Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 7 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (8)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

ثانياً : التسبيح

التسبيح هو تنزيه الله تبارك لما تعالى به على سائر ما خلق ولما عز به عن كل من سواه، فهو الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ{ (الأنبياء 22، 23). {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .} (الحشر 22-24).

والتسبيح هو شهادة بأن الله هو خالق كل شيء وبديع كل شيء فاطر السماوات والأرض بكل ما فيهن من عظمة خلقه وجلال قدرته وحكمة إبداعه ودقة النظام في ملكه سبحانه وتعالى علواً كبيراً { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ . وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ . وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .} (الزمر62-67).

ومن التسبيح تنزيه الله أن يكون له ولدٌ أو صاحبة أو شريك في ملكه في السماوات أو الأرض { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ . بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .} (الأنعام 100-103).

ومن التسبيح الإيمان بأنه بيده ملكوت كل شيء وأنه ما خلق من شيء في ملكوته باطلاً { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (يس 81-83). { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .} (آل عمران 190، 191).

ومن التسبيح الإيمان بأنه ما من شيء في السماوات والأرض إلا يسبح له بحمده، وأنه هو وحده سبحانه أعلم بمن يسبح له وبما يسبح له به { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } (الإسراء 44). { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ .} (النور 41، 42).

وهكذا فإن التسبيح صلاة وإيمان وطاعة وخضوع وذكر وتنزيه وتقديس وعبادة واجبة لله تبارك وتعالى وذلك من معاني التسبيح ومضمونه، وهو بهذا المحتوى قد يكون بهمس وقد يكون بقول أو بفعل أو بإشارة كل بحسب ما يهتدي إليه من ذكر ربه. وفي القرآن بينات ترشدك إلى ما ينبغي لك أن تسبح به الله قولاً وترديداً في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو الآصال من ذلك أن تقول ( سبحان الله العزيز الحكيم ) أو تقول (سبحان الله الملك القدوس) أو تقول (سبحان الله له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) أو تقول (سبحان ربي العظيم)(سبحان ربي الأعلى)(سبحان الله رب العرش عما يصفون) (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) (سبحان ربك رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون) كل ذلك بقرآن أو من هدى القرآن الكريم.

ثالثاً : الحمد والشكر

الله تبارك وتعالى هو رب النعم جميعاً { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .}، (النحل 18). ولذلك فإن حمد الله وشكره لم يكن مجرد عبادة أو ذكر لله تبارك وتعالى فحسب بل كان من الحكمة التي يقتضيها العقل والمنطق من حيث وجوبه لرب النعم كلها على كل من أنعم عليه من خلقه { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ .}، (لقمان 12).

ولقد رأينا أنه ليس في القرآن مترادفات، كل كلمة بل كل حرف قد أنزل من لدن حكيم عليم بمعنى محدد وغاية مقصودة. فإذا أنزلت آيات فيها الحمد فذلك بمعنى محدد وغاية مقصودة، وإذا أنزلت آيات أخرى فيها الشكر فذلك لمعان وغايات أخرى. ولا يقبل بادئ الرأي أن يكون الحمد هو الشكر والشكر هو الحمد سواء بسواء، لأن الترادف والارتجال لا يجوز إلا في كلام البشر، ويتنزه عنه ويتعالى عليه العليم الحكيم علواً كبيراً.

عدو البشر إبليس أظن أنه كان عالماً خطيراً إذ قال { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ .} (الأعراف 16، 17). لم يقل إبليس ولا تجد أكثرهم حامدين، فإن أكثر الناس يحمدون تسأل الرجل عن حاله فيقول لك الحمد لله يأكل أو يشرب فيقول الحمد لله وأقرب شيء إلى لسانه في غدوه ورواحه أن يقول الحمد لله، فبم يتميز الشكر عن الحمد حتى يتحدى به عدو البشر ولماذا تركنا نحمد الله ما شاء لنا الله أن نحمد وحرص وهو يقعد لنا صراط ربنا المستقيم على ألا يكون أكثرنا شاكرين. { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ .}، (إبراهيم 7). إذن فزيادة النعم ومضاعفتها في الحياة الدنيا وفي الآخرة على السواء إنما تكون فضلاً من عند الله بالشكر وليس بالحمد {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} فما هو هذا الشكر الذي تزيد به النعم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهل هو أمر ميسور كقول أحدنا قائماً أو قاعداً حين يقول الحمد لله، وهل يحتاج من الشيطان لينهانا عنه أن يأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا.

عالم عظيم وملك كريم أتاه الله من لدنه فضلاً عظيماً يرى النمل يفسح له ولجنده الطريق فيبتسم ضاحكاً ويقول { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ } (النمل 19) الشكر إذن ليس كلمة تقال بل هو أمر يستعان عليه بالله رب العالمين، حتى إن سليمان عليه السلام يبتهل إلى الله فيقول { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ }.

لو أننا نتأمل سياق الآيات التي تنزلت بالحمد نجد أن الحمد إنما يكون بالقول وهو أمر مطلوب ولا شك إذا كان الإنسان المؤمن يعنيه بقلبه وفؤاده ويبتغي به مرضاة ربه { وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا } (الأعراف 43). { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء } (إبراهيم 39). { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } (الإسراء 111). { فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .} (المؤمنون 38).

{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ .} (النمل 15). { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } (النمل 59). { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } (النمل 93). { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ .} (العنكبوت 63). { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .} (لقمان 25). { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.} (فاطر 34). {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } (الزمر 74). { وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} (الزمر 75). إذن فالحمد بالقول، وقد أخضع الله سبحانه وتعالى كل شيء للتسبيح بحمده {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً .} (الإسراء 44). فذلك هو الحمد بالقول { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .} (سبأ 13). وهذا هو الشكر بالعمل وليس بالقول، تؤتى العلم والحكمة فتسخرها للإصلاح في الأرض، وتؤتى بسطة في الجسم فتسخرها لخدمة الضعفاء، وتؤتى سعة من المال فتنفق منها في سبيل الله وابتغاء مرضاته.. وهكذا فإن كل نعمة من أنعم الله تستوجب التسبيح بحمده كما تستوجب العمل بها شكراً.. وقليل من العباد الشكور.

لقد كان نقل العرش من سبأ بين يدي سليمان عليه السلام آية كبرى، نقله الذي عنده علم من الكتاب والله أعلم بعلمه، وكل ظاهرة في ملكوت الله وإن كانت تتم بقوله تبارك وتعالى إذا أرادها كن فتكون إلا إنها تخضع لقاعدة علمية ولتفسير علمي قد يغيب عنا حيناً ثم نعود فنكتشفه ثم يغيب عنا مرة أخرى وقد لا نكتشفه أبداً لضعف قدراتنا أو لعجزنا التام ولكن كل شيء عند الله بمقدار. وإذا تأملنا ظاهرة نقل العرش فقد نجد لها تفسيراً في ضوء نقل الأجسام عبر الأثير كما ينتقل الصوت بالراديو وتنتقل الصورة بالتلفزيون، المهم أن نبحث هذا الأمر ولا نتركه حتى يكتشفه الآخرون ثم نقول لهم تعالوا فإن هذا الذي اكتشفتموه موجود عندنا منذ قرون. ظاهرة انفلاق البحر حتى يصبح كل فرق كالطود العظيم، لا يمكن أن تتم باستعمال أي عصا كما فعل موسى عليه السلام وقد تجد هذه الآية تفسيراً علمياً في غاز أو إشعاع ثابت يمكن أن يسيطر عليها لإنسان فيسخره في إقامة السدود والحرث عبر الأنهار والبحار. المهم أن نبحث وأن نتدبر القرآن بعقولنا وقلوبنا، ولا نكتفي بقراءته بأبصارنا. رأى سليمان عليه السلام الآية الكبرى، لقد وصل العرش قبل أن تصل الملكة.

كان يستطيع بهذه القوة الجبارة أن يضم هذه الملكة في حريم وأن يخضع قومها له رقيقاً وأن يضم ملكها إلى ملكه ويتوسع في الأرض، ولقد أدرك سليمان هذا بفطنته ولا شك فقال على الفور لما رأى العرش مستقراً عنده {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } (النمل 40). فأراد أن يسخر هذا الفضل ليهدي به الناس فاكتفى منها بالإسلام لرب العالمين { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} (النمل 44).

{ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .}، (الحج 41). هؤلاء قوم أنعم الله عليهم بأن مكنهم في الأرض فشكروا، وكانوا يشكرون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر.

فالحمد بالقول والكل يحمدون والشكر بالعمل وقليل من عباد الله الشكور. { إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ .} (البقرة 243). { ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ . } (النمل 38).

رابعاً : الاستغـفار

{ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . }(الحجر 49).

{ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ . }(الحجر 50).

إن الله تبارك وتعالى هو الغفور الرحيم ولقد شاء من فضله على عباده ألا ينغلق باب رحمته ومغفرته إلا بحضور الموت { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً .} (النساء 18). كما لا ينغلق باب رحمته ومغفرته إلا على الشرك { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } (النساء 116).

وينبغي للمسلم أن يتخذ لنفسه سبيلاً إلى مغفرة ربه ورحمته مؤمناً بأنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمته ومؤمناً كذلك بأنه لا ينبغي له أن يأمن عذابه { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ .} (الزمر 53، 54).

{ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ . وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ .} (المعارج 26-28). وهكذا فإنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمته لأنه هو الغفور الرحيم ويتخذ لنفسه سبيلاً إلى ربه على أساس من هذا الفهم ويجتهد في استغفاره تضرعاً إليه ورهباً من ذاته تبارك وتعالى { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .} (الأعراف 169).

إن الله هو الغفور الرحيم وإنه لشديد العقاب، وإن حكمه هو الحق وقضاءه هو القسط ولا سبيل لبشر أن يقيس حكمته تبارك وتعالى ولا قبل له بأن يدرك موازين قسطه ولذلك فإنه ينبغي له أن يسعى في التماس رحمته دون أن يأمن عذابه وأن يتقي غضبه دون أن يقنط من رحمته لا يقيس أحكام ربه بما يقترفه من الحسنات أو السيئات فما يراه هو هيناً من هذا أو ذاك قد يكون عند ربه عظيماً { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ .} (النور 14، 15).

وأول ما ينبغي للمسلم وهو يتخذ لنفسه سبيلاً إلى مغفرة ربه أن يجيب داعي الله ويؤمن به { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ .} (الأحقاف 31، 32).

ولقد بيّن الله تعالى في كتابه الكريم سنن نبيه وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خلق عظيم وجعل مغفرته لمن يتبعه عليه السلام في سننه مؤمناً بالقرآن كله حافظاً آيات ربه مجاهداً في سبيله عاملاً على نشر دعوته قائماً بالليل مسبحاً بالنهار كريماً سمحاً عفواً مسلماً { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .‏ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ . قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ .} (آل عمران 29-32).

وبين سبحانه من فضله على عباده في كتابه العزيز ما ينبغي للناس أن يتخذوه من السبل إلى رحمته ومغفرته ومن هذه السبل تقوى الله { يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .} (الأنفال 29). { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (الحديد 28).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يجاهد في سبيل الله يدافع عن دينه وقيمه ويعمل على إعلاء كلمته في الأرض كما تعالت كلمته في السماء { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . }(الصف 10-12).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يتوب إليه وأن يعمل صالحاً { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . } (المائدة 39). { وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .}، (الأنعام 54). { وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . }(الأعراف 153).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يهاجر في سبيل الله كلما استشعر الخطر على دينه ولم يكن بد من دفع الفتنة أو اتقائها فيتخير لنفسه من الأرض مكاناً طيباً يأمن فيه على دينه وماله وكرامته وعرضه كرجل مسلم يحرص على قيم الإنسان الذي كرمه الله في الأرض { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً.} (النساء 97-99). وهكذا فإن الهجرة في أرض الله الواسعة اتقاء الفتنة وفراراً إلى الله بدينه، ما تزال واجباً على كل مسلم ومسلمة يستطيع حيلة أو يهتدي سبيلاً وقد وعد الله عباده المهاجرين في سبيله فيضاً من رحمته تبارك وتعالى {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (النساء 100). { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (البقرة 218)، { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ . لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .‏ } (النحل 107-110).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يتلو كتابه وأن يقيم الصلاة وينفق مما رزقه الله { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ .} (فاطر 29، 30) وأن يسارع في الإحسان { ومن يقترف حسنة نزد فيها حسناً إن الله غفور شكور} (الشورى 23). {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى .} (طه 82). ولا سبيل لبشر أن يهتدي إلى ربه بغير كتابه يتلوه حق تلاوته متدبراً آياته عاملاً بها فذلك نور الله ومن كان في الظلمات فليس بخارج منها إلا ن يشاء الله له نوراً.

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يقول قولاً سديداً إذ إنه ليس من أخلاق المؤمن الخليق برحمة ربه أن يلغو في قوله أو يتسفه فيه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيم} (الأحزاب 70، 71).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يغفر للناس ويعفو ويصفح عنهم { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (التغابن 13، 14). { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (النور 22).

ومن سبل المؤمن إلى مغفرة ربه أن يدعوه ملتمساً عفوه ومغفرته فإنه هو مجيب الدعاء رب العالمين، والاستغفار من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم التي أثبتها الله في كتابه { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ .} (غافر 55). كما كان من سنن أنبيائه تبارك وتعالى جميعاً يدعونه رغباً ورهباً ولا يطلبون شيئاً كما يطلبون عفوه ومغفرته وكان إبراهيم عليه السلام إمام المسلمين الذي اتخذه الله من بين عباده خليلاً يقول في دعائه { رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ .} (إبراهيم 40، 41).

ويبين الله تبارك وتعالى كيف يكون التسابق والتنافس في طلب مغفرته بقوله عز وجل { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }، (آل عمران 133-136).

ويبين الله سبحانه كيف يكون الدعاء بطلب مغفرته من ذلك أن تقول {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَ} (البقرة 286)، أو تقول { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } (آل عمران 16). { رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا } (آل عمران 193). { أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ } (الأعراف 155). { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (إبراهيم 41). { رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } (المؤمنين 109). { رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ . } (المؤمنون 118) { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .} (القصص 16) {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ .} (الحشر 10). { رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .} (الممتحنة 5). {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. } (التحريم 8). { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً . } (نوح 28).

خامساً : الدعاء

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . }، (البقرة 186).

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر سؤالاً سئل عن الأهِلة - { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}، (البقرة 189). وسُئل عن الشهر الحرام { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ }، (البقرة 217). وسُئل عن الخمر والميسر { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }(البقرة 219). وسألوه عما ينفقون { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة 219). وسئل عن اليتامى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } (البقرة 220). وسئل عن المحيض {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ } (البقرة 222). وسألوه صلى الله عليه وسلم عما أحل لهم { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } (المائدة 4) وسألوه عن الأنفال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ } (الأنفال 1). وسألوه عن الروح {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً .} (الإسراء 85). وسألوه عن ذي القرنين { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً . إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً } (الكهف 83-85). وسألوه عن الجبال { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً .} (طه 15). وسألوه عن الساعة { يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ }، (الأحزاب 63). وهكذا كلما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالاً جاءه الجواب مفوضاً بالرد عليهم بما أوحى إليه به كما يبين جلياً في هذه الآيات الكريمة من قوله تعالى لرسوله الكريم في كل مرة سئل فيها عن شأن من شؤون الدنيا أو الآخرة (قل) باستثناء سؤال واحد ينفرد بذاته في الكتاب العزيز كله ويتميز عن سائر ما سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا تفويض فيه ويتجلى الله تبارك وتعالى بالإجابة عليه دون واسطة وبغير تفويض {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ .} (البقرة 186) ، وهكذا شاء الله عز وجل أن تكون صلة عباده به مباشرة لا وساطة فيها هو الذي خلقهم وقدر أعمارهم وأرزاقهم وهو الذي علمهم وهداهم وهو الذي يحييهم ثم يميتهم ثم يبعثهم لا يشاركه في شيء من ذلك من أحد في السماوات ولا في الأرض ولذلك أوجب عليهم أن يسلموا له وجوههم ويخلصوا له دينهم ويدينون له بدين الحق الذي فرضه عليهم في كتابه العزيز مباشرة وبغير وساطة حتى ولو كانت هذه الوساطة هي وساطة نبي له من الشأن والمهابة ما لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } (البقرة 186) الإجابة ترد مباشرة من المولى تبارك وتعالى وهي تقتضي السعي إليه تبارك وتعالى مباشرة بعبادته وذكره وشكره ودعائه وفهم آياته وتدبر أحكامه من كلامه عز وجل مباشرة وبغير وسيط.

وللدعاء أحكام يفصلها القرآن في آياته تفصيلاً وبينها لعباده تبياناً كافياً، ولا يفوتنا أن ننبه أن هذا الكتاب ليس شرحاً للقرآن، ولا ينبغي له أن يكون تفسيراً له، ويظل الذكر الحكيم علياً فوق كل ذكر جامعاً ومفصلاً لكل حكم وتبياناً لكل شيء.

(أولاً) ينبغي الإيمان بالله واحداً قوياً عزيزاً حكيماً قادراً والاستجابة لما يدعو الناسَ إليه في كتابه العزيز كشرط لقبول دعائهم وكيف يستجاب لمن لا يجيب وكيف يأمن من لا يُؤمِن { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . }(البقرة 186).

(ثانياً) ويجب أن يكون الدعاء خالصاً لله موجهاً إليه مباشرة وبغير وساطة مهما كان شأن هذه الوساطة ومهابتها ومنزلتها من الله تبارك وتعالى لأنه هو الحي لا إله إلا هو له الدين خالصاً وله الدعاء خالصاً {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . }(غافر 65، 66).

(ثالثاً) ويجب أن يكون الدعاء لله خوفاً من ذاته وطمعاً في رحمته {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ .} (الأعراف 56) والمؤمن لا يخاف شيئاً كما يخاف يوم لقاء ربه فذلك شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سلوك ينبغي للمؤمن أن يقتدى فيه برسوله الكريم { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .} (يونس 15). وخير ما يطمع فيه الإنسان في دنياه أن يغفر الله له خطاياه يوم القيامة كما كان يطمع إبراهيم عليه السلام { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ .} (الشعراء 78-82).

(رابعاً) إن الله يحب من عباده أن يغضوا من أصواتهم ويعظهم الله بذلك على لسان لقمان { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ .} (لقمان 19). وإنما تجب الصلاة بصوت معتدل ويجب التسبيح والحمد بصوت خافت. فإذا كان الذكر بالدعاء فإنه يجب أن يكون تضرعاً إلى الله وخفية { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .} (الأعراف 55). واعتاد المسلمون إن يبسطوا أيديهم نحو السماء إذا ما دعوا ربهم.. ولا نجد أصلاً لهذه العادة إلا عند اليهود، فقد جاء في سفر الملوك الثالث الفصل الثامن (فلما أتم سليمان الدعاء إلى الرب بكل هذه الصلاة والتضرع قام من أمام مذبح الرب حيث كان جاثياً على ركبتيه ويداه مبسوطتان نحو السماء -55) أما مسح الوجه بعد الانتهاء من الدعاء فلم نجد له أصلاً على الإطلاق، وربما تواتر الناس على هذه العادة بعدما رأوا آباءهم يمسحون جباههم مما علق بها من التراب من أثر السجود.

(خامساً) ويجب أن يكون الدعاء باسم من أسماء الله الحسنى وأقربها إلى القلب وإلى اللسان فكلها في القلب تتسابق على اللسان وكلها لله تبارك وتعالى الرحمن الرحيم العفو الغفور العزيز الحكيم الجبار المتعال الرب الكريم {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (الأعراف 180) { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} (يونس 10).

هذا للذين يتساءلون عن الدعاء يبينه الله تبارك وتعالى مفصلاً في كتابه العزيز ليس لهم من دونه من أحد ولا يجدون من دونه ملتحداً { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ .} (غافر 60).

ويضرب الله المثل الأعلى بقوم ضلوا في البحر هل يجدون من دونه أحداً { رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً . وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً . أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً . أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً .} (الإسراء 66-69).

ويضرب الله المثل الأعلى بمواقف الناس في الضراء والسراء {وإذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ . وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ . أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.} (الروم 33-38).

وهكذا لا ينبغي للمؤمن أن يأمن عذاب الله ولا ينبغي له كذلك أن يقنط من رحمته وإنما يدعوه منيباً إليه تضرعاً وخوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته مسارعاً إليه بالخيرات.

{ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .} (السجدة 15-17).

وإنما يجيب الله من يستجيب له ويؤمن به ويسارع في الخيرات ويدعوه رغباً ورهباً كما استجاب سبحانه وتعالى لزكريا عليه السلام {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ . }(الأنبياء 89، 90).

وفي الآخرة يستعيد الناس ذكرياتهم في الدنيا فيقول الصالحون { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ . قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ .} (الطور 25-28). وأما الذين خسروا أنفسهم فيقولن {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ . فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ . ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ . مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ . }(غافر 71-74).

وإن خير الدعاء ما كان ابتغاء وجه الله لا يحرص به المؤمن على شيء من دنياه العاجلة ولا يعبأ بشرٍ أصابه فيها، ومع ذلك فإن له بطبيعة الحال أن يدعو ربه بما يشاء فهو رب النعم مفوضاً أمره إلى الله منيباً إليه غير حريص على أن يجيبه إلى نعمة يطلبها أو يرفع عنه نقمة يكرهها، لأنه قد يحب شيئاً وهو شر له وقد يكره شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . } (يونس 109). { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً .وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً. } (الكهف 44-46).

وإن خير بطانة يتخذها ولي الأمر فيقربهم إليه ويشاورهم في الأمر أولئك الذين اتخذهم الرسول صلى الله عليه وسلم بطانة بأمر من الله تبارك وتعالى الذي أرسله بالهدى ودين الحق { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ .‏ } (الأنعام 52). { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً .} (الكهف 28).

إن خير الدعاء ما كان ابتغاء وجه الله اقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليست السنة وحدها هي التي أثبتها القرآن، بل إنك لتجد سنن صحابته في القرآن تفصيلاً. وإن صحابته صلى الله عليه وسلم في الدنيا هم صحابته في الآخرة في مساكن طيبة عند مليك مقتدر. وإن كانت قد فاتتنا صحبته في الدنيا فإنها مستدركة بالاقتداء بعمل الصحابة وأول أعمالهم ما استحقوا به صحبة النبي واجبة بتكليف المولى تبارك وتعالى إذ يدعون ربهم بالغداة والعشي.

تلاوة الذكر الحكيم

{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً .} (الكهف 27). إن الحديث عن القرآن الكريم ليستغرق عمر البشر ويستنفد جهد علماء بني آدم جميعاً، وأهون على الإنسان أن يسبر أغوار المحيطات وينقب في أقصى أعماق الأرض ويبحث في الفضاء القريب والبعيد من أن يسبر أغوار هذا القرآن أو يبحث فيه. وهو من بعد أربعة عشر قرناً ما يزال شامخاً جامعاً مانعاً كافياً شافياً محيطاً بكل علم يصل إليه الإنسان مفصلاً لكل غاية ينشدها مدبراً لكل أمر، إنها كلمات الله وصدق ربي إذ قال قوله الحق { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً .} (الكهف 109). { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً . وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً .} (الإسراء 9، 10). { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً . قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً . سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.}، (الإسراء 41-43). { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً . }، (الإسراء 82). { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً .} (الإسراء 88-89). { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً .} (النساء 82). { وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ .} (يونس 37). { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا .} (محمد 24). { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .} (القمر 17/22/32/40). { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً . قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً .} (الإسراء 106، 107).

وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد ربه فقد أمر بتلاوة القرآن { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ . وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .} (النمل 91-93). واقتران العبادة والإسلام لله بتلاوة القرآن في هذه الآية الكريمة له دلالته من حيث إن القرآن وحده هو أساس عبادة الله وهو تفصيل الإسلام كله وإنه لا سبيل للمسلم أن يهتدي ويتقي الضلالة إلا بتلاوة القرآن. وإنما خلق الإنسان لعبادة الله { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .} (الذاريات 56).

وقد أوجب الله لعبادته ملة إبراهيم حنيفاً وفرض على الناس من بعد أن يدينوا بدين الإسلام { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .} (الحج 77، 78). ولله أسلم إبراهيم وبنوه { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ . أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .} (البقرة 130-133). وجاء الأنبياء عليهم السلام من بعد بالإسلام جميعاً حتى بعث الله محمداً عليه السلام وفرض عليه الإسلام وجعله أساس عبادة الله في الأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران 19). { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ .} (آل عمران 85).

الإسلام هو دين الله والقرآن هو أساس الإسلام كله ولذلك أوجب الله تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والمسلم يحتاج من القرآن إلى فهم دينه فعليه أن يتلوه آية بآية الواحدة منه تكمل الأخرى وتفسرها وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً يغني عن أي اجتهاد ويكفي بذاته عن أي بحث، والمسلم يحتاج القرآن ليصلي به وهو مطالب بالاقتداء بنبيه في ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم يحفظ القرآن كله لا تغيب عن ذهنه آية واحدة ولا يتعثر عند تلاوته في حرف واحد وعلى كل مسلم أن يجتهد في هذا السبيل مقتدياً برسوله الكريم، والمسلم يحتاج القرآن ليذكر الله به يتلوه تلاوة متصلة له فيها الذكر كل الذكر وأحسن الحديث كتاباً مفصلاً من رب العالمين.

تلاوة لفهم دين الله آية بآية الواحدة تفسر الأخرى والأخرى تكملها وثالثة ترتبط بها وهكذا على نحو ما نحاول به فهم الذكر في كتابنا هذا وهذه تلاوة موضوعية تمسك برؤوس الأقلام من القرآن وتتبع تفصيلاتها من القرآن، المهم ألا نذهب بعيداً عن القرآن فإن ينابيعه لا تنضب وعلومه جامعات مانعات مفصلات مبينات مفسرات إنه كلام ربنا وهو تبارك وتعالى أنزله على نبيه وفرضه عليه ثم جمعه وأقر ترتيبه على نحو ما هو ثابت في المصاحف التي بين أيدينا ثم هو تبارك وتعالى قد بينه تبياناً { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ .} (القيامة 16-19).

وتلاوة لحفظه تحفظ منه صفحتين أو ثلاثاً وتصلي بها يوماً أو يومين حتى إذا ما انتهيت من ذلك بعد عامين أو ثلاثة عدت من جديد إلى حفظه والصلاة به لمدة عام أو عامين آخرين وهكذا ما دمت حياً وذلك إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم من الليل ثلثه أحياناً وثلثيه أحياناً أخرى وهو يتلو من الذكر الحكيم في صلاته ما يكفي لثلاث ساعات على الأقل كل ليلة ولك أن تجتهد في الإقتداء به ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ثم لتنظر من بعد كيف تكون قرة عينك في الصلاة وأنت تركز معاني القرآن في ذهنك وتثبتها في صدرك وترددها في صلاتك.

وتلاوة لذكر الله تبارك وتعالى تأخذ بالقرآن بين يديك تتلوه آناء الليل وأطراف النهار في ذكر الله بالذكر الحكيم، فالقرآن هو الذكر وهو التسبيح وهو الدعاء وهو الاستغفار وهو الحياة وما قبل الحياة وما بعدها وهو سبيلك إلى الله ومنهاجك في الحياة وقلاعك في الدنيا ووقايتك في الآخرة.. وهو كل شيء كائن أو كان أو سوف يكون.

وقد يتساءل المرء وماذا بقى لنا من العمر لنجتهد في أسباب القوة والتقدم في الحياة كأمة مسلمة مطالبة بالأخذ بأسباب القوة وبأسباب التقدم إن التفقه في دين الله عمل يغني بعض المؤمنين فيه عن البعض {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .} (التوبة 122).

فإذا نفرت هذه الطائفة فعليهم أن يتدبروا القرآن وأن ينشروا أبحاثهم ليطلع الناس عليها في حوار أساسه القرآن وغايته الحق والمعرفة التي يسرها الله تبارك وتعالى بلسان عربي مبين، فإذا جاءوا لينذروا قومهم فعليهم أن يبينوا الآية التي ينذرون بها من القرآن وعلى الناس ألا يقبلوا منهم ما يحاجون فيه بغير قرآن وأن يردوه عليهم حتى يبينوا.

وإن العمل الذي يستهدف النفع والقوة لمجتمع إسلامي هو عبادة إذا أخلصها العاملون لوجه ربهم ولم يبتغوا بها علواً في الأرض ولا فساداً { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ .} (الملك 15). فالمؤمن الذي ينفق وقته ليوفر دواء لمرض أو يحسن نباتاً لطاعم يطعمه أو يكتشف وسيلة تختصر المسافات في الأرض أو يصلح بين الناس إنما يعمل عملاً صالحاً { فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ .} (الأنبياء 94).

ولو أن الناس يبنون الحياة الدنيا لما ينفع في الأرض بقدر احتياجاتهم وعلى تقوى من الله ولم يكونوا كمثل قوم عاد إذ قال لهم أخوهم هود عليه السلام { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ .} (الشعراء 128-131). لا حرج على الناس في بناء ما ينفعهم في الأرض إذا آمنوا واتقوا وعملوا الصالحات على ألا يكون بناؤهم فيها كبناء عاد قوم هود إذ كانوا يقيمونها بناء الخالدين في الأرض بطراً وعبثاً على غير تقوى من الله فكان عاقبتهم أن دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها.

ولو نتدبر حديث القرى التي دمّر الله عليها لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى من رحمته قد أملي لهم حتى يرجعوا عن الإثم ولكنهم أصروا واستكبروا فأخذهم الله بذنوبهم، كمثل آدم وإبليس كلاهما عصى ربه فأملى الله لإبليس لما سأله عن خطيئته { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } (الأعراف 12) فأصر إبليس واستكبر { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ .} (الأعراف 12)، وأملى الله لآدم وزوجه لما سألهما عن خطيئتهما قال { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ .} (الأعراف 22) فلم يصرا على ما فعلا ولم يستكبرا سلام الله عليهما { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .} (الأعراف 23) ويبين من هذه الآيات البيانات أن الله سبحانه وتعالى من رحمته التي وسعت كل شيء يغفر الذنب ولكنه لا يغفر الإصرار عليه.

ولقد نرى أن الإنسان مدعو بفطرته التي فطره الله عليها إلى بناء نفسه على صراط قويم، وإلى عمارة الأرض بالأمن والرخاء. وإنما تعمر الأرض بأربع ثروات جاء بها الله سبحانه وتعالى في رسالة هود عليه السلام { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ .وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .} (الشعراء 128-135) الأنعام الثروة الحيوانية، البنون الثروة البشرية، الجنات الثروة النباتية، العيون الثروة المائية، تلك هي عناصر التنمية والرخاء في الأرض مما ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه، ويذر ما يصنع من آيات العبث ومصانع الخلود وبطن الجبارية.

وأما بناء النفس على صراط مستقيم فقد ورد في قوله سبحانه وتعالى بقسم قويم {وَالطُّورِ . وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ . وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ . وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ . وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ .} (الطور 1-6).

الطور هو كل ما خرج من الغيب إلى الشهادة أو من الجهل إلى المعرفة في كتاب مدون تدويناً جيداً ومسطور في رق ثابت ومنشور لكل من أراد العلم والمعرفة من الناس على سواء.

البيت المعمور بالخير والود والرحمة له سقف مرفوع على عمد ثابت دلالة على المأوى الذي يسكن إلية الإنسان ويصون فيه نفسه ويحصن به أهله.

والبحر المسجور دلالة على الرزق بقوله تبارك وتعالى : { اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .} (الجاثيرة 12-13).

بالعلم والمأوى والرزق يبنى الناس أنفسهم بعيداً عن لهو الحياة الدنيا وترفها وكمائن الشيطان فيها على صراط مستقيم.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home