينها جميعاً تيسيراً تصل به بركات المدن الكبرى إلى أهل القرى وتصل به خيرات القرى إلى أهل هذه المدن بغير مشقة ودون حاجة إلى الهجرة من القرية أو النزوح إلى المدينة، فينتشر بذلك العمران وتعم أسباب الأمن والرفاهية الناس جميعاً ولا يغرى التكدس في المدن والفراغات البعيدة من حولها أعداء الأمة بالاستيلاء عليها أرضاً بعد أرض : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. } (سبأ 18، 19).

والله أمر عباده ألا يتخلفوا عن أسباب القوة كما نرى في آية القوة دلالة على أسلحة القهر والردع وآية الخيل دلالة على مراكب البر والبحر والجو لحمل القهر والردع فوق رؤوس أعداء الله الذين يبادرون الناس بظلم أو بعدوان : { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } (الأنفال 60).

والله سبحانه وتعالى قد أقام الحجة الدامغة على الذين يدعون إلى الزهد في الحياة الدنيا والإعراض عن متاعها وزينتها وأسباب القوة فيها فقال تبارك وتعالى { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . } (الأعراف 31-33).

ونرى أن سليمان عليه السلام لما أعرض عن الولاية بعد أن استحقها بما أوتي من العلم والإيمان حتى لا تشغله الولاية عن ذكر ربه، فقد فرغ الكرسي ممن كان جديراً به فقفز إليه الجسد ليسير أمور الناس بغير علم ولا هدى ولا دين قويم، ففسدت الأرض واستغفر سليمان ربه وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده حتى لا تشغله الولاية عن الذكر { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ .} (ص 34، 35). لا ينهى الله عن زينة الحياة الدنيا ولا عن متاعها ولا عن الطيبات من الرزق ولا عن الأخذ بأسباب القوة فيها، وإنما ينهى الله عباده أن تلههم الحياة الدنيا عن الآخرة أو أن تشغلهم عن ذكر الله وما أنزل لعباده من الآيات والحكمة في القرآن : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (المنافقون 9) { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ .} (النور 36و37) { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}(لقمان 6) ذلك ما ينهى الله عنه مما يصرف عقل الإنسان وقلبه عن الذكر من الأموال أو الأولاد أو البيع أو التجارة أو لهو الحديث، فيخلد إلى الأرض ويلتصق بالحياة الدنيا وينسى وراءه يوماً عظيماً ليس من بعده إلا خلود في الجنة أو خلود في النار. وإذا شغل الإنسان بالحياة الدنيا فإنها تجذبه إلى أوهامها وتغرقه في هواجسها، ثم لا يلبث أن يتعلق بالأمل وينسى أنه لن يصيبه فيها إلا ما كتبه الله له وذلك أخطر ما في الحياة الدنيا على الإنسان { الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ . رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ . ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . } (الحجر 1-3). آيات الله البينات المحكمات المفصلات في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، هذا ما لا ينبغي للمؤمنين أن ينشغلوا عنه بمال أو ولد أو بيع أو تجارة أو لهو أو أمل. آيات الكتاب المبين ما تركبت إلا بما يتركب به كلام لا يأتي بمثله المتكلمون من الجن أو الإنس ولو اجتمعوا عليه، تركبت من حروف كحرف الألف أو حرف اللام أو حرف الراء مما يجري به اللسان كما لا يمكن أن يجري بمثله أبداً لحكمة بالغة وحجة داحضة { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } (يونس).

وفي القرآن آيات محكمات تجمع لك ما يمكن لك أن تدركه بحواسك وما لا يمكن لك أن تدرك منه شيئاً بكل ما أوتيت من الحواس في صعيد واحد ليس بوسعك أن تنكر منه شيئاً، بل يهديك سياقها إلى الإيمان بها إيماناً مطلقاً والتسليم بها تسليماً طائعاً، من ذلك قوله تبارك وتعالى { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم‏ ِ.} (فصلت 9-12).

خلق الأرض في يومين، ورواسي واقوات في أربعة أيام، انتهاء بالسماء الدنيا التي نرى مصابيحها رأي العين في الليالي الصافية، كأبهج ما تكون الزينة في الحياة الدنيا، كل أولئك ومواقيت خلقه في عروة وثقى وكأنها كلها وكل ما تحمل من العبر والآيات في متناول أيدينا وأبصارنا.

وفي موضع آخر يبين لك القرآن مراتب الإحساس من العقل إلى اليقين ومن اليقين إلى الإيمان، من ذلك قوله تبارك وتعالى { إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ . وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ . وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (الجاثية 3) إن لك بالعقل أن تدرك اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق، وتصريف الرياح والسحاب وغير ذلك من الظواهر المحسوسة بما أوتي الإنسان من العلم. والعلوم فرعان؛ علوم ظنية تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، وعلوم يقينية هي الحق المطلق الذي لا يقبل الشك ولا الريبة {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} (التكاثر 5). فإذا نظرت في خلق الإنسان وما حوله من الدواب بعلوم الطب وغيرها، ورأيت هذا التشابه العظيم في خلق الكائنات الحية كافة، فإنك تصل إلى درجة اليقين بالخالق الواحد العظيم، أما في السماوات والأرض مما بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه، فتلك آيات للمؤمنين ولو لم يدركوا منها شيئاً بحواسهم القاصرة ومعارفهم المحدودة.

ولقد نرى أن الحرف الواحد لا يغيب عن الآية ولا يظهر فيها إلا لحكمة بالغة، آية ذلك ما نراه حين يساق الناس يوم القيامة { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } (الزمر 71) { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } (الزمر 73).

فإنك ترى أن واو العطف الذي يفيد الترتيب والتعقيب قد ظهر في مساق أهل الجنة { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } ليفيد المهل والروية، ولقد جاء في كتاب الحاصل من المحصول لتاج الدين بن الأرموي (منشورات جامعة قاريونس 1994 صفحة 373) أن واو العطف تفيد الترتيب عند قطرب والربعي وثعلب وأبي عمرو وهشام والشافعي، ونحن مع هؤلاء الجمع من العلماء، وليتدبر الذين يخالفون عن ذلك قول الله تبارك وتعالى { أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء 59)، إن واو العطف في هذه الآية الكريمة يفيد الترتيب قولاً واحد، والخلط بينهم بغير ترتيب هو الكفر بعينه، ويروي الأرموي في الصفحة التالية من كتابة (إن رجلاً قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : بل قل ومن يعصى الله ورسوله فقد غوى) وهذا يؤكد القول بأن واو العطف يفيد الترتيب والتعقيب في اللسان العربي. ولم تظهر واو العطف في مساق أهل النار، لتفيد المفاجأة أو المباغتة {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا َفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }. وإنك لترى المتقين يمشون على الأرض هوناً، ولا يبيتون المكر بأحد، ولا يباغتون أحداً بعدوان، ولا يستعجلون السيئة، ويصبرون على المكاره ويرضون بما قسمه الله لهم، ولا يتهافتون على متاع الدنيا، ولا يصعرون خدهم للناس، وكذلك فإنك تراهم خاشعين بين يدي الله في صلاتهم لا يؤثرون عليها لهواً عاجلاً ولا تجارة قائمة، كما ترى أن أمورهم ميسرة لهم بأمر ربهم سيماهم في وجوههم لا تجد عندهم إلا وجهاً ناعماً ونوراً لطيفاً وهدوءاً ممتعاً وصوتاً خافتاً، لا ينفعلون بالحوادث ولا يغرهم الخير ولا تفزعهم المكاره مسلمين إلى الله الواحد القهار. فلذلك عرف الله سلوكهم فهو الذي فطرهم على هذه السنن الحميدة وهو الذي حبب إليهم هذه الأخلاق الكريمة وزينها في قلوبهم، ويوم القيام فإنهم يساقون إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها هوناً على هون وفتحت أبوابها باباً بعد باب { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } (الزمر 74).

وعلى العكس من كل ذلك فإنك ترى الذين كفروا في الحياة الدنيا يهرولون إذا مشوا وكأنما تطاردهم الشياطين، ويملأون الدنيا ضجيجاً بأصواتهم المنكرة وكأنهم يصطرخون في النار وتراهم يتهافتون على متاع الدنيا تهافت الهيم على الماء وكأنهم خالدون فيها معسرة أمورهم ولا يزيدونها إلا تعسيراً لذلك فإنهم يباغتون بالنار يوم القيامة { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا َفُتِحَتْ أَبْوَابُهَ} فوراً ومباعتة كما كانوا يحملون أوزارهم في الحياة الدنيا من فورهم وهم يباغتون، ويعجل الله لهم العذاب تماماً كما كانوا يستعجلون.

هذه هي آيات القرآن، سورة بعد سورة وآية بعد آية وكلمة بعد كلمةٍ وحرفاً بعد حرف. وإنما أردنا أن نضرب مثلاً على النور الذي ينتشر بحرف واحد يظهر أو يغيب في الآية الواحدة، والقرآن هو الدين كله ولا دين إلا بالقرآن مفصلاً ومبيناً وميسراً آيةً بأيةٍ على أمر رشيد من لدن حكيم حميد.

والدين بالقرآن هو الالتزام بأخلاق ترفع سلوك الإنسان فوق لعب الحياة ولهوها ذلك لأنه لا لعب عند الله ولا لهو في الدين { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ . لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ . بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ .} (الأنبياء 16-18) القرآن هو الدين الحق تنزيل من الله الحق على قلب الرسول بالحق في ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم بالحق، لينذر يوماً يفرق فيه الناس بالحق فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير. وإنما يتخذها هزواً ويظنون بالله ظن الجاهلية بغير الحق الذين لا يؤمنون والذين يلبسون الدين بغير ما ارتضاه الله لهم من حديث مفترى أو استنباط لا دليل عليه أو غير ذلك من لهو الحديث.

{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ .} (الطارق 13و14) هذا هو الدين بالقرآن الكريم قول فصل وما هو بالهزل، وويلٌ للذين يتخذون دينهم هزواً ولعباً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ .} (المائدة 57، 58) ولقد ترى الملحدين رجلين أحدهما لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يقرأ كتاب الله ولا يدرس ما فيه فهو يرفض الإيمان جميعاً، والآخر يرفض ما استحدثه المتأخرون في الدين مما ليس فيه من الدعاوى الباطلة.. كتعدد الزواج دون قيد أو شرط والإسراف في الطلاق بغير ما شرع الله لعباده من الضوابط، والدعوة إلى حرب معلنة لا جنوح فيها إلى السلم حتى يكره الناس على دين الله، والتزاحم في الحجيج على صعيد شاق في يوم واحد شعثاً غبراً بزعمهم، وغير ذلك من الدعاوى ثم لا يهتدي إلى هيمنة القرآن على الدين كله وتفصيله وتفسيره لكل شيء.

وفي الدعوة إلى دين الله ينبغي أن نفرق بين الذين يرفضون القرآن كفراً به، وبين الذين ينسونه إعراضاً عماً استحدثه المتأخرون في الدين. مثل الذين يرفضون القرآن كمثل { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ .} (الأحقاف 17، 18).

أما الذين يؤمنون بالله ويرفضون دعاوي المتأخرين فينبغي أن نجادلهم بالحسنى وأن يكون الحوار بأحسن الحديث من كتاب الله العزيز فما استقام معه فهو من الدين وما تنافر معه فليس من الدين في شيء. المساجد تقام وتتهدم والعلماء يحيون ثم يموتون، ولكن كتاب الله باق في الأرض شاهد بالحق على العالمين جميعاً، وخير للمسلم أن يقف مع الكتاب ولو قاتله عليه الناس جميعاً { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ . هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ . }(الجاثية 18-20).

أنزل الله كتابه بالحق والميزان ليقوم الناس بالقسط وليستقيم الإنسان على هدى من ربه كما استقام كل شيء في ملكه ابتداء من الذرة وانتهاء بالمجرات والسماوات العلى. الإنسان وحده هو الذي اختار أن يسير نفسه بوازع من ذاته رقيباً على نفسه، وعلم الله سبحانه وتعالى أنه لن يهتدي إلى سبل ربه إلا إذا هداه الله إليه فشهد بذلك إبراهيم عليه السلام إذ يقول { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } (الأنعام 77) وفي آية جامعة لاستقامة الخلق على سنن الله نجد أنه من رحمته علم القرآن { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ . وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ . وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ .} (الرحمن 1-9) كل شيء خضع لميزان الله فلا نجد شيئاً في ملك الله سبحانه وتعالى يطغى على ما قدر له في ميزانه، حجم الكواكب وأبعادها وما يتكون به كل منها وما يؤثر به أحد هذه الكواكب على الآخر كل ذلك بميزان لا طغيان فيه ولا خسران، أما الإنسان فهو وحده الذي يطغى في الميزان أحياناً ويخسر فيه أحياناً أخرى ولا سبيل له إلى أن يستقيم على سنن ربه إلا إذا أسلم إلى كتاب ربه يتعلمه ويتدبره بما في هذا الكتاب من البيان مفسراً ومفصلاً وميسراً من لدن عليم حكيم.

{ فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ . أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ .‏ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ . أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ . فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ . أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ . أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ . أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ . أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ . أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ . أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ. فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ . يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ . وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ . }(الطور 29-49).

جاءت هذه السورة بينة جامعة لكل دعاوى المكذبين الأولين منهم والمتأخرين، فلم تغادر من هذه الدعاوى الباطلة شيئاً إلا أثبتته وقذفته بالحق فإذا هو زاهق ولهم الويل مما يصفون ساعة يصعقون يوم القيامة وفي الحياة الدنيا على سواء ... فإذا أحصيتها في هذه الآيات الكريمة وجدت من دعاوي المكذبين ما افتروا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يزال بعضهم يفترى عليه الكهانة أو الجنون. بل هو مذكر قد جاء بالحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ودعوى الشعر، والشعراء يتبعهم الغاوون وما اتبع هذا النبي إلا الصالحون الذين استقاموا على دين الحق وحسنت أخلاقهم وطهرت قلوبهم وعفت أنفسهم : { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } الأوهام والأحلام والهواجس الكاذبة أم الكبرياء بغير الحق والعتو والطغيان، فلا تجد أحداً كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا رسولاً من قبله إلا بالظن الذي تصوره أحلام الذين لا يسمعون ولا يتدبرون القرآن، أو بالترف الذي يتكبرون به عتواً وطغياناً، وهذان فريقان من المكذبين الذين يرفضون الدين فريق الحالمين بالظن والأوهام وفريق الطغاة المتكبرين في الأرض بغير الحق من الذين أترفوا في الحياة الدنيا. ودعوى التقول، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين.

فإذا لم يكن الرسول كاهناً ولا مجنوناً ولا شاعراً ولا متقولاً، فمن أين له هذا القرآن الذي لا ينبغي لإنس ولا جان ولا يستطيعون أن يأتوا بمثله أبداً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، من أين له هذا القرآن إلا أن يكون قد أنزل عليه من ربه : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . } (الشعراء 193-194) ولعلك تسمع من دعاوى المكذبين أنه اجتهد سبيله إلى ربه حتى انطلق حديث ربه على لسانه، وتستطيع بزعمهم إذا أنكرت الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحين أن تجتهد سبيلك إلى ربك فتكلمه ويرد عليك ولعل هذه هي أخطر دعاوى المكذبين، لأنها لا تكذب لك الرسول بل تستدرجك من حيث لا تدري إلى تكذيبه، ولا تنكر لك الله سبحانه وتعالى بل تغلقك في أوهام ستنتهي بك حتماً إلى إنكاره، وتدعوك إلى تلقي الوحي من تلقاء نفسك، ولن يوحى بكتاب من بعد الكتاب الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فمن سقط في هذه الدعوى من بعدما سمع من القرآن فليسقط وليبتغ سلماً يستمع فيه وليات مستمعهم بسلطان مبين، وليتحدث بالغيب إن كان عنده من الغيب شيء، أو يسعى كيداً فلن يكيد إلا نفسه. فهذا كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بقى محفوظاً من كل كيد فوق البشر جميعاً قائماً بالحجة البالغة والحق المبين.

{ وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } مثل من أمثالهم ودعوى من أباطيلهم التي يحاولون بها إخضاع الغيب لما عندهم من العلم. يقول الله انفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم، ويقول المكذبون كلا بل هو المد والجزر. يقول الله أنه خلق الإنسان من طين، ويقول المكذبون كلا بل من خلية تطورت في البحر حتى أصبحت قرداً ثم إنساناً. كل شيء بيّنه الله لعباده من آيات قدرته وعظمة خلقه يجد لها المكذبون تصوراً مادياً قريباً لما انغلقوا عليه من الظنون الخاطئة والأوهام الباطلة، هذا إذا لم يكذبوه أو يطعنوا فيه، حتى إذا رأوا كسفاً ساقطاً من السماء فسيقولون كلا بل هو سحاب مركوم.

فأما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كرمه الله بأن يذرهم وشأنهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون، يوم يدمغهم بما أرادوا أن يطفئوا نور الله ويصدوا عن سبيله وبما أنكروا كتابه الذي أنزله للناس هدى ورحمة وشفاءً لما في الصدور.

وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أيده الله بنصره وصدقه وعده وحفظ كتابه الذي أنزله عليه وأثبته في القرآن نبياً صادقاً ورسولاً أميناً ومجاهداً صابراً وعبداً مسبحاً بحمد ربه { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ . } والإنسان في هذه الحياة الدنيا يختار لنفسه ما يشاء إما الهدى وإما الضلال فأما الهدى فلن يهتدي إلا بما أوحى إليه ربه، قال إبراهيم عليه السلام { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77) وقال الصالحون من بعده { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق ِّ} (الأعراف 43). وأما الضلالة فهي الانحراف عن الهدى بعدما تبين سبيلها { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ . الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . } (البقرة 120، 121).

وإنما يضل الإنسان عن سبيل ربه إذا لم يتعلم هذه السبيل أو أعرض عنها كما بينها الله في كتابه فالإنسان لا يهتدي إلا إذا اتبع الهدى ولن يتبع من الهدى شيئاً إذا كان يجهل ما أنزل إليه من ربه ذلك أمر الله يوم خلق آدم وزوجه عليهما السلام { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى . } (طه 123-126).

وكل دعوة إلى الهدى لا تستند إلى الوحي فهي دعوة باطلة { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .} (البقرة 38) ولقد تجد طائفة من أهل الكتاب يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، أو تجد آخرين يبتغون الهدى في غير الكتاب الذي أنزله الله هدى للناس { قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ .} (الأنعام 71).

وإنما ينحرف الناس عن الهدى جهلاً أو طغياناً ولقد يسر الله القرآن للذكر لكل مدكر. وإنما يتذكر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما الذين يؤثرون الحياة الدنيا والذين يفرحون بزينتها ويطمئنون بها هؤلاء لاهيةٌ قلوبهم فلن يسمعهم الله الذكر ولن يستمعوا إليه ولن يهتدوا إذاً أبداً، أولئك يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم. ستجد آخرين طغوا يقولون أبشر يهدوننا كمثل الذين من قبلهم { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . } (التغابن 5، 6) ولو تتبعنا الرسالات من عهد نوح عليه السلام لوجدنا القوم يستنكفون أن يتفضل بشر عليهم حسداً من عند أنفسهم { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ . فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ . } (المؤمنون 23-24).

وصالح عليه السلام أُرسل إلى ثمود قال {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الشعراء 143، 144) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا { مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }(الشعراء 154) نفس الضلالة التي يضل بها الناس في كل زمان ومكان إذ لا يرون أحداً أفضل منهم أو أحق منهم بالدعوة إلى دين الله حتى ولو كان رسولاً مصطفى من عند الله سبحانه وتعالى أو داعياً إلى الله لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً ولا يريد إلا الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ . كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ . فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . }(القمر 23-26).

وأرسل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ. فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ. فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } (المؤمن 4-8) الهدى من الله سبحانه وتعالى، وإنما يصطفي الله من عباده من يشاء لينذر يوم التلاق. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، لم يكن أكثر الناس قد تغيرت جبلتهم التي جبلوا عليها { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .} (الأنبياء 1-4).

تلك هي جبلة الناس لا يؤمنون بالغيب ولا يثقون إلا فيما يألفونه ولا يطمئنون إلا لما يجدون عليه آباءهم حتى ولو كان صنماً من حجارة أو كتاباً مدسوساً. إن أكثر الناس لا يسمعون ولو سمعوا لا يعقلون ولو عقلوا فقليل منهم أولئك الذين يعملون بما عقلوه واستمعوا إليه. وتمت كلمة ربك بآيات الكتاب صدقاً وعدلاً، فذلك هو الحق والذين يؤمنون به يقولون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.‏ قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ. قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ. } (سبأ 48-50).

لا يهتدي أحدٌ إلا بما أوحي إليه من ربه، ولقد أوحى هذا القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوح إليه بشيء غير القرآن الذي يقذف الله بآياته كل باطل ويمحو بها كل زيف.. ولن يوحى إلى أحدٍ بكتاب من بعد القرآن الذي اكتمل نزوله بكلمات الله على قلب رسوله بالحق. فمن أراد أن يهتدي فإنما اهتدى رسول الله بالقرآن ومن أراد الضلالة فإن لها مذاهب كثيرة ومدارس شتى لا تصدر عن القرآن وإن كان بعضها يدعو إليه دعاءً ظاهراً ويتخذه كتاباً مهجوراً {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ } (الكهف 29).

ولقد سمعت أن للمؤمن فراسة وأنه ينظر بعين الله، وسواء صح ذلك عن رسول الله، أو كان منسوباً إليه فإني رأيت القرآن يعلم المؤمن كيف ينظر بعين الله ويدربه على ذلك من حيث يدري أو من حيث لا يدري حتى تكون له تلك الفراسة وذلك النظر الثاقب.

تبدأ رحلةُ المؤمن إلى الرؤية الثاقبة بالبصر بأقرب شيء إليه، الظل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً.} (الفرقان 45-47) وتنطلق الرحلة بعد ذلك إلى البصر بأقرب شيء إلى حياته وإلى حياة كل كائن حي فوق الأرض، الماء : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .‏} (الحج 62-64) الماء والخضرة فتبدأ الحياة وتنطلق المسيرة المباركة لتتم آية الماء { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ .} (فاطر 27و28) الماء والخضرة وآثار الماء والخضرة على الثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام وتنطلق المسيرة المباركة في رحلة البصر بما تنتهي إليه كل حياة لتكتمل آية الماء على رؤية صادقة من الله تبارك وتعالى { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ. } (الزمر 21).

هذا هو الماء .. ينزل من السماء .. فتصبح الأرض مخضرة.. فتخرج به ثمرات مختلف ألوانها .. ويحي الناس عليه كما يحي الدواب والأنعام ثم يتحول كل شيء إلى حطام.. فمن أين جاء هذا الماء .. ينطلق البصر هذه المرة في رحلة جديدة فوق السحب فيكتسب قوة جديدة أبعد مدى وأكثر ارتفاء { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ . يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ . وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (النور 43-45). تبدأ بعد ذلك رحلة جديدة.. إلى أعماق الإنسان.. هذا المخلوق الذي آثر أن يحمل أمانته وقبِل أن يسير نفسه بنفسه.. رحلة للبصر والمشاهدة الواعية والمعايشة الحقيقية لنفس الإنسان بغير حدود وبدون غطاء.. الإنسان في أي مكان وفي أي زمان.. الإنسان المجادل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ . الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ . فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ . ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ . مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ . ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ . ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .} (غافر 69-76).

الإنسان الذي أنعم الله عليه بالإيمان فبدل نعمة الله كفراً وسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ. وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ .} (إبراهيم 28-30). إنسان آخر يقتل رجلاً ويعفو عن آخر فيظن أنه أصبح يحيي ويميت.. رحلة جديدة في أعماق هذا الإنسان وطريقة تفكيره وبحثه الكاذب عن الكبرياء في الأرض بغير الحق.. لقد أنعم الله عليه بالملك ولم تكن له حاجة إلى هذه الغطرسة وإن يك كاذباً فقد كذب على نفسه، فانظر إليه في رحلة جديدة على بصيرة من الله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. } (البقرة 258) وكم من بعدُ قد بُهتوا وهَلكوا في الأرض من الغطاريس. الإنسان الذي خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً .. تنطلق الرحلة هذه المرة إلى قوم .. أي قوم في أي أرض .. أنهم قوم كثيرون .. ألوف يصيبها الفزع من أي شيء .. زلزال أو حرب أو فيضان وظنوا أنهم أحيط بهم وجاءهم الموت من كل مكان، ونسوا شيئاً ما كان ينبغي لهم أن ينسوه .. إن الموت بأمر الله وإنه كتاب الله عليهم سواء رأوا أسبابه أم خفيت عليهم .. سوف نراهم في هلعهم .. ثم نراهم قد ماتوا من حيث لم يحتسبوا .. ولنرى كيف ينظرون إلى أنفسهم عندما يحيون .. إنها صورة جديدة للإنسان الذي يغفل عن الحقيقة ويبحث عنها في الأوهام فيعيش حياته في هلع دائم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ .} (البقرة 243).

إنسان آخر يتحايل على هلعه فيلتمس لنفسه عذراً لينجو بنفسه من خطر يتوهمه، إنسان مخادع لا يكشف عن حقيقته ويحاول أن يسترها بالأباطيل.. إنه لا يستحي أن يظهر بهذا المظهر المخادع حتى أمام الله .. { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. } (البقرة 246).

ويتعود البصر أن يغوص في أعماق الإنسان فيكتشف فيه ما يخفيه وما يحاول أن يتستر عليه .. وتنطلق رحلة البصر لا تحجبه عن الرؤية الصحيحة مسوح الرهبان ولا يحول بينه وبين الحقيقة ادعاء العلم .. صنف جديد من البشر يدعون بدعوة العلم ليحجبوا الناس عن القرآن { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ .} (آل عمران 23، 24).

العمل هو المعيار الصادق لكشف حقيقة الإنسان.. وأحكام كتاب الله هي الفصل في بيان العمل الطيب من العمل الخبيث.. إذن فلا مناص من التجرب.. ولو كانت الشعوب تعي هذه الحقيقة لما خُدعت في زعيم تولى أمرها ولا سقطت في مكيدة دبرت لها ولا كانت قد تشيعت بالقول وراء المذاهب والنحل : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً. أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً.}(النساء 60-63).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home