Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Friday, 7 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (2)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ تِلْكَ آيَـاتُ اللَّهِ نَتْلُـوهَا عَلَـيْكَ بِالْحَـقِّ
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ }
(الجاثية 6)

كتاب الله…
الحجة البالغة…

المقدمة

{ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} (المؤمنون 67-68)

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل 89).

{أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً } (الأنعام 114).

هذه دراسة لبعض أحكام الكتاب نستنبطها من القرآن الكريم مسترشدين في ذلك بآياته المحكمات التي يفسر بعضها بعضاً والتي وردت برحمة من الله تعالى تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء .. ولعل أول ما يقتضيه الإيمان أن يؤمن المسلم بالكتاب مفصلاً من عند الله متكاملاً بآياته لقوله تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وأنه ليس له من تفصيل غير الذي أنزل فيه لقوله تعالى {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيل} (الإسراء 12) وأنه إنما أنزل بعلم الله سبحانه وتعالى مفسراً ومبيناً ولم يكن لبشر أن يأتي له بتفسير ليس فيه أو يفسره من تلقائه غير مسترشد بآياته لقوله تعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة 16-19). ولقوله تعالى {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}. (القمر 5 و10 و22 و32 و40)- ولقوله تعالى {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِير}. (الفرقان 33).

وإن ما يوصف بأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث كونها تكميلاً للقرآن أو تفصيلاً أو تفسيراً له مردود بما سبق من الآيات ومرفوض كذلك بما تحددت به رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم كما بينها الله تعالى في كتابه العزيز بتبليغ القرآن الكريم إلى الناس ليؤمنوا به وليهتدوا بما جاء فيه وقد وعد الله سبحانه بحفظ كتابه الكريم دون غيره {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. (الحجر 9 ).

ولا ريب أن أولئك الذين استندت إليهم رواية الحديث أهل صدق ما كان ليرقى الشك إليهم كأبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولكن الشيء الذي يصعب إثباته أن مَن كتب البخاري مثلاً هو البخاري نفسه وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة في كتابه "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" يقول أستاذنا الشيخ عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بأسيوط "وفي كتب التفسير من هذه الإسرائيليات طامات وظلمات، والكثير منها لم ينبه ناقلوه على أصله ولم يوقف على قائله، فكانت مثاراً للشك والطعن والتقول على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم نقل كثير من الأقوال والآراء المنسوبة إلى الصحابة والتابعين من غير إسناد ومن غير تحر عن رواتها، فمن ثم التبس الصحيح بالضعيف والحق بالباطل، وصار كل من يقع على رأي يعتمده ويورده ثم يجيء من بعدهم فينقله على اعتبار أن له أصلاً وتحسيناً للظهر بقائله ولا يكلف نفسه مؤنة البحث عن منشأ الرواية وعمن رويت ومن رواها عنه" طبعة سنة 1393هـ-1973م صفحة "132".

ومتى كان الأمر كذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد حفظ لنا كتابه وفيه الدين كله مفصلاً وفيه السنة أيضاً فيما تصف به الآيات الكريمة خلق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأفعاله فيجب أن نكتفي بذلك ونهجر ما سواه نزولاً عند قوله تعالى {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. (العنكبوت 29)، ولو اطلعنا على المسلمين في زماننا هذا لوجدناهم فرقاً ومذاهب وشيعاً فإذا تساءلنا عن ذلك لوجدنا أن كل فرقة من الفرق أو مذهب من المذاهب لا يتشيع لمذهبه أو لفرقته إلا من وراء فكرة جاء بها إنسان من البشر وكل فكرة يأتي بها البشر لا تكون إلا موقوته بزمانها ومكانها، أما تنزيل الخالق فهو كامل متكامل لا تجد له تبديلاً ولا تحويلاً جامع للشرع وللسنة بما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِير}. (النساء 82). {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. (الشورى 13). {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}. (الشورى 21). {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. (آل عمران 105). {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }. (الأنعام 159).

لذلك فليس ثم فرض وسنة أو مندوب ومكروه وما شابه ذلك من التقسيمات في الدين التي لم ينزل الله بها سلطاناً، ولكن هنالك شرعاً ومنهاجاً هو الدين كما نزل به القرآن الكريم لا اختلاف فيه ولا خلاف عليه. وهنالك أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي موصوفة في القرآن أيضاً بما كان عليه خلقه وصبره، لينه ورحمته، كرمه ونبله، شهامته وعدله، ذكاؤه واستقامته على دين ربه، نظافته وحسن مظهره، وغير ذلك من جماع وصفه له تبارك وتعالى إذ يقول {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. (القلم 4)، ومن الأسوة الحسنة أيضاً إتباع الدين فيما فصله القرآن من الأوامر والنواهي إتباعاً دقيقاً مؤمناً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء به لا بد وأن يكون قد اتبعه إتباعاً دقيقاً مؤمناً وهو الذي حذره ربه في الكتاب تحذيراً شديداً فيما لو ركن إلى الكافرين ولو شيئاً قليلاً بقوله {إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِير}. (الإسراء 75).

الدين هو القرآن كله لا مبدل لكلماته ولا مساغٍَ للتفريط فيها، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ولا تنسخ آيات الله بعضها بعضاً، وحاشا لله أن يأتي بقرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنما الناسخ في القرآن والمنسوخ فيما ورد من الآيات من قبله. والقرآن هو الذكر يذكر الله به عباده ما نسيه الناس من آياته ويتنزه الذكر الحكيم أن ينسخ أو ينسى .. مثال ما نسخ من الآيات أن الله تبارك وتعالى قد شرع لبني إسرائيل يوماً حراماً من كل أسبوع هو يوم السبت {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظ}. (النساء 154)، {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ .} (البقرة 65و66). هذا هو اليوم الحرام كان آية لبني إسرائيل فنسخها القرآن وجاء بخير منها أربعة أشهر حرم متصلة بتواصل أهلتها {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} (التوبة 36). ومثال ما نُسى من الآيات أن الله تبارك وتعالى شرع لموسى عليه السلام كما شرع لإبراهيم عليه السلام من قبل أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى.} (النجم 36-41)، نسيت هذه الآيات من بعد عيسى عليه السلام إذ جاء بعض النصارى بنظرية الذنب المغروس فقالوا إن خطيئة آدم في الجنة ظلت مغروسة في ذريته حتى أرسل الله المسيح عليه السلام ليُظلم فيكفر عن البشر بما يحتمله من الظلم فيجتث الذنب المغروس ويبرأ البشر من خطيئة أبيهم، فجاء القرآن الكريم يذكر بأن أبانا قد اجتباه الله من بعد وتاب عليه {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى . فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى . } (طه 120و122)، وأن أبانا سيسأل وحده عن ذلك كما ستسأل كل نفس بما كسبت ولا يغرس أب في ذريته من سيئة ولا يورث أب في ذريته إثماً {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (الأنعام 164)، {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُول} (الإسراء 15)، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (فاطر 18)، {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الزمر 7).

هذا هو ما ينسخ من الآيات وكيف يأت الله بخير منها وهذا هو ما ينسى من الآيات وكيف يأت الله بمثلها، وحاشا لله أن يأتي بقرآن ينسخ بعضه بعضاً وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والنسخ الذي جاءوا به إنما كان من اجتهاد البشر ولم ينزل الله به من سلطان، ويجب أن يكون مرفوضاً من البداية أن يجتهد البشر في إلغاء أحكام الله تبارك وتعالى، ولو تدبرنا كل آية يقولون أنها تنسخ آية أخرى بزعمهم لوجدنا أن لكل من الآيتين حكماً خاصاً يختلف كل الاختلاف عن حكم الآية الأخرى. مثال ذلك قوله تبارك وتعالى{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }(البقرة 240)، هذه الآية الكريمة توصي للزوج بأن تقيم في بيت زوجها الذي توفى عنها حولاً كاملاً، ولا يحل لأحد أن يخرجها قبل انقضاء الحول من بيتها وصية من لدن عزيز رحيم. ويقول تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً }(البقرة 234). وهذه الآية الكريمة تقرر عدة المرآة التي توفي عنها زوجها ورغم وضوح اختلاف الحكم في هذه الآية الكريمة عن الأخرى، فقد قالوا إن الأخيرة قد نسخت الأولى وانتهوا من ذلك إلى إلغاء حكم من أحكام الله يوصى فيه تبارك وتعالى للمرأة بحقها في الإقامة في بيت زوجها حولاً كاملاً.

وسوف نتعرض إن شاء الله لكثير من الآيات التي يقولون بتناسخها، وسوف نرى أنهم في كل مرة يقولون فيها بالتناسخ يسقطون حكماً أنزله الله لعباده بغير سلطان أتاهم.

وإنما يعنينا أن ننبه أن القول بأن ثَمَّ آية واحدة قد نسخت في الكتاب، يعني أنه يجوز للبشر أن يقرأوا حكماً من أحكام ربهم ولا يعملوا بمقتضاه. والأخطر من ذلك ما ذهب إليه بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بأحاديث ينسخ بها بعض آيات القرآن وهو لا شك قول ظاهر الفساد ومن العبث أن ننزلق إلى مناقشته أو الرد عليه. والأخطر من هذا وذاك ما يدعيه بعضهم أن قرآناً أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت في الكتاب، فهو قد نسخ تلاوة بزعمهم وبقى حكماً يجب العمل بمقتضاه من ذلك قولهم افتراء على الله – الشيخ (والشيخة) إذا زنى أحدهما فارجموهما- ألا إنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ألا وأنهم هم الذين يشككون في كتاب ربهم، إذ كيف يتسنى لمسلم أن يطمئن إلى كتاب ربه إذا تكاثر الذين يقولون بأن هناك آيات تتلى ولا يعمل بها وأن هناك آيات أخرى يعمل بها ولا تتلى، وهل مؤنث الشيخ في اللسان إلا العجوز { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخ} (هود 72)، مما يدل على أن قائله ليس عربياً على الإطلاق.

ويقولون إنما يجتهد في آيات الله من كان على علم بأسباب التنزيل وإنما أنزل الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم بإذن ربهم إلى صراط مستقيم ولنتنبه إلى خطر هذا الرأي فإننا نتلو قوله تعال {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (سورة الكوثر)، قالوا إن رجلاً من الكافرين كان يبشر بأن رسول الله لا نسل له ولسوف ينقطع ذكره إذا توفي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه السورة تبشر هذا الذي كره رسول الله بأنه هو الأبتر. وإذا قبلنا هذا التفسير وقيدنا الآية بسبب نزولها لانتهى الأمر عند هذا الحد، ولما كان قد بقى من هذه السورة الكريمة إلا إنها صفعة على وجه رجل أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن الأمر ليس كذلك بل إن هذه الآية الكريمة كغيرها من آيات الله البينات مصابيح على الطريق لا ينقضي زيتها ولا يتوقف عطاؤها إلى يوم القيامة، فالله يمن على رسوله بأنه أعطاه الكثير وأي شيء أكبر رحمة من القرآن العظيم وأي كوثر أكثر من أن يعلم الله رسوله القرآن ليعلمه الناس كافة، فصل لربك وانحر، أي وبكر بالصلاة فالصلاة هي الذكر وخير الذكر ما كان بقرآن ولكل صلاة وقتها وخليق بالذين يؤمنون بفضل الله عليهم أن يقيموا الصلاة لنحرها ولا يؤخرونها كسلاً بعد انقضاء نحرها فمن أقام الدين على تقوى من الله وعلى شريعة من كتاب الله كما أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد نال الكوثر، ومن كره ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك هو الأبتر الذي انقطع عن الهدى وعن رحمة الله في الدنيا وفي الآخرة. وأي بتر أشق على النفس في الحياة الدنيا ويوم القيامة من كافر آتته آيات الله البينات فلم يؤمن بها، وجاءه الرسول بالبينات من ربه فجحدها وتولى عنها واتبع هواه، ألا إن هذا هو البتر المبين البتر من رحمة الله وليس من النسل أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا وزينتها.

الآية من كتاب ربك تقرأها فتغنيك عمن يفسرها إذا قرأتها بفهم وتدبر وإيمان، فإذا فاتك من حكمها شيء قامت آية أخرى لتفسيرها، وآية أخرى لاستظهار حكمتها وآية أخرى للاستثناء منها إن كان ثَمَّ استثناء شاء الله أن يرخص به. كل ذلك في عقد لا ينفرط ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد في كتاب جمع فأوعى، لكل آية هدفها تصيبه ولا تفرط منه شيئاً، بل سنرى في كثير من الأحيان أن الحرف الواحد في كتاب الله يصيب من الأحكام ما لا تصيب أسفار البشر جميعاً.

البيان بالقرآن، واللسان العربي شرط لبيان القرآن، فلقد أنزل بلسان عربي مبين، وإنما يجب أن يكون اللسان مقيداً بالقرآن فإذا وجدنا في لساننا اعوجاجاً وجب تقويمه بما أثبته القرآن والاجتهاد باللسان العربي لا يقبل إلا إذا كان من الذين يتدبرون القرآن ابتغاء رحمة الله ورضوانه وهو ما يجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.

والأسوة الحسنة هي في خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وهي كذلك في خلق الأنبياء والمرسلين من قبله بل وفي خلق الملائكة والصالحين من عباد الله من الإنس والجن على سواء، وكل ذلك في الكتاب مسطور مفصل لا تبديل لكلمات الله ولن تجد لسنة الله تحويلاً. ومن أمثلة ذلك التي لا حصر لها إلا بالقرآن الكريم أنك ترى أنه لا ينبغي للمسلم أن يجتهد مجازاً وأن يحكم في الأمور بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، والمسلم يقتدي في ذلك بالملائكة عندما ما سألهم الله تبارك وتعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم .} (البقرة 31و32)، هؤلاء هم الملائكة يسألون عمّا لا علم لهم به فيقولون : {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } ، وهو ما ينبغي للمسلم أن يقتدي به فيسمو بنفسه إلى الدرجات العلا ولا ينبغي له أن يكون كالذي وصف سفينة نوح عليه السلام تفصيلاً بغير علم وأطلق الأسماء جزافاً على الملائكة وأزواج الأنبياء والمرسلين بغير برهان له من الله بل إنه اجتهد لزوج أبيه آدم عليهما السلام اسماً ما أنزل الله به من سلطان، وأصبح بذلك كالحيران الذي يدرأ عن نفسه الجهل بالعلم بغير علم كأولئك الذين حذر الله من الإقتداء بهم ممن اختلفوا على عدد الفتية الصالحين من أهل الكهف وما كان عليهم من حرج لو أنهم قالوا لا علم لنا إلا ما علمنا ربنا إنك أنت علام الغيوب فخاضوا في التفصيلات التي لا جدوى من ورائها حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً. وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً. إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَب َ مِنْ هَذَا رَشَداً } (الكهف 22-24).

ومن القدوة الحسنة المستنبطة من الذكر الحكيم أن الخير للمسلم كل الخير في الصبر والقنوت لله تبارك وتعالى وأعظم ما يقتدى في ذلك بما كان من مواقف الأنبياء والصالحين كمثل إبراهيم وابنه عليهما السلام { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . } (الصافات 101-107) يبين الله القدوة الحسنة بهذا المشهد العظيم ويكشف نقيضه في مواقف قوم موسى من ذبح بقرة { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ. } (البقرة 67-71).

وإنه لا يأس من روح الله وإنه المستعان على أمره بذكره وغفرانه ومن القدوة الحسنة في ذلك ما كان من ذي النون عليه السلام التقمه الحوت فلم ييأس من روح ربه فظل يسبحه ويستغفره وهو في بطنه { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ . فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ . } (الصافات 139-148)

والله تبارك وتعالى يحذر من الضعف أمام الشدائد ويدعو عباده الصالحين إلى الصبر والجلد ليظفروا بثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة فيضرب الأمثال من مواقف الأنبياء والصالحين، ويكشف عن تخاذل الناس في مواجهة الأحداث بقوله تبارك وتعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .} (الحج 11). وكذلك تستخلص القدوة الحسنة من الكتاب ويستنبط نقيضها من الكتاب بما لا يدع للمجتهد في الدين سبيلاً لمجاوزة القرآن أو البحث فيما وراءه أو الاهتداء بغيره أبداً.

وإنه ينبغي للمسلم أن يعتزل قومه إذا هم ضلوا السبيل وخشى الفتنة على نفسه ومن القدوة الحسنة في ذلك ما كان من الفتية الصالحين أهل الكهف { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً . فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً . ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً . نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً . هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً ً.} (الكهف 10-16).

هذه هي القدوة الحسنة التي ينبغي أن تستنبط من عمل الصالحين إذا عم الفساد وطغى الباطل وأظلمت الدنيا. الهجرة واعتزال الفتنة فراراً بدين الله ابتغاء مرضاته وطمعاً في رحمته – أما أولئك الذين يؤثرون معايشة الفتنة والخلود إلى الأرض والذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة فقد ضرب الله لهم مثلاً قوم فرعون : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ . وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ . فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ . وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ . فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ . } (الزخرف 46-56). ثم إنك لتجد القدوة الحسنة من مواقف الصالحين من الجن لما سمعوا الذكر يتلى عليهم : { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .} (الأحقاف 29-31).

هكذا تستنبط القدوة الحسنة من عمل الملائكة والأنبياء كافة والصالحين من عباد الله من الجن والإنس، ثم هي من بعد ترسل ظلالاً قاتمة على نقيضها من العمل السيئ فتبغضه إلى النفس وتحذر من سوء عاقبته تحذيراً شديداً. وإذ نبحث عن نقيض موقف هؤلاء الصالحين من الجن الذين تلقوا الدعوة فآمنوا بها وانطلقوا إلى قومهم بالإيمان يدعونهم إلى الحق نجد في القرآن ذلك المشهد الرهيب الذي قبله أمرؤ تعس رضى لنفسه أن يواجه ربه وحيداً شاهداً على نفسه بالضلالة : { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً . سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً .‏ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ .ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. } (المدثر 11-30).

القرآن الكريم حجة الله البالغة، الحجة الباقية الخالدة، لا تبديل لكلمات الله ولن تجد لسنة الله تحويلاً. ولا ريب أن المصاحف التي بين أيدينا هي كتاب الله الذي أنزله على رسوله من دون الناس كافة ليبينه للناس كافة { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . }(النحل 44).

ولا ريب كذلك أن القرآن لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وحسب بل أنزل قولاً وترتيباً وتشكيلاً سورة بعد سورة وآية بعد آية وكلمة بعد كلمة وحرفاً بعد حرف، تماماً كالذي بين أيدينا اليوم وغداً وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وما من ريب أيضاً أنه هو صلى الله عليه وسلم الذي اؤتمن وحده على الذكر ليبينه للناس كافة فقد أشرف على تدوينه وبيان تشكيله وترتيبه حتى تكاملت رسالته بنزول آخر آية أوحى إليه بها مرتبة في موضعها تماماً على ما أراده الله لها. كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب، الله سبحانه يصف كتابه العزيز فيما يصفه به بقولـه { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} (الطارق 13، 14)، ولذلك فإنه لم يكن من الهزل وحاشا أن يكون هزلاً أن يقول الله وقوله الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق } (العلق 1)، يكفي أن يقول الله تعالى لنبيه "إقرأ" ليكون الرسول قارئاً وكاتباً، ثم يقول تبارك وتعالى { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } (العلق 3، 4) فالله لا يُعلِّم إلا بالقلم. وكان حرياً ألا يُعلِّم رسوله الذي أرسله ليعلم البشر كافة إلا بالقلم. وإذن فماذا يستفاد من قوله تعالى { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } (العنكبوت 48).

لا يستفاد من ذلك أن الرسول لا يقرأ ولا يكتب، وما كان ذلك ليعني شيئاً من المعنى الكبير الذي تشير إليه هذه الآية الكريمة، لأن الملايين من البشر التي تقرأ وتكتب بل التي برزت في الكتابة والقراءة من قبله ومن بعده لم يأتوا، ولن يأتوا ولم يزعم أحد منهم بالغاً ما بلغت فصاحته وفقهه في الكتابة أو في القراءة أن يأتي بمثله أو بشيء منه قل أو كثر. ولكن الذي يستفاد من ذلك أنه صلى الله عليه لم يكن يشتغل بالكتابة ولم يكن ينكب على قراءة الكتب، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يتتلمذ على كتب ينكب على قراءتها ولم يكن يعلم بكتب يكتبها بيده الشريفة كما كان يفعل بعض علماء بني إسرائيل الذين كانوا ينكبون على قراءة الكتب ثم يكتبونها بأيديهم ليخرجوا بها على الناس حتى وصل الأمر ببعضهم إلى دمج بعض ما كانوا يكتبونه بأيديهم في كتبهم لتدرس باعتبارها كتباً مقدسة.

وما الذي يستفاد من قوله تعالى { فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ } (الأعراف 58)، لا يستفاد من ذلك أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب وإنما يستفاد من ذلك أنه كان بشراً من الأمة لا ينتمي إلى يهود أو نصارى يستخلص ذلك من قوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } (آل عمران 75)، والأميون في هذه الآية الكريمة هم الذين لا ينتمون إلى يهودية أو نصرانية في رأي بعض أهل الكتاب هؤلاء وكان منهم محمد بن عبد الله نبياً أميناً من الأمة التي لا تنتمي إلى يهودية ولا إلى نصرانية. يؤكد ذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ } (الجمعة 2).

ولقد كانت للقراءة والكتابة مكانتها في مكة المكرمة التي ولد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فيها ونشأ بها، والدليل على ذلك أن الجيد من الشعر كان يدون بماء الذهب ويعلق على أسمى مكان في هذا البلد الأمين على الكعبة أي أن هؤلاء القوم يكتبون جيداً لقوم يعرفون القراءة جيداً. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كان عليه من فطنة وذكاء قد خرج من أهل هذا البلد الأمين بل من أشرف أهلها قاطبة فإنه يجب أن يرفض رفضاً قاطعاً أنه صلى الله عليه وسلم قد لبث فيهم أربعين سنة لا يقرأ مما يكتبونه شيئاً.

جاء في كتاب (نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي) للدكتور علي حسن عبد القادر عميد كلية الشريعة بالأزهر : (وقد ورد في القرآن وصفه صلى الله عليه وسلم بالنبي الأمي وشرح المفسرون ذلك بعدم القراءة والكتابة، ولكننا لو تتبعنا آيات القرآن بقطع النظر عن ذلك، وقارناها بعضها ببعض فإننا نرى أن المراد بالأمي ما يقابل أهل الكتاب الذين يحوزون الكتب المقدسة ويعرفونها، فالمراد بذلك على ما يظهر أن الرسول لم يكن له علم بهذه الكتب ولم يتلق منها، وإنما جاءه العلم عن وحي من الله). وجاء في كتاب (مقاصد الشريعة الإسلامية) لفضيلة الشيخ علال الفاسي قوله رحمه الله : (وأما النبي الأمي فهي نسبة إلى الأمة، فالأميون هم الأمم الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منهم).

وهذا ينتهي بنا إلى القول بأن القرآن كان يدون فور نزوله تحت إشرافه صلى الله عليه وسلم حتى تكامل بسوره وآياته وكلماته وأحرفه مرتباً ومشكلاً بما نعهده بين أيدينا بفضل من الله ورحمة من لدنه اليوم وغداً وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وباستقراء المصاحف القديمة ومنها مصاحف ترجع إلى ما يزيد على ألف سنة سواء ما كان منها مخطوطاً أم مطبوعاً وهي كثر محفوظة في الآستانة وفي الشام وفي مصر وفي متاحف فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا وغيرها إذا قرأنا هذه المصاحف جميعاً لوجدناها لا تختلف عن المصاحف التي بين أيدينا في شيء سواء من حيث ترتيبها سورة بعد سورة آية بعد آية، كملة بعد كلمة، وحرفاً بعد حرف، أو من حيث تشكيلها أو طريقة كتابتها. ولهذا دلالة كبرى من حيث وحدة المصدر الذي نسخت عنه هذه المصاحف جميعاً من ناحية ومن حيث أن المصحف الذي بين أيدينا لم يصل إلينا إلا بطريق النقل المسطري مصحفاً عن مصحف برسم ما فيه على ما هو عليه ابتداء بالمصحف الأول الذي دون بأعين الرسول عليه الصلاة والسلام وانتهاء بآخر مصحف يطبع أو ينسخ قبل أن يرث الله الأرض ومن عليها..

وحدة الشكل في المصاحف من ألف عام تدل على وحدة المصدر وقوة هذا المصدر وليس أقوى من مصحف الرسول الذي دون تحت إشرافه وهو الذي كان يتلقاه وحده من دون العالمين جميعاً. وكذلك فإن وحدة الشكل في المصاحف من ألف عام تدل على أن تدوين المصحف لم يكن إلا بطريق النقل المسطري مصحفاً عن مصحف وليس جمعاً من الحفظة أو باجتهاد من البشر.

ويستبعد أن يكون عثمان بن عفان رضي الله عنه قد فعل أكثر من تدوين عدة مصاحف عن الأصل الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم لتوزيعها على الولاة في الأمصار بعد أن اتسعت رقعة الإسلام. المرفوض عقلاً ومنطقاً أن يغيب جمع القرآن في مصحف محفوظ عن أبي بكر الصديق، وعن ابن الخطاب رضي الله عنهما، بل إن المرفوض كل الرفض أن يغيب ذلك عن فطنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه ومن قبل ومن بعد فإن الله تبارك وتعالى ما كان ليدع كتابه في عقول البشر وبين متاعهم غير مدون تدويناً كاملاً بحرفه وبشكله حتى يأتي زمان عثمان رضي الله عنه ليستدرك ذلك في غيبة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.

وهكذا تحددت أعظم رسالة يمكن أن يؤتمن عليها بشر ببيان القرآن الذي أوحى إلى رسول الله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 44) وبيان التنزيل ينبغي أن يفسر من القرآن ذاته قبل الرجوع إلى القواميس العربية أو غيرها والله يقول : { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } (آل عمران 187)، فورد البيان في هذه الآية الكريمة بمعنى الإفصاح عنه ونشره بمفهوم مخالفة الكتمان.

ومن العجب أنك لا تجد حتى الذين كفروا برسالته صلى الله عليه وسلم يشهدون أنه لم يكن يقرأ أو يكتب شيئاً، كذبوه في كثير ولم يستطع أحد منهم أن ينكر عليه العلم بالقراءة والكتابة، فلنتلو شهادة هؤلاء كما أثبتها الله عز وجل في كتابه، فهي شهادة بأمر مادي ملموس لا سبيل إلى نكرانه أو الكفر به : { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيل} (الفرقان 5)، فهو صلى الله عليه وسلم كان يكتتب القرآن حيث يملى عليه ولم يكن هو الذي يمليه ليكتتبه غيره، وهذه الشهادة وإن كانت تنكر الوحي إلا أنها تعترف له بالإلمام بالقراءة والكتابة.

قد يتساءل البعض وما جدوى البحث عما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ أو لا يقرأ؟ إن أهمية الإجابة على هذا السؤال والتسليم المطلق بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ويكتب والتصميم على أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي دون القرآن أو أشرف على تدوينه بالإبداع كله الذي نراه ونؤمن به فيما نقرأ من المصاحف التي بين أيدينا ينتهي إلى نتيجة حاسمة وهي أن تدوين القرآن لم يكن كتدوين غيره، وأن الشك فيما وصل إلينا من أحاديث وروايات وأساطير من التاريخ لا يرقى وليس له أبداً أن يرقى إلى القرآن من سبيل. فشتان شتان بين مصحف كان يدون على عينيه صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى وهو الذي علمه شديد القوى وهو الذي عاش حياته على هدى من ربه معصوماً من الناس يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، شتان شتان بين هذا وبين ما دونه الناس من بعده صلى الله عليه وسلم من الصالحين وغير الصالحين أذناً عن لسان أو قلماً عن كتاب من الأحاديث والروايات والأساطير.

{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً . وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً. الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً .} (الفرقان 30-34).

وكذلك يحفظ الله كتابه للعالمين قولاً وترتيباً وتشكيلاً وتفسيراً، وكان الناس وما يزالون يتناقلونه رسماً عن رسم بما فيه على ما هو عليه، فإن أخطأوا في حرف واحد أو تشكيل حرف واحد وجدت الدنيا تلهث وراء ما أفلت من الخطأ حتى يستقيم الحرف على أمر ربه فضلاً من الله ورحمة { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ .} (يونس 59، 58).

جاء في صحيح مسلم ج8 ص 229 عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ومن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار)، وأنه قال : (لا تتخذوا الأحاديث كراريس ككراريس المصاحف). يستنبط من ذلك أنه ينبغي للذين يدافعون عن رواية الأحاديث أن يعلموا أن القرآن كان يدون في الكراريس بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تدويناً فور نزوله، وأنه قد أمر بألا يكتب عنه غير القرآن.

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرشد كتبة الوحي بقوله : (ألق الدواة- أي أصلح مدادها- وحَرفِ القلم، وانصب الياء وفرق السين ولا تعور الميم – أي لا تطمسها – وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم) فهل تصدر مثل هذه النصائح عمن لا يعرف القراءة والكتابة، أولم يكن يشرف بنفسه على تدوين القرآن؟!.

وينقل ابن المبارك صاحب (الإبريز) عن شيخه عبد العزيز الدباغ قوله : (رسم القرآن آية من آيات الله المشاهدة) وروى أنه سأل شيخه هل رسم الواو بدل الألف في الصلاة والزكاة والحياة، وزيادة الواو في سأوريكم وأولئك وأولات والياء في هديهم وملائه، هل هذا كله صادر من النبي صلى الله عليه وسلم أم من الصحابة؟ فيجيب الشيخ الدباغ بأنه صادر من النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا وما زادوا على ما سمعوه.

ويقول أبو البقاء صاحب (اللباب) : ذهب جماعة من أهل (اللغة) إلى كتابة الكلمة على لفظها، إلا في خط المصحف فإنهم اتبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام والعمل على الأول.

وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن تدوين المصحف لم يكن أبداً كتدوين غيره، بل كان وما يزال ينقل نقلاً مسطرياً مصحفاً عن مصحف، بحسب ما نجده في الإمام والعمل على الأول الذي تم تدوينه على أعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون للمؤمنين إماماً وهدى ورحمة وشفاء حتى يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها.

ورد في البخاري عن أبي هريرة أنه قال : (خرج علينا رسول الله ونحن نكتب الأحاديث، فقال : ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا : أحاديث نسمعها منك، فقال : كتاب غير كتاب الله؟! أتدرون؟ ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله، قلنا : أنحدث عنك يا رسول الله؟ قال : حدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ويرى الدكتور يوسف خليف في كتابه (دراسات في القرآن والحديث، مكتبة غريب بالقاهرة، سنة 1981) أن النهي عن كتابة الحديث لم ينسخه ما روى عنه من أحاديث إلاباحة، فلو كان الأمر كذلك لما تردد الصحابة في كتابة الحديث بعد وفاته ولرأينا من بينهم من يقوم بجمعه وتدوينه، ولكن الذي حدث أن الصحابة ظلوا حريصين على عدم كتابة الحديث وظلت حجتهم في ذلك أن النبي كان ينهى عن كتابته (صفحة 156) ويضيف إلى ما تقدم أن عمر بن عبد العزيز (99-101 هـ) كان أول من أمر بتدوين الحديث، ورغم أن هذا الأمر قد أزال الحرج الذي كان عالقاً بنفوس العلماء، وعلى الرغم من أن هذه المحاولة مهدت الطريق وفتحت الباب أمامهم، إلا أن أول محاولة ثابتة من محاولات جمع الحديث وتدوينه هي المحاولة التي قام بها محمد بن شهاب المتوفي سنة 124 هـ، والظاهر أنه أقدم على هذه المحاولة مكرهاً، فهو يقول فيما يرويه عنه إبن سعد في كتاب الطبقات الكبير : كنا نكره كتابة الحديث حتى أكرهنا عليه بعض أولئك الأمراء !! (المرجع السابق صفحة 166، نقلاً عن طبقات ابن سعد، الجزء الثاني، القسم الثاني، صفحة 35).

ورواد الحديث الأوائل هم : عبد الملك بن جُرَيْج في مكة توفي سنة 150هـ، محمد بن إسحق في المدينة توفي سنة 151هـ، مَعْمَر بن راشد في اليمن توفي سنة 153 هـ، الأوزاعي في الشام توفي سنة 156 هـ، سفيان الثوري في الكوفة توفي سنة 161 هـ، الليث بن سعد في مصر، توفي سنة 175 هـ، حماد بن سلمة بن دينار في البصرة توفي سنة 176 هـ. مالك بن أنس في المدينة توفي سنة 179هـ.

ولم تصل إلينا من كل هذه المحاولات إلا الموطأ للإمام مالك بن أنس الأصحبي نسبة إلى ذي أصْبح وهي قبيلة يمنية، وجاء في شرح الزرقاني على الموطأ أنه مات على الموطأ وفيه نيف وألف حديث، ونعلم أن البخاري قد توفي بعد ذلك في سنة 256 هـ، فكيف تسنى له جمع 2761 حديث حسبما حققه الحافظ بن حجر في مقدمته لشرح البخاري المعروف بفتح الباري، علماً بأننا إذا أضفنا الأحاديث المكررة واختلاف الروايات بلغت 9082 حديث !!؟. وإذا تدبرنا القرآن لوجدناه آيات بينات : { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ } (الحج 16). وإنما هي آيات بينات بآيات مبينات { لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (النور 46) وهكذا فإن القرآن آيات بينات وآيات مبينات الواحدة تكشف عن الأخرى وتفسرها أحسن تفسير وعداً من عند الله صدقاً وعدلاً. { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (الأنفال 33).

وسوف نلتزم في هذه الدراسة غاية واحدة هي إقامة الدليل مرة بعد أخرى على أن القرآن هو بيان القرآن وهو تفسيره، وأنه لا بيان للقرآن إلا بالقرآن ولا تفسير له إلا به. وإنما يعنينا أن نقف قليلاً عند قوله تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } (الزمر 23).

كتاب متشابه، غير ذي عوج، على مستوى واحد، لا يختلف من القوة أو الضعف فكله سواء وعلى أعلى مستوى يؤلف به الكلام من الحروف، وعلى نحو لا يستطيعه البشر مجتمعون. ولا تجد كتاباً يتشابه في قوته وفي حكمته وفي معانيه وصياغاته ودلالاته وإحاطته الكاملة بكل شيء إلا القرآن، ولو أننا درسنا أحسن كتاب لأحسن كاتب لوجدناه يبدأ ضعيفاً ثم يزداد قوة يوماً بعد يوم وهو لا يكاد ينجو من سقطة ضعف من حين إلى حين حتى يصل إلى قمة يقف فوقها قزماً ضئيلاً غاية الضآلة تافهاً حقيراً غاية الحقارة عاجزاً ذليلاً غاية الذل أمام آية واحدة من آيات القرآن.

مثاني، يحيط بالشيء وضده، فتجد بياناً مفصلاً للإيمان والكفر، للصالح والفاسد، للعدل والظلم، للخير والشر، للحياة والموت، للذكر والأنثى، للثواب والعقاب، للقوة والضعف، للجهاد والقعود، للزكاة والبخل، للأصل والاستثناء، وهكذا فإنك تقرأ الشيء كل شيء وبيان ضده مفصلاً ومفسراً وميسراً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

الله سبحانه وتعالى من رحمته علم القرآن هدى وشفاء، فمن اتبع هداه فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكاً، ذلك حكم الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. فهل يقبل الاعتذار بجهل القرآن : {حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ .} (النحل 84-85)، إنسان كرمه ربه بالذكر فأعرض عن ذكره وارتضى أن يعيش أعمى يتخبط في الظلمات تتقاذفه الأهواء هو ولا شك إنسان ظالم لا حجة له عند ربه وتراه في الآية يستوي وهو ومن يكذب بآيات الله.

قد يعتذر جاهل بأنه كان مشغولاً عن الذكر بشؤونه في الحياة الدنيا : { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً . بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً .} (الفتح 11و12). لا يقبل هذا العذر لتبرير القعود عن القتال في سبيل الله، وهو من باب أولى عذر مرفوض لتبرير الجهل بآيات الله البينات التي لا يستقيم أمر في الحياة الدنيا بغيرها، فالله سبحانه بيده الخير هو الذي يبارك في المال وفي الأهل وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، ولا ينبغي لأولى النهي أن تشغلهم الدنيا عن الآخرة.

وقد يجتهد قوم في دراسة الذكر باتباع آخرين درسوا الكتاب نيابة عنهم، فهم يُهرعون إلى ما يكتبونه في كراريسهم ويتهافتون على حلقات دروسهم، وقد يتلقون عنهم الضلالة دون أن يدرسوا الكتاب بعقولهم أو يمحصوه بأفهامهم أو يجتهدوا في تحصيله بأنفسهم فيقولون لك قال سيدنا فلان فاتبعناه وتلك هي الوصاية المرفوضة ولا يقبل الاعتذار بها يوم القيامة : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً .} (الأحزاب 66-71).

من رحمة الله تبارك وتعالى ومن تكريمه لبني آدم أنه لم يجعل لأحد وصاية على أحد ولم يجعل أحداً تبعاً لأحد في دين الحق، كل الناس عباد الله وهم أحرار في أن يختاروا لأنفسهم ما يشاؤون وحتى يكونوا أحراراً في اختيارهم فإنه يحذرهم بأنه لن يقبل منهم الاعتذار لا بالوصاية ولا بالتبعية { وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } (إبراهيم 21). { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ .} (غافر 47، 48).

لم يبعث الله أوصياء ولا جبارين في الأرض ليتبعهم الناس كرهاً، بل بعث رسلاً يدعون إليه بالحسنى مبشرين ومنذرين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. الإنسان الحر الذي كرمه الله لا يقبل التبعية ولا الوصاية في دين الله، بل يستمع القول فيتبع أحسنه إيماناً واقتناعاً لا انقياداً ولا انصياعاً. أما الذين تبهرهم الوصاية ويخضعون للتبعية في دين الله فتتعطل أفئدتهم وتفسد عقولهم وتتحجر قلوبهم فلا يستطيعون السمع ولا يبصرون فهؤلاء مثلهم كمثل قوم شعيب عليه السلام { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } (هود 91).

وقد يحتج آخرون بما كان عليه السلف، فتجد أخراهم على آثار أولاهم يُهرعون بهذه الدعوة ويدعمونها بأن هذا السلف كان صالحاً وكان عالماً وكان أكثر منهم تفرغاً للبحث والتحصيل، وقد يكون كل ذلك صحيحاً ولكن الأمر الذي لا ينهض دليل عليه أن الذين نقلوا عن السلف الصالح كانوا أمناء فيما نقلوه إلينا عنهم، ونحن نرى العلماء يشهدون اليوم بأن كثيرين قد كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل أظهر دليل على ذلك ما يروى عن البخاري أنه أسقط مئات الألوف من الأحاديث التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم فما بالهم لا يكذبون على السلف الصالح رضى الله عنهم. وسط هذه الظلمات الحالكة لا تصمد إلا حقيقة واحدة لا شك فيها هي كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

بقى بعد ذلك أن يحتج الناس بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض وهي كذلك حجة داحضة إلا من رحم ربي : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً . إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً . } (النساء 97-99).

هذه هي دعوة الله في الأرض: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(ص 29)، دعوة خالصة للبشر جميعاً على سواء، لا وصاية فيها لأحد ولا تبعية فيها إلا بالحق، لا يقبل الاعتذار بجهلها أو الإعراض عنها، ذلك بأن الله سبحانه قد شاء لك أن تشاء لنفسك ما تشاء { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }(الشورى 10)، وما شاء الله لك من شيء إلا بحكمه في الكتاب مفصلاً.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home