Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 5 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (1)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الإهـداء

إلى فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى ..
إلى الذين اعتزلوا قومهم ابتغاء رحمة الله ..
سلام عليهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض
لن ندعو من دونه إله لقد قلنا إذاً شططاً ..
سلام عليهم إذ قالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيأ لنا من أمرنا رشداً ..



مقدمـــة
الطبعة الثانية

عندما صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب لم أكن أتوقع أن أُتَّهم بإنكار السنة ورد علم السلف الصالح من السابقين الأولين، فقد كنت استنبط السنة الصحيحة من القرآن الكريم وأتتبع عمل الصالحين الأولين من آياته البينات التي أنزلت من لدن حكيم خبير تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء. كنت أتوقع أن يقال لي أني أخطأت فهم آية معينة، أو أن استنباطي لهذه الآية لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهيت إليها، أو أن أقارع حجة بحجة ودليلاً بدليل من القرآن الكريم الذي أجمع الفقهاء على أنه الدليل اليقيني الوحيد في الدين، وعلى أن كل ما عداه هو الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً. وأحمد الله سبحانه وتعالى- بعد سنين طويلة من نشر هذا الكتاب- أنه لم يعترض عليه من أحد إلا قلة من طبقة الوعاظ الذين احترفوا الدين من الذين أقاموا أنفسهم أوصياء على دين لا وصاية فيه لأحد من بعد الرسول ويكفي أنه لم تعترض على كتابي حكومة إسلامية واحدة ولا جامعة إسلامية واحدة.

وهل أنكرت إلا حديثاً يتعارض مع نصوص القرآن!؟ أم هل أنكرت إلا رواية ساقطة لا تليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بأزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا بصحابته الأبرار رحمهم الله جميعاً!؟، وهل فعلت إلا ما فعل الإمام يحيى القطان رحمه الله لما سأله الناس : ألا تخشى أن يكون هؤلاء الذين ترد حديثهم خصمك يوم القيامة؟ قال رحمه الله : لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إليّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي : لِم لَم تَذُبَّ الكذبَ عن حديثي!؟.

وهل كنت بدعاً من الفقه!؟، يقول جلال الدين السيوطي في كتابه (الآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) الجزء الثاني، صفحة 468، (إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً)، ويقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه (قذائف الحق)، صفحة 102، (يكون الحديث صحيحاً إذا لم تكن فيه علة قادحة، فإذا بدت علة في سنده أو متنه تلاشت صحته ولا حرج، وأئمة الفقه بنوا اجتهادهم على هذا النظر الصائب، فأبوحنيفة مثلاً رفض أن يُترك المسلم إذا قتل كافراً دون قِصاص، وتجاوز حديث البخاري في ذلك-لا يقتل مسلم في كافر- واعتمد في مذهبه على آية النفس بالنفس). وجاء في كتاب (مالك حياته وعصره) للشيخ محمد أبي زهرة، دار الفكر العربي، صفحة 277، (وقال الشاطبي : الظني المعارض لأصل قطعي ولا يشهد له أصل قطعي مردود بلا إشكال، ومن الدليل على ذلك أمران أحدهما أنه مخالف لأصول الشريعة، ومخالف أصولها لا يصح لأنه ليس منها، والثاني أنه ليس له ما يشهد بصحته وما هو كذلك فإنه ساقط الاعتبار، وهذا على ضربين أن تكون مخالفته للأصل قطعية، فلا بد من رده، والآخر أن تكون -هذه المخالفة- ظنية وفي هذا الوضع مجال المجتهدين، والثابت بالجملة أن مخالفة الظني لأصل قطعي يسقط اعتبار الظني على الإطلاق، وهو مما لا يختلف فيه). وعلى هذا فتوى الأزهر الشريف الصادرة بتاريخ 1-2-1990 التي نصت على أن : (خبر الواحد لا يفيد اليقين ولا فرق في ذلك بين أحاديث الصحيحين أو غيرهما، والإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا بالدليل اليقيني قطعي الثبوت وهذا بالنسبة للسنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث إنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم، وعلى هذا فمن أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم فهو منكر لشيء إختلف فيه الأئمة ولا يُعدُّ مما عُلِم بالضرورة وعلى هذا فلا يُعدُّ كافراً).

أم أنهم أغلقوا باب الاجتهاد!؟ ونقول بادئ الرأي مع الدكتور عبد الله الخليفة في كتابه القيم (لماذا القرآن) : (إن كلمة الاجتهاد بمعناها الاصطلاحي من مبتكرات العصر العباسي، والاصطلاح المماثل في القرآن هو (التدبر) ومعناه أن يظل القارئ للقرآن خلف الآية يتتبعها في القرآن حتى يستوعب المراد، لأن القرآن مثاني وفيه التشابه وتكرار المعاني وتفصيلها، وآياته يفسر بعضها بعضاً، لذا فإن الأمر بتدبر القرآن يشير إلى هذه الحقيقة فيقول تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} . (النساء 82) والتدبر عمل عقلي فكري يقوم به قارئ القرآن متحصناً بآياته البينات التي تحث على التفكر والتعقل والنظر والعلم والتفقه، أما الجهد فقد يكون عملاً عضلياً، لذلك فإن أسلوب القرآن أسمى وأرقى وأدق من اختراع العصر العباسي الذي لا يزال مسيطراً على تفكيرنا حتى الآن).

ومع ذلك فقد اتفق المؤرخون على أن المستعصم العباسي هو أول من أغلق باب (الاجتهاد) ذلك بأنه طلب من وزيره أن يأمر علماء الفقه في المدرسة المستنصرية أن يقصروا دروسهم على أقوال من سبقهم من الأئمة، ولا يدرسوا لتلاميذهم شيئاً من (اجتهاداتهم) فدعاهم الوزير وأنبأهم بأمر المستعصم هذا؛ فأما جمال الدين الجوزي فقال إنه على هذا الرأي، وأما الشرمساحي فقال إنه إنما يرتب المسائل الخلافية دون أن يعلق عليها، وأما شهاب الدين الزنجاني وعبد الرحمن اللمغاني فقالا قولهما المشهور: إن المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال، رفع الوزير مقالات هؤلاء العلماء إلى سيده المستعصم فدعاهم إليه مصراً على ما أمرهم به فأطاعوه وظلوا منذ ذلك اليوم البئيس يتمذهبون بمشايخهم كل حزب بما لديهم فرحون.

لم تعد المدرسة المستنصرية كما كانت من قبل جامعة تتدبر الفقه بحرية مطلقة، وأصبحت أربع مدارس مذهبية لا تحيد كل منها عن المذهب الذي تلتزمه وتلقنه دون أن تضيف إليه أو تعدل عنه، ويحفظه التلاميذ دون أن يكون لهم حق تدبره أو البحث عن أصوله أو التحقق من مصادره، وكانوا من قبل لا يعرفون لأبي حنيفة ولا لمالك ولا لابن حنبل ولا للشافعي مذهباً، وإنما يعرفون لهم آراء في الفقه الإسلامي يأخذ بها بعض العلماء من بعدهم أو يردونها أو يضيفون عليها بحرية كاملة حتى ألزمهم بها هذا المستعصم لحاجة في نفسه الله أعلم بها، ربما كانت حاجة سياسية، ولكنها لم تكن أبداً من الدين في شيء، حتى لقي المستعصم مصرعه بيد التتار سنة 656هـ.

لم يكن غلق باب (الاجتهاد) قراراً فقهياً ولا لضرورة علمية ولا لمقتضيات دينية، ويؤكد الأئمة ذلك بمقولاتهم الباقية : قال أبو حنيفة (كلامُنا هذا رأي فمن كان لديه خير منه فليأت به)، وقال مالك: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فاعرضوا أقوالي على كتاب الله وسنة رسوله)، وقال الشافعي: (إذا صح الحديث فاضربوا بأقوالي عرض الحائط)، وقال ابن حنبل: (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي وتعلم كما تعلمنا)، وقال ابن الجوزي ( في التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق للتدبر والتأمل وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلام).

ويروي لنا تاج الدين المتوفي سنة 771هـ في كتابه (جمع الجوامع) أن الشيخ أبا زرعة سأل أستاذه البلقيني عن الشيخ تقي الدين السبكي كيف يقلد وقد استكمل آلة (الاجتهاد) فسكت عنه، ثم قال : ما عندي أنه إمتنع عن (الاجتهاد) إلا للوظائف التي تجري على فقهاء المذاهب الأربعة، وأن من خرج على ذلك واجتهد لم ينله شيء وحرم ولاية القضاء وامتنع الناس عن استفتائه ونسب إلى البدعة، فتبسم أستاذه البلقيني ووافقه على ذلك. وكذلك فقد ترى أن أمر المستعصم قد استفحل في الأمة فلم يمض قرن على مهلكه وزوال دولته وحرق عاصمة ملكه بما فيها من الكتب والنفائس، حتى أصبح الناس من بعده يكافؤن المقلدين المتمذهبين ويعاقبون العلماء والمفكرين وينسبونهم إلى البدعة، ثم أصبحوا اليوم يكفرونهم ويلعنونهم من فوق منابر المساجد ويسوقونهم إلى المحاكم بدعوى (الحسبة) الخاطئة.

السياسة بالدين لا تقبل الحوار وترفض الجدل وتضيق ذرعاً بالمفكرين وتريد الأمة على أثرها تؤمر فتطيع وتنهى فترتدع بلا رأي ولا وعي إلا ما يرى المشايخ ومن حولهم من المتمذهبين في شيعهم ظلماً وعلواً بغير الحق، أما أهل السنة من المفكرين فلا يعرفون التمذهب والشقاق ولا يلبسون الدين بالسياسة ولا يرون الإيمان إلا بالرأي والعلم والفكر حتى قال نظام الدين النيسابوري رحمه الله في تفسيره (غرائب القرآن ورغائب الفرقان) : إنك إذا قلدت الحق بغير وعي أو فهم لكنت ممن يتبع الظن والتخمين فتصبح من الذين قال الله فيهم { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . } (الأعراف 33).

إن المستعصم ومن سار على نهجه من الملوك وفقهاء الملوك، قد فعلوا منكراً في دين الله، وأحدثوا في سنة رسوله ما ليس منها، وخالفوا أقوال الأئمة أنفسهم بتقنين آرائهم وغلق باب (الاجتهاد) عليهم، وأرادوا أمة تختلف فيما بينها باختلاف مذاهبها وتتمزق من داخلها وتذهب ريحها، ولا ندري إن كان ذلك من رأي المستعصم أم بوسوسة من وزيره ابن العلقمي الذي كان عيناً للتتار في بلاطه يبصرهم بضعف الجيش العباسي ويدعوهم إلى غزو العراق، ولكن الثابت من التاريخ أن وزارة ابن العلقمي وخضوع العلماء للمستعصم، بالإضافة إلى ما كان بين الشيعة والسنة من الحروب والضغائن، قد مهد السبيل إلى نكبة التتار وما تبع ذلك من هلاك العلم والعلماء والأمة جميعاً.

لقد أُشرب المقلدون التمذهب في قلوبهم فأصبحوا لا يرون إلا كما يرى كبيرهم الكرخي الذي تمذهب في أبي حنيفة إذ يقول : (كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ) إن هذا الكرخي قد جعل رأيه ورأي أصحابه في هذا المذهب مهيمناً على القرآن وعلى الحديث يؤولونه أو ينسخونه كيف يشاؤون، وإذاً فهي أهواء المتمذهبين وليست السنة ولا دين الله الذي يبغون، ولو أنهم أرادوا الله ورسوله لوجدوا القرآن مهيمنا على كل كتاب وعلى كل حديث.

إن الذين اشربوا في قلوبهم التمذهب كالذين اشربوا في قلوبهم العجل من بني إسرائيل لا يعدلون عن تقديس الرجال، وأوضح مثل على ذلك أن فضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله شيخ الأزهر الشريف نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 17-12-1967 مقالاً يدعو فيه إلى حرية (الاجتهاد) وعدم الجمود على تقليد العلماء الأقدمين، فماذا بعد دعوة شيخ من شيوخ الأزهر الشريف له مثل هذا الشأن الجليل!؟ وكم كان جميلاً لو تتابعت المقالات على هذا النهج القويم!؟، ولكن ما أسرع المقلدين المتمذهبين وأقدرهم على إطفاء مشاعل الحرية وشموع الفكر المستنير!؟، لم يمض أسبوع واحد حتى أطل شيخ من المقلدين بمقالة السوء في نفس الجريدة بتاريخ 24-12-1967، يسفه بها مقالة شيخه وسيده وأستاذه ويعيب عليه ما جاء فيه من (تجريح قاسِ للعلماء الأقدمين) وذهبت دعوة الشيخ شلتوت ومن قبله دعوة الشيخ محمد عبده رحمهما الله كما ذهبت دعوة هرون عليه السلام من قبل بصرخة الجاهلين من بني إسرائيل، إذ قالوا {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه 91)، ولا ريب أنهم سفهوه وأوشكوا أن يبطشوا به فهو يقول عليه السلام : {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأعراف 150)، وهل فعل الجاهلون مع الأنبياء والمرسلين والمفكرين إلا ما فعلوا بهرون عليه السلام!؟، أسمع بالإمام الشاطبي رحمه الله إذ يقول في الفتاوي : (قامت عليَّ القيامة وتواترت عليَّ الملامة، وفوَّق إليَّ العتاب سهامه، ونُسبت إليَّ البدعة والضلالة وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، ولما أردت الاستقامة على الطريق وجدت نفسي غريباً في جمهور أهل الوقت) هذا هو الشاطبي اليوم فأين شانئوه بالأمس {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} ( مريم 98).

وهؤلاء الوعاظ في المساجد لم لا يجدون في البخاري إلا ما يسفه الناس ويحط من تفكيرهم ويشوه دينهم!؟ ألا يجدون في البخاري ما ينسب إليه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى ما سواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر)أليس هذا من سنتهم التي يتباكون عليها ويملأون الدنيا صراخاً عليها كلما جاءهم من يدعوهم إلى تدبر القرآن!؟.

وابن قيم الجوزية الذي يتخذونه مرشداً في تمذهبهم وشتاتهم ألم يقرأوا له في كتابه (أعلام الموقعين عند رب العالمين) قوله : (أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم) وقوله : (إن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد).

إن كل شيء ما عدا الله وكتابه ورسوله يجب أن يكون محلاً للفكر والتأمل ولا ينبغي أن يقبل على علاته مهما كان الأمر في شأن قائله، أبو حامد الغزالي قالوا إنه حجة الإسلام فهل قرأوا قوله في كتابه (إحياء علوم الدين)، قال : من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في متاهات العمي والضلال. ويصدق قول الغزالي هذا على كل شيء إلا على الله وكتابه الذي أنزله على رسوله {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} (إبراهيم 10) {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سبأ 6 ).

وكذلك فقد بعثت إلى هذا الشيخ كتاباً أطالبه بالحوار فلم يرد عليًّ بشيء، وعلمت فيما بعد أنه بعدما استيأس من الحصول على قرار بمصادرة كتابي فقد استغل موقعه في الأزهر الشريف وأرسل رجاله إلى مراكز توزيعه في القاهرة فمنعوا توزيعه بالقوة دون سند من القانون وبغير حكم قضائي.

صدر عن (مجمع البحوث الإسلامية) في سنة 1973 كتاب لفضيلة الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة بعنوان (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير) مودع بدار الكتب برقم 4988-73 يقول فيه في صفحة 117 : (على من يفسر كتاب الله تعالى أن يبحث عن تفسيره في القرآن، فإن لم يجد فليطلبه فيما صح وثبت في السنة، فإن لم يجد فليطلبه في أقوال الصحابة. وليتحاشى الضعيف والموضوع والإسرائيليات، فإن لم يجد في أقوال الصحابة فليطلبه في أقوال التابعين، وإن اتفقوا على شيء كان ذلك أمارة -غالباً- على تلقين الصحابة، وإن اختلفوا تخير من أقوالهم ورجح ما يشهد له الدليل. فإن لم يجد في أقوالهم ما يصلح أن يكون تفسيراً للآية لكونه ضعيفاً أو موضوعاً أو من الإسرائيليات التي حملوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، فليجتهد رأيه ولا يألو)، إلى أن يقول : (وعليه أن يجرد نفسه من الميل إلى مذهب بعينه حتى لا يحمله ذلك على تفسير القرآن على حسب رأيه ومذهبه، ولا يزيغ بالقرآن عن منهجه الواضح وطريقه المستقيم). رحم الله الشيخ الفاضل فقد ردَّ الأمور إلى نصابها فلم يرخص الاجتهاد بالسنة حتى تستنفد اجتهادك بالقرآن، وهيهات أن تنفد كلمات الله سبحانه وقد أنزلت تفصيلاً وتبياناً وتفسيراً لكل شيء وجمعت فأوعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الملائكة والأنبياء والصالحين من الإنس والجن والطير والدواب. وهو رحمه الله يشترط على الذين يطلبونها في السنة أن يتحاشوا ما يجدون فيها من الضعيف والموضوع والإسرائيليات ويبين ذلك بقوله في صفحة 116 من هذا الكتاب : (وليس من شك في أن الصحيح الثابت المروي في تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم قليل، وكذلك ما روى عن الصحابة والتابعين لم يستوعب كل آيات الكتاب الكريم، هذا إلى ما فيه من الضعيف والموضوع والإسرائيليات وهو شيء كثير). فهو يوشك أن يكتفي بالاجتهاد في القرآن بالقرآن، إذا كان الصحيح الثابت في السنة قليلاً ولا يخلو من الضعيف والموضوع والإسرائيليات، ويغلق باب الاجتهاد بالمذاهب أو هو يدعو صراحة إلى هدمها عندما أوجب على المجتهد أن يجرد نفسه من الميل إلى مذهب بعينه حتى لا يحمله ذلك ـ كما يقول ـ على تفسير القرآن على حسب رأيه ومذهبه ولا يزيغ بالقرآن عن منهجه الواضح وطريقه المستقيم، فهل في كتابي هذا غير هذا النهج الذي يدعو إليه علماء هذه الأمة ولو كره المقلدون.

منذ ثمانمائة عام توفي أبو الوليد محمد بن رشد (في العاشر من كانون الأول 1198) وأظن أنه حسم الأمر فيما لم يحسم فيما بيننا حتى الآن بقوله في كتابه : (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) الصادر عن المطبعة الرحمانية في مصر، قال رحمه الله : (فإذا لم تكن هذه الطرق التي سلكها الأشعرية ولا غيرهم من أهل النظر هي الطرق المشتركة التي قصد الشارع تعليم الجمهور بها، فأي الطرق هي تلك التي في شريعتنا!؟ نقول هي الطرق التي تثبت في الكتاب العزيز فقط، فإنك إذا تأملت الكتاب العزيز وجدت فيه الطرق الثلاث المعروفة لتعليم أكثر الناس، وهذه الطرق هي : البرهان، والأقاويل الجدلية، والأقاويل الخطابية، وليس أفضل في التعليم من هذه الطرق المذكورة في الكتاب العزيز، فمن حرّفها بتأويل فقد أبطل حكمتها، وذلك ظاهر من حال الصدر الأول وحال من أتى بعدهم، فإن الصدر الأول إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، وأما من أتى بعدهم فإنهم لما استعملوا التأويل قل تقواهم وكثر اختلافهم وارتفعت محبتهم وتفرقوا فرقاً. فيجب على من أراد أن يرفع هذه البدعة عن الشريعة أن يعمد إلى الكتاب العزيز فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة فيه مما كلفنا اعتقاده، ويجتهد في نظره إلى ظاهرها ما أمكنه من غير أن يتأول من ذلك شيئاً إلا إذا كان التأويل ظاهراً بنفسه. وإن الأقاويل الشرعية المصرح بها في الكتاب العزيز لها ثلاث خواص دلت على الإعجاز وهي : أنه لا يوجد أتم إقناعاً وتصديقاً لجميع الناس منها، وأنها تقبل النصرة بطبعها، وأنها تنبه أهل الحق إلى التأويل الحق. ولا يوجد من ذلك شيء في مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة، فهي لا تقبل النصرة ولا تنبه إلى الحق ولا هي حق ولهذا كثرت البدع).

جاء في (تاريخ الرسل والملوك) لمحمد بن جرير الطبري (الجزء الخامس صفحة 66) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ( القرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال فمن أراد الهدى تكلم بما جاء فيه لا يتأوله إلا بظاهر آياته، ومن أراد الضلال هجره إلى تقليد ما ينطق به الرجال).

ورحم الله الشيخ محمد عبده يقول في تفسير المنار، الجزء الثاني، صفحة 92 : (رأيت لبعض السلف أنه قال : لو أن شخصاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدي إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعُدّ مقلداً ولم يكن على بصيرة كما أمر اللهُ المؤمنَ أن يكون) وقال رحمه الله معقباً على ذلك : إن هذا مأخوذ من قوله تعالى : {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ( يوسف 108).

هذا كتابنا (البيان بالقرآن) في طبعته الثانية مزيداً ومنقحاً وأشد تمسكاً بما نستنبطه من كتاب الله سبحانه وتعالى لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً، لا نخاطب به واعظاً هجر القرآن ويلتمس الهدى في البدعة والضلالة والأساطير ويدعو بدعوة الخليفة العباسي من فوق المنابر، ولا نخاطب به جاهلاً لا يحسن لسان هذا القرآن العربي المبين ويلحن فيه لحناً مقززاً ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا نخاطب به مقلداً يريد مجتمعنا يصمت صمت الحجارة ويسود فيه سلام القبور، إنما نخاطب به الذين يتذكرون {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (الزمر 9)، وأولى النهي الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولنتدبر قوله تبارك وتعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة 159)، أليس في هذا بيان للناس بأن بيان القرآن قد فصل في الكتاب تفصيلاً!؟ وأن كتمان هذا البيان المفصل في الكتاب من الكبائر التي تستوجب لعنة الله ولعنة اللاعنين!؟ فبأي حديث بعده يؤمنون!؟.

روى البخاري عن أبي جحفة - مما أثبته فضيلة الشيخ علال الفاسي رحمه الله في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) قال : قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؛ قال : لا والذي فلق الحبة لا أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن.

ونقل عنه في (نهج البلاغة) قوله رضي الله عنه : (ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بعد ذلك عند الإمام الذي استقضاهم -أي ولاهم القضاء- فيصوب آراءهم جميعاً، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. أفأمرهم الله سبحانه باختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل الله ديناً ناقصاً، فاستعان بهم على إتمامه؟، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل الله سحبانه ديناً تاماً فقصر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}، وقال : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}، وذكر أن الكتاب مصدق بعضه بعضاً، وأنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراًً}، وإن القرآن ظاهره أنيق - آنقه الشيء أعجبه حسنه وبيانه - وباطنه عميق - لا يعلمه إلا الذين يتلونه ويتدبرونه - لا تفنى عجائبه ولا تكشف الظلمات إلا به).

الخميس 17 ذو الحجة 1417هـ
24 أبريل 1997م.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home