Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 9 July, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (19)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ. بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ.
إِنَّ رَبَّكَ هُـوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُـوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. }
                                                          
(القلم 7،4)

قواعـد السلوك

قواعد السلوك في القرآن ليست(أتيكيت) من الشرق أو الغرب.. إنها شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسه نار.. نور على نور.. إنها قواعد راسخة تحدد علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.. وبكل ما يحيط به من الجبال والشجر والدواب.

في كتب قيمة تحدد فلكاً لكل إنسان.. وسيظل هذا الإنسان آمناً على نفسه في الحياة الدنيا ويوم القيامة ما ظل ملتزماً حدود هذا الفلك { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .} (الرحمن33، 36).

إنه قول جامع وليس مجرد حديث عن الارتقاء في السماء أو النفوذ إلى الأرض.. وهو حديث عن أقطار السماوات والأرض وليس مجرد حديث عن السماوات والأرض.

والقطر هو الخط المستقيم الذي يمتد من طرف الدائرة إلى طرفها المقابل في حركة ملتزمة كعقارب الساعة..والأقطار كما قد تكون أقطاراً طبيعية أو جغرافية فإنها قد تكون أقطاراً سياسية أو إنسانية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو غير ذلك من الأقطار التي تقيد حركة الإنسان في عمر فلكه ضماناً لحرية حركة الأشياء الأخرى في أقطارها.. وهو قطر تحددت أبعاده بكلمات الله كما حفظها الله في كتابه العزيز لعباده بالحق.. ولك أن تبحث في التاريخ القديم والحديث لا تجد قوماً أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس إلا عندما ينفذون من القطر الذي قدر لهم ويتجاوزون حدود الأفلاك المتاحة لهم.

وهو قطر لم يكن أبداً ثابتاً في التاريخ بل هو يضيق حيناً ويتسع أحياناً بحسب ما يجتهده الإنسان بالحق بما يشاء الله لمن يريد.. وقواعد السلوك في كتاب الله هي الأقطار التي تقيد حركة الإنسان في أسرته وحركة الأسرة في العشيرة التي ينتمي إليها وحركة العشيرة في المجتمع الذي تعيش فيه وحركة المجتمع في الدولة وحركة الدولة في المجتمع العالمي. ولقد نرى أن الله سبحانه وتعالى إنما أنزل كتابه ليحدد قواعد السلوك للإنسان على صراط مستقيم وعلى بصيرة من الفلك الذي تحدد له ليلتزم أقطاره فلا يتجاوزها ولا يتعدى حدودها فيأمن على نفسه في الدنيا وفي الآخرة.

إن السورة التي تقص حديث يوسف عليه السلام هي سورة تبين حياة إنسان ناجح التزم أقطاره التي تحددت له في جبه وفي بيت المصري الذي اشتراه عسى أن ينفعه أو أن يتخذه ولداً وفي سجنه تماماً كما التزمه عندما تولى خزائن مصر وأتاه الله من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث, فلما أظهره الله على إخوته قال قول الملتزم الذي يخاف أن يفلت من قطره { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ .} (يوسف 90).

والآيات البينات التي تقص حديث لوط عليه السلام آيات تبين حياة إنسان ناجح التزم أقطاره التي تحددت له حين سمع الحق من إبراهيم عليه السلام فآمن له وحين قرر الهجرة إلى ربه فراراً بدينه وحين أقام في القرية التي كانت تعمل الخبائث ليقيم الحجة عليهم وحين نجا هو وأهل بيته إلا امرأة رأت الإيمان بعينها ولم تشأ أن تراه ببصيرتها فهلكت وهلكت القرية التي كانت تعمل الخبائث ونجا بيت واحد أسلم لوجه الله دون أن يضره الإجماع على الكفر من حوله.

والآية التي تقص حديث يونس عليه السلام تبين أنه بوسع الإنسان أن يعود إلى قطره إذا تورط في الخروج عليه, فكما أن هذا القطر مفتوح للتمرد عليه فهو مفتوح بأكثر من ذلك للعودة إليه توبة والتزاماً.. ظن عليه السلام أنه إذا ركب الفلك فلسوف يفلت من قطر ضاق به فوجد نفسه في جوف الحوت في أعماق البحر.. هنالك أدرك أنه لا يأس من رحمة الله فظل يستغفر ربه ويسبح بحمده حتى أوحى ربه إلى الحوت أن ينبذه على الشاطئ ثم من عليه بأن أرسله إلى قوم آمنوا به وعاش أقطاره الجديدة في سعة وسجل في كتاب الله من الخالدين.

والآيات التي تقص حديث فرعون آيات بينات تكشف عن رجل لم يكن يحرص على شيء قدر حرصه على التمرد على ما كان يتحدد له من الأقطار وظن أنه مانعته حصونه وجنوده وأمواله من الله حتى إذا أدركه الغرق وضل عنه ما كان فيه من الغرور قال آمنت الآن.. لم يكن هذا الإيمان عوداً إلى قطره الذي كان قد تحدد له بل هي كلمة هو قائلها عسى أن ينجو بالإيمان بعد إذ لم يعد منه بد.

نجا يونس عليه السلام من الغرق كما نجا من العذاب وكتب عند الله من الصالحين. ونجا فرعون من الغرق ولكنه لم ينج إلا ببدنه ومن ورائه عذاب غليظ. والفارق كبير بينهما فلقد أراد يونس عليه السلام أن يفلت من قطره إلى رحمة ربه بينما أراد فرعون أن ينفذ من أقطاره إلى سخط ربه.

إن الحديث عن الأقطار وعن أبعادها حديث قد يستغرق عمر البشر دون أن ينفد منه شئ.. إنها كلمات الله تبارك وتعالى ولن تنفد كلمات الله إذا أبداً.. ولا أظن أنني سأحيط بها وبأبعادها وبالصالحين الذين التزموا أقطارهم فنجوا والأشقياء الذين تمردوا عليها فهلكوا فتفصيل ذلك في القرآن وفي قلوب الذين أوتوا العلم والإيمان { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ . رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ . رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .} (آل عمران7، 9).

إن إدراك الأقطار والالتزام بها هو نهاية المطاف على صراط مستقيم وهو أمر لا يدركه إلا الصالحون على بصيرة من كلمات ربهم.. والله تبارك وتعالى يدعو عباده إلى هذه الأقطار بأوامره ونواهيه ويضع لهم علامات لعلهم يهتدون, ويضرب لهم الأمثال بالذين التزموا فنجوا, والذين هم ينفذون من أقطارهم بغير سلطان آتاهم من الله سبحانه فيرسل عليهم شواظ من نار ونحاس.. في الدنيا وفي الآخرة على سواء فلا ينتصرون.

خلق الإنسان في الأرض خليفة لا قيد عليه إلا بوازع من ذاته.. إن شاء هدى إلى فلكه فالتزم به.. وإن شاء خرقه فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق فهو في حياته الدنيا كنجم في السماء تحدد له فلك بالكتاب, إذا هدى إليه فقد فاز وإن ضل عنه فقد هوى.

وسلوك الإنسان في الأرض كمدار النجم في السماء, وإنما قبل الإنسان أن يحمل الأمانة فاحتملها ليوجه بنفسه مسلكه في الأرض بحبل من الله بينما رفض النجم ذلك فانطلق في مداره بأمر من ربه على صراط مستقيم.. ولكل فلك وأقطار وكل يجرى بأمر ربه إلى معاد.

إن الجنة التي هبط منها آدم وزوجه لم تكن هي جنة الخلد التي وعد المتقون في الآخرة بل كانت بستاناً طيباً لهما فيه كل الطعام والشراب واللباس { فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى . إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى .} (طه117، 119) ويستبعد أن يكون بعيداً عن هذه الأرض فالجنة هي كل بستان يجرى فيه الماء وينبت فيه الشجر { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً .} (الكهف 35).

{ ‏ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} (سبأ 15). والهبوط لا يعنى حتماً أن يكون هبوطاً من السماء بل يكون الهبوط من أرض إلى أرض أخرى { قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} (هود 48) {اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } (البقرة 61).

ويبقى أن الجنة كانت مسكناً لآدم وزوجه لهما فيها لباسهما وطعامهما وشرابهما دون أن يشقى أحد منهما ما لم يقربا الشجرة التي نهاهما عنها ربهما { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} (البقرة 36). { وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ .} (البقرة 36). { قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ .} (الأعراف 24). { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى .} (طه123، 124).

الهبوط من جنة آدم وزوجه إلى الأرض كان انتقالاً من مسكن لا شقاء فيه إلى مسكن لا شقاء فيه إذا اتبع الإنسان هدى الله. وهو هبوط للبشر كلهم ابتداء من آدم وزوجه إلى آخر إنسان يولد قبل يوم القيامة بعضهم عدو لبعض بمعنى أن بعض هؤلاء على أثر بعض أو سابق على بعض طبقة تعدو طبقة وجيلاً بعد جيل { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً .} (العاديات 1) العاديات. خيل تتسابق فيما بينها بغير عدوان ) وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَ} (الكهف 28) لا تتجاوز القوم الذين يهتدون بك وتتطلع إلى ما وراءهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها.

إن فهم هذه الحقائق ليبصر الإنسان بحقيقة وجوده في هذه الأرض ليرتبط بالفلك الذي تحدد له زماناً ومكاناً.. ولا نستطيع الإحاطة بأبعاد هذه الحقائق ونتائجها فهي في ضمير كل إنسان على مشهد من الله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً . اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً .} (الإسراء 13، 14) ألزمناه طائره أي فرضنا عليه إطاره الذي تحدد له ومداره الذي ينطلق فيه من طار يطير في فلكه ومداره والتطير هو الخروج على الإطار الذي ينبغى أن يحكم سلوك الإنسان { قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ .} (يس 18، 19). { قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ .} (النمل 47). ويستنبط من هذه الآيات الكريمة أن الطائر أو الإطار الذي تحدد ليحكم سلوك الإنسان أو القطر الذي فرض على الإنسان ألا ينفذ منه بغير الحق, وهو الأمانة التي حملها بنفسه على هدى من ربه في رحلته من الحياة الدنيا إلى الآخرة.

الفكر الإنساني

تبدأ قواعد السلوك بتطهر الفكر الإنساني من المعتقدات الخاطئة وتوجيهه إلى الآراء الصحيحة وتدريبه على البصر الصادق بحقائق الأمور في أحجامها وأبعادها الطبيعية فلا يكبر صغير في نظره ولا يصغر كبير في وجدانه.

وفي إشارة جامعة يوجه الله سبحانه وتعالى الفكر الإنساني إلى التعريف بذاته { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .} (الحشر22-24).

قد يختلط الصدق بالكذب ويلتبس الكذب بالصدق عند البشر فيصدقون كاذباً أو يكذبون صادقاً أما الله سبحانه وتعالى فيرى الكذب كذباً ويرى الصدق صدقاً ولا تختلط ذرة من كذب عنده في صدق ولا تختلط ذرة من صدق عنده في كذب. والإنسان بين يدي ربه مصدق في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل فهو المؤمن سبحانه وتعالى يرى عبده إذا كذب بين يديه فيؤمن بأنه كان كاذباً ويراه إذا صدق بين يديه فيؤمن بأنه كان صادقاً ويراه في نفاقه إذا نافق بين يديه فيؤمن بأنه كان منافقاً فهو المؤمن الذي لا ينطلي عليه كذب أو نفاق سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. ولو تأملنا أسماء الله الحسنى التي وردت في هذه الآيات البينات لوجدنا أنها تدل على ذاته وعلى صفاته تبارك وتعالى التي لا يشترك فيها أحد ممن خلق ولقد وردت أسماؤه وصفاته سبحانه وتعالى بأل التعريف دلالة على دوامها وثبوتها. والإيمان به على بصيرة من هذه الأسماء والصفات طهارة للفكر الإنساني من كل ما قد يختلط به من الهواجس الخاطئة فتصفو نفسه ويطمئن قلبه وينشرح صدره ويعيش حياته متحرراً من الخوف والقلق لا يخشى على نفسه من شئ إلا ما يخشاه على نفسه يوم لقاء ربه { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً .} (الإسراء 82).

وإذا تطهر الفكر الإنساني من كل شرك وتجرد من كل خوف إلا من العاقبة يوم القيامة فإنه يصبح صالحاً لتلقى الوحي من ربه والاهتداء بكلماته قيماً على نفسه في توجيه مدارها في أقطارها الصحيحة فلا ينفذ منها إلا بسلطان. ويبدأ الإنسان رحلته فيما أوحى إليه من كلمات ربه بالبصر الصحيح بحقيقة عمره من الخلق الأول على مشهد من ملائكة الرحمن إلى الخلود في الجنة أو الخلود في النار, وما هذه الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع وما متاعها في الآخرة إلا قليل فلئن أقبلت بزينتها فبما رحمة من الله وإن أدبرت فلن يدبر بها الخير ولن تنقطع منها رحمة الله سبحانه وتعالى { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ . } (البقرة 266).

بالقول الثابت في الحياة الدنيا والإيمان الطاهر بأبعاد خلقه مكاناً وزماناً يحلق الإنسان بجناحين فيقطع المسافات التي تفصله عن ذي العرش سبحانه وتعالى قبل أن يرتد إليه طرفه برؤية صادقة وبصر حديد, فيرى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد.. ويرى الحفظة المرسلين إليه بأمر ربه.. ويرى جند الله الذين ينصرون عباد الرحمن في الحياة الدنيا.. ويرى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون لمن في الأرض.. ويرى خزنة الجنة يستقبلون عباد الله ويقولون سلام عليكم طبتم.. ويرى خزنة جهنم يصبون فوق الخاطئين حميماً.. يراهم بأجنحتهم مثنى وثلاث ورباع.. ويحلق الإنسان مرة أخرى فيمر بالأنبياء والصالحين فيقف عند باب محمد صلى الله عليه وسلم وقد يراه قائماً بالأسحار أو ساجداً بين يدي ربه ليلاً طويلاً وقد يكون له جهاد معه في سبيل ربه فإن سيفه ما يزال قائماً بين يديه في لوح محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. ثم ينطلق إلى موسى وعيسى عليهما السلام في رحلة التوراة والإنجيل كما حفظها القرآن بسيرتها ووصاياها.. ولقد يرى عيسى وليداً بين يدي أمه وهو يكلم الناس في المهد ويدعوهم إلى عبادة الله على صراط مستقيم أو حين يتلو التوراة والإنجيل. كما قد يرى موسى وليداً بين يدي أمه وهي تقذف به في اليم أو حين التقطة عدوه ليكون له عدواً وحزناً أو حين ألقى الألواح غضبان أسفاً من القوم الظالمين.. كما قد يراه حين زلزل القوم الذين كانوا معه عند اليم يقول بإيمان ثابت { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ .} (الشعراء 62) ويحلق بجناحين فيرى معارك طالوت وملك داوود وسليمان وأصحاب الكهف في كهفهم وأصحاب نوح في سفينتهم وصاحب النون يسبح بحمد ربه في بطن الحوت { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً . قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .} (الكهف109، 110).

وينتهي كل شئ.. الخير والشر الظالم والمظلوم المؤمن والكافر الصالح والفاسد الطيب والخبيث الدرهم والدينار { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً . يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً . وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً . وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً . وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً . } (طه108، 113).

طهارة البدن

وكما يطهر الفكر الإنساني بكلمات الله فكذلك يطهر بدنه بالاغتسال بعد كل جنابة وبالوضوء حين الصلاة وحلاقة الرأس وتقصير الأظافر ونظافة الثياب. { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ .} (المدثر4، 5) ثاب الرجل يثوب ثوباً وثوباناً إذا رجع بعد ذهابه والثبة وسط الحوض لأن الماء يثوب إليها أي يرجع إليها والمثابة هي مجتمع الناس بعد تفرقهم ومنها قوله تعالى{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . } (البقرة 125) وقال ابن شميل المثابة المرجع والمثابة المجتمع المنزل لأن أهله يثوبون إليه أي يرجعون إليه. وينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يبعث الميت في ثيابه التي يموت فيها) ففسره بعضهم على ظاهره وقال بعضهم بل معناه أن الإنسان يبعث على أعماله التي كان عليها من الخير أو الشر والثيب من النساء المرأة التي كانت ذات زوج ثم مات عنها زوجها أو طلقت ثم رجعت إلى النكاح.

يبين من كل ما تأوله العلماء في هذا المعنى أن الثياب هي كل أمر يرجع إليه الإنسان سواء كان ملبساً أم فراشاً أم مأوى أم طريقاً أم قولاً أم عملاً أم غير ذلك, فالمؤمن إنسان طاهر لا ينبغي له أن يرجع إلا إلى كل طاهر وهو بطبعه لا ينقلب إلا منقلباً طهوراً {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } (الروم 30). وأصل الرجز في اللسان العربي الاضطراب وتتابع الحركات, قال أبو إسحق في تفسير قوله تعالى { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } (الأعراف 134) قال هو العذاب المقلقل لشدته وله قلقلة شديدة متتابعة وقيل في تفسير قوله تعالى { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ .} (المدثر 5) الريبة من الأمر واضطراب العقيدة, ومنه الرجز في الشعر على وزن(مستفعلن) ست مرات وسمي بذلك لتقارب أجزائه واضطرابها.

وهكذا فإن الثوب الطاهر هو كل منقلب طاهر في ظاهره وباطنه, والرجز هو كل اضطراب في المظهر أو الفكر أو العقيدة. وإذا كان الإنسان الطاهر يقف دائماً ثابت القدمين على أرض صلبة, فإن المضطرب يرد الرجس والخبائث من حيث يدري أو من حيث لا يدري.

حماية الأسرة

الأبوان هما اللقاء الأول لتكوين الأسرة, وإنما تعمر الأرض بهذا اللقاء وينتشر البشر في أرجائها وبقدر جهودهما وما يبذلانه من العناية بأبنائهما تتقدم الأمم أو تتأخر, وحتى يستقيم التركيب الإنساني للأمة فقد أوجب الله لهما كل الإحسان والإصغاء والإطراق والاحترام { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .} (الإسراء 23، 24).

ومن قبل أوجب الله الإحسان بهما في الوصية الثانية من الوصايا العشر التي فرضت على بنى إسرائيل والتي جاءت سورة الأنعام ببيانها تفصيلاً { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } (الأنعام 151). وأخذ الله منهم ميثاقاً بذلك في قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } (البقرة 83).

قد يحرض الآباء أبناءهما على الشرك بالله, وقد يكون هذا التحريض باللين كما قد يكون بالعنف { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (العنكبوت 8). وظاهر من هذه الآية الكريمة أن التحريض يأخذ مسلك اللين { وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ } فلا يجب لهما الطاعة في ذلك وتجب مصاحبتهما بالحسنى ليناً بلين { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (لقمان14، 15). وظاهر من هذه الآية الكريمة أن التحريض هنا يأخذ مسلك العنف { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ } فلا يجب لهما الطاعة كذلك ولكن لا ينبغي أن يعاملهما الابن عنفاً بعنف، بل عليه أن يصاحبهما في الدنيا بالمعروف.

ويضرب الله الأمثال بالصالحين من عهد نوح عليه السلام كانوا يذكرون آباءهم بالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } (نوح 28) { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ .} (إبراهيم 41).

فلما جاء عيسى من أم بغير أب قال عليه السلام { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً . وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً .} (مريم30، 32).

وينعقد الزواج بين الأبوين بميثاق غليظ { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً .} (النساء 21).

ولقد نكبت هذه الأمة أول ما نكبت به فيما أرى عندما أحلت نقض هذا الميثاق بمجرد قول يلفظه الرجل, خلافاً لما رأينا في أحكام الطلاق من قبل وعوداً إلى شريعة اليهود التي جاء القرآن مهيمناً عليها { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} (المائدة 13).

إن أسرة يتهددها هذا الزلزال دون أي ضمانات أو وازع من الدين لا تصلح أبداً لبناء الأمة, وإنما تقوم الأمم على أسرة تعيش في ظل من الأمن والاطمئنان والرحمة والمودة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .} (الروم 21) وإن الله سبحانه وتعالى ليدعو الرجل إلى المحافظة على هذا الميثاق حتى ولو كره زوجه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ

بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً .} (النساء 19). ولقد نفهم كثيراً من صبر الأنبياء والصالحين على المكاره إلا ما صبر لوط عليه السلام من زوجه حتى تخرج معه في مسيرة النجاة فتلتفت فيصيبها ما أصاب القوم الظالمين { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ .} (التحريم 10).

ورأينا أنه لا يحل للرجل أن ينكح إلا زوجاً واحدة إلا لرعاية الأيتام ابتغاء وجه الله, وقد يتساءل أبعاض عمن يرزق زوجاً عاقراً وينسون حظاً مما ذكروا به في آية إبراهيم وزكريا عليهما السلام التزم كل منهما بميثاق ربهما حتى بلغا اليأس, فلما جاءتهما البشرى وسمعتها زوج إبراهيم عليه السلام { وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ . قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ .} (الذريات 29 -30) وقال زكريا عليه السلام { قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .} (آل عمران 40) ذلكم الإيمان وهذا هو الالتزام من مثل الذين خلو من قبلنا, لا نجد أحدهما قد طلق زوجه لينشد الولد من غيرها ولا نجد أحدهما تزوج أخرى فوق زوجه عسى ألا تكون الثانية عقيماً بل عاشا معاً حتى أدركهما اليأس وجاءتهما البشرى إنه لا يأس من روح الله { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ . قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ .} (هود 72، 73).

من أجل ذلك أحل الله الخطبة وأحل الله لقاء الذكر والأنثى سراً وجهراً على قول معروف فإذا طابت له وعزم عقدة النكاح فلقد قامت هنالك لبنة يقوم عليها بناء الأمة كلها ولا تصلح أمة تتركب لبناتها على غير هدى من الله { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ .} (الروم 20).

وإنما ينتشر البشر بهذه اللبنة الكريمة بلقاء زوجين في عقدة النكاح على ميثاق غليظ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً .} (النساء 1).

ويقوم البناء البشرى كله ويعمر بقدر ما يحسن التعامل بينهم أفراداً وجماعات أخذاً وعطاء والإنسان يتعلم الأخذ والعطاء منذ نعومة أظافيره ويعلم بفطرته أن الآخرين يحسنون إليه بقدر ما يحسن إليهم. فلقد أقام الله البناء الإنساني كله كما أقام كل شئ في خلقه على الإحسان وأوجب هذا الإحسان بين الإنسان وذوي قرباه وبينه وبين عشيرته وجيرانه لأنه أكثر ما يكون تعاملاً فيما بينه وبين هؤلاء { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } (البقرة 83) {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً .} (النساء 36).

إن الإنسان الذي يحسن قوله يجد نفسه قريباً من نفس كل إنسان, فإذا أحسن عمله استطاع أن يتفوق عليهم وارتضاه الناس فوقهم, فإذا كان يبتغى بذلك وجه الله فإنه قد يدفع عن نفسه بل وعن قومه أحياناً جيشاً بكامل عدته وعتاده وحده بغير سلاح. حدث ذلك يوم استنفر فرعون جنوده فلقيه موسى عليه السلام والبحر من وراء ظهره { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . } (الشعراء 61، 68).

حزب الله

إن الله يريد إنساناً صالحاً تماماً كما يريد قوماً صالحين, وإنما يصلح القوم إذا صلحت الأسرة وصلح الجوار بين الأسر. هؤلاء هم حزب الله في الأرض يحبهم ويحبونه, يتولاهم ويتولونه ويتولى أحدهم الآخر. ويعرف بعضهم بعضاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ .} (المائدة 54، 56).

هذا هو نظام الجامعة الإسلامية.. أساسه الحب بينهم وبين ربهم.. وبين أحدهم والآخر حتى تراه ذليلاً لصاحبه عزيزاً به على الكافرين لا يخافون إلا الله. علامة لهم فيما بينهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

والذين يتولون الله سبحانه وتعالى يحبون ما يحبه الله ولا يحبون ما لا يحبه الله ولو تأملنا آيات الله البينات وأحصيناها في كتابه العزيز لوجدنا أن الله يحب عشراً ولا يحب عشراً يحب المحسنين { إن اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (البقرة 195 وآل عمران 134، 158 والمائدة 13، 93) ويحب الله التوابين { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِين } (البقرة 222) ويحب الله المتطهرين {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } (البقرة 222 والتوبة 108) ويحب الله المتقين { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (آل عمران 76 والتوبة 4، 7) ويحب الله الصابرين { وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } (آل عمران 146) ويحب الله المتوكلين { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .} (آل عمران 159) ويحب الله المقسطين { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة 42 والحجرات 9 والممتحنة 8) ويحب الله الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ .} (الصف 4) ويحب الله الذين يتبعون الرسول عليه الصلاة والسلام { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } (آل عمران 31) ويحب القوم المؤمنين إذا أحب بعضهم بعضاً وتولى بعضهم بعضاً حتى تراهم أذلة على بعضهم أعزة بأنفسهم على الكافرين لا يخافون إلا الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .} (المائدة 54) ولا يحب الله المعتدين { إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } (البقرة 190 والمائدة 87 والأعراف 55) ولا يحب الله الفساد ولا يحب المفسدين { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ .} (المائدة 64 والقصص 77) { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ .} (البقرة 205) ولا يحب الله الكافرين { إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } (آل عمران 32 والروم 45) { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ .} (البقرة 276) ولا يحب الله الظالمين ) َاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } (آل عمران 57، 140 والشورى 40) ولا يحب الله كل مختال فخور { إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً .} (النساء36) { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان 18 والحديد 23) ولا يحب الله الخائنين ) إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ .} (الأنفال 58) { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ .} (الحج 38) ولا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم { لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} (النساء148) والله لا يحب المسرفين { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ .} (الأنعام 141 والأعراف 31) ولا يحب الله المستكبرين { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ .} (النحل 23) ولا يحب الله الفرحين بغير الحق { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ .} (القصص 76).

ولو تتبعنا كل ما يحبه الله ولا يحبه الله لوجدنا آيات مفصلات تدعو الناس إلى إتباع رضوانه واجتناب سخطه ولكننا نتوقف عند الفرحين الذين لا يحبهم الله فلا نجد للمؤمن غير فرحتين يفرح بهما في الدنيا وفي الآخرة فرحة بكتاب الله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ .} (يونس57، 58) وفرحة أخرى بنصر الله حين ينتصر وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . } (الروم1، 5).

يفرح المؤمنون بنصر الروم على القوم الذين أشركوا لأنهم نصارى ولأنهم أقرب مودة للذين آمنوا { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ . فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ .} (المائدة 82، 85).

فإذا أحب الإنسان لا يحب إلا أن يجعله الله على كل ما أحب مع كل من أحب, وأن يصرف عنه كل ما لا يحب وكل من لا يحب, ثم جعل يبحث عمن يتولاه من المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة يألفهم ويألفونه ويعتز بهم ويخفض جناحه لهم فأولئك هم حزب الله وقضى الله سبحانه وتعالى أنهم هم الغالبون.

آداب الحديث

لعل أو لقاء بين الإنسان وأخيه الإنسان بحوار يجرى بينهما ابتداءً من نداء أحدهما إلى الآخر وانتهاءً بانصرافه عنه, ولقد أوجب الله أن يكون النداء بينهما من قريب كما أوجب الله إلى المؤمنين أن ينتظر أحدهم الآخر حتى يخرج إليه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (الحجرات4، 5).

إن آيات الله في كتابه العزيز كالمصابيح, كل مصباح منها يرسل نوره على الظلمات فترى ما لا يمكن إحصاؤه ولا يحيط به الحصر { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ} (الحجرات 4) كان عليه الصلاة والسلام يسكن الحجرات كان عزيزاً في قومه غنياً بما تفضل عليه ربه, ولم يكن أبداً كما يقولون ثاوياً في خيمة أو نائماً على الحجارة أو لا يجد يوم الفتح العظيم من الطعام ما يسد الرمق إلا الخبز والخل, كلا إن الذين يسكنون الحجرات هم أعز من ذلك وأغنى وأشرف بكثير ولا نجد الخبز يغمس في الخل إلا عند اليهود (ولما كان وقت الأكل قال لها بوعز هلمى إلى هنا وكلى من الخبز وأغمسى لقمتك في الخل- سفر راعوت الفصل الثاني جملة رقم 14).

ويجب أن يتجنب الناس اللغو في الحديث, واللغو بإجماع العلماء هو ما لا يحمد من القول { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . } (المؤمنون3).

{ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً .} (الفرقان 72).

{ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} (القصص 55) ومع ذلك يوصف الكلام في اللسان العربي الذي نزل به أحسن الحديث بأنه (لغة) فيقال اللغة العربية واللغة الفرنسية وكلية اللغة والمجمع اللغوي مع أن الله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه العزيز أن الحديث بالعربية أو بالأعجمية يسمى لساناً { لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ .} (النحل 103).

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم 4). { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ .} (الشعراء 192- 195).

ولقد حبب الله إلى عباده أن يغضوا أصواتهم إذا تحدثوا وأن يكون الحديث بينهم جدلاً بالحسنى قولاً بقول وحجة بحجة حتى لا ينتصر أحدهم إلا بالحق, وإنما يستأثر بالحديث من لا حجة له ويرفع من صوته من لم يكن الحق في جانبه عسى أن ينتصر بذلك على الحق ويحاصر بما يلغو به حجة صاحبه { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ . } (فصلت26) لقد أنزل الله كتابه تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .} (الأنعام 149).

لذلك نهى الله عن الدعوة إلى دينه بالسيف فقال وقوله الحق { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة 256) فلما انتصر أصحاب الباطل في مكة بلغوهم وصدهم عن سبيل الله ورفع أصواتهم فوق صوت النبي فإنهم لم ينتصروا بالحق وإنما حجبوا أنفسهم عن دعوة الحق وكان أهل المدينة أحق بها وأهلها لما أنصتوا إلى الرشد وآمنوا به.

{ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ .} (محمد 13) قريتك التي أخرجتك, إذن فالرسول عليه الصلاة والسلام إنما اضطر إلى الهجرة من قريته التي أخرجته لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضرب المثل الأعلى على أنه لا ينبغي لأحد أن يدعو إلى دينه إلا بالحسنى فإذا كانت قريته قد رفضت الدين وأخرجت الرسول فلا بأس من ذلك إذا كان للدعوة أنصارها في المدينة يدخلون في دين الله طوعاً ويدافعون عن الرسول مودة ونصحاً. وإذا كانت القرية هي التي أخرجته وكان الرسول قد رضى الخروج منها فما حاجتهم إلى مطاردته في الصحراء حتى تحجبه الحمامة والعنكبوت عن أعينهم, أعتقد أنه ينبغى لنا أن نعيد النظر في هذه الأساطير التي تشوه هذه المسيرة العظيمة وتحجب عنا حقيقة ما كان عليه الأمر في هذه القرية قبل أن يخرج النبي منها.

إننا لا نجد في كتاب الله حديثاً عن واقعة تعذيب واحدة تعرض لها المسلمون في مكة فلا نجد أساطير سمية وزوجها أبو عمار ولا نجد بلالاً وما تعرض له من الهوان حتى ينقذه أبوبكر من عذاب أليم. بل على العكس من ذلك نجد قوماً ضلوا حيناً من الدهر- هذا أمر لا شك فيه- وكانوا يغالون في الضلالة ويجادلون بالباطل حجة داحضة بحجة بالغة ولكننا لا نجد أيديهم قد امتدت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد ممن آمنوا به بالسوء.

{ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً .} (الإسراء 90، 93) هذا ما كان يجرى بينهم حجة داحضة بحجة بالغة { وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً.‏ قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً .

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً .} (الإسراء 49، 52) هكذا كان يجرى الحوار بينهم ينغضون إليه رؤوسهم ولا يمدون إليه أيديهم, ويستمعون إليه لا ليفهموا منه بل ليقارعوا حجته البالغة بأباطيلهم. وصحيح أنهم كانوا أحياناً يتطاولون على الحق بألسنتهم {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص4، 8).

ولعل أكثر أصحاب الباطل جدلاً به في أم القرى ذلك الذي فكر وقدر{ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ .} (المدثر 16، 28).

أين من هذا الحديث ما يزعمون من العذاب الذي نال أصحاب الرسول في قريته التي أخرجته أم أنهم يريدون أن تكون الدعوة إلى كتاب الله بالدماء واحتمالها وبالعذاب والصبر عليه وبالسيف والضرب به. كلا فقد أرادها الله بالحسنى قولاً بقول وحجة بحجة وبالموعظة الحسنة لا يرتفع بها الصوت ولا يتعالى بها الداعي من المنابر فوق البشر فإن آمن بها الناس فقد اهتدوا وإن كفروا بها فما أرسل الله على عباده من أحد وكيلاً عليهم أو جباراً يستبد بهم {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (فصلت 40).

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .} (النحل 125).

وعلم صلى الله عليه وسلم أنه لن يهدى من أحب ولكن الله يهدى من يشاء { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ . وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ . أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ . إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . } (القصص 52، 56).

هذه أخلاق أصحاب رسول الله الذين اهتدوا بهديه, كانوا يدعون إلى دين ربهم بالحسنى ويعرضون عن اللغو ولا يقولون إلا سلاماً ولا يبتغون الجاهلين, فإذا أعرض الناس عنهم قالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم إن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. ولا نجد فيما أوحى إلينا من كتاب ربنا أنهم ضربوا من أجل ذلك بالسياط, أو وضعت الحجارة فوق صدورهم تحت وهج الشمس أو قطع عنهم الطعام أو الشراب أو غير ذلك مما جاءت به الأساطير بل نجد أن الكافرين قد اتخذوا منهم موقفاً مماثلاً { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ . } (فصلت 3، 7).

إن الذين اهتدوا بهدى رسولهم قد ملكوا الدنيا وفازوا بالآخرة عند ربهم, أما الذين يريدونها حرباً بالسيف على العالمين والذين يصبون غضبهم فوق رؤوس البشر ويلعنون الناس من فوق المنابر فأولئك ملكهم الأراذل وتسلط عليهم الأذلة وأضاعوا الصلاة.

ويقول صاحبي وهو يحاورني أئنك لتترك عمل الرسول صلى الله عليه وسلم , قلت ومتى رأيتني أترك عمل الرسول صلى الله عليه وسلم قال لا نجد في حديثك شيئاً عن عمل الرسول, قلت كان عمله القرآن لا يزيد عليه ولا ينقص منه ولكنكم إذا قيل لكم إن الدين هو ما نقله السلف آمنتم, فإذا قيل لكم بل الدين ما أثبته الله في الكتاب قلتم ما ندرى ما الكتاب إن نظن إلا ظناً فالحكم لله العلى الكبير.

مبدأ حسن النية

المجتمع الإسلامي هو حزب الله الذي أراده الله سبحانه وتعالى في الأرض قائماً على المودة والحسنى, والمؤمن لا يتعامل في المجتمع الإسلامي بوجهين ولا ينبغي له أن يظهر الحسنى ويكتم في نفسه غير ذلك.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } (الحجرات 11-12).

بهذه الآية الكريمة أقام الله سبحانه وتعالى قواعد العدل الاجتماعي فحرم على عباده أن يكون لهم رأي أو أن يقيموا لهم حكماً أو عقيدة على مجرد المظنة والهوى ودون بينة ظاهرة أو دليل قاطع أو حجة بالغة, فإذا كان الظن قد اتخذ شكل الحذر من الأمر والتربص به والترصد له تحسباً لما عسى أن ينجم عنه أو يترتب عليه من الضرر أو الأذى فيأخذ المؤمن عدته ويتهيأ له حتى لا يؤخذ غيلة أو يؤتى غدراً فليس ذلك من الإثم في شيء بل إن الله سبحانه وتعالى قد أوجبه على عباده المؤمنين حذراً ويقظة ومن لا يفعل ذلك فأولئك هم الغافلون.

ومعنى حسن النية كقاعدة من قواعد العدل الاجتماعي أن ترى في نفسك كل شيء حسناً حتى تقوم البينة القاطعة على غير ذلك لقد قامت الحجة البالغة على أن الله سبحانه وتعالى قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وأنزل عليه الكتاب تفصيلاً لكل شئ وتبياناً لكل شئ وهدى وبشرى لمن أسلم وجهه لله فينبغى أن يؤمن المسلم بكل ذلك وأن يجتنب الظن بأنه ليس في الكتاب تفصيل كل شئ وتبيان كل شئ وأن يجتنب الظن بأن الله لا يعلم كل شيء في السماوات والأرض { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ . وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ .} (فصلت 22، 24).

وإذا كان المسلم قد آمن بربه وعلم أنه على الحق فقد وجب عليه أن يؤمن بأنه لم يعد له إلا أن يتقي ويصبر حتى ينتصر فإذا خذل أو قهر أو غلب على أمره فعليه أن يعيد النظر في أمر نفسه ليغير ما بنفسه عسى أن يرحمه ربه أو ينتصر له لأنه لم يؤت أو يغلب على أمره إلا لأنه لم يؤمن أو لأنه لم يكن على الحق أو لأنه آمن وكان على الحق ولكنه لم يتق ولم يصبر { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ . وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ .} (الحج 15، 16).

وتخلف بعض الأعراب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا أن يخرجوا معه جهاداً في سبيله وقدروا أن الله لن ينصره على ما تحالف عليه من الشرك { بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً .} (الفتح 12).

ولا ينبغى لنا أن نحيط بما ينبغى أن يكون عليه ظن الإنسان بربه كما أحاط به القرآن وإنما نستنبط منه الأمثال ويظل القرآن من قبل ومن بعد فيه من آيات الله البينات تفصيل كل شئ وتبيان كل شئ, وينبغى للإنسان في كل الأمور أن يكون أشد ما يكون إيماناً بربه قائماً بالقسط لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً, وأن يتجنب في الحياة الدنيا لا يتجنب شيئاً كما يتجنب ظن السوء بربه فإنه هالك لا محالة بهذا الظن ولن يؤمن إذاً أبداً. مولد المسيح عيسى ابن مريم ووفاته عليه السلام وبعد ما تبين الحق في الكتاب, فما يزال الناس على ما كانوا عليه من الظن رغم أن الله سبحانه وتعالى قد جمعهم على كلمة سواء. فأما مولده عليه السلام فلا خلاف عليه بين المسلمين { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . } (آل عمران 59، 61).

وأما وفاته عليه السلام فلقد توفاه الله ورفعه إليه..كيف..سبحانك اللهم ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنتم علام الغيوب { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ .} (آل عمران 55) هذا هو ما قضى به الله سبحانه وتعالى, فماذا تم على أعين الناس وما ظن الذين لا يؤمنون بكلمات الله..يقول اليهود إنهم قتلوه { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .} (النساء 157، 158) وفهم بعض المسلمين من قوله تعالى { وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ } أن الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً قد جاء بإنسان آخر يشبه المسيح عيسى ابن مريم ليصلب ويقتل مكانه وهو رأى أكبر من قول النصارى إنه عليه السلام قد صلب وقد قتل.. فليس بدعاً أن يقتل الأنبياء, ولكن البدعة أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لا ينجى نبياً إلا بالتضحية بنفس أخرى.. شبه لهم أي اختلط عليهم الأمر, فظنوا أنه صلب وقتل والحقيقة أنه لم يصلب ولم يقتل بل رفعه الله إليه.

النوايا الطيبة في المجتمع الإسلامي أساسها اجتناب الظن ورفض الرأي الذي لا تظاهره الحجة البالغة وتقوم عليه البينة القاطعة { مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ .} (البقرة 98).

وهكذا فإن ميكال هو ملك من ملائكة الرحمن عليهم السلام, فماذا فعل اليهود بهذا الاسم الكريم (فلم تتم الأيام حتى قام داود وذهب هو ورجاله وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل وجاء داود بقلفهم فعرضت على الملك بتمامها ليكون له صهراً فزوجه شاول ميكال ابنته, ورأى شاول وعلم أن الرب مع داود وكانت ميكال بنت شاول تحب داود- سفر الملوك الأول الفصل8 الجملتان27 و28) { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى . وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً . فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى .} (النجم 27، 30).

بل إنه ليستحيل على المسلم أن يكون ثابت العقيدة راسخ الإيمان إذا كان أكثر ميلاً إلى الظن في أحكامه, فالحجة ينبغى أن تسبق الرأي, ولا يستقيم الإيمان برأي لا حجة له, فإذا تعلق الأمر بقضاء لا يستقيم إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين, وجب أن تقوم الحجة بالشهادة على وجهها قبل القضاء.. وأما إذا تعلق الأمر برجل يقذف امرأة بالسوء, فيجب على المؤمنين أن يظنوا الخير بأنفسهم { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ . لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ .} (النور12، 13).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً .} (النساء 94).

فينبغى أن يكون الإنسان مصدقاً فيما يظهره من السلام حتى تقوم البينة على أنه يضمر في نفسه غير ذلك, فمن ألقى السلام فهو مسالم ولا يجوز الرد عليه بعدوان إلا إذا قامت البينة على عدوانه.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .} (البقرة 208) ولقد رأينا من قبل أن السلم هو أساس الدولة الإسلامية, ولا يخرج المسلمون إلى الحرب إلا لرد العدوان فإذا جنح المعتدون إلى السلم وجب على المسلمين أن يجنحوا لها حتى وإن كانوا منتصرين على عدو لم يبادرونه بأي عدوان.

ورأينا من قبل أن الله كما حفظ للإنسان حياته وماله وعرضه سواء كان مسلماً أم كان كافراً وسواء كان صالحاً أم كان فاسقاً فكذلك حفظ الله له حقاً في البر والصدقات إن كان فقيراً يستوي في هذا الحق من كان مسلماً أو كافراً أو صالحاً أو فاسقاً { إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ .} (البقرة 271، 272). { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .} (الممتحنة 8).

إن مبدأ النوايا الطيبة يقتضى من الإنسان المؤمن أن يرى الجمال في كل ما يراه أو يسمع به ثم يتدبر الأمر ويتبين حقائقه فإذا كان مما يحبه الله أحبه بكل جوارحه وإذا كان مما يكرهه الله كرهه كما يكره أن يقذف في النار, وهكذا وبتدريب النفس على ذلك في طريق مستقيم يخلص المؤمن دينه لله فلا يحب إلا لله ولا يكره إلا لله ثم يتضرع إلى الله في صلاته يقول رب اجعلني على كل ما أحببت مع كل من أحببت واصرف عني كل ما كرهت ولو كانت هي الدنيا بكل زينتها وزخرفها واصرف عني كل من كرهت ولو كانوا هم العالمين جميعاً وأخلصني بخالصة ذكرى الدار.

ومثل المجتمعات التي ساءت نواياهم كمثل ثمود إذ قال لهم صالح عليه السلام { قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . }(النحل 46).

السلام الاجتماعي هو أساس الحضارة وأهم أسباب التقدم البشرى ولا تستقيم المجتمعات إلا إذا حسنت نوايا الناس فيها وحسن القول فيها بينهم { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً . رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً .} (الإسراء 53، 54).

الحياء

خلق الله الزوجين الذكر والأنثى وعلم أن أحدهما يفتأ يذكر الآخر حتى ينكحه فرخص الله لعباده خطبة النساء ولم يحرم عليهم ما يكنه أحدهم للآخر من الحب وشرع لكل ذلك أحكاماً مفصلات لو تدبرها العلماء واستنبطوا منها قواعد لسلوكهم لأنقذوا مجتمعاتهم من عقد الانفصام التي ما تزال تعاني منها { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ .} (البقرة 235) سيقولون إن هذه الأحكام إنما تتعلق بمن كانت ثيباً أما البكر فلا تواعد سراً فهل تحتمل الآية هذا التخصيص أو ذلك القيد, وسيقولون ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما وكأنما يغيب الشيطان عن المرأة إذا التزمت النساء أو كأنما يغيب الشيطان عن الرجل إذا التزم الرجال فإذا كان المقصود من القول أنهما لا يجتمعان إلا على الخطيئة فما عسى أن يقولوا في هذا اللقاء الذي رخص الله لهما فيه سراً على قول معروف إذا تمت الخطبة بينهما أو أكن أحدهما للآخر في نفسه حباً { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (الحجرات 16) أم يريدون أن يفعلوا ما فعله الذين استحفظوا من الكتاب من قبل قال الله فيهم { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ .} (المائدة 77).

انحرف الشيوخ إلى أقصى اليمين وانحرف الشباب إلى أقصى اليسار واتخذ الجميع صراط ربهم السوي بينهم مهجوراً وأصبحت القوامة للرجل قولاً ظاهراً لا وجود له في الواقع الفعلي وأصبحت المرأة رجساً من عمل الشيطان واختلت الموازين القسط فأصبح الرجل يكيل بكيلين يحرم على أبنائه ما كان يبيحه لنفسه في شبابه ويغار على بناته بغير الحق ويجد فيما رخصه الله لها عاراً لا يمحى ولقد تساءلنا من قبل عن حكمة الله في كتب ثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن, ورأينا أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضرب المثل الأعلى لعباده بالحق فلا يأتمن أحد من البشر أحداً على دينه إلا الله { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .} (المائدة 44).

استحفظ النبيون والربانيون والأحبار على كتاب الله فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الدين وأضاعوا الكتاب فلما بعث الله رسوله خاتم النبيين بكتابه لم يستحفظ عليه أحداً بل قال وقوله الحق { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .} (الحجر 9).

وحذر الله تبارك وتعالى من هجره فقال وقوله الحق { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً .} (الفرقان 30) الرسول يشكو قومه إلى الله فكيف سيشفع لهم وقد هجروا كتاب ربهم.

فإن آية حفظه لا تغنى عن هجره, فنجده اليوم بيننا قائماً شامخاً بالحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مهجوراً بين الناس تحت ركام ثقيل من الدعاوى والأساطير, وهذه آية مهجورة فكيف السبيل إلى رجل يلتقي بمن أحب أن يستنكحها من النساء سراً وعلى قول معروف سواء كانت بكراً أم ثيباً دون أن تتهم المرأة في عرضها ويوشك أهلها أن يبطشوا بها.

{ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .} (النور 30، 31).

غض النظر أي خفضه وليس كفه غلوا في الدين, فللرجل أن يتطلع إلى المرأة وإلى ما ظهر من زينتها كأناقة ثيابها أو جمال وجهها أو أدب حديثها ولها أن تتطلع إليه لتمحص خلقه وأخلاقه والمنطق في حديثه ولكن ليس لأحدهما أن يتجاوز الحياء فيتطاول ببصره ابتغاء متعة رخيصة, فإذا طابت له من بعد ما رأى من أدبها وجمالها على استحياء فليس له أن يبتغي منها شيئاً بغير نكاح ولا ينبغى له أن يلمسها إلا بأمر الله سبحانه إنه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه إنه هو الغفور الحليم.

ولنا القدوة في ذلك من نكاح موسى عليه السلام, رآها فأعجبه أدبها وحدثها وسمع حديثها فاستعفف لما علم أنه فقير لا يجد نكاحها وأوى إلى الظل يدعو ربه فاستجاب له أنه هو السميع العليم { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ .} (القصص 23، 28) وقال صاحبي وهو يحاورني أتأذن لابني أن يواعد ابنتك سراً, قلت نعم إذا أذنت لابني أن يفعل ذلك, إن الدين لا يتجزأ أبداً ولا ينبغى لأحد أن يأمن على نفسه رجلاً كان أو امرأة في القوم الذين يتخذون القرآن مهجوراً.

هذا هو رسول الله عليه السلام على حب طاهر وهذا صهره من الصالحين يبارك هذا الحب بعقدة النكاح, كتم الحب في نفسه ولم يبده لما لم يجد بداً من فقره واستعان على الأمر بربه فجاءته البشرى تسعى من بين يديه, من أجل ذلك يقول الله تبارك وتعالى { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } (النور33).

وإذا كان للمؤمنين في رسول الله قدوة حسنة, فإن للمؤمنات قدوة أخرى في نسائه صلى الله عليه وسلم { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً . وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً . يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً . يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً .} (الأحزاب 28، 34).

وسلام على أمهات المؤمنين أردن الله ورسوله والدار الآخرة وأعرضن عن الحياة الدنيا وزينتها وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله, وحاش لله ما علمنا عليهن من سوء وما كان لهن أن يقاتلن أصحاب رسول الله من بعده أبداً, وليمح الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر أول ما يمحون واقعة الجمل من التاريخ فإنها زور من القول وإفك مبين لا ينبغى لأهل البيت عليهم جميعاً سلام الله ورحمته وبركاته.

ومن الحياء ألا تذكر المرأة باسمها, فإننا نجد المرأة الصالحة تنسب إلى زوجها ولو كان فاسقاً { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } (التحريم 11).

ونجد المرأة الكافرة تنسب إلى زوجها ولو كان نبياً من الصالحين { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ } (التحريم 10).

ولا نجد في القرآن الأنثى تذكر باسمها إلا مريم ابنة عمران عليها السلام ذلك لأن الله اصطفاها على نساء العالمين { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ .} (آل عمران 42) ذلك من أدب القرآن العظيم ومازال أهل القرآن يذكرون أزواج الأنبياء بأسمائهن ويضاهئون اليهود في زوج آدم عليها السلام رمياً بالغيب وعلى غير هدى وبغير كتاب منير.

آداب البيوت

فرض الله حرمة البيوت المسكونة فلم يأذن بدخولها إلا إذا أذن أهلها, وعلم الله أن بيوت المؤمنين قرار لنسائهم وسكن لهم فلم يجعل عليهم من حرج في رد الزائرين عنها, فإذا سمحوا لزائر بدخولها فليس له أن يدخلها إلا من أبوابها, فإذا دخلها فعليه أن يستأنس ويسلم على أهلها, فإذا استأنس لحديث فلا يظل سادراً فيه إلا أن يستيقن أنه لا يؤذي به صاحبه, كل ذلك في آداب مفصلة تحفظ لصاحب البيت حرمة بيته, وتحفظ للزائر كرامته في مجتمع أساسه الرحمة واللطف بين الناس { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ. } (النور27، 29).

{ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .} (البقرة 189).

إن الله سبحانه وتعالى قد أنزل كتابه تفصيلاً لكل شئ وتبياناً لكل شئ حتى البيت الذي يَحِلُّ فيه للإنسان أن يأكل طعامه فرفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض وعلة ذلك ظاهرة لأن هؤلاء أعجز حركة وأولى بالرحمة وأجدر بالرعاية مما فرض من حرمة البيوت, ورخص للمؤمنين بأن يأكلوا في بيوتهم أو بيوت آبائهم أو بيوت أمهاتهم أو بيوت إخوانهم أو بيوت أخواتهم أو بيوت أعمامهم أو بيوت عماتهم أو بيوت أخوالهم أو بيوت خالاتهم أو ما ملكوا مفاتحه أو بيوت أصدقائهم, وأذن لهم في أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً.

ويلاحظ أن الآية قد خلت من النص على بيوت الأبناء والبنات بالنسبة لآبائهم, وذلك لأن آيات الله لا تتنزل إلا بمقدار, فلقد فرض على الأبناء أكثر من ذلك عندما أمرهم الله بأن يخفضوا لآبائهم جناح الذل من الرحمة وأن يحسنوا إليهم حتى ولو جاهدهم الآباء ليشركوا بالله. ذلك من آيات الله ولو وردت بيوت الأبناء في الآية لكانت تزيداً, وحاش لله ليس في كتابه حرف واحد يزيد عن الحاجة أو ينقص عنها وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.

{ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون .} (النور 61).

فلا حرج على الأعمى ولا على الأعرج ولا على المريض أن يأكل في أي بيت يكون قائماً فيه, ولا حرج على غير هؤلاء أن يأكلوا في بيوتهم أو بيوت أمهاتهم أو بيوت أبنائهم أو بيوت بناتهم أو بيوت إخوانهم أو بيوت أخواتهم أو بيوت أعمامهم أو بيوت عماتهم أو بيوت أخوالهم أو بيوت خالاتهم فإذا كان البيت لغير هؤلاء فلا يحل له أن يأكل فيه إلا إذا كانت بينه وبين صاحب هذا البيت صداقة تبرر ذلك, ليس عليهم حرج أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً.

وإذا أوى الرجل إليه زوجاً فإن بيته يصبح بيتها لها فيه كل ما له من الحقوق مشاعاً بينهما فبيت الزوج بيتها بدلالة قوله تبارك وتعالى { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } (الأحزاب 33).

{ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ } (الأحزاب 34) { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } (الطلاق 1).

ذلك حكم الله لا تبديل لكلماته فيما شرعه الله في كتابه وفيما شرعه من الدين من قبل { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا } (يوسف 23).

وشرع الله حرمة المساكن لأنها سكن للإنسان ومن حقه الإنساني سواء كان مسلماً أو غير مسلم أن يستمتع فيه بالراحة والأمن { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ } (النحل 80) فالاستخفاء هو علة حرمة المساكن سواء كانت ثابتة أم متحركة في المدن أو القرى أو أي مكان في الأرض.

وبهذه الآية الكريمة فإن حرمة المساكن تمتد إلى كل مكان يستخفى فيه الإنسان سواء كان خيمة أم كوخاً أم كهفاً سواء أقام فيه أم كان ظاعناً.

فالاستخفاء هو أساس حرمة المساكن, وأيما بيت اتخذه الإنسان سكناً يستخف فيه عن أعين الناس وجبت له حرمته كما شرعها الله في كتابه. ونهى الله عن المناداة على الناس من وراء الحجرات وحبَّب إليهم أن ينتظر أحدهم الآخر حتى يخرج إليه من مسكنه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (الحجرات 4، 5) ذلك مما فرضه الله من الحماية للبيوت من خارجها, ومما فرضه الله لها من داخلها ارتقاء بعباده وتكريماً لهم إنه قال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (النور 58، 59).

ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في عورات ثلاث, فلو كان صحيحاً في الدين أنه يحل للرجل الرفث إلى ما ملكت يمينه كما يقولون سفاحاً وبغير النكاح فهل ينبغى لها أن تستأذنه في عوراته كما يستأذنه أطفاله الذين لم يبلغوا الحلم. وإذا أراد الله عدداً محدوداً بينه بكلماته تفصيلاً فإذا أراده حكماً مطلقاً لا يقيده الحصر جاءت به كلماته طليقاً لا قيد عليه. فمن كان في ملك اليمين أو كان طفلاً لم يبلغ الحلم فهم طوافون بعضهم على بعض إلا في عورات ثلاث فإذا كانوا قد بلغوا الحلم فليس لأحدهم أن يقتحم على الآخر خلوته داخل البيت إلا بعد أن يستأذنه سواء في هذه العورات أم في غيرها.

فلا قيد على القرآن إلا بالقرآن ولا حصر فيه إلا بكلماته ولا ناسخ فيه ينسخ حكماً فرضه الله لعباده. وإذا اشتبهت الآيات علينا فذلك لعجز في أفهامنا, أو لأننا لم نبلغ من العلم درجة تؤهلنا لفهمها, أو أن الله قد ادخرها للأجيال من بعدنا. أما أن نمحو من الكتاب كل ما يستعصى علينا فهمه بدعوى الناسخ والمنسوخ فليس ذلك من العلم في شئ, ولسوف نظل تلاميذ هذا القرآن مهما عكفنا عليه فإنه جامعة دائمة لا يكتفي أحد منها ولن تنفد كلماته أبداً.

فإذا كان الرجل يستخف في حجرته آمناً في خلوته وزوجه إلى جانبه فليس له أن يقربها في محيض أو في صيام أو في حج, فإذا لم يكن في شئ من ذلك فليس له أن يأتيها كما تؤتى البهائم بل عليه أن يقدم لنفسه حتى يحبب إليها ما أحبه منها, فإذا قرت له ورضيت منه الرفث إليها فعليه أن يأتيها من حيث أمره الله وأن يتجنب سوأة لا حق له فيها.

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ . نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . } (البقرة 222، 223).

{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . } (البقرة 197).

{ ‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ .} (البقرة 197) وكنت قرأت هذه الآيات على أحد المفكرين في أوروبا فسألني عن سورتها قلت إنها سورة البقرة قال متعجباً يا له من اسم لأول سور هذا القرآن ألا يمكن أن يكون لها اسم غير ذلك قلت سمها ما شئت فليست أسماء السور من القرآن فبعض الناس يسمون السورة السابعة عشرة الإسراء وبعضهم يسميها إسرائيل وبعض الناس يسمون السورة الأربعين غافر وبعضهم يسميها المؤمن. أما آية البقرة فقد أنزلت لأن اليهود يزعمون أنهم أولى الناس بإبراهيم بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقالوا نحن أبناء الله { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .‏ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .} (الصافات 102، 111).

فأين من ذلك يهود بنى إسرائيل { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ .} (البقرة 67، 71) من أجل ذلك قال الله تبارك وتعالى { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ .} (آل عمران 67، 68).

وكان عسيراً أن أترجم لصاحبي المعنى العظيم من قوله تبارك وتعالى { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (البقرة 187) بمعنى أن أحدهم وقاية للآخر وستر له كقوله تبارك وتعالى { وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ .} (الأعراف 26).

وقلت إن نقل الحكمة من لسان إلى لسان آخر أمر يوشك أن يكون مستحيلاً, ولذلك تختلف فلسفة الشعوب ونظرتها إلى الحياة. فقال وكيف السبيل إلى لسان القرآن الذي أنزل للناس كافة, قلت إننا نعلم أبناءنا اللسان الإنجليزي ثم نبعث بهم إليكم ليتعلموا الطب والصيدلة والهندسة وغير ذلك ليرتقوا في الأرض فعلموا أبناءكم اللسان العربي وابعثوا بهم إلينا لنعلمهم كيف يرتقوا في السماء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وإذا كان يحق للناس أن يردوا بعضهم بعضاً عن بيوتهم, فإنه يحق لهم أن يصلح أحدهم مجلس الآخر إفساحاً أو ارتفاعاً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .} (المجادلة 11).

النشز كما يقول صاحب تاج العروس هو(ما ارتفع عن الأرض وليس بالغليظ ونشز الرجل في مجلسه إذا ارتفع قليلاً) ومنه قوله تبارك وتعالى { وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً } (البقرة 259) فهي ترتفع داخل الأجسام قليلاً قليلاً وكلما ارتفعت كسيت لحماً حتى يكتمل نموها في أحسن تقويم ومنه قوله تبارك وتعالى { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْح} (النساء 128).

نشوزاً أو إعراضاً إذا تعالى عليها أو ابتعد عنها فالله أقام بينهما عقدة النكاح على ميثاق غليظ من المودة والرحمة.

ذلك من آداب البيوت والمجالس مما نتدبره من القرآن يستخلصها الباحث كما يستخلص اللؤلؤ والمرجان.. ولكن البحر ما يزال أعمق من ذلك وأغنى. آداب الجوار

{ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً .} (النساء 36).

لا تضاف الآيات في القرآن إلا لحكمة بالغة وينبغى لنا أن نتوقف طويلاً عند واو العطف في القرآن الكريم فهي تجمع ما لا ينبغى له أن يتفرق من الحكمة وتؤلف بين معان لا ينبغى لها أن تتشتت في الفهم.

ولقد أوصى الله سبحانه وتعالى بالإحسان في كل قول أو عمل يصدر عن الإنسان كما رأينا في باب الإحسان من قبل ولكنه سبحانه وتعالى قد فرض الإحسان في هذه الآية مقترناً بعبادته ووجوب طاعته وإذا تأملنا العلاقات الإنسانية التي أوجبت الآية الإحسان بها مقترناً بعبادة الله وطاعته نجد أنها جامعة للعلاقات الإنسانية التي يتحرك من خلالها الإنسان عادة فالوالدان هما أقرب الناس إلى الإنسان ثم أولى القربى, وجعل الله لليتامى والمساكين في قلب الإنسان مودة كالمودة في القربى, ثم أوصى بالجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ومن كان في ملك اليمين.

ولو نتدبر العلاقات الإنسانية التي يتحرك الإنسان من خلالها عادة لا نجده يتحرك إلا من خلال أبويه أو أقاربه أو جيرانه أو أصحابه ولكن الله سبحانه وتعالى قد جعل له في حكم ذلك مودة في اليتامى والمساكين وابن السبيل وما ملكت يمينه فأوصى لهم من الحسنى ما أوصى به لأولئك على سواء. وإنما يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله من كان له قلب المسلم ممن شرح الله صدورهم بالإيمان أما الذين يتعالون على هذه العلاقات الإنسانية فمثلهم كمثل قارون { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } (القصص 76، 78) الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ويعلمون أنهم إنما يحسنون من مال الله الذي آتاهم ويفعلون الخير ابتغاء مرضاة الله ويتراحمون ابتغاء رحمته وخوفاً من بطشه فأولئك هم المحسنون الذين أدركوا حقيقة أحجامهم في هذه الحياة الدنيا فلا يختالون بزيفها ولا يتفاخرون بزخرفها بل يتواضعون لله ويخفضون جناحهم للمؤمنين ولذلك فإن الله قد ختم هذه الآية الحكيمة بقوله بارك وتعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً .} وأتبعها بقوله سبحانه { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } (النساء 37).

ورأينا في باب الحج أن الله سبحانه وتعالى قد جعله من رحمته أربعة أشهر حرماً هي شهور شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم وأيما حاج أتم مناسك الحج وأعتمر خلالها فقد أتم الحج والعمرة لله, ولو أن المسلمين قد نظموا حجهم طائفة من بعد طائفة خلال هذه الأشهر فلم يحصروها في التاسع من ذي الحجة لما كان الحج يضيق بأحد إلى يوم يبعثون. ولكنهم يقولون إن الحج جامعة إسلامية وينبغى للمسلمين أن يحضروا في يوم واحد ليتعرف بعضهم على بعض, ولو بحثنا الأمر من هذا الوجه لا نجد حاجاً قد تعرف في الحج إلا على جاره أو صاحبه بالجنب أو بعض المساكين وإذا اجتهد في ذلك جهاد المؤمن الحق لما ظفر من الحج بأكثر من مئات معدودة من البشر لا تبلغ ألفاً بأي حال من الأحوال وهو أمر نظن أنه ميسر إذا كان يحج في طائفة من طوائف الأشهر الأربعة التي فرضها الله رحمة بعباده المؤمنين. فلقد يجد في سعة من الأمر جاراً أو يجد صاحباً هو خير له ممن عرف من الجيران أو الأصحاب من قبل, هؤلاء هم الأخلاء في الله وحسن أولئك رفيقاً.

آداب البيع

أحل الله البيع بين الناس { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ } (النساء 29).

وأمر بالوفاء بالعقود { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ } (المائدة 1).

ومن الوصايا العشر إلى بنى إسرائيل في الكتاب والتي جاء بها القرآن مفصلة في آخر سورة الأنعام { وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } (الأنعام 152) فلما بعث الله شعيباً عليه السلام قال لقومه { وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ . وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ . } (هود 84، 85).

هاتان آيتان بينتان لبنى إسرائيل في الوصايا وإلى مدين فيما أوصى به شعيب عليه السلام, فلما بعث الله محمداً بالهدى ودين الحق جاء بمثلهما في الكتاب تماماً على ما شرعه الله من الدين من قبل { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (الإسراء 35) ثم أنذر الذين يخالفون عن أمره فقال سبحانه وقوله الحق { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ .} (المطففين 1- 6) والتراضي في التجارة لا يكون بمجرد الرضاء بل بحقيقته, فربما اشترى رجل بضاعة ما كان ليرضى لو أنه علم ما خفى من حقيقة أمرها.

ويعظ الله الناس إذا تداينوا بدين أن يكتبوه, ورفع الحرج عنهم في أن يأخذوا العهود مكتوبة وأن يتقاضوا الرهان مقبوضة ضماناً للوفاء بها. وأذن لهم التجارة ألا يكتبوها وزعم أبعاض أن حرية الإثبات في الديون التجارية من الفكر القانوني المعاصر وهو على أي حال في الكتاب مسطوراً منذ أربعة عشر قرناً شاهداً عليهم بأنهم ما كانوا ليسبقوا الله في الأرض إنه هو العلى الحكيم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . } (البقرة 282، 283).

ونهى الله اليهود عن الربى فلما خالفوا عن أمره حرم عليهم طيبات أحلت لهم {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً . وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً .} (النساء 160، 161).

هذه آية في بنى إسرائيل نسخوها بقولهم (لا تقرض أخاك بربا في فضة أو طعام أو شئ آخر مما يقرض بالربا بل الأجنبي إياه تقرض بالربا وأخاك لا تقرضه بالربا لكي يبارك لك الرب إلهك جميع أعمال يديك في الأرض التي أنت داخل لتمتلكها- سفر تثنية الاشتراع الفصل 23 الجملتان 20 و21) فلما نسخوها بزعمهم جاء الله بها وبأحسن منها آيات بينات تحرم الربا صغيره وكبيره بسيطه ومركبه وحذر وأنذر وأغلظ العقاب عليه سواء أخذه المؤمن من صاحبه أو من عدوه { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ .وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .} (البقرة 275، 280) وحبب الله لعباده أن يتزكوا بأموالهم وبين لهم أن ذلك أوفر لهم في أموالهم يوم القيامة { وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ .} (الروم 39).

والربا هو الزيادة في نفس الشئ { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .} (الإسراء 24) الإنسان نفسه كان صغيراً فربا حتى صار رجلاً { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} (الحج 5). الأرض نفسها كانت هامدة فلما نزل الماء عليها تضخمت وكأنما نفخ فيها { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً } (الرعد 17). الزبد من الماء نفسه يعلو فوقه ثم يذهب جفاء. وبذلك فإن الربا هو كل التزام برد الشئ نفسه مزيداً النقد بالنقد والذهب بالذهب والقمح بالقمح, ما زاد على ما اقترضه المدين فهو الربا بسيطاً كان أو مركباً وسواء كان المدين مسلماً أم يهودياً أم نصرانياً أم كافراً أم مشركاً أم مجوسياً. ذلك لأن الدين التزام إنساني وعهد ثابت لا يتبدل لأي سبب من الأسباب, والانحراف فيه إلى اليمين كالانحراف فيه إلى اليسار { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . }(الأنعام 153).

السلوك القويم

إن الله سبحانه وتعالى أنزل آيات بينات وآيات مبينات بمعنى أن الآية في القرآن تبين الأخرى وتفسرها. وإن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه مثانى, أي أزواج بمعنى أنه جاء بكل شيء مفصلاً تماماً كما جاء بضد كل هذه الأشياء مفصلة من لدنه تفصيلاً.

ونجد في الكتاب بياناً مفصلاً بالسلوك القويم وجزاءه في الحياة الدنيا وفي سكرات الموت وفى الآخرة, تماماً كما نجد بياناً مفصلاً بالسلوك المنحرف وجزاءه في الحياة الدنيا وفي سكرات الموت ويوم يقوم الأشهاد. أكبر انحرافات الإنسان في الحياة الدنيا أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً, والشرك كما بينه القرآن ليس مجرد الركوع لغير الله بل هو كل طاعة تتضمن معصية لأمر قضى به الله سبحانه. قد يخالف الإنسان عن أمر ربه وذلك إثم قد يغفره الله وقد يعاقب عليه, أما إذا خالف الإنسان عن أمر ربه خضوعاً لأمر غير الله فذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .} (الأنعام 121).

هذا هو بيان الشرك وتفسيره في الكتاب, وقد يكون الشرك موروثاً فيحمل وزره الذين أورثوه والذين ورثوه على سواء لا عذر للأبناء فيما حملهم الآباء من الشرك بعدما أنزلت الآيات مفصلات من لدن حكيم عليم { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ .

وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .} (الأعراف 172، 174) ويوم القيامة يفسر الشيطان لأوليائه ما كان يلتبس عليهم في الحياة الدنيا ويعظهم ولات حين مناص { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (إبراهيم 22). وفي آية جامعة بين عباده المؤمنين الذين آمنوا به ولم يطيعوا أحداً بغير سلطان أتاهم من ربهم { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً . إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً .} (الفرقان 63، 76).

ونهى الله عن الكبرياء في الأرض بغير الحق { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ .} (المنافقون 8) أما الذين يعتزون بغير الله أو الذين يعتزون بالإثم فأولئك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق كمثل فرعون وهامان وقارون لهم طعامهم وشرابهم عند ربهم { إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعَامُ الْأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ . خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.} (الدخان 43، 49).

وضرب الله المثل الأعلى للذين يخشعون لربهم وهم في قمة المجد والعظمة والكبرياء من الذين خلوا من قبلنا يوسف وسليمان عليهما السلام, فأما يوسف فملك مصر فلما رأى الملك خاضعاً بين يديه والفتية يأتمرون بأوامره قال عليه السلام { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .} (يوسف101) وأما سليمان فملك ملكاً لا ينبغى لأحد من بعده وحشر له الجند من الجن والإنس والطير كل له قانتون فلما أوتى من كل شئ حتى بلغه صوت النمل حين تنادى لزحفه { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.} (النمل 19). وتراه حين يرى عروش الملوك تستقر من بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه يقول عليه السلام { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } (النمل 40).

ومن السلوك القويم في القرآن أن يحترم كل إنسان حق الآخر في أن يعيش حياته آمناً مطمئناً وهو ما يمكن أن نسميه بحق السلام الاجتماعي فلا يسخر أحد من الآخر ولا يستهزئ به ولا يلمزه ولا ينبزه بالألقاب المهينة ولا يظن به إلا خيراً ولا يتجسس عليه ولا يغتابه, فكل إنسان خلق بأمر الله لأجل مسمى لا حساب عليه إلا بما قدمت يداه ولا فضل لأحد على الآخر إلا بالعمل الصالح { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .} (الحجرات 11، 13).

ونهى الله عن الغرور والفرح بزينة الحياة الدنيا والمرح فيها بغير الحق كما نهى عن الفخر بها والاختيال فيها وبين سبحانه وتعالى أن هذه الحياة الدنيا هي دار ابتلاء وليست دار القرار إذا أقبلت فلا بأس بها وإذا أدبرت فلن يدبر الخير منها بل الخير والإقامة والحياة في الآخرة, وإن جميع خيرها لا يعدو أن يكون متاعاً كمتاع مسافر لا يحمل معه فيها إلا بمقدار. ومن عجب أنك تجد الإنسان يحسن تنظيم سفره من بلد إلى بلد آخر ولا يحسن عادة تنظيم رحلته الكبرى إلى لقاء ربه وسألني صديق أوروبي حميم لماذا كل الأنبياء في الشرق الأوسط, قلت لأنه هايد بارك العالم ومركز التقائه من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيد} (البقرة 143). وسورة البقرة من 286 آية، وهذه الآية في وسطها. قال ولماذا ثلاثة كتب وليس كتاب واحد من البداية قلت حتى لا يأتمن البشر أحداً على دينهم غير الله فالكتاب الأول استحفظ عليه أهل التوراة فلم يحفظوه والكتاب الثاني استحفظ عليه أهل الإنجيل فلم يحفظوه { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } (المائدة 44). فلما أقام الله الحجة على عباده أنزل القرآن وقال فيه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .} (الحجر 9) فالله وحده سبحانه هو الحفيظ على كتابه إلى يوم القيامة. وقال ولو لم يكن الأمر كذلك أكانوا أضاعوه قلت ألا ترى أنهم فعلوا أكثر من ذلك عندما هجروه وهو قائم عليهم بالحجة البالغة. قال كيف ترى الحياة من خلال دراستك للقرآن الكريم وتذكرت أنها ليست في الآخرة إلا متاع فقلت إنها مطار كبير وقد أعطانا الله الحياة لنتخذ فيها قراراً واحداً بالسفر إلى الجنة أو إلى مكان آخر وما التوراة والإنجيل والقرآن إلا نداءات إلى المسافرين ليحزموا أمرهم ويتخذوا لأنفسهم قراراً صحيحاً. وسألني عن الديانات الهندية والفلسفات القديمة, فقلت إن الشيوعيين يظنون أن الدين اقتباس من هذه الفلسفات وينسون أن الفكر البرهمي والفكر الفشنوى والفكر الشيفى لم يكد يتكون إلا في أواخر القرن السادس الميلادي أي بعد قرون طويلة من رسالة موسى وعيسى عليهما السلام وينسون أن براهما وهو كبير الآلهة عند الهنود كانت له زوج لم ينتبه أحد حتى الآن إلى اسمها.. قال وما اسمها.. قلت إنهم يسمونها سارا..قال صدفة واحدة ما كانت لتعنى شيئاً.. ولكن براهما وسارا..قلت إنهم هم الذين اقتبسوا أوهامهم فضلوا من حيث كان ينبغى لهم أن يهتدوا.. قال هل تعتقد أننا سندخل النار.. قلت { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .} (الحج 17) وتركني وهو يردد متعجباً..براهما.. إبراهام.. إبراهيم.. وزوجه سارا عبدهما الهنود فضلوا من حيث كان ينبغى لهم أن يهتدوا.. إنهم هم الذين اقتبسوا منا هذا الاقتباس القبيح, ومع ذلك نتهم بأننا ننقل عنهم.. هذا أمر لا شك فيه لو كانت صدفة واحدة لما كانت تعنى أي شئ.. ولكن براهما وزوجه سارا.. هل أنت متأكد أن أحداً لم يفطن إلى ذلك.. قلت أعتقد.

ورويت ذلك لصديق يصدقني..لم يكن قد تخرج في الجامعة ولكن كانت له أذن صاغية.. يسمع مني القول فيتبع أحسنه ويسرع إلى الناس يجادلهم به ويسألهم حجتهم عما يختلفون فيه.. قال ألم تر أن هذه القاعدة.. التي جاء بها صديقك الغربي لها أصل ثابت في القرآن.. قلت أي قاعدة..قال إن الصدفة الواحدة لا تعنى شيئاً فإذا تكررت أو تعددت أصبحت حقيقة لا شك فيها.. قلت وأين هي في القرآن.. قال { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ .} (الملك 3، 4) قلت صدقت وسبقت يفتح الله لك.. وتالله لم أفطن إليه من قبل.. قال بتواضع المؤمن ولكنك الأصل الذي نتعلم منه.. قلت بل الله هو الذي يعلمنا ويفضلنا ويتفضل علينا.. قال وإن هذا المنطق في الجدل ليدعم قولك إن وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم بعرفات يوم التاسع من ذي الحجة لا يقيم سنة ولا تقوم به قاعدة إلا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد حج مرة أخرى ووقف بعرفات في نفس اليوم.. وهو ما لم يقل به أحد من الفقهاء ولا من المؤرخين.. بل أجمعوا على أنه لم يحج إلا مرة واحدة.. قلت ولا يدرى الفقهاء ولا المؤرخون إن كان قد حج مرة أخرى أكان يقف بعرفات في نفس اليوم أم في يوم آخر من أيام الأشهر الحرم.. وهي تزيد على مائة يوم رحمة من ربك في حشر يسير..

فما ظن المؤرخين الذين أثبتوا أنه خرج من المدينة للحج الذي أحصر عنه في الحديبية في اليوم الأول من ذي القعدة !؟

وكان قارون غنياً في قومه بغى عليهم وآثر الحياة الدنيا فهلك فيها ولم يغن عنه ماله شيئاً, وهو أمر يحدث في كل زمان ومكان فما كان المال وما كانت الحصون لتمنع عن الطاغين من قضاء الله شيئاً, ولكن الأمر الجدير بالدراسة هو ما كان من اختلاف القوم عليه, فنجد منهم من اهتدى فأشفق عليه ومنهم من فتن به فتمنى مكانه { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (القصص76، 83).

إن البحث في هذين المسلكين كالبحث في أي قضية من قضايا القرآن يقتضى كتاباً يعكف على استنباطه العلماء, وإنما تجدر الإشارة إلى أن كل فريق قد اتخذ لنفسه مسلكاً من بداية معينة.. فأما الذين ضلوا فأولئك هم الذين يريدون الحياة الدنيا { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .} (القصص 79) وأما الذين اهتدوا فأولئك هم الذين أوتوا العلم { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} (القصص 80) العلم هو أساس الارتقاء في الحياة الدنيا وفي الآخرة { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } (فاطر28).

وليس العلم في جمع المعلومات بل في الشغف به وحسن التصرف فيه, أما الذين يجمعون العلم شغفاً بالحياة الدنيا ولا يحسنون التصرف فيما أوتوا من العلم فمثلهم كمثل الذي يكنز الذهب والفضة ولا ينفق منها في سبيل الله. وينبغى للآباء أن يعلموا أبناءهم الشغف بالعلم, فما يزال الأطفال معرضين عن العلم حتى تكبر البلادة فيهم فيستوي عندهم أن يتعلموا الشئ أو يجهلوه, وإذا تعلموا منه شيئاً لا يحسنون التصرف به كالذين قال فيهم { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ . } (الجاثية 7،11).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أنه على الحق المبين وإن ما جاء به هو الهدى فكان يحزنه الذين يعرضون عن العلم بعد ما جاءهم وكان يضيق صدره بإصرارهم واستكبارهم وربما كان عليه الصلاة والسلام يظن أنهم يتلقونه كما يتلقاه هو من ربه طهوراً مباركاً فبين الله له حقيقة أمرهم بقوله تبارك وتعالى { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً .} (الفرقان 43، 44).

وإننا نتبع نهجاً خاطئاً بتعليم صغارنا قصار السور من جزء عم, وكان علينا أن نعلمهم حديث الهدهد والنملة مع سليمان, وحديث النحلة التي تتخذ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم تسلك سبل ربها ذللاً فتأكل من الثمرات فيخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس, وحديث السحب التي يؤلف الله بينها ثم يجعلها ركاماً فيخرج منه الماء, وحديث البحرين هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وبينهما برزخ لا يبغيان, وحديث الفواكه والأشجار وثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين, وحديث العصا كانت بيد موسى يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه فأصبحت أمام فرعون حية تسعى ثم انفلق بها البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ثم فجر بها من الحجر عيوناً, وحديث الشمس والقمر والنجوم والدواب التي تمشى على بطونها وتلك التي تمشى على رجلين والأخرى التي تمشى على أربع, وهكذا حتى نربى في صغارنا حب العلم لذاته والشغف به ونذكرهم بأن الذي يستوي عنده أن يتعلم الشيء أو يجهله والذي يجمع العلم ولا يحسن التصرف فيه كالحمار { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .} (الجمعة 5).

إن البداية بقصار السور من جزء عم هي فيما أعتقد أشق البدايات على أفهام صغارنا, وربما أعرض الناس عن استنباط القرآن بعدما عجزوا في صغرهم عن استنباط ما كانوا يتلقونه جبراً من هذه السور التي ما يزال كبار العلماء عاجزين عن استنباطها.

وثم قضية أخرى يثيرها القوم الذين اختلفوا في أمر قارون, الذين أوتوا العلم أشفقوا عليه وأرادوا أن يعظوه فتعالوا عليه رغم أنه كان أكثر منهم مالاً وأعز نفراً, والذين أرادوا الحياة الدنيا حسدوه وتمنوا مكانه فتعالى عليهم واستبد بهم. ازداد المحسود ضلالاً وبغياً وازداد الحاسد ضلالاً وذلاً ولو أنهم أجمعوا أمرهم وصبروا أنفسهم مع الذين أوتوا العلم لاهتدوا ولربما رجع قارون عن الضلالة واهتدى معهم. ولذلك نهى الله عن الحسد وحبب إلى الناس أن يقتدوا بأبيهم إبراهيم الذي تطلع إلى الآخرة فآتاه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً .} (النساء 54) وما برح الجدل محتدماً حول تربية النشء وعما إن كان ينبغى لولى الأمر أن يقسو على بنيه أحياناً أم يلين لهم في أكثر الأحيان ويرحم, ولعل أحداً لم يتنبه إلى ما كان من أب من أعظم الآباء في التاريخ مع بنيه { لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ .} (يوسف 7).

كان يعقوب أباً لاثنى عشر ابناً وكان يوسف أحب أبنائه إليه, لم يصدر في حبه عن الهوى بل كان يصدر عن العلم بما ينتظره من شأن عظيم خصوصاً بعد الرؤية التي رآها في منامه فقال له { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (يوسف 6). حمل الأبناء هذا الابن العزيز وألقوا به في الجب حسداً وظلماً { وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ، قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ .} (يوسف16، 17).

ولم تكن هذه الحيلة لتنطلي على أبيهم وهو العالم لما علمه الله ربه واجتباه وجعله من الصالحين بل أيقن أنهم كادوا لعزيزه كيداً ومكروا به مكراً. فماذا كان من أمره عليه السلام.. هل فقد أعصابه وهم ليبطش بهم.. وهل اهتزت قدماه مما ثبته الله عليه.. بكل هدوء العالم ووقار المؤمن عليه السلام { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف 18) وانطلق يوسف العزيز في عالمه الجديد حتى أصبح في مصر عزيزاً وجاء إخوته فعرفهم وهم له منكرون وأراد أن يأخذ أخاه فكاد له ورجع الإخوة إلى أبيهم بعد أن أضاعوا له الابن الثاني بجهلهم وقلة حيلتهم هذه المرة.. فماذا كان من أمره عليه السلام هل فقد أعصابه فهم ليبطش بهم.. هل اهتزت قدماه مما ثبته الله عليه.. كلا وبكل هدوء العالم ووقار المؤمن { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .} (يوسف 83) صبر لا ينفد لأنه يصدر عن إيمان لا ينفد.. بل صبر جميل.

لو عرضنا هذه القضية على علماء النفس أو علماء التربية لما وجدوا لها تفسيراً إلا أن يجدوا تفسيراً صحيحاً للإيمان وربما قال قائل منهم إنه كان غليظ القلب.. كلا بل كان لين القلب ولكنه كان عالماً لما علمه الله مؤمناً على عزم شديد.

لئن وقع الأمر وضاع الابن العزيز { فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .} (يوسف 64) هو سبحانه أولى به. فماذا ينفعه البطش بأبنائه أو الغلظة عليهم. فوض أمره إلى الله وأعرض عن أبنائه { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ .} (يوسف 84، 86).

لا أظن أن أباً قد بلغ هذه الدرجة من العزم والإيمان.. تولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن. فهو كظيم. فهل يستطيع أب أن يكظم ما كظم يعقوب..فذلك ما يتحمله المؤمنون بين يدي ربهم.. تبيض أعينهم ولا يغضبون ربهم.. يعصر الألم والحزن قلوبهم ولا يهتز إيمانهم.. هؤلاء يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ولهم في الحياة الدنيا جزاء ما صبروا.. عاد إليه يوسف ملكاً وارتد بصيراً ورفعه على العرش وخروا له سجداً { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .} (يوسف100، 101).

هؤلاء الأبناء أجمعوا أن يضيعوا أعز الأبناء على أبيهم.. فكظم الأب حزنه حتى ابيضت عيناه وتولى عنهم وصبر صبراً جميلاً.. فكم من الأبناء ضرب ضرباً عنيفاً من أجل جرة كسرها أو ثوب مزقه. وهل أصلح الضرب ابناً أو قوم العنف من انحرافه ما أظن إلا إنه ازداد به ضلالاً وفساداً ومرضاً وكانت العاقبة أباً مريضاً وأبناء منحرفين وبيتاً منهاراً بزلازل لا تهدأ ومجتمعاً يحترق من داخله بنار لا تخبو. ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يظل بيت يعقوب عليه السلام قائماً في الأرض إلى يوم القيامة قائماً بالعلم والملك والنبوة وآخرين خرجوا عليه من الفاسقين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (الأعراف 167) وذلك جزاء من يضل من بنى يعقوب إلى يوم القيامة.

ولقد أرشد الله عباده المؤمنين إلى علامات يتعرف بها بعضهم على بعض ليتآلفوا ويتناصروا أولئك الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً . وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً .} (الكهف 28، 29).

وعلامات لهم من أفواه الذين في قلوبهم مرض وفي وجوههم وفي لحن القول الذي يصدر عنهم يدركونهم بيقظة المؤمن وفطنته فيعرضون عنهم ويقولون سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ . هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .} (آل عمران 118، 120) { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .} (الحج 72) { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ . وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ .} (محمد 29، 30).

العرف

عرف ومعرفة ومعروفاً ضد نكر ونكرة ومنكراً { وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ .} (يوسف 58) فإذا أقبل القوم على رجل فلم يعرفهم فطلب منهم أن يقدموا أنفسهم إليه قال لهم إنكم قوم منكرون { فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ . قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ . قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ .} (الحجر 61، 63) { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ .} (الذاريات 24، 25) ومن آيات الله أن الناس قد فطروا على حقائق يتعارفون عليها فيما بينهم, تماماً كما فطروا على أمور يستنكرونها بطبائعهم. ولذلك حوصرت الأديان الخاطئة في معابدها ولم تقم لها قائمة إلا بكهنتها الذين يرتزقون منها, ولا يبتغون منها أو ممن يفد عليهم راكعاً فيها إلا علواً في الأرض وفساداً دون أن تصل موعظتهم إلى قلوب الناس أو تعمر الأرض بها. فتراهم إذا اجتمعوا فيها ينافق بعضهم بعضاً فيتلطف الكهنة بالذين يمشون في مواكبهم ويخضع لهم الأتباع بغير وعي أو قلب منيب, ولذلك كانت دعوة إبراهيم بالحق إلى هؤلاء جميعاً { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ .} (العنكبوت 25).

الحق من الله تبارك وتعالى هو الحجة الدامغة يقذف بها الباطل فإذا هو زاهق, فإذا سمعه الذين صغت قلوبهم عرفوه وآمنوا به وإذا سمعه الذين في قلوبهم مرض أنكروه وكفروا به, ولذلك كانت أسئلة الرحمن موجهة إلى القلوب لمواجهة الحقيقة { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ .} (المؤمنون 69) { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ .} (غافر 81) {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ .} (النحل 83) رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرف به من خلق عظيم, وآيات الله تتنزل صدقاً وعدلاً وتبياناً لكل شئ ونعمة الله ظاهرة وباطنه, فماذا ينكر الكافر من ذلك إلا ظلماً وزوراً.

فطر الناس على معرفة الخير واستنكار الشر, فتراهم أينما كانوا قد جبلوا على كراهية القتل والأذى والسرقة والظلم كما تراهم قد جبلوا على حب الخير والبر والقسط والعدل. وما من سبيل إلى الحب والرحمة والبر والقسط والعدل أو سبيل إلى اجتناب الكراهية والقتل والأذى والسرقة والظلم إلا بحبل الله أو الهدى من كتابه ورسالاته.

فطر الناس على أن يخلصوا دينهم لله { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }(الزمر 3).

وأسقط الله هذه الدعوة الباطلة بقوله تبارك وتعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ .} (البقرة 186) لا نجد أحداً لا يعرف الله ولكن المؤمنين هم الذين يعرفون سبيلهم إلى دين الله بإذن ربهم, فلما كان إبراهيم عليه السلام يجتهد سبيله إلى الله بما كان يترصده في السماء آفلا من بعد آفل قال قول الحق من ربه { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77).

وإذا أمكن الله للناس دينهم الذي ارتضى لهم فقد اهتدوا إلى سواء السبيل, وأصبحوا أكثر مقدرة على استنباط قوانينهم من واقع أعرافهم فلا حرج عليهم أن ينظموا قوانين الملاحة البحرية والجوية وأن ينظموا شؤونهم النقابية والطلابية بالعرف, وأن يقيدوا حركة السير على الطرقات بالعرف. ولا حرج عليهم أن يقرروا ما يرونه من العقوبات بالقدر الذي يكفل احترام هذه القوانين, فإذا صدرت هذه القوانين عن أولى الأمر بعد مشورة صحيحة فإنها تكون واجبة الطاعة كما تجب طاعة الله ورسوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (النساء 59).

إن الله تبارك وتعالى يدعو إلى هذه الأمة التي تنظم أمورها بإذن ربها وفق مبادئ الخير العام بقلوب طاهرة مؤمنة تأمر بالعرف وتنهى عن المنكر { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (آل عمران 104، 105).

رخص الله للمؤمنين أن يصرفوا أمورهم وفق مبادئ الخير العام بالأمر المعروف والنهى عن المنكر كما رخص به لرسوله صلى الله عليه وسلم { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ .} (الأعراف 199) وكان المؤمنون الأوائل قد دعوا إلى هذه التجارب المتقدمة في أمور كثيرة منها مقدار النفقة { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَ} (البقرة 233) ومتاع المطلقات { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ .} (البقرة 241).

ولو أنهم لم يحجبوا أنفسهم عن الاستنباط الحر من واقع أعرافهم وعلى هدى من كتابهم المنير لما كان سبقهم أحد في المجالات التشريعية, ولكنهم حصروا دينهم فيما كان يملى عليهم فانحصروا وانقطعت بهم السبل حتى أصبحوا عالة على تشريعات غيرهم من الأمم المتقدمة.

فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في الأمة لا يكون بالعصابات التي تسوق الناس إلى المساجد بالسياط ولا بالدرة التي يقولون أن عمر كان يزجر بها الناس في الأسواق. وإنما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر استنباط تشريعي يأخذ من أعراف الناس بما يستقيم على كتاب الله وبما يستهدف الخير العام, وذلك بقوانين تنظم أمورهم على أساس من الشورى ووفق ما يصدر عن أولى الأمر في الجماعة. فمن خالف عن هذه الأوامر فلقد جاء بسيئة { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَ} (الشورى 40).

وبذلك يستقيم لأولياء الأمور أن يفرضوا العقوبات المناسبة لضمان احترام ما يصدر عنهم من القوانين وبذلك ينتصر الخير العام وتسود الأعراف الصادقة وتعلو كلمة الله بكتابه الحق في أمة هي ولا شك خير أمة أخرجت للناس. ولقد مضت سنة الخوارج في تكفير الناس وتقتيلهم, وجاء فقهاء المسلمين بوظيفة الحسبة فقالوا إنه يشترط أن يكون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حسبة بتكليف من ولى الأمر. غير أن أبا حامد الغزالي رفض هذا الشرط مستنداً إلى ما ينسب إلى الرسول r أنه قال: (من رأى منكم منكر فليغيره).

وأيا ما كان الرأي فإنه يجب الحذر في الأخذ بقول من أقوال الفقهاء أو بحديث مما ينسب إلى الرسول, وعلى المسلم الفطن أن يرد الأمر إلى هيمنة القرآن, فما وافق القرآن فهو من الدين وما تنافر مع القرآن فليس من الله في شئ. ولو صح أن الغزالي قد قال ذلك القول الذي عارض به الفقهاء, فليس كل ما قال الرجل صحيحاً في الدين, فقد جاء في كتاب (العواصم من القواصم) لابن العربي قوله:(كان أبو حامد الغزالي بدراً في ظلمة الليالي وعقداً في لبة المعالي حتى أوغل في التصوف وأكثر معهم في التصرف, فخرج عن الحقيقة وحاد في أكثر أقواله عن الحقيقة). ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الأصول العظيمة في الدين, وللدولة وحدها أن تفرضه بقوانينها وأنظمتها الجبرية عملاً بقوله تعالى { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .} (الحج 41) فالآية بينة على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر جبراً مشروط بالذين مكن الله لهم في الأرض وليس مطلقاً كما ينسب إلى الغزالي. لذلك فإنه لا ينبغى للأفراد أن يدعوا لأنفسهم شيئاً لم يمكن الله لهم فيه بالحق, ولا يمكن الله لأحد في الأرض إلا لأولى الأمر شورى بين المؤمنين, ويظل للفرد في جميع الأحوال أن يدعو إلى الله سبحانه وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن دون أن يتآمر به أو يبتغى به شيئاً غير وجه الله.

إن الخلط بين حقوق الأفراد في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن, وبين حقوق أولى الأمر في أن يفرضوا ذلك بقوة القانون- إلا ما يتعلق من ذلك بالدين فلا إكراه فيه ولا جبر عليه لا للدولة ولا لغيرها- إن هذا الخلط هو الذي جعل الخوارج ومن اتبعهم بالسوء يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون.

{ لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً .} (النساء 148) إن الله سبحانه وتعالى لا يحب من عباده أن يجهروا بالسوء من القول وينهاهم بذلك عن أن يبسطوا ألسنتهم بالسوء إلا إذا ظلموا وبمقدار دفع الظلم عن أنفسهم- وهو ما يعرف في القانون بشرط المصلحة أو شكوى المجني عليه- فكيف يأذن لهم بالتطاول على الناس بغير الحق بأيديهم وبألسنتهم وبقلوبهم لتسود الفوضى ويعم البلاء, إن حديثاً يتعارض مع هذا الأصل العظيم في القرآن لهو موضوع لا شك في ذلك ويجب رده حفاظاً على سلامة الناس وأمنهم.

وسال سائل بأموال أكلها من منكر ثم تاب الله عليه, هل أحل له ما أكل منها, فذهبوا به إلى شيخ الدعاة, فقال له إن الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الفرقان 70) وهذه الآية الكريمة تبشر التائبين ولكن لا تحل لهم ما أكلوا من المنكر حتى يعلموا أن الله قد بدل سيئاتهم حسنات, وذلك من أمر الله سبحانه لا يعلمه من أحد في الأرض ولا في السماء إلا الله, ولا يركن إليه من أحد إلا أن يزكى نفسه على الله { فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى .} (النجم 32) بل إن الله قد جعل تزكية النفس من الكذب والإثم المبين { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً . انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً .} (النساء 49-50).

وأرى أن الأقرب جواباً على هذا الذي يستفتون فيه هو قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (البقرة 278) ويقول سبحانه {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .} (البقرة 275) له ما سلف قبل التوبة والإيمان, وأمره إلى الله يستدرك منه ما يشاء الله من العمل الصالح وفعل الخيرات عسى أن يبدل الله سيئاته حسنات إن الله تواب عفو غفور رحيم.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home