Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Tuesday, 9 January, 2007

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (31) ـ الأخيرة

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً. } (الزمر 44).

{ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ. } (يونس 3)

{ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . } (السجدة 4)

الشفاعـة

القرآن الكريم تنزيل رب العالمين يحمل دليل صحته في ذاته { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ .} (سبأ 6). وكذلك فإنه يحمل دليل (إعجازه) أو آيته الكبرى في ذاته { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ .} (هود 14)، والسورة هي مجموع الآيات التي تحكم أمراً ثم تفصله تفصيلاً { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } (محمد 20) { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } (التوبة 64).

وسبحان الله { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } (الأعلى 2-3)، سبحانه ما خلق من شيء في الأرض ولا في السماوات إلا بالحق، وسبحانه ما يخلق من شيء سدى، وسلام على موسى لما سأله فرعون عن ربه { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.} (طه 50) فلما أن شاء الله سبحانه للإنسان أن يشاء لنفسه ما يشاء فقد بيَّن له أنه جعل له الماء حياة، وجعل له الكتاب هدى { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .‏ وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . } (النحل 64-65).

ولقد أنزل هذا الكتاب على قلبه صلى الله عليه وسلم ، وجُمع على عينه صلى الله عليه وسلم تماماً على الذي نجده في المصحف الثابت من بين أيدينا ومن خلفنا شاهداً علينا بالحق من الله تبارك وتعالى، ويجادل الناس في رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان يقرأ ويكتب، وحديث القرآن عن تلاوة الكتب وخطها وليس عن قراءة الكتب وكتابتها، بمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن عاكفاً على دراسة الكتب محترفاً خطها في مخطوطات كما كان يفعل كهان بني إسرائيل، وآياً ما كان الأمر فالله سبحانه وتعالى يقول وقولـه الحق { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ .} (العنكبوت 48) وظاهر هذه الآية الكريمة يدل دلالة قاطعة على أنه من بعده لم يعد قارئاً وكاتباً فحسب بل أصبح عاكفاً على تلاوة هذا القرآن حريصاً على إثباته في هذا المخطوط العظيم محفوظاً بأمر الله سبحانه إلى يوم يُبعثون.

ذلك أمر الله أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالحق { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . } (المائدة 67). فكل بلاغ يتجاوز هذا القرآن وكل دعوة تستبدل به حديثاً غير حديثه فليس من الدين في شيء، وكل من يفعل ذلك فإنه يبلغ رسالة أخرى غير الرسالة التي أوحى بها الله إلى رسوله، وجزاؤه أن الله لن يعصمه من الناس ولن يهتدي ولن يهدي إلى الحق إذاً أبداً.

لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى الله بشيء غير هذا القرآن { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } (النمل 92) ولا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم قد اتبع في دينه شيئاً غير هذا الذي أوحي إليه من كتاب ربه محكماً ومفصلاً من عند الله تفصيلاً { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ . }(الأحقاف 9).

والدعوة إلى الله تبارك وتعالى تقتضي من الدعاة أن يكونوا على بَيَّنة من ربهم لا يعمى عليهم منها شيء وأن يلتزموا بها حنفاء لله غير مشركين به، ولهم في ذلك أسوة حسنة برسل الله نوح وصالح وشعيب ومحمد عليهم صلاة الله وسلامه.

فأما نوح { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ .} (هود 28) هو في رحمة من الله، وهو على بيِّنَه من ربه، ولذلك فقد التزم بها وأصبح حقيقاً على أن يهدي بها وأن يدعوَ الناس إليها، أما الملأ الذين كفروا من قومه فقد عميت أبصارهم عن بينته فكرهوها وفرحوا بما عندهم من الشرك الذي توارثوه عن آبائهم وألفوه فيما بينهم فلا سبيل لهم إلى أن يهتدوا أو يلتزموا بها أبداً.

وأما صالح { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ .} (هود 63) هو في رحمة من الله وهو على بينة من ربه، يدعو إلى الله على بصيرة هو من اتبعه بالحق، وقومه كمثل قوم نوح من قبل قد عميت أبصارهم واتبعوا أهواءهم مودة بينهم في الحياة الدنيا، فما من سبيل إلا أن يتولى عنهم ويتركهم لمصيرهم الذي كتب الله عليهم في خسران مبين.

وأما شعيب { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .‏} (هود 88) سبحان الله إن العزة لله ولرسوله وللذين آمنوا، والذين كفروا أولئك في شقاق { فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ . }(غافر 4) ولن تغني عنهم كثرتهم شيئاً { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.} (المائدة 100) علم شعيب كل أولئك من ربه فاستمسك بالبينة وتعالى على قومه بما رزقه الله من فضله وبما أحسن الله إليه، وكأنه يقول لهم إن لكم لما رزقتم لا أسألكم منه شيئاً، وما أريد أن أتميز عليكم ولا أبغي علواً في الأرض ولا فساداً، بل أريد الإصلاح ما استطعت سواء عليكم إن آمنتم به أم اختلفتم فيه، فقد شاء الله لكم أن تشاؤا لأنفسكم ما تشاؤن.

وجاء خاتم النبيين عليه السلام فلم يكن بدعاً من الرسل في شيء، بل جاء على بينة من ربه يدعو إلى الله على بصيرة مما أوحى إليه من الله رب العالمين { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ.} (الأنعام 57) فمن أراد أن يدعو إلى الله فعليه أن يكون على بينة من ربه، ولا بينة اليوم من بين أيدينا ولا من خلفنا إلا بكلمات الله نتدبرها ونتلوها حنفاء لله غير مشركين به، ومن يفعل غير ذلك فما بلَّغ من رسالة ربه شيئاً { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ .} (هود 17) ولو أنهم آمنوا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولو أنهم ينصرون الله لنصرهم وثبت أقدامهم وجعل لهم نوراً يمشون به في الناس أعزة في الأرض لا يرهقهم قتر ولا ذلة، ذلك بعض ما وعد الله عباده الذين آمنوا إن الله لا يُخِلف الميعاد، فإذا استوى الناس في الشرك، وأجمعوا على أن يتخذوا من دون الله أنداد يحبونهم كحب الله، ويتَّبعون ما يدعون إليه خلاف كلام الله، هنالك يحق عليهم قول ربهم { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ } (التوبة 67) وسبحان الله لا ينسى من شيء في الأرض ولا في السماء { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً .‏} (مريم 64) وإنما النسيان في هذه الآية الكريمة من سورة التوبة بمعنى أنه سبحانه لن يقيم لهم وزناً فهم مفرطون يظفر بهم عدوهم، ويظهر عليهم من هو أشد منهم بأساً، كدأب بني إسرائيل لما ظلموا { وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (المائدة 41) يتهافتون على سماع الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلما جاءهم كذب مثله استمعوا إليه ولو أنهم يتدبرون كتاب ربهم لوجدوا فيه الحق مفصلاً من عند الله، ولكن هيهات وقد وجدوا من بين أيديهم ومن خلفهم كهنة يقولون لهم حذار أن تتبعوا سبيلاً غير سبيلنا أو تؤمنوا لأحد سوانا فنحن جميع منتصر، وسيعلم الذين ظلموا أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ .} (يونس 57) الخطاب في هذه الآية الكريمة بالوحي من الله سبحانه وتعالى إلى الناس كافة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وهو خطاب يتنزل ويتنزه عن التفويض فيه، ذلك بأن { قُلْ } لا تغيب ولا تظهر في القرآن سدى، بل هي ترد للتفويض، أو للإنابة، أو حين يقتضي الخطابُ العزة والكبرياءَ والجلالَ لله سبحانه على سائر خلقه، أما الخطاب بالوحي فإنه يتنزل مباشرة على الناس كافة بغير إنابة ولا تفويض، فإذا أراد الله سبحانه أن يبين لعباده أن هذا الذي أوحي إلى رسوله هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإن الخطاب يتنزل حينئذ بتفويض الرسول { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ } (يونس 108) وإذا تَجَلىّ الله سبحانه بالوحي على الناس كافة دون إنابة أو تفويض، فذلك للدلالة على أنه لا كهانة ولا وساطة في دين الله، ولا ينطلق الدعاة إلى الله إلا كما انطلق الرسول بالدعوة أول مرة بشيراً ونذيراً لقوم يعقلون، ومن أجل ذلك ظهرت { قُلْ } للتكليف بالتبشير بالدعوة، ودعوة الناس إلى الفرح بها فضلاً من الله ورحمة.

والله سبحانه وتعالى إنما يريد قلوباً عامرة بالإيمان به، وصدوراً منشرحة بكلماته، وأفئدة خاشعة لآياته، ودعاة لا يسألون الناس أموالهم وإنما يحتسبون أجورهم على الله، وينصرونه بأموالهم وأنفسهم لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، فإن اهتدوا فإنما يهتدون لأنفسهم، وإن ضلوا فما جعل الله لأحد عليهم من سبيل، فالله هو الحفيظ على عباده وهو على كل شيء وكيل { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الأنعام 106-107).

وربما وجد الداعي نفسه وحيداً في ظلمات الضلالة، أو مع قليل في كثرة الخبيث، فإذا آمن على نفسه فعليه أن يعتزل قومه كما فعل الفتية حين أووا إلى الكهف، لم يأمتروا بقومهم ولم يشعلوا النار في بيت أحد منهم، ولم يقتلوا أحداً من كهنة هؤلاء القوم أو يغتالوا أحداً من سفهائهم { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً .} (الكهف 16) وكذلك فعل إمام الدعوة وقدوة الأنبياء وأبو المسلمين في الأرض إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً } (مريم 48).

أما إذا خشي على نفسه فتنة قومه أو ظلمهم فقد جعل الله له مخرجاً في الهجرة في أرض الله الواسعة { وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } (النحل 41) هؤلاء هاجروا من بعد ما ظلموا، لم يردوا على الظلم بظلم مثله، بل هاجروا إلى من يأمنوا ظلمهم { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (النحل 110) وهؤلاء هاجروا من بعد ما فتنوا، لم ينتقموا من قومهم فتنة بفتنة، بل هاجروا في سبيل الله عسى أن يُفرغ عليهم صبراً أو أن يهديهم إلى جهاد بالحق في سبيل الله.

ولقد نرى لوطاً عليه السلام قد آمن بإبراهيم، وربما لم يكن في منعة من فتنة القوم أو من ظلمهم { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .} (العنكبوت 26) فانظر إلى إبراهيم معتزلاً وأنظر إلى لوط مهاجراً، وانظر لمن كانت عاقبة الدار، وانظر كيف فعل الله بالقوم الظالمين. والدعوة إلى الله ببيان أمر الله الذي أنزله على عباده بالحكمة والموعظة والجدل بالتي هي أحسن، والداعي لا يُسمع أحداً، ولكن اللهَ يُسمع من يشاءُ السمعَ فهم مستمعون { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ . إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ .} (فاطر 22) وقضى ربك ليزيدن الذين اهتدوا هدى وليزيدن الذين آمنوا إيماناً، آية لهم أن تنشرح صدورهم لذكر ربهم، وتفيض أعينهم مما عرفوا من الحق في كتاب ربهم أولئك يهتدون به ويدعون إليه وينصرونه وينتصرون به، أما الذين استمعوه فاشمأزت قلوبهم، وانطلقوا يصدون عنه وينهون عنه، ويكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات ربهم، أولئك ما يمكرون إلا بأنفسهم، ولتعرفنهم بسيماهم فأعرض عنهم واستعذ بالله { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .} (غافر 56)، ويعرف الداعي كلاً في لحن القول؛ هذا يلين قلبه وينشرح صدره ويسأل المزيد من نور ربه، وذلك يتميز من الغيظ علواً وغلواً كأنما يتخبطه الشيطان من المسّ، الأول لا يدري أن الله يفتح عليه بركات من رحمته، والآخر لا يدري أنه بيده يضع الغشاوة على بصره، ويحشر الوقر في أذنه، ويختم الأقفال على قلبه، والله لا يهدي القوم الظالمين، وكلاً ينال نصيبه من الكتاب من أول مرة يسمع فيها كلام الله، ذلك بأن الله سبحانه لا يمنح عباده إلا فرصة واحدة { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } (الأعراف 12) هذا سؤال الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ولكنها الفرصة الأخيرة ليرجع إبليس عن غيه، ولكنه { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . } (الأعراف 12) وكذلك لما أكل آدم وزوجه من الشجرة قال سبحانه { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ .‏ } (الأعراف 22) ما كان سؤال الذي يستفهم، وهو الذي يعلم الغيب في السماوات والأرض، ولكنها الفرصة الأخيرة لمن شاء أن يفترص رحمة ربه التي وسعت كل شيء، ولقد افترصها آدم وزوجه { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .} (الأعراف 23)، من أجل ذلك غفر الله لآدم ولزوجه، ولم يغفر لإبليس، وكذلك الذي يسمع آيات ربه ثم يُصر مستكبراً كأن لم يسمعها، ويفرح بما يألفه خلاف كلام الله، يستوي عند الله أن يعرض عنها فور سماعها أو يقتبلها ثم يعرض عنها من بعد، أولئك أشد الناس ظلماً وأولئك في الأذلين { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً .} (الكهف 57) ذُكرَّ بآيات ربه فأعرض عنها، فوراً وفي الحال (بفاء التعقيب)، وهو لا يدري من تعسه وعثاره أنها فرصته الأخيرة إلى رحمة ربه، ولا يعلم أن أكنة تتنزل على قلبه، ووقراً يختم به على سمعه، فلن تجد له من بعد ولياً ومرشداً { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ .} (السجدة 22) وهذا ذُكر بآيات ربه فتولى بها ثم لم يلبث (ثم على التراخي) أن أعرض عنها بعد حين، فأعرض عنه وارتقب ما وعد الله من نقمته إن وعد الله كان مفعولاً.

ما كان ينبغي للدعاة أن يكون لهم أكبر مما كان للرسل { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ .} (النحل 35) وما كان لهم إلا أن يبلغوا رسالة ربهم، وما كان من بين أيدينا ولا من خلفنا من رسالات ربنا إلا ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالحق من ربه محفوظاً بأمر الله إلى يوم القيامة تبياناً وتفصيلاً وتفسيراً لكل شيء، فليبلغ الذين يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم رسالة ربهم، وليتركوا الناس لربهم { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29).

لا نجد فيما أوحى إلينا من كتاب ربنا أن نكره الناس في دينهم { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .} ولا نجد فيما أوحى إلينا من كتاب ربنا أن نعتدي على أحد لم يعتد علينا ولم يظاهر علينا عدواً، بل أمرنا أن نبرهم وأن نقسط إليهم {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .} (الممتحنة 8) ولقد نرى الإسلام ينتشر بنوره وسمو بيانه وقوة حجته في قوم حتى يجد المسلمون أنفسهم قد ظهروا في الأرض، فتعجبهم كثرتهم ويظنون بالله الظنونا، فهل كان صواباً أن ينسلخ هؤلاء عن قومهم ويقيموا دولتهم، إني لا أرى إلا أنهم قد أوقفوا انتشار الإسلام في قومهم وأصبحوا حرباً عليهم، وصاروا عالة على غيرهم بعد أن كانت لهم العزة في الأرض، وإني أرى الإسلام ينتشر في ألمانيا بقوة لا دافع لها، وما اخاف عليهم إلا أن يمكر الماكرون بهم ليقيموا دولتهم على حساب قومهم، إنما يريد وجه الله من يبلغ رسالة ربه لا يريد أجراً ولا علواً ولا فساداً، يلقى بها في أسماعهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدل بالتي هي أحسن، يصبر على أذاهم ويعرض عن سفهائهم، ويذر المستهزئين منهم، ويفوض أمره كله لله، هو وحده سبحانه إن شاء غفر لهم أو إن شاء عذبهم، وهو وحده سبحانه إن شاء أقام لهم دولة الإسلام بالحق أو إن شاء دَمَّر عليهم وانتقم منهم { هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .} (النحل 125).

يقول المفكر الإسلامي الدكتور زغلول النجار في لقاء الجمعة بالفضائية المصرية بتاريخ 6. 9. 2002ف، إن فكرة التخصص في العلوم الدينية قد وفدت علينا من الغرب مما يعرف عندهم بعلم اللاهوت، فنشأ عن ذلك ازدواجية في التعليم (الأزهر وأكثر من ثمانين جامعة إسلامية للعلوم الدينية وحدها في جانب وجامعات أخرى للطب والهندسة والقانون وغير ذلك من العلوم الدنيوية في جانب آخر) وقال إن هذه الازدواجية قد أضرت بالدين لأنه لا يجوز في الإسلام أن نعلم الطب والفلك والزراعة بمعزل عن الدين ولا يجوز في الإسلام أن نعلم الدين بمعزل عن هذه العلوم، ذلك بأن تعليم الدين في الجامعات الإسلامية القائمة قد أنشأ وصاية في الدين ليست لأحد من دون القرآن، وهي وصاية فطر الناس على رفضها، وإذا قبلوها لا يقبلونها إلا بمضض أو عن جهل متين.

والإشكال القائم في الأمة الإسلامية التي بلغ عددها اليوم خمس سكان هذه الأرض من البشر، إنما ينحصر في مصطلح (الشريعة الإسلامية)، ذلك بأن هذا المصطلح يتسع فيحتمل كل ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالحق وبالباطل، كما يتسع ليهتبل أقوال الصحابة وآراء الفقهاء وروايات المؤرخين، وهذا المصطلح من ناحية أخرى يعني الفقه الحنفي في مصر، والمالكي في المغرب، والحنبلي في الجزيرة العربية، والشيعي في إيران، والشافعي والإسماعيلي والإباضي وغير ذلك في نواحي أخرى، ونحن في هذه الأمة المتفرقة بل إن شئت قلت اللاهية المتناحرة التي تخاف عدوها ولا تتقي الله فيما بينها، إننا في هذه الأمة إذا استبدلنا القرآن الكريم بهذا المصطلح المطاط، لتحقق التضامن الإسلامي ووحدة الأمة الإسلامية، هذا إذا اتخذنا هذا القرآن مهيمناً على كل كتاب وعلى كل شرعة ومنهاج.

إننا نفتأ كل حين نستمع إلى هذا الشيخ في هذه الفضائية أو تلك ليقص علينا في نصف ساعة أو يزيد حديث ذلك الصحابي الذي شرب دم الحجامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونعلم من القرآن أن الرسول كان خليقاً بأن يوبخه لأنه شرب محرماً، ولكن هذا الشيخ بعد نصف ساعة أو يزيد يقول لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشره بشأن عظيم، أما في مصر الكنانة فلقد أصبح هذا الهراء مرفوضاً، فلا نكاد نسمع من أحاديث الدين ما ينحدر إلى هذا الإسفاف، بل أصبحنا نسمع كثيراً مما يبشر هذه الأمة بعودة قريبة إلى كتاب ربها، في (برنامج) محاور بفضائية (المحور) المصرية في يوم الأربعاء 9. 10. 2002ف أكد الأستاذ المستشار الدكتور عماد النجار مساعد وزير العدل المصري على أنه لا يجوز اعتبار رأي الفقهاء من الشريعة الإسلامية، لأن الشريعة هي القرآن الكريم وما صح من السنة، حقاً إنها لبداية قوية تبشر بفتح عظيم أن يصدر هذا التصريح من أعلى قمم العلم والقضاء والسلطة في مصر ومن أقوى فضائياتها، خاصة وأنه لا يقبل من السنة إلا ما صح منها.

وكما رأينا من قبل فإن زواج المرأة ليس عقداً ولا عهداً ولا اتفاقاً، بل هو ميثاق غليظ، ونكاحها كتاب مؤجل، وهديتها لا ترد ولو كانت بالقناطير، وطلاقها لعدتها في بيتها، وخيانتها لا تثبت إلا بأربعة شهود أو بأربعة أيمان يحلفها الزوج والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وإذا ثبتت خيانتها فإن العفو أولي، ولها مثل الذي عليها بالمعروف، وقوامة الرجل ودرجته عليها ليس سلطاناً مستبداً، بل هي كما يقول فضيلة الشيخ عبد الصبور مرزوق في برنامج لقاء الجمعة من الفضائية المصرية يوم 5. 7. 2002 بمعنى الرئاسة، فالبيت كالسفينة، ولكل سفينة ربان.

وجاءت صيحة فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي بالحق في برنامج (المنبر الحر) من الفضائية (إقرأ) يوم 27. 6. 2002ف وهو يعلنها قوية مدوية: (ألا إنه لم يحرف من أحكام الدين شيء مثلما حرفت الأحكام المتعلقة بالمرأة)، وقال المفكر السعودي الدكتور عبد الله الحامد قولاً قوياً صادقاً عاماً من قناة الجزيرة الفضائية في برنامجها (الدين والحياة) يوم 26. 5. 2002ف (إن الفقه المعاصر لا يعدو أن يكون تقليداً للأفكار العباسية بكل ما فيها من الأشعرية وغيرها).

لم يمض إلا عقد واحد حتى أصبحنا نسمع كل أولئك وأكثر من ذلك في مجالس وفي مجالات أخرى، وسوف تظل خطبة الجمعة من المسجد الحرام يوم عيد الأضحى، يوم الحج الأكبر (الساعة 09.35 جرينتش العاشر من ذي الحجة الموافق 22. 2. 2002ف)، وسوف تظل هذه الخطبة في ذلك اليوم العظيم إعلاناً رسمياً بعيد عظيم للقرآن الكريم، يوم قام شيخ المسجد الحرام يبكي على رمي الجمرات ويرثيها للناس، ويعجب من الذين هجروا هذه البدعة عائدين إلى البيت الحرام زرافات لا يريدون إلا وجه الله، إن هذه الخطبة هي إعلان رسمي بأن الناس لا يصدقون في دينهم غير القرآن، فقل للذين يصدون عن هذا القرآن { أين تذهبون}.

نعلم من كتاب الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه شيء غير القرآن، وأن أحداً من المؤمنين ولا من أهل الكتاب ولا من المشركين ولا من الجن قد سمع منه شيئاً غير القرآن، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يتبع في دينه شيئاً غير القرآن، ونعلم من كتاب ربنا أن من اتبع القرآن فقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أحبه الله، وأن هذا القرآن أنزل بعلم الله تبياناً لكل شيء، وأنه أوحى بالحق تفصيلاً لكل شيء، لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تفسيراً لكل ما عسى أن يجادل به المبطلون، شاهداً لله ولملائكته ولكتبه ولرسله وللصالحين من عباده بالحق، هدى ونور وشفاء لما في الصدور ميسراً بإذن الله للذين يتدبرونه بآياته لا يشركون بها شيئاً.

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ } (الأعراف 169)، { عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى } عرض من عرض الحياة الدنيا { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (النساء 94)، { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } (الأنفال 67) فكل ما في الحياة وكل من فيها عرض زائل لا يغني عنك من الله ولا من كلماته شيئاً، ولكنهم يأخذونه إذا رواه المحدثون، أو افتراه المؤرخون، أو تناقله الأشياخ بعضهم عن بعض، وإذا فتح عليهم هذا الباب وهجروا به كتاب ربهم، فلن ينغلق هذا الباب إذا أبدأ { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } (الأعراف 169) كل قوم فرحين بعرضهم معرضين به عن كتاب ربهم لذلك نجدهم في كل دين على فرق ومذاهب ونحل شتى، وقد أمروا ألا يقولوا على الله إلا الحق، وهم الذين شهدوا بالحق أن الحق في هذا القرآن وحده بلسان عربي مبين، لأنه شاهد عليهم بالحق وقائم عليهم بالحجة البالغة كدأب الذين من قبلهم { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (المائدة 41) سماعون للكذب إذا رواه المُحَدِّثون أو افتراه المؤرخون، أوتناقله الأشياخ بعضهم عن بعض على أسمائهم دون بصر بسنده أو تمحيص بكتابه أو وزن بهيمنة القرآن عليه. سماعون لقوم آخرين لم يأتوك (أتى من بعيد، وجاء من قريب) فهم قوم بعيدون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يشاؤوا أن يقتربوا منه ومن النور الذي أنزل عليه، ويفتأ أحدهم يصر على ما عنده خلاف ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثله كمثل الحيران في الأرض { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . }(الأنعام 91) وتلك دعوة إلى الهدى بزعمهم، وما هي من الهدى إلا إذا كانت بهدى الله، وما هي من الإسلام إلا إذا كانت خالصة لله رب العالمين.

ولم يمض إلا عقد واحد حتى اختفت قعقة الهزل من الذين يسألون الناس عداوة الإسلام وكراهية المسلمين برفع السلاح على رقاب الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وإفتك الله سبحانه عباده المؤمنين من قسمة الأرض إلى دار للإسلام ودار للحرب، وعادت أرض الله واسعة بما رحبت، للمسلمين دين ولمن شاء غير الإسلام فله دينه، لا حرج على أحد من هؤلاء ولا من هؤلاء، ولا حجة لأحد بين هؤلاء وهؤلاء، فالله وحده يحكم بينهم وهو وحده حفيظ عليهم وما من بشر على أحد بوكيل، كيف وقد أعلنها الشيخ الدكتور محمد طنطاوي شيخ الأزهر من الفضائية المصرية في أحاديثه الرمضانية (15 رمضان) الموافق 23. 12. 1999 عقب نشرة الأخبار المسائية إذ قال: (إن الإسلام لم ينتشر بالسيف كما يزعم المبطلون، وإن آيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة على أن القتال لم يشرع إلا دفاعاً عن الحق أو رداً لعدوان الظالمين { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ.‏} (البقرة 109) وكل من يقول بغير ذلك إنما يروج إشاعات باطلة ضد الإسلام).

إن تجاوز القرآن إلى غيره هو الذي أدى إلى اختلاف الأمة وإلى تفرقها وإلى ضعف حجتها وتناقضها؛ مثل ذلك هل يجب القصاص على الأب إذا قتل ابنه، جاء عارض فألقى عليهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: (لا يقاد الوالد بالولد)، قال قوم هذا حديث ضعيف ويخالف قول الله تبارك وتعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (البقرة 178) لأن الآية تفيد وجوب القصاص في جميع القتلى على وجه العموم، واستمسك بالحديث آخرون لأنهم لا يرون حرجاً في سنة تخالف قرآناً أو تقيده أو تستثنى منه أو تفسره بغير ما أنزل فيه، وأراد آخرون أن يوفقوا بينهما دون أن يهدروا عرض هذا الأدنى الذي ألقى عليهم فقالوا إنما يقصد من الحديث على أن الوالد لا يقاد بقتل اقترفه ولده، ونسوا أن القرآن يغني عن ذلك بقوله تبارك وتعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام 146، الإسراء 15، فاطر 18، الزمر 7) وأنه ما من حديث يفسر بعضه بعضاً تبياناً لكل شيء إلا القرآن وكذلك اختلفوا وكذلك يختلفون.

ومثل آخر من عرض هذا الأدنى الذي يلقى على الناس فيبهتهم؛ حد الردة الذي أوشك أن يصدر به قانون في كل من مصر وليبيا، لولا بقية من أولي العزم والنهى الذين لم يجدوه مكتوباً في كتاب ربهم، يروي عن ابن كثير أنه كان للأوزاعي إقطاع صار له من بني أمية، وأنه قد وصل إليه من خلفاء بني أمية نحو سبعين ألف دينار، ويقول ابن كثير: (لما دخل عبد الله بن علي –عم السفاح- الذي أجلى بني أمية عن الشام وأقام المذابح للأمويين ونَكَّل بأعوانهم، استدعى الأوزاعي وقال له: ماذا ترى فيما صنعناه؟ قال الأوزاعي: سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى، ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية؟ قال الأوزاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم المسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة) روى الحديث الأول بإسناده، وروى الحديث الثاني بغير إسناد، وظل هذا الحديث سنداً لسفك الدماء، وسيفاً مسلطاً على رقاب الفقهاء والمفكرين، حتى أثبته مسلم فيما جمع في (صحيحه) من الأحاديث بعد وفاة الأوزاعي بقرنين من الزمان، وظل الأمر يتطور صعوداً حتى أفتى المتشددون لزبانيتهم أن يقوموا بتنفيذه دون أن يطولهم القصاص، وأفتى بذلك شيخ كبير جيء به إلى محكمة الجنايات ليشهد بذلك في قضية المتهم بقتل فرج فوده، ونسى الشيخ قول ربه { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29) {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً . قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } (الإسراء 106-107) { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .} (يونس 99) { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (البقرة 256) يقول الشيخ هذا لمن لم يؤمن من المشركين وغيرهم، أما إذا آمنوا ودخلوا في الإسلام فلا يحل لهم أن يرتدوا فإن فعلوا طبق عليهم الحد، ومرة أخرى نسي الشيخ قول ربه { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً .} (النساء 137) هؤلاء قوم آمنوا ثم كفروا عمداً دون أي إكراه، فتركوا وشأنهم، حتى آمنوا مرة أخرى، ثم لم يلبثوا أن كفروا مرة ثانية عمداً دون أي إكراه، ولم يكتفوا بذلك، بل إزدادوا كفراً، وحدث كل ذلك على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قتلهم، ولا أذن لأحد بقتلهم { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ .} (التكوير 26) وكيف أحل هذا الشيخ دم الإنسان وقد خلقه الله لما يشاء لنفسه إيماناً أو كفراً هدى أو ضلالاً رحمة أو عذاباً، وكيف يكون هذا الاختيار حراً كما أراده الله لعباده إذا قام هذا الشيخ يعلق رقاب الناس على مشانقه بما يشاء ويهوى، وهل يفلت من مشانق هذا الشيخ من ترك عرض هذا الأدنى واستمسك بكلمات ربه، أم هل يفلت من مشانقه من فارق الجماعة إلى دين الله كما فصله القرآن تفصيلاً، كيف وقد أقاموا الحجة على أنفسهم أنهم على ملة لا تؤمن بالجدل بالتي هي أحسن، وتكفر بحرية الاختيار، ولا تقوم إلا على شهوة التسلط والتعطش للدماء، وإهدار كرامة الإنسان التي فرضها الله لعباده على سواء { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } (الإسراء 70).

لم تكن المذاهب في أصل نشأتها إلا محض اجتهاد، ولكل مسلم أن يحترم ما يشاء من آراء المجتهدين في المذاهب، وأن يعمل بها كما يشاء على ألا يكون المذهب ملة يجب اتباعها من دون القرآن، وأن يظل تدبر القرآن هو الفصل فيما عسى أن يختلف الناس فيه، وأن تسقط كل الجدر التي تحول بين الناس وبين كتاب ربهم تماماً كما قال الشيخ محمد عبده: (أريد القرآن أصلاً تُحمل عليه المذاهب والآراء، لا أن تكون المذاهب أصلاً والقرآن هو الذي يُحمل عليها، ويُرجع بالتأويل أو التحريف إليها كما جرى عليه المخذلون وتاه فيه الضالون) والشيخ محمد عبده هو من هو من الأزهر ومن علوم الدين، ورغم ذلك فإنه رحمه الله لم ينج من النكير، ولولا أنه ظهر في أمة تحترم الرأي لكان للمخذلين معه موقف آخر.

يقول الأوزاعي: (إننا لا ننقم على أبي حنيفة إلا أنه يجيئه الحديث عن النبي فيخالفه إلى غيره)، أي أن أبا حنيفة كان ينكر السنة، ويقول أبو حنيفة: (إنما أرد على كل رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن، وليس في ذلك رد على النبي ولا تكذيب له، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل)، وأياً ما كان من أمر الرجلين، فلم يثبت أن أحداً منهما قد سفه الآخر أو أقام النكير عليه أو رماه بالكفر أو رفع عليه الحسبة ليسلخه من الدين.

الثابت عند العلماء كافة بغير اختلاف أن القرآن هو الدليل القطعي الوحيد في الإسلام، وأن كل ما سواه هو من الأدلة الظنية التي تحتمل الشك كما تحتمل اليقين، ويقول الشاطبي رحمه الله: (إن مخالفة الظني لأصل قطعي، يُسقط اعتبار الظني على الإطلاق، وهو ما لا يختلف فيه)، ولكنهم رغم ذلك اختلفوا لما فتحت عليهم أبواب عرض هذا الأدنى.

جاء في كتاب الحاصل من المحصول لابن الأرموي قوله: (أخرج ابن الربيع الشيباني في كتابه تيسير الوصول عن مالك أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وأخرج عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض)، وأورد البخاري ومسلم حديثاً عن عبد الله بن أوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أوصى بكتاب الله، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: (أي التمسك به والعمل بمقتضاه، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يوص بعترته ولا بسنة غير سنن ربه { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً . } (الإسراء 77).

ولو أننا نتتبع كل ما وقعوا فيه من اختلاف الأحاديث والروايات لما بقيت لهم حجة في الدين من بعد القرآن قول الحق من الله تبارك وتعالى، ولكننا نشير إلى ما أورده تقي الدين أحمد بن تيمية في الرسالة التدمرية: (إحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان فقد سماه الله حكيماً بقوله { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ .} (يونس 1) ، وأما التشابه الذي يَعُمَّه فهو ضد الاختلاف المنهي عنه في قوله { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً . } (النساء 82) وهو الاختلاف المذكور في قوله { إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ .} (الذاريات 8) فالتشابه في القرآن هو تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضاً، الأقوال المختلفة هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة، وهذا التشابه العام في القرآن لا ينافي هذا الإحكام العام فيه، بل هو مصدق له).

ما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أن يكون لأحد من بعده، لم يكن رسول الله وكيلاً على أحد في دين الله { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ .} (يونس 108) ولم يكن رسول الله حفيظاً على احد في دين الله { وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الأنعام 107) ولا حساب لأحد على أحد في دين الله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ } (الأنعام 52).

في دين الله ليس للرسل ولا للدعاة من بعدهم إلا البلاغ والتذكير بآيات الله { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ .} (التغابن 12) {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ . إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ .} (الغاشية 21).

وظنوا أن لهم ما يشاؤون، ونسوا أن الله لا يشاء لعباده إلا الهدى، ولكنه سبحانه شاء لهم ما يشاؤون، فمن آمن فقد اختار الرشد لنفسه، ومن تولى فقد نسي أن الله حفيظ عليهم وأنه على كل شيء وكيل، ذلك الذي لا يؤمن بالغيب ولا يجد عليه في الدين حفيظاً ولا وكيلاً، ذلك الذي استغنى ونقم من الرسل { وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } (التوبة 74) أولئك الذين اختاروا الضلالة بعد أن تفضل الله ورسوله عليهم بحرية الاختيار، ولم يكتفوا بذلك بل نقموا وما نقموا إلا من أنفسهم وما يشعرون { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .} (الحج 72).

الرسل مطلب إنساني، ذلك بأن الإنسان بطبعه وفطرته لا يقبل المباغتة بغير تحذير مسبق أو إنذار مبين { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى . }(طه 134) ولقد نرى أن الأنبياء قد أرسلوا بالآيات والبينات، فلما جاء خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعث بالقرآن، وكانت آية القرآن – أو إعجازه –في ذاته { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .} (هود 13) وكان بيان القرآن – أو دلالته – في ذاته { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ .} (سبأ 6) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر بالقرآن { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ } (الأنعام 19) وكان رسول الله يتلو القرآن ويترك للناس حرية الاختيار بين أن يهتدوا به أو يضلوا عنه { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ .} (النمل 92) فهل عسى هؤلاء الدعاة أن يكون لهم في الدين أكبر مما كان لرسول الله.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك للناس من بعد القرآن ضراً ولا رشداً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا بما أوحى إليه من ربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك من الشفاعة شيئاً إلا بإذن الله سبحانه وتعالى { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } (الزمر 44).

يقول الإمام الزبيدي رحمه الله: (الشفاعة من الشفع أي الزوج، وهي بهذا المعنى خلاف الوتر أي الفرد { وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ .وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ . } والشفع سائر المخلوقات لقوله تعالى { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } وقال الراغب: الوتر هو الله لأنه واحد، وكل المخلوقات هي الشفع لأنها مركبات، وكل من إنضم إلى غيره وعاونه صار شفعاً له، وفسر الراغب بذلك كل آيات الشفاعة في القرآن) لقد علم الله سبحانه وتعالى أن مفاتح كتابه في هذا اللسان العربي المبين، فحفظ لنا فقه هذا اللسان ودلالة الفاظه من عبث العابثين وضلالة الواضعين ولبس المزيفين، وفي ذلك يقول ابن الأنباري: (قال قوم من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع، ولكنهم لم يقيموا الدلالة على ذلك في اللسان) ذلك من أعظم ما تَفضَّل الله به على عباده يوم وعد ووعده الحق بحفظ القرآن، وتجلي على عباده بأسمائه الحسنى التي يدعونه بها، وفي هذا يقول ابن الأرموي في كتابه الحاصل من المحصول (لفظ الجلالة اسم يلزمه الألف واللام، ولا يفارقانه بحال فصارا – أي الألف واللام – كأنهما من نفس الكلمة) فتبارك الله العزيز الكبير المتعال.

والشفاعة لا ترد في القرآن إلا بمعنى الإنحياز، فمن تحيز لغيره فهو شفيع أو قرين له بالنصرة أو المودة، ويوم القيامة يتقطع بين الناس { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } (الأنعام 49) {وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ .} (القرة 166) { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ .} (المؤمنون 101) فلا ناصر ولا ودود ولا قرين ولا شفيع إلا بإذن الله، بل فرادي بموازين أعمالهم { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً .} (مريم 80) { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً .} (مريم 95) { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } (الأنعام 94) أول مرة في الخلق الأول يوم أشهدهم الله على أنفسهم، وحملوا الأمانة على عاتقهم، وهبطوا بها في هذه الحياة الدنيا بآجالهم التي سُميت لهم.

ولقد وردت الشفاعة في واحد وثلاثين موضعاً بمشتقاتها التي أوحى بها في القرآن، وكلها بمعنى الإنحياز، لا يملكها من بعد الله من احد إلا بإذنه سبحانه { قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (الزمر 44) ولا تجوز الشفاعة في الحياة الدنيا إلا بما يرضي الله { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ .} (الأنبياء) وترتبط الشفاعة بالشهادة ارتباطاً وثيقاً، فالإنسان لا يشهد إلا بما علم من الأمر، كما قال إخوة يوسف من قبل { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } (يوسف 81) وكذلك فإنه لا ينبغي للإنسان أن يشفع إلا بما علم بالحق {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (الزخرف 86).

وإذا كانت الشفاعة لله جميعاً، فإن الإنسان لن يجد له من دون الله من شفيع سواء عليه إن كان فرداً { وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } (الأنعام 70) أم كان وسط جماعة من الناس مؤتلفة أو متفرقة { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ .} (الأنعام 51) ذلك من فضل الله على عباده بالقرآن، من ذكر به وأنذر به وخاف مقام ربه واتقى أولئك وليهم الله سبحانه وتعالى، وهو شفيعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأما من تولى وأعرض عن ذكر ربه فأولئك ليس لهم من ولي ولا شفيع { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ .} (غافر 18) ويوم تقوم الساعة {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ .} (المدثر 48).

ولقد ترى في اللسان العربي أن (ما و إلا) تفيد الحصر والقصر، أي أن الأمر محصور في المذكور مقصور عليه، ولكي ينزع الله تبارك وتعالى كل لبس عن شفاعته، قال سبحانه { مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (السجدة 4) ثم تساءل عن من هو هذا الذي يشفع في ملكه بغير إذنه، تساؤلاً لا يدع لأولى الألباب شكا ولا ريبة في أنه سبحانه له هو وحده الشفاعة جميعاً، وأنه سبحانه وتعالى ما من شفيع إلا من بعد إذنه { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } (البقرة 255) وماذا بعد ملائكة الرحمن الذين يتنزلون بأمر ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ويهبطون بالوحي ويعلمون الأنبياء رسالات ربهم، إذا ذكرتهم في القرآن ذكرت رحمة من ربك وملكاً عظيماً { وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى.} (النجم 26) يعلم ملائكة الرحمن أنه لا شفاعة لهم إلا بإذن ربهم، فكيف يبشرون أحداً بما ليس لهم منه شيء إلا بإذن الله.

دين الإسلام ملة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء من قبلهم، وهذا النبي الذي بعث بهذا القرآن المجيد من لدن عليم حكيم، إن هذا الدين القيم لا يُتوارث ولا تقوم به قبيلة ولا مشيخة وإنما يتدبره المؤمنون ويتعلمونه من القرآن الذي حفظه الله لهم، فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، فيصبحوا به ما استسكوا به أولياء في الله إخواناً في الدين بنعمة الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبرسوله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكات وهم راكعون، أولئك وليهم الله الذي له ملك السماوات والأرض { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ .} (الزمر 43).

ويكاد الزعم بالشفاعة لأحد من دون الله، أو بغير إذنه، أو لغير من ارتضى يكون شركاً كمثل الذين من قبلهم { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .} (يونس 18) إن الله لا يعلم في السماوات ولا في الأرض شفيعاً إلا من بعد إذنه، فمن هو هذا الذي يعلم من الله ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به من علم { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى. وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى .} (النجم 23) إنما يدخل الجنة من لا يجد له من دون الله ولياً ولا شفيعاً، كمثل الذي آمن في تلك القرية التي جاءها المرسلون { قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ. وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ. إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ. إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.} (يس 20-27).

في الحياة الدنيا قد يجد الإنسان له شفعاء بالحق أو بالباطل، ولكن لا يناله في الحياة الدنيا شيء من شفاعة الشافعين إلا بإذن الله { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } (يونس 3) ولا تنفعه شفاعة إلا بإذن الله { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } (سبأ 23) أما في الآخرة فإن أول شيء يبهت به الظالمون أنهم يبعثون يوم القيامة فلا يجدون لهم ولياً ولا شفيعاً فيقولون { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ .} (الأعراف 53) وسرعان ما يستيقنوا الحق من أمرهم فيقولوا {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ . فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .} (الشعراء 100) ولقد نرى أنهم أشربوا الشفاعة في قلوبهم واطمأنوا بها، فما يزال أحدهم يرجوها وليس حين رجاء إلا بموازين الحق يوم لقاء ربهم { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ .} (الأعراف 55).

تأويل الحديث هو الحقيقة التي سوف يؤول إليها، رأي يوسف عليه السلام تلك الرؤيا المباركة { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ .} (يوسف 4) فلما رفع أبويه على العرش وخروا له سجداً { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّ} (يوسف 100) فهذا هو تأويل الحديث، أن يصبح حقاً بعد أن كان حديثاً، تأويل القرآن ليس هو تفسيره ولا بيانه، بل بيانه وتفسيره في القرآن تفصيلاً، ولكن تأويل القرآن هو الحق الذي سيؤول إليه حتماً مقضياً، يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، وفي الحياة الدنيا عزة ونصر وهدى ورخاء، أو ذلة وهوان وضنك وضلال.

إنه سبحانه وتعالى قوله الحق ووعده الحق، وكل ما وعد الرحمن في القرآن هو الحق لا مبدل لكلماته إنه كان أمره مقضياً، ويوم القيامة لا تقبل الشفاعة ولا تنفع الشفاعة ولا شفاعة يوم القيامة أصلاً، ولقد بين الله ذلك في القرآن تفصيلاً، فمن أصدق من الله حديثاً ومن أصدق من الله قيلاً، فكما أنه لا بيع في الآخرة فلا شفاعة فيها أصلاً { أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ } (البقرة 254) وإذا تطوع أحد بالشفاعة فلن تقبل منه { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ .‏ } (البقرة 48) وكائناً من كان هذا الذي تطوع بالشفاعة، فلن تنفع شفاعته إذا أحداً { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } (البقرة 123) وقوله تبارك وتعالى { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً .} (مريم 87) هو قول قاطع الدلالة على أنه لا شفاعة لأحد مطلقاً، ذلك بأننا لا نجد في القرآن أن الله قد وعد أحداً في السماوات ولا في الأرض بالشفاعة أبداً، وهو قول قريب من قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ .} (الأعراف 7) إذا ولج الجمل في سم الخياط فسوف يدخل هؤلاء الجنة، وكذلك إذا عهد الرحمن لأحد بالشفاعة فسوف تكون له الشفاعة، ولا شفاعة إلا من بعد إذنه ولمن رضى له قولاً { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً . } (طه 109) هنالك يأذن الله لعباده بأن يتشافعوا بعد أن أتوه فرادى لا شفيع لهم، فيلحق الإخلاء بعضهم بعضاً ويزوجهم بحور عين.

هذه هي الشفاعة في سبعة وعشرين موضعاً من القرآن، لا شفاعة فيها لأحد من دون الله، ولقد نرى أن مهنة المحاماة هي ضرب من ضروب الشفاعة، ينحاز فيها المحامي إلى موكله فيشفع له في النيابة العامة وفي المحكمة وفي غيرها، ولقد نظمت هذه المهنة بآية واحدة في القرآن، وإنها لتغني أولى النهي من الذين يخشون ربهم عن قوانين تنظيم هذه المهنة كافة، وذلك بقوله تبارك وتعالى { مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً .} (النساء 85) النصيب حظ من الشفاعة الحسنة قد يكون ضعفاً أو سبعمائة ضعف لمن يشاء الله، وكفل الشفاعة السيئة مثلها { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .} (الأنعام 160) يقول الإمام الزبيدي رحمه الله : (الكفل المثيل يقال ما لفلان كفل أي مثيل، قال عمر بن الحرث يعلو بها ظهر البعير ولم يوجد لها في قومها كفل).

إن الله كان على كل شيء مُقيتاً، والمقيت كما يقول الإمام الزبيدي رحمه الله (هو الحفيظ لأنه مشتق من القوت، والمقيت هو الذي يعطي أقوات الخلائق من أقاته يقيته إذا أعطاه قوته، ويقال قَتَّ الرجل أقوته قوتاً إذا حفظت نفسه بما يقوته) وسبحان الذي قدر أقوات كل شيء { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ .} (فصلت 10) فما لهؤلاء القوم يبتغون أقواتهم بغير شفاعة حسنة يضاعف لهم بها الجزاء عند الله. وإذا كان للمؤمنين أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ما كان لأحد من رسل الله أن يسأل الناس أجراً أو يطلب أموالهم إذا دعاهم بدعوة الحق إلى الله تبارك وتعالى، وأولى للدعاة أن يقتدوا في ذلك بالرسل حتى لا تقوم في الدين تجارة كتجارة اليهود والنصارى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } (التوبة 34) الخطاب في هذه الآية الكريمة للذين آمنوا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } فما علاقتهم بالأحبار والرهبان، إلا أن تكون هذه الآية الكريمة تحذيراً للمؤمنين حتى لا تقوم فيهم كما قامت في اليهود والنصارى طبقة تحترف الدين وتتاجر به وتتواصى بالناس وتتسلط به عليهم لتصد عن سبيل الله.

{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ } (يونس 19)

أمة واحدة

من القيم والتقاليد الموروثة إلى يومنا هذا أن الحاج إلى بيت الله الحرام لا يُسأل عما إن كان مؤمناً أم غير مؤمن، يكفي أي إنسان ذكراً كان أم أنثى، يتكلم بلسان عربي أم لا ينطق به شيئاً، يكفيه أن يقول لأهل مكة الكرام (السلام عليكم) ليدخل البيت الحرام آمناً لا يُسأل عما يفعل طالما لم يؤذ به أحداً أو يقصد به سوءاً، وذلك من آثار ما أوحى به الله سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } (النساء 94).

إلا إذا أظهر الشرك أو جاهر به أو ثبت عليه بدليل قاطع فؤلئك نجس لا حق لهم في الاقتراب من المسجد الحرام { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا } (التوبة 28).

من أجل هذا منع الله الجدل في الحج { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } (البقرة 197) فذلك ملتقى الناس كل الناس في أربعة أشهر من كل عام، عند أول بيت وُضع للناس في مكة المكرمة البلد الحرام الذي جعله الله { مَثَابَةً لِّلنَّاسِ } وأمناً، يوم أذن أبو المسلمين إبراهيم عليه السلام { لِّلنَّاسِ } بالحج، الله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يبدون وما يكتمون، إن يكفروا فهو غني عنهم ولا يرضى لعباده الكفر، وإن يمكروا فإنما يمكرون بأنفسهم ولا يضر المؤمنين كيدُهم شيئاً إذا آمنوا واتقوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله، وما ظَنُّ الذين يمكرون السيئات بكتاب ربهم الذي حفظه الله كافة { لِّلنَّاسِ } هدى ورحمة، بلسان عربي مبين أذن الله سبحانه لعباده الصالحين من العلماء أن يحفظوه معنى ومبنى ونحواً وصرفاً، وما ظَنُّ الذين يكيدون كيداً وقد علموا أنما حسابهم على ربهم في الحياة الدنيا ويومَ يقوم الأشهاد.

في أدب الرحلات أمثلة كثيرة على الذين يلجون أبواب المسجد الحرام في مناسك الحج، رجالاً ونساء من الشرق ومن الغرب، منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.

عمر ياماوكا –الياباني- أراد أن يدخل المسجد الحرام بكفره في عهد السلطان عبد الحميد فَحِيلَ بينه وبين ذلك وَرُدَّ على أعقابه مطروداً غير مهين، فذهب إلى بومباي وأشهر إسلامه على يد أئمة المسلمين فيها، وجاء إلى الحج وهو يُخفي ما كان عليه من الكفر، فلم يعترض سبيله أحد، فاختلط بالناس في الحج، وتأثر بما شهد من الحق، فأسلم وحسن إسلامه، ثم عاد إلى بلاده ليتبوأ فيها مقاعد الدعاة الصالحين، وأصبح فيها داعياً كبيراً إلى دين الله حتى لقى ربه.

وريتشارد بيرتون ضابط في الجيش البريطاني في الهند، جاء الحج في مهمة سياسية يظهر الإسلام وقلبه مطمئن بالنصرانية، وعاد من الحج حنيفاً مسلماً عاكفاً على علوم الشريعة السمحة وعلوم اللسان العربي حتى أصبح فقيهاً إسلامياً كبيراً، ولقى ربه بعد أن أثرى المكتبة الإنجليزية بأعظم ما كُتب في الفقه الإسلامي.

ورجال ونساء جاؤا إلى الحج من كل فج عميق للعمل ابتغاء الرزق في مواسم الحج والعمرة، ففاضت أعينهم مما عرفوا من الحق، ودخلوا في دين الله أفواجاً، وحسن إسلامهم، ولا تزال تطلع على الإحصاءات التي تقفز إلى عنان السماء بأسماء الذين أشهروا إسلامهم في الحج بأضعاف ما وصلت إليه هذه الإحصاءات في أي مكان آخر.

ومن الأصول الثابتة في دين الله أن الناس كانوا أمة واحدة، أي أنهم على ثقافة واحدة بالدين الحق من الله تبارك وتعالى، لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في حكمه، ولا مبدل لكلماته، ولن تجد من دونه ولياً مرشداً.

{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } (البقرة 213) الأمة هي مجموعة من الناس ترتبط بثقافة واحدة، خلاف القومية التي ترتبط بأصول عرقية واحدة، والله سبحانه وتعالى قد خلق الناس، كل الناس، على ثقافة واحدة، أو على فطرة واحدة، أو على دين واحد هو الإسلام له وحده سبحانه تسليماً قانتاً بعبادة مطلقة، وإذا ثَقِف الإنسانُ دينَ ربه، وأسلم وجهه لله قانتاً مخلَصا، فإنه إنما ينزع عن نفسه مسوح الحياة الدنيا ويصبح كما أصبح أبوه إبراهيم من قبل امةً مخلَصا { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (النحل 120) ومن ارتقى إليه في أمته وقنوته من النبيين والصالحين فأولئك هم الأخلاء عند ربهم {وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً .} (النساء 125).

ثَم إن الناس من بعد وحدتهم الثقافية التي فطرهم الله عليها يختلفون فيها، ويتفرقون عليها مذاهب وشيعاً متناحرة { بَغْياً بَيْنَهُمْ } (البقرة 213) فيبعث الله النبيين ليردوهم بالبينات إلى وحدتهم الثقافية بالإسلام تارةً أخرى { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران 19) {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } (آل عمران 85).

وختم الله النبوة برسالة محمد بن عبد الله، وأنزل على قلبه كتاباً محفوظاً إلى يوم الحساب، به أكمل اللهُ للناس دينَهم فلا مزيد عليه، وبه أتم عليهم نعمته لا نقصان فيها ولا منقص منها، ورضى به لعباده الإسلام ديناً { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً } (المائدة 4).

والقرآن قائم على الناس بالحجة البالغة قادر على أن يردهم إلى الإسلام كلما اختلفوا فيه { بَغْياً بَيْنَهُمْ } (البقرة 213) لو أنهم يرجعون إليه، أو يردون إليه ما يتنازعونه فيما بينهم، ولقد نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد شاء لعباده أن يشاؤا لأنفسهم ما يشاؤن من بدائل الخير والشر، وقال وقوله الحق { أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.} (فصلت 40) ولو أنه سبحانه وتعالى قد شاء لهم شيئاً لجعلهم أمة واحدة { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } (هود 118) ولكنه سبحانه يدعوهم إلى هذه الأمة بكتابه، ليدخل في هذه الأمة من يشاء أو يتولى عنها من يشاء بحرية مطلقة لا قيد عليها بسيطرة أو وكالة أو وصاية، بل بلاغ من الله بالحكمة والموعظة والجدل بالتي هي أحسن، ومن انحرف عن هذا البلاغ شططاً أو تفريطاً، غلواً أو تهاوناً فما بلَّغ من كتاب ربه شيئاً { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } (المائدة 67).

والدعوة إلى أمة واحدة اقتضت خطاباً واحداً على الناس كل الناس في هذه الأرض بالتوراة والإنجيل والقرآن على سواء { الم . اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ } (آل عمران 1-4) ولكن الناس جُبلوا على أن يختلفوا في دينهم مذاهب وشيعاً، وأن يتفرقوا فيه أحزاباً ونحلاً، وما اختلفوا وما تفرقوا إلا وراء الرجال بحبل من الشيطان حتى لا تقوم هذه الأمة إذن أبداً.

وكانت حجة بالغة أن استحفظ الله سبحانه بني إسرائيل على التوراة، وهم الذين أنعم الله عليهم وفضلهم على العالمين، ورغم ذلك فقد أضاعوها ليفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ثم استحفظهم على الإنجيل فأضاعوه مرة أخرى لتقوم الحجة في الأرض على أنه لا ينبغي لأحد أن يأتمن أحداً من دون الله سبحانه على دينه، فأنزل الله القرآن ولم يستحفظ عليه إذن أحداً { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . }(الحِجْر 9).

وكذلك فإن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم كان خطاباً للناس { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } (الأعراف 158) { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ } (النساء 170) { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً .} (النساء 174).

وإذا أوتي الإنسان شيئاً من ثقافة ربه بالإسلام، فذلك ميثاق بينه وبين ربه ليُبيِّنَه للناس كل الناس، ولا يكتم منه شيئاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، ليس جدلاً بالحسنى، بل بأحسن ما يستطيع من الحكمة وأدب الحوار، ولا أظن أن أحداً يستطيع أن يلتزم شيئاً من ذلك إلا إذا التزم كلمات ربه في حواره بالقرآن، فيه جواب كل سؤال، ومثل لكل مقال، وفيه فصل الخطاب لمن آمن به ولمن لم يؤمن به على سواء.

{ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (آل عمران 187) أولئك هم السفرة الذين يُمَسِّكون بالكتاب، وينطلقون في الأرض يبشرون به لا يبتغون بها شيئاً غير وجه الله سبحانه وتعالى { كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاء ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَةٍ .} (عبس 10).

يقذف الله سبحانه وتعالى ما يخوض فيه أبعاض أن القرآن قد جمع من الشتات، أو أنه قد تم تدوينه من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتوارثه الناس مصحفاً عن مصحف إلى يوم يبعثون لا ريب فيه من رب العالمين، وفرض على الذين أوتوه من ربهم أن يبينوه للناس، وإنما بيان القرآن بتلاوته على الناس وتدبره واستنباط ما جاء فيه من الهدى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .} (البقرة 159).

وكذلك فقد اختار الله سبحانه وتعالى للناس إماماً واحداً { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً } (البقرة 124) وإنما اصطفاه الله إماماً للناس لأنه جاء بالفطرة الحنيفة بعد أن نظر في ملكوت السماوات والأرض آفلاً من بعد آفل، وهو يقول { لا أُحِبُّ الآفِلِينَ .} (الأنعام 76) كان يبحث عن إله يحبه، لأنه إذا أحب الله فلسوف يسلم وجهه إليه، ويعبده ويطيعه ويقنت له، ويأتمر بأوامره ويجتنب نواهيه، وينيب إليه ويتوكل عليه، ويضع عن كاهله الأمانة التي حملها ظلوماً جهولاً ليحمله الله في البر والبحر على صراط مستقيم آمناً مطمئناً لا يخاف شيئاً غير الله ولا يخشى قال عليه السلام { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77) فعلم عليه السلام أنه لن يستطيع أن يجتهد شيئاً من الهدى إلا أن يهديه الله، وقال { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (الأنعام 79) حنيفاً مسلماً لا يعلم من الهدى شيئاً إلا بكلمات الله، ولا يدين ديناً إلا بما علمه الله، قد يتعلم من الكتب أو من الناس ما شاء الله له أن يتعلم، ولكنه لا يقبل في دينه إلا ما يستقيم مع كلمات الله، لا يناقضها ولا يزيد عليها ولا ينقص شيئاً منها.

تلك هي حنيفة إبراهيم؛ وجهه للذي فطر السماوات والأرض، وظهره لكل شيء من دونه، وذلك هو إمام الناس وأبو المسلمين { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ } (الحج 78) وهذه هي فطرة الله التي فطر الناس عليها { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ .} (الروم 30).

ولقد إبتلى الناس بكتب ربهم؛ استُحفظوا على التوراة فأضاعوها، ثم استُحفظوا على الإنجيل مرة أخرى لتقوم الحجة البالغة على الناس أنه ليس للناس من دون الله من عاصم، ثم بعث الله خاتم النبيين محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأذن الله سبحانه أن يحفظ الكتاب الذي أنزل عليه، ولا يستحفظ عليه من أحد أبداً {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.} (الحجر 9).

إنها رسالة واحدة، على قلب رسول واحد، إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، عسى أن تكون منهم أمة واحدة، ذات ثقافة واحدة، هي خير أمة أخرجت للناس، وعلم الله ورسوله أن القوم يهجرون رسالات ربهم لتقوم منهم أمم متشاكسة، أمم يلهها الأمل ابتغاء زينة الحياة الدنيا، أمم تتنافس في الأرض علواً ولا تريد فيها غير الفساد، من أجل ذلك يقول رسول الله قول الحق من ربه { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً .} (الفرقان 30) ولكنه سيظل قائماً عليهم بالحجة البالغة من لدن عزيز رحيم، ولا نعلم كتاباً صمد في الأرض صمود الأرض ذاتها بمائها ومرعاها كما صمد هذا القرآن العظيم.

إنها رسالة واحدة للناس كافة، وإنما جاءت رسل ربنا تَتْرى لأن الناس يتفرقون ويختلفون من بعد الرسل بغياً بينهم، فيرسل الله من بعدهم رسلاً آخرين لعلهم يرجعون إلى ثقافتهم الأولى أمة واحدة لا يعبدون إلا الله { لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً .} (الكهف 27).

وشاء الله سبحانه وتعالى أن تنطلق هذه الرسالة كمطلع الفجر؛ من بقعة واحدة بخيط أبيض واحد بادي بدئ بالعشيرة { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ .} (الشعراء 214)، لتنتشر من هذه العشيرة إلى القرية فتنهض بذلك لتنطلق إلى من حولها { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } (الشورى 7) فإذا سطعت في تلك القرية المباركة فقد تهيأ سطوعها على الناس كافة بالهدى ودين الحق من الله رب العالمين { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } (سبأ 28).

وإذ نتدبر آيات القرآن نجد أن الله سبحانه وتعالى قد خاطب عباده المؤمنين بكل ما كتبه عليهم أو كلفهم به من فعل الخيرات قربة لهم ورحمة بهم، إلا الحج فإنه تبارك وتعالى قد دعى إليه الناس كافة رحمة منه وفضلاً لعلهم يتذكرون.

إقامة الصلاة { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً .} (النساء 103) { قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ } (إبراهيم 31) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . }(التوبة 71).

صيام رمضان { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .} (البقرة 183) والإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .} (الصف 10).

أما الحج فقد أنزل الخطاب به لكل الناس في كل ما ورد في آيات القرآن من الآيات والذكر الحكيم، وكأنه رسالة وحدة إلى أمة يفترض أن تكون واحدة ذات ثقافة واحدة تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتؤمن بكتابه وحده لا شريك في حكمه، بإمامة إبراهيم عليه السلام حنيفاً مسلماً وأباً رحيماً، وجهه إلى الله وكل ما خلا وجه الله سبحانه من الأرباب أو الكبراء أو ما يفتريه هؤلاء وهؤلاء وراءهم ظهرياً.

البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس كافة على وجه الإطلاق بغير استثناء { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } آيات بينات، وهدى، وأمن لكل الناس في هذا البيت الحرام، في ذلك الموقع المبارك بالبلد الأمين.

والكعبة المباركة هي البيت الحرام قياماً للناس كل الناس { جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ } (المائدة 97) ومن آيات الله البينات أن يشعر الإنسان بتلك الرهبة التي يخشع لها قلبه، ويقشعر لها بدنه، وتهوي بها أفئدته، عندما يشاهد هذه الكعبة المباركة لأول مرة، فينطلق إليها وكأنه يحلق في سماوات عالية من الإيمان وحب الرحمن، رغم أن الله سبحانه وتعالى قد اختار لها أبسط الأشكال الهندسية على الإطلاق، المكعب، ويا له من مكعب يهدي الله لنوره من يشاء.

{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً } (البقرة 125) ثاب، تاب، آب، بمعنى رجع، ثاب إلى الله أي رجع إلى طاعته، ولقد رأينا في أكثر من موضع من هذا الكتاب أنه ليست هنالك كلمة واحدة في هذا اللسان العربي المبين تساوي كلمة أخرى، أو ترادفها بحذافيرها، ولقد أوضح ابن الإعرابي ذلك فقال: (ثاب إذا انتبه، وآب إذا رجع، وتاب إذا أقلع) فالكعبة هي المثابة التي يعود فيها الناس إلى الرشد، وتقول العرب (ثاب إلى رشده) أي عاد منتبهاً إلى رشده.

وكان دعاء إبراهيم عليه السلام قد أوعى قيم هذا البيت الحرام، فسأل الله سبحانه أن تهوى إليه أفئدة من الناس، كل الناس { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } (إبراهيم 37) الفؤاد من الإنسان هو الذي يقلب الأمور، ويبصر حقائقها واشراطها، وينظر في دلائلها وعواقبها، فيصدق ما يرى أو يكذبه وصولاً في النهاية إلى اختيار ما يشاء منها { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى .} (النجم 11) وهو الذي يصغي إلى القول ليصل إلى الإيمان به أو الشك فيه { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } (الأنعام 113) وهو الذي يثبت على الحق والإيمان إذا سمع القرآن وأنصت إليه خاشعاً غير مستهزيء به ولا مستكبر عليه أو غافل عنه { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً .} (الفرقان 32) وهو الذي يغيب عن الإنسان إذا أصابه خوف ساحق أو فزع ماحق، فترى المكذبين الضالين يوم القيامة { مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء .} (إبراهيم 43).

وقد فرض الله حج البيت الحرام على الناس كافة { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (آل عمران 97) وأمر الله سبحانه وتعالى من فضله ومن رحمته بعباده كافة أن يؤذن بالحج في الناس، كل الناس { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ .} (الحج 27) وشرعه من فضله ومن رحمته سواء لكل الناس من أقام فيه ومن كان طارئاً عليه { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } (الحج 25) يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: (جعله الله شرعاً سواء، لا فرق بين المقيم فيه والنائي عنه، ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها)، وقال البيضاوي في تفسيره: (سواء العاكف فيه والباد أي المقيم والطارئ)، ولقد بيّن الله سبحانه وتعالى إن هذا الاستواء، لا يعني أن ديار مكة المكرمة ورباعها قد أصبحت حقاً مشاعاً لكل طارئ، أو انه لا يجوز بيعها ولا توريثها ولا تأجيرها كمذهب بعض الفقهاء، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قد جعل الإقامة فيها لغير أهلها مقيدة بذكر الله سبحانه وتعالى، مشروطة بتقوى الله سبحانه، محدودة بأيام معدودات فلا ينبغي لها أن تستطيل إلى الأشهر والأسابيع، قال تعالى وقوله الحق { وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .} (البقرة 203).

ولقد جعل الله سبحانه وتعالى بيته الحرام أمانة بأيدي المؤمنين الذين يؤمنون بالله ورسوله، والقرآن الذي أنزل على رسوله، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحرمون ما حرم الله ورسوله { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .} (الأنفال 34) ولقد الزمهم الله سبحانه وتعالى أن يردوا عن بيته الحرام كل من يظهر الشرك أو يجاهر به { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا } (التوبة 28) وليس عليهم في هذا السبيل أن يفتشوا قلوب الناس، أو يمتحنوا ما في صدروهم، وإنما يكفي المؤمنون أن يلقى السلام إليهم، فإذا جاءهم باد وألقى إليهم السلام ولم يظهر الشرك ولم يجاهر به فله أن يدخل المسجد الحرام آمناً وأن يبلغ مأمنه ما لم يجنح إلى إثم أو فسوق أو عصيان {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (النساء 94).

إن وحدة الإنسانية قد اقتضت وحدة الرسالة ووحدة الإمامة ووحدة المثابة في عبادة واحدة لله رب العالمين { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ .} (المؤمنون 52).

{ إن عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ .‏} (القيامة 17).

تدوين القرآن

الله هو الذي جمع القرآن ورتَّله ترتيلا، وهو الذي حفظ كلماته مشكلة من لدنه تشكيلاً، وما برح رسول الله هذه الدنيا إلا بعد أن ترك لنا كتاب ربه تماماً على الذي نجده في المصاحف التي بين أيدينا إلى يوم القيامة، وشواهد ذلك لا تحصى، أولها أن وحدة المصاحف من ألف سنة أو يزيد دلالة قاطعة على أن تدوين المصحف لا ُيقبل إلا نقلاً مسطرياً مصحف عن مصحف بما فيه على ما هو عليه دون أي تصرف في ترتيبه أو تشكيله، وكأنهم إنما يرسمونه رسماً أو يصورونه تصويراً.

لكـيلا

ومن شواهد ذلك ما نجده في كلمة (لكيلا)، وردت في القرآن سبع مرات لتبين الحادثة وما يترتب عليها، فإذا كانت الحادثة وهذا الذي ترتب عليها مجتمعين في شخص واحد فإننا نجدها في القرآن متصلة غير منفصلة (لكيلا) كما في قوله تعالى { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . } (الحديد 22). الإيمان بأن كل شيء من عند الله في كتاب بقدر ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى، يؤدي إلى الثبات في المواقف فلا تزل قدم بمصيبة ولا تضل نفس بغرور، والحدث والنتيجة في هذه الآية يجتمعان في نفس المؤمن ذاته، ولذلك وجدناهما في الآية مجتمعتين هكذا { لِكَيْلَا }.

أما إذا كانت الحادثة عند شخص معين، وما يترتب عليها عند أشخاص آخرين فإننا نجدها في القرآن منفصلة غير متصلة (لكي لا)، كما في قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَر} (الأحزاب 37) الزواج من امرأة زيد أو عمرو أو فلان من أدعياء المؤمنين قبل القرآن حدث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنتيجة المترتبة عليه عند المؤمنين لكي لا يكون عليهم حرج في أزواج أدعيائهم، فهما قد تفرقتا بين الرسول وبين من اتبعه من المؤمنين، ولذلك وجدناهما في هذه الآية منفصلتين هكذا { لِكَيْ لَا } . وفي بلوغ ارذل العمر أي التردي وليس بلوغ الكِبر أو الشيخوخة في شيء، فيه آيتان بينتان؛ الأولى {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئ} (الحج 5)، والثانية {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئ} (النحل 70) الفرق بينهما أن {بَعْدِ} في الآية الأولى اتصلت بحرف { مِن } ، وفي الآية الثانية وردت غير متصلة به، و { مِن } في القرآن إذا اتصلت بظرف زمان أو بظرف مكان أفادت التخصيص بشخص معين بالذات هو نفسه الشخص الذي يبلغ أرذل العمر، فتجده هو نفسه لم يعد يعلم من بعد علم شيئاً، وإذا ورد ظرف الزمان أو ظرف المكان غير متصل بالحرف (من) فإنه يفيد الإطلاق، فترى الآية في غيرك أينما توليت إذا بلغ أرذل العمر وجدته قد أصبح لا يعلم بعد علم شيئاً، في الآية الأولى الحدث والنتيجة يجتمعان في شخص واحد، كان طفلاً ثم بلغ أشده ثم تردى إلى أرذل العمر (لكيلا) يعلم (من بعد) علم شيئاً، وفي الآية الثانية تفرقتا بين شخصين الذي تردى إلى أرذل العمر، والآخر الذي يراه قد تردى إليه (لكي لا) يعلم بعد علم شيئاً، لذلك وجدناهما في الآية الأولى مجتمعتين { لِكَيْلَا } ووجدناهما في الآية الثانية منفصلتين هكذا { ِكَيْ لَ}.

فهل يتنبه البشرُ لمثل هذا حين يَسُطرون كُتُبَهم، سبحان الله وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.

من حيث

وما كان لبشر منذ ألف سنة مهماً علا شأنه في الكتابة والقراءة أن يدرك الفرق بين استعمال كلمة (حيث) مجردة، وبين استعمالها متصلة بالحرف من (من حيث)، فهما عندهم سواء لا يختلفان في الدلالة والاستعمال، وربما اعتبروا الحرف (من) إذا اتصل بكلمة (حيث) حرفاً زائداً في الإعراب.

وردت الكلمة (حيث) للدلالة على المكان في القرآن إحدى وثلاثين مرة، منها كلمة (حيث) متصلة بالحرف (من) ست عشرة مرة كلها للدلالة على مكان معين بالذات محدد على وجه التَّخْصيص كما في قوله تعالى { وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } (البقرة 19)، أو في قوله تعالى { فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (البقرة 222)، أو في قوله تعالى { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ} (الطلاق 6).

ووردت كلمة (حيث) مجردة غير متصلة بالحرف (من) خمس عشرة مرة، كلها للدلالة على مكان غير معين بالذات على وجه الإطلاق دون تخصيص، كما في قوله تبارك وتعالى { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً } (البقرة 58) أو في قوله تعالى { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} (البقرة 144) أو في قوله تعالى { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } (طه 69).

وبذلك فإن الحرف ( من ) إذا أتصل بظرف المكان ( حيث ) ليس زائداً وأن له دلالته في الأعراب من حيث أنه أفاد التحديد والتخصيص ، فإذا غاب أفاد العموم والإطلاق .

كرها

وربما ظنوا انه سواء في الدلالة أن تقول ( كرها ) بكاف منصوبة أو بكاف مرفوعة، وقد وردت في القرآن خمس مرات بالكاف المنصوبة كلها للدلالة على إكراه بعوامل خارجية كما في قوله تعالى { قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} (التوبة 53) أو في قوله تعالى{ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْه} (فصلت 11) ووردت في القرآن ثلاث مرات بالكاف المرفوعة كلها للدلالة على إكراه بعوامل كامنة في نفس الإنسان ذاته مما جبل عليه بالفطرة التي فطره الله عليها دون أي مؤثر خارجي { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } (البقرة 216) { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْها ً} (الأحقاف 15).

وكذلك فإن القرآن يضبط قواعد اللسان من لدن حكيم عليم ، لاينضب معينه ولاتنفد آياته ، ولايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وسبحان الله رب العالمين .

اللائي ، اللاتي

ولئن سألت علماء اللسان عن ( اللائي ) و( اللاتي ) لقالوا لفظان مترادفان في الدلالة والإعراب ، وليس في لسان عربي مبين كلمتان مترادفتان على سواء ، ولذلك إختاره الله لقرآنه الذي أنزل بعلمه وبحكمته سبحانه وتعالى إنه كان عليماً حكيماً .

حين نتدبر ( اللائي ) في كتاب الله نجدها ترد في موضع الدلالة على نسوة معينات بالذات وعلى وجه التحديد {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} (المجادلة 2) {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } (الطلاق 4) .

وحين نتدبر ( اللاتي ) في كتاب الله نجدها ترد في موضع الدلالة على النسوة بصفة عامة وعلى وجه الإطلاق {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ} (النساء 15) أي أنه يجب الإستشهاد على أي أمرأة من نساء المؤمنين بصفة عامة وعلى وجه الإطلاق { وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ َ} (النساء 34) أي أنه يجب التدرج من الموعظة إلى الهجر في المضاجع إلى الهجر إعتزالاً بالضرب عنهن صفحاً مع أي أمرأة يخاف بعلها نشوزاً عن حكم الله فيما أمربه أو نهى عنه بصفة عامة وعلى وجه الإطلاق .

والكلمة في القرآن تتبين من مساقها كما في كلمة ( ضرب ) فهي تعني الانطلاق في الأرض { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ } (المزمل 20) ، وتعني الاتيان بمثل من الأمثال { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} الروم 58 ، وتعني المقارنة والمقارعة بين الشئ ونقيضه {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ } (الرعد 17)، وتعني وضع الأشياء للستر والغطاء والحجب { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (النور 31)، وتعني ما يفرض الله على عباده من حكمه في الأرض { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} (البقرة 61) ، ولاتعني الضرب باليد أو بسيف أو بغير ذلك إلا إذا كان المساق يدل عليه دلالة واضحة لا شبهة فيها { فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } (الأتقال 12) { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } (محمد 27) { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } (محمد 4) .

ما ، ماذا

( ماذا ) لمطلق الاستفهام { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ } (يونس 50) { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفا } (محمد 16)، { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } (لقمان 34).

و( ما ) لا يقصد بها مجرد الاستفهام بقدر ما يقصد منها إلى التنبيه إلى حقيقة ما يسأل عنه { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى } (طه 83) { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} (طه 17) { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص75) .

ومن آيات الله أن تجد إبراهيم قد سأل أباه وقومه عما يعبدون بقول الحق من ربه { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } (الصافات 85) ثم نبههم إلى باطل ما هم فيه بقول الحق من ربه { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُون َ } (الشعراء 70).

والشواهد لاتحصي على أنه ما كان لبشر أن يزعم أنه جمع هذا القرآن أو أنه قام بتدوينه أو تشكيله أو تنقيطه من دون الله تبارك وتعالى على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وعداً من عند الله ليحفظ كلامه لعباده إلى يوم يبعثون .

وبعد فتحية طيبة مباركة من عند الله أزجيها إلى أمي يرحمها الله كانت أول من علمني القرآن، وإلى أستاذي الفاضل الدكتور محمد وصفي رحمه الله، وإلى كال من درس معي هذا القرآن.

السبت 19 رمضان 1426
22 أكتوبـر 2005

المستشار: مصطفى المهـدوي

ALBAIAN_MEHDWI @ YAHOO.COM
هاتـف : 00218.61.2221662
المحمول : 00218.925179043
صندوق بريد : 1736 بنغازي – ليبيا


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home