Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 4 January, 2007

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (30)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

ثالثاً: القيامة

اليوم الحق.. لا ريب فيه.. يوم القيامة.. الوعد الحق.. يوم الدين.. الواقعة.. الساعة.. القارعة.. الصاخة.. الحاقة.. الطامة.. اليوم الآخر.. يوم الوعيد.. يوم الجمع.. يوم التغابن.. يوم الحسرة.. يوم يقوم الناس لرب العالمين على حسرة جامعة.. من فرط في جنب الله.. ومن أحسن يود لو أنه كان قد ازداد إحساناً.. يوم البعث.. يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر.. يوم التناد.. يناديهم ربهم أين ما أشركتم بالله وبرسالاته.. يوم الفصل.. يوم الحساب.. يوم الخروج.. اليوم العظيم.. اليوم الموعود.. يوم الآزفة.. يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار فلا تسمع إلا همساً.. يوم التلاق.. لقاء الأولين والآخرين الظالمين والمظلومين السادة والكبراء والمستضعفين لقاء الناس برب العالمين كما بدأهم يعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة من الذين حجبوا أنفسهم عن نور الله ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.. يوم الوقت المعلوم.. يوم يقوم الأشهاد.. أشهاد من الملائكة ومن المرسلين ومن الناس ومن أنفسهم على أنفسهم.. يوم تبلى السرائر.. ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً.

ما من أحد يجادل من بعد القرآن في يوم القيامة.. ولكن الشيطان لا يعرف اليأس.. إن الإيمان بالشيء هو فرع من تصوره.. فتراه يوسوس لأوليائه أن يصوروا للناس ذلك اليوم على غير الحقيقة التي أوحى بها الله إلى عباده بكتاب أحكمت آياته وفصلت من لدن حكيم خبير.. يصور أولياء الشيطان للناس أن الأنبياء والملائكة سيشفعون لهم وأن الله سيقبل شفاعتهم وأن الأمر لن يكون عسيراً إلى ذلك الحد { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } (الأنبياء 26-28). { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً } (طه 109) { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سبأ 23). { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (الزخرف 86). { وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى . }(النجم 26). { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } (البقرة 255). ذلك مما أوحى إلينا بكلمات الله لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً.. ما كانت الشفاعة وساطة من أحد لأحد بل تكريماً من الله لمن يشاء من عباده من بعد إذنه لمن يشاء ويرضى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيع} (الزمر 44). ويقول الله تبارك وتعالى لبني إسرائيل قول الحق { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } (البقرة 47، 48). سوف يأتي أولئك الذين غرهم الشيطان وأولياؤه في الأرض يقولون يوم القيامة { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } (الأعراف 53). كانوا يظنون كما يظن أولئك الذين خدعوا أنفسهم أنه سيشفع لهم.. فقاموا يتساءلون عن الشفعاء فلم يجدوا لهم من دون الله من شفيع.. فاستأذنوا في الرجوع إلى الأدنى مرة أخرى.. وما لهم من رجوع إلا إلى الجحيم.. { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ .‏ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ . فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } (المدثر 42-49). لا نجاة في الحاقة إلا بالوحي تذكرة من رب العالمين.. ولا وحي من بعد القرآن المجيد.

ويقولون يبعث الناس يوم القيامة عراة كيوم ولدتهم أمهاتهم.. ثم يستطردون في وصف ذلك اليوم بغير سلطان أتاهم معرضين عن التذكرة لكي يرى الناس ذلك اليوم على غير الحقيقة التي فصلها الله بكلماته في كتابه العزيز.

يضطر الإنسان إلى رفع طرف ثوبه سواء كان جلباباً أو سروالاً بحركة لا شعورية فيكشف عن ساقه ولو شيئاً قليلاً.. عندما يضطر إلى المرور على لجة من الماء كما فعلت ملكة سبأ حين دخلت الصرح {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَ} (النمل 44). ملكة في ضيافة الملك ومع ذلك فإنها لما تصورت أنها ستعبر الماء لم تملك إلا أن كشفت عن ساقيها.. وكذلك يفعل الإنسان في صلاته كلما هبط ساجداً بين يدي الله.. تراه راكعاً بإرادته وشعوره ثم تراه قائماً من بعد ركوعه بإرادته وشعوره.. ولا يكاد يهبط للسجود حتى يرفع طرف ثوبه سواء كان جلباباً أو سروالاً ليكشف عن ساقه ولو شيئاً قليلاً بحركة لا شعور فيها ولا إرادة.. أمر يحدث حتماً قبل كل سجود فإذا تعمد ألا يفعل ذلك فإنه سيضطر لإصلاح ثوبه بما يتسع لسجوده.. وفي يوم القيامة ترى الظالمين أفئدتهم هواء.. لا إرادة لهم ولا شعور.. مقمحون مفحمون بالحقيقة التي كانت غائبة عنهم فلا يستطيعون قولاً ولا عملاً إرادياً كان أو غير إرادي.. أولئك يدعون إلى السجود فلا يستطيعون.. فيساعدهم الله بما كان عليهم أن يفعلوه في السجود { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ .‏ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } (القلم 42، 43). إنهم في ذهول خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة.. لا يستطيعون السجود ولو كشف عن ساقهم ليجدوا سعة من أطراف ثيابهم إذا خروا ساجدين.. ذلك أمر الظالمين الذين حجبوا أنفسهم عن الوحي.. فهل تراهم عراة أم أن الله قد بعثهم يوم القيامة في أثواب تواري سواتهم.. وإذا كانت هذه الآية الكريمة بهذه الدلالة العالية تقيم البينة على أن الظالمين يبعثون في أثواب تواري سوآتهم ولها أطراف يرفع منها ليكشف عن ساقهم شيئاً قليلاً.. فما ظن الذين آمنوا بأثوابهم التي سيبعثون فيها { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً } (الأعراف 26). إنها سنة الله في بني آدم في الحياة الدنيا ويوم القيامة وفي الآخرة سواء في الجنة أم في الجحيم.. { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } (النحل 81). إنها سرابيل مختلف سمكها من الأقطان والأصواف والكتان والحرير والجلود والنحاس والحديد وغير ذلك.. لا عراة بين يدي الله يوم القيامة ولا عراة في الجنة ولا عراة في الجحيم { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ . } (إبراهيم 49، 50).

يوم القيامة.. المخاض الأعظم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } (الحج 1، 2). إنها العودة إلى البدء { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } (الأنبياء 104). الإنسان الذي شهد بين يدي الله في الخلق الأول أن الله هو ربه الأعلى.. واحتمل الأمانة جاهلاً بها ظالماً نفسه باحتمالها.. وجاء إلى الدنيا ليبلو الله أخبار حملها.. فأما الذين أنابوا إليه وأسلموا له وأخبتوا أنفسهم على القنوت له فقد اهتدوا وأما الذين اتبعوا أهواءهم فقد تفرقت بهم السبل ولم يهتدوا إلا إلى طريق جهنم جزاءً وفاقاً.. { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } (الزلزال 6).

زلزلة الأرض.. انشقاق السماء.. دك الجبال.. اندثار الكواكب.. ليس هدماً لما بنى أول مرة بل مخاض ميلاد جديد بقوانين ثابتة كما كان أول الخلق { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد 8). بقانون ثابت ونظام لا يتبدل.. وهي نظم وقوانين للناس وليست نظماً وقوانين على الله.. يتزاوج الثعبان فتبيض الأنثى فينشق البيض وتخرج الثعابين.. هذا قانون ثابت ونظام لا يتبدل.. ولكنه مقدار للناس ليعلموا كيف تخرج الثعابين.. أما العصا في يد موسى عليه السلام فإنها إذا ألقيت أصبحت ثعباناً مبيناً، وإذا التقطت عادت عصاً كما كانت أول مرة.. ويتكرر ذلك مرة أخرى عند فرعون.. ثم يتكرر مرة ثالثة في يوم الزينة فلا تهبط ثعباناً فحسب بل يهبط ثعبان يلتهم من الحبال ومن العصي ما لا يلتهمه ثعبان في الأرض.. ونظرية الأواني المستطرقة تضع للناس قانوناً يسيح به الماء إذا اختلط بالماء حتى يصبح في مستوى واحد.. هذا قانون ثابت ونظام لا يتبدل، ولكنه مقدار للناس ليأمنوا الحفر والمنحدرات إذا ركبوا البحر.. ولكن هذا البحر نفسه ينفلق بالعصا فينفتح في الماء طريق بين فرقين كل فرق منهما كالطود العظيم.. ويتصعد البخار من البحار والمحيطات ثم يصبح سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله فينحدر في الأنهار ويسيح في العيون والآبار.. هذا قانون ثابت ونظام لا يتبدل، ولكنه مقدار للناس ليعلموا كيف يتلقون الماء.. ولكنه يتفجر من الحجر بنفس العصا فيتدفق من أثنى عشر عيناً ليشرب منه بنو إسرائيل بغير بخر ولا سحب ولا أمطار.

وبذلك يبين المعنى العظيم من قوله تبارك وتعالى { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَار} (غافر 64). كل شيء فيها قد استقر على قوانين ثابتة لا مبدل لها يتدبرها الإنسان فيحدد مكانه منها ويرتب معيشته على أساسها { وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } (البقرة 36). كل شيء مستقر حتى أمكن تسيير مركبات الفضاء بحسابات دقيقة لم تكن أبداً من حسابات البشر بل كانت دائماً حسابات مستنبطة من قوانين خلق الله تبارك وتعالى.

فلما أنزل الله كتابه بالحق محفوظاً من لدنه ليكون للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً وشفاءً لما في الصدور وموعظةً بالغةً وتفصيلاً وتفسيراً وتبياناً لكل شيء فقد سماه الله قرآناً.. من قر يقر قرآناً كفرق يفرق فرقاناً أو سلط يسلط سلطاناً والنون الممدودة على آخره للإحساس ببلوغ الأمر غايته العليا.. فإذا قرأت القرآن استقرت نفسك وأطمأن قلبك وإذا اتبعت أحكامه واجتنبت نواهيه استقرت سبيلك وفزت بكل خيرات الدنيا والآخرة.. قرآن.. فرقان.. رحمن.. بصيغة بلوغ منتهى الغاية.. فلا تقولن كما يقول اللغويون (صيغة مبالغة) فلا مبالغة في كلمات الله.. ومن أصدق من الله قيلاً.

والدليل على أن القرآن قرار ليستقر الإنسان على سبل ربه وليس قراءة ليقرأ وحسب إنه ورد في ثمان وخمسين آية في كتاب الله كلها بالمذكر، ولو كان القرآن من القراءة لكان قد ورد مؤنثاً كما وردت التوراة مؤنثة { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (آل عمران 93). {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } (المائدة 43، 44).

وبذلك يحق للإنسان أن يفرح بكلمات ربه فهي قرار لسبيله في الحياة على سنن الله الذي أحسن كل شيء خلقه سبحانه وتعالى علواً كبيراً { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ . }(يونس 57، 58).

ويعلم الله عباده المؤمنين قوانين استقرار الإنسان على سبل ثابتة لا مبدل لها ولا فشل فيها ليستيقن في النهاية أن كل شيء لا يخرج عن علم الله ولا عن سيطرته المطلقة.. حرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام وحرمة ما يهدي إلى البيت الحرام وما يعلق فيه من القلائد كالثريات وغيرها.. كل ذلك من القوانين التي وضعها الله لعباده المؤمنين وهو وحده الرقيب عليها وهو بكل شيء عليم { جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (المائدة 97). من هذه القوانين الميسرة تبدأ مسيرة المؤمن في البحث عن قوانين ثابتة لتحديد علاقة كل شيء بالأشياء الأخرى في الأرض وفي السماء وتحديد علاقة كل هذه الأشياء بالإنسان ليتفهم موقعه منها ويحدد مساره في الحياة الدنيا على أساسها أما الخلق نفسه فأمر لا يصل إليه إنس ولا جان لأنه يجاوز قدرة الإنس والجن مجتمعين ولا يدركه إلا الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل { مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً } (الكهف 51).

إن فهم قوانين الخلق وعلاقة هذه القوانين بحياة الإنسان ومماته هو قمة التصوف عند المؤمنين الذين يتلقون الدين وحياً من ربهم لأنه ينتهي بهم إلى الصفاء اليقيني بغير عنت ولا خبال.. وربما كان ابن عربي هو إمام الصوفية ولكنه ينسب إليه أنه قال إن أعلى مراتب الإحسان أن تحسن إلى عدوك دون أن تشعره بأنك أحسنت إليه لأن هذا من أخلاق الله الذي يحسن إلى أعدائه. ذلك مثل من أمثال الصوفية فإذا قومناه بالوحي لعلمنا أن الله سبحانه وتعالى لا يحسن إلى أعدائه أبداً { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } (التوبة 55). { وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} (التوبة 85). {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ } (المؤمنون 55و56). { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (آل عمران 178). فهل من بعد هذه الآيات يجوز أن يقال إن الله سبحانه وتعالى يحسن إلى أعدائه إنه يمتعهم إلى آجالهم التي سميت لهم فيأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم.. صحيح أن الله سبحانه وتعالى يحبب إلى عباده المؤمنين أن يردوا الإساءة بالحسنى وذلك حتى يتجنب عباد الله المؤمنون مخاصمة الكافرين وعنادهم { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } (النساء 105). ولكنه يكره إلى عباده المؤمنين أن يحبوا الكافرين أو يتولوهم أو يطيعوهم في الأمر.

إن دراسة الفلك أو علم النبات والحيوان وجمع الأصداف البحرية والفراشات وتربية الزهور أو الطيور أو الحيوانات المستأنسة بحثاً عن قدرة الخالق العظيم الذي أحسن كل شيء خلقه لهو أعظم ما يمكن أن يكون عليه تصوف المؤمن الذي تزود من الإيمان بالعلم واليقين { قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } (يونس 101). {وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأنعام 99). { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (العنكبوت 20). نظرة تأمل واحدة في كوكب في السماء أو نملة في الأرض أو شجرة في غابة أو صدفة في بحر خير ولا شك من حديث صوفي لا يستند إلى الوحي.. لأن مثل هذه النظرة المتأنية تجعل الإنسان من الصفاء بحيث يرى البعيد قريباً فيقول في نفسه قول الحق من ربه { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ . }(القمر 1).

جاء الإنسان هذه الحياة الدنيا وفق قوانين التزاوج بين الذكر والأنثى فعرف له أباً وأماً وإخوةً وأبناءً وأخوالاً وأعماماً وقبيلةً وشعباً.. وكلما تقدم به العمر ازداد علماً ويقيناً بأنه ما من شيء من حوله أو من فوقه أو من تحته إلا وقد وجد بقوانين محددة ولا يتحرك إلا وفق قوانين ثابتة ولا يختفي إلا بقوانين معروفة.. فأصبح يستطيع أن يحدد موقفه ومساره وحركته بما يتلاءم مع هذه القوانين.. وقد ارتبطت هذه القوانين في قلب المؤمن على أنها نعمة أخرى أنعم الله عليه بها ليأمن المفاجآت وظهور الأشياء بغير مقدماتها ونتائجها الحتمية.. وعندما أهلك الله الأولين بالطوفان والصواعق وغيرها فإن ذلك لم يكن إلا بعد إنذار مسبق من الرسل الصادقين { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ . ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } (الشعراء 208، 209). كل شيء بمقدار وكل شيء مستقر.. كل شيء له اسم معروف.. وكل اسم يرتبط باسم آخر فإنه يرتب نتيجة معروفة لها اسم معروف بقوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.. ويتوقف علم الإنسان عند التعرف على الأسماء وعلى نتائج ارتباطات بعضها ببعض { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَ} (البقرة 31). لا علم للإنسان إلا بالأسماء وبقوانين ارتباط بعضها ببعض.. أما قوانين الخلق ومعرفة الوجود فلا علم لأحد به من إنس أو جان.. وكل ما يمكن أن ندركه في هذا الأمر أن كل شيء في الأرض أو في السماوات مؤهل بطبيعة تكوينه لتلقي العلم وحياً من الله العلي القدير { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } (النحل 40). كل شيء إذا أراده الله فإنه يوحي إليه بأن يكون على الصورة التي يريدها الله وأن يتحرك في ملكه على الطريقة التي يريد الله له أن يستقيم عليها سواء كان هذا الشيء حيواناً أم نباتاً أم جماداً أم غير ذلك.. فيتلقى الشيء هذا الوحي فيظهر بذاته في الوجود مع من سواه سواء أراد أن يوجد أم لم يرد { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } (فصلت 11). السماوات والأرض يتلقيان الوحي بالوجود فتأتي السماوات وتأتي الأرض طوعاً بذاتها لا إكراه عليها.. دلالة ظاهرة على أن كل شيء مهيأ بطبيعته لتلقي وحي الله..

لا حرية لشيء في الوجود إذا أراد الله له أن يوجد.. ولكن كل شيء حر في قبول حمل أمانة الحركة أو رفضها.. رفضت السماوات والأرض قبول حمل هذه الأمانة وقبلها الإنسان.. فجعل الله سبحانه وتعالى له من رحمته أجلاً مسمى لحملها { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (الأحزاب 72). كان ظالماً لنفسه بحمل هذه الأمانة جاهلاً بتكاليفها ومسؤوليته الخطيرة عنها.. كل إنسان أطاع الله في وجوده فوجد على الصورة التي تركب بها بوحي من الله.. كن فهو يكون بنفسه.. فلما قبل الإنسان أن يسير نفسه بنفسه وعلم الله أنه كان ظالماً بحمل هذه الأمانة جاهلاً بتبعاتها.. فإن الله من رحمته سبحانه لم يشأ أن يتركه سدى بل أوحى إليه بكلماته ليستقيم على الطريقة المثلى.. ولذلك كانت الإنابة إلى الله والإسلام له والتوكل عليه واتباع الوحي هو الباب الوحيد الذي بقى للإنسان ليرجع عن قراره الظالم الجهول بحمل الأمانة في محاولة أخيرة للاستقامة على صراط الله الذي استقام عليه كل شيء في الأرض وفي السماوات بقوانين ظاهرة ومستقر ثابت.

أما الكافر الذي حجب نفسه عن الوحي واتبع هواه فقد ارتبطت هذه القوانين في ذهنه بالكبرياء والغرور فأصبح يطالب بقوانين الوجود.. ولم يكتف بذلك بل أصبح يتطلع إلى الذي خلق الأرض والسماوات العلى كمثل فرعون إذ قال { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} (غافر 36، 37).

يقول الله للشيء كن فيكون.. هذا هو الوحي بالوجود يتلقاه الشيء إذا أراد الله وجوده فيكون على الصورة التي يريد الله له أن يتركب بها إنساناً أو جاناً أو أرضاً أو جبلاً أو سماءً أو كوكباً أو شجراً أو طيراً أو أي شيء.. ثم هو من بعد ذلك يتلقى الوحي إليه بالحركة في ملكه وفي سعة من رحمته وتحت سمعه وبصره.. ولقد نرى الوحي بالحركة في آية النحل شاهداً على ظلم الإنسان وجهله إذ يُدعى إلى أن يسلم وجهَه إلى الله وإلى أن يُنيب إليه وأن يتوكل عليه وإلى أن يتبع الوحي الذي أنزله الله تبارك وتعالى إليه ليتحرك بوحي من لدنه فيأبى إلا أن يحمل الأمانة بوحي من الهوى واتباع الظن غروراً وكفراً.. النحلة وجدت في ملك الله بوحي من لدنه سبحانه وتعالى وقال لها كوني فكانت.. ثم أوحى الله لها بمكانها في ملكه تبارك وتعالى فاتخذت مكانها في الجبل أو الشجر أو في بيوت يصنعها الإنسان لها بيديه.. ثم أوحى لها بالبحث عن الثمرات فانطلقت بأجنحتها الصغيرة تبحث عنها في كل مكان.. هذه هي قوانين الوجود وتلك هي قوانين الحركة بوحي من الله.. لا حرية للنحلة في حمل الأمانة بل اتباع الوحي على هدى من الله، ولذلك كانت النتيجة رحيقاً جميلاً {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (النحل 68-69). والفرق بين الإنسان الذي حمل الأمانة والنحلة التي أبت أن تحملها أن الإنسان يتحرك في الوجود بمحض مشيئته وبحرية اختياره بينما تتحرك النحلة في الوجود بوحي مباشر من الله وهو ما يعبر عنه العلماء الغربيون بالسيستماتيكية أي الحركة التلقائية وهو في منطق الإيمان اصطلاح مرفوض لأنه يعطي إحساساً بأن هذه الحركة لا وعي فيها ولا إرادة.. والواقع أنه قد سبقت هذه الحركة التلقائية إنابة مطلقة برفض الأمانة والتسليم المطلق ليحركها الله سبحانه وتعالى تحريكاً مباشراً لا مشيئة لها فيه.. إن السائح الذي يركب الطائرة ليصل إلى مكان معين ثم ينيب إلى قائدها ليسلك به ما يشاء من الأجواء لا يمكن أن يعتبر إنساناً مسلوب الإرادة لأن هنالك قراراً سابقاً بتفويض الأمر إلى قائد الطائرة ليوجهه إلى الوجهة التي يريد ويصل به إلى غاية يعلم أنه لا يمكن أن يصل إليها آمناً بدون هذا التفويض.

الإسلام إلى الله والإنابة المطلقة إليه والتوكل عليه هو الرجوع عن القرار الظالم بحمل الأمانة.. واتباع الوحي من الله تبارك وتعالى بالتزام أوامره واجتناب نواهيه هو الاستقامة على صراط الله الذي استقر عليه كل شيء في الأرض وفي السماء.. ولذلك سمي الوحي قرآناً.. ليس من القراءة بل من القرار { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } (الأنعام 67). قر يقر قراراً والقرآن للدلالة على بلوغ منتهى الغاية في الاستقرار، فمن اتبع الوحي من ربه فقد استقر على صراط الله الذي استقر عليه كل نبأ في الأرض وفي السماء { وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } (القمر 3) مستقر قرآناً بصيغة بلوغ منتهى الغاية وليس (بصيغة المبالغة) سبحان الله عما يصفون.

والله سبحانه وتعالى يعلم القرآن حتى يستقر كل أمر وكل نبأ على صراط مستقيم.. { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } (الرحمن 1-4). القرآن في قوله تعالى علم القرآن هو الوحي الذي أوحى به الله سبحانه إلى كل شيء خلقه في الأرض وفي السماء ليستقر على سننه مسبحاً بحمده لا عوج له ولا تفاوت فيه.. وهو ما نشاهده في كل ما بين أيدينا وما خلفنا بل وفي أنفسنا مما خلق الله في أبداننا بحسابات دقيقة الزيادة أو النقص فيها ولو شيئاً قليلاً هو النذير بهلاك قريب.. { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَار} (غافر 64). مستقرة على أمر الله وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول سواء في حركتها حول نفسها أو حركتها حول الشمس أو حجمها أو وزنها أو حركة مائها ونباتها وكل شأن من شؤونها في أمر مستقر.. الله سبحانه وتعالى أوحى لها وعلمها القرآن.. { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (يس 38). تجري في أفلاكها على أمر مستقر لا تنقص حرارتها ولا تزيد ولا تقترب من أي كوكب من الكواكب ولا تبتعد عنه إلا بمقدار.. ولو لم تكن في أمر مستقر لاحترق كل شيء من حولها أو تجمد فهلك ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى لها وعلمها القرآن.. وفي يوم القيامة يرجع كل شيء إلى الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء فيجد كل شيء قراره عند الله { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ } (القيامة 12).

الرحمن علم القرآن.. خلق فهدى.. كل شيء في الخلق في أحسن تقويم سواء في خلقه أم في سنن حياته.. فلما حمل الإنسان الأمانة ورضى أن يختار لنفسه سنن حياته فقد علمه البيان ليتبين أمره ويحسن الاختيار لنفسه.. وأنزل عليه قرآناً كتاباً قيماً لا عوج له ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليتعلم القرآن فيستقر على صراط الله الذي استقام عليه كل شيء في الأرض وفي السماء.

والرحمن في الأولى هو الرحمن في الآخرة إذا أراد شيئاً فإنه يأتي به في أحسن تقويم وإذا جاء به سبحانه وتعالى فإنه يعلمه القرآن فيستقر على سنن لا تفاوت فيها ولا فطور. { قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ} (الأنعام 73). الصور هو جمع الصورة كما جاء في تفسير البيضاوي لقوله تعالى { يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً } (طه 102) قال هو جمع صورة وفي تفسيره لقوله تعالى { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ } (المؤمنون 101). قال الصور جمع الصورة.. ولا يسعنا إلا أن نتفق مع البيضاوي في هذا التفسير، فإننا لا نجد من بين أيدينا ولا من خلفنا شيئاً إلا وقد خلقه الله على صورة من الصور سواء كان نباتاً أم حيواناً أم جماداً أم غير ذلك.. { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } (الحشر 24). كل شيء في الوجود قد خلقه الله سبحانه، وهو من بعد خلقه أبرأه فصوره.. الموت خلق والحياة خلق { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } (الملك 2). وكل طور من أطوار حياة كل شيء هو خلق كذلك { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } (المؤمنون 12). خلق من الطين إنساناً ثم جعل هذا الإنسان نطفة.. فتعاقب الخلق من بعد ذلك خلقاً بعد خلق حتى أبرأه الله على صورة طفل يخرج من بطن أمه {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } (الزمر 6). ويتم كل ذلك بوحي من الله.. كن فيكون.. لا يتكون بل يكون خاضعاً في وجوده لأمر الله حتى يبرأ على صورة من الصور.. والبراءة هي الأمر للشيء الذي خلقه الله في علمه أو الإذن له بأن يتبوأ مكانه في حدث من الأحداث { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَ} (الحديد 22). وأما الصورة فهي الشكل الذي يظهر به الحدث بين الأحداث الأخرى من حوله في الأرض وفي السماء { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ. } (الانفطار 8). ولقد نرى أن كل خلق يأخذ صورة من الصور.. صورة النطفة وصورة العلقة وصورة المضغة ثم صورة الخلق الآخر يوم يخرج طفلاً من بطن أمه.. ولقد سبقت هذه الصورة صورة أخرى في الخلق الأول قبل النطفة بل قبل سجود الملائكة لآدم عليه السلام { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ } (الأعراف 11). خلق الله الإنسان.. كل إنسان ثم صوره.. ذلك في مرحلة متقدمة من تعاقب الخلق في هذه الآية.. ثم جاء خلق آدم من بعد ذلك لتبدأ سلالة الخلق جميعاً من ذكر وأنثى في الحياة الدنيا ليحمل الإنسان أمانته ثم يغيب بالموت الثاني حتى ينفخ في صورته ليظهر يوم الحساب.. صورة للإنسان في الخلق الأول.. وصورة للإنسان في الحياة الدنيا.. وصورة للإنسان يوم ينفخ في الصور { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } (التغابن 3). وإننا لنرى الإنسان يوم القيامة يقسم على أنه لم يلبث في الحياة الدنيا غير ساعة.. ونراه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تأويه.. ونراه يجادل ربه عن الخلق الأول يقول ربنا أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل.. إنها محاولة على أي حال ولكنها محاولة فاشلة لإنسان فاشل خدعته الحياة الدنيا واسترقه بريقها وزخرفها.. كل ذلك يراه الإنسان فلا يحجبه عن الحق حجاب.. لقد كشف الله عنه غطاءه فبصره اليوم حديد.. لقد جاء ربه فرداً كما خلقه أول مرة فرداً { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ } (المؤمنون 101). لا أنساب بينهم ولا ديون يطالب بها بعضهم بعضاً.

خلق الله الإنسان ثم صوره قبل يوم سجود الملائكة لآدم {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} (الأعراف 11). ثم جعله نطفة.. ثم خلق النطفة علقة.. فتعاقب الخلق بعد ذلك في الرحم خلقاً من بعد خلق.. علقة فمضغة فعظاماً.. ثم أنشأه على صورته التي يتركب بها في الحياة الدنيا.. فإذا قال الله تبارك وتعالى للإنسان يوم يبعثه الله في الآخرة { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } (الأنعام 94). فإن ذلك يعني الخلق الأول قبل سجود الملائكة لآدم.. وبمطابقة الأوصاف التي يظهر بها الإنسان يوم القيامة فإنه يمكن الاهتداء إلى الصورة التي خلق بها الإنسان أول مرة.. إننا نراه يوم القيامة يتركب بجلود وسمع وأبصار { حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (فصلت 21). ونراه يتركب من أفواه وأيد وأرجل {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (يس 65). ونراه يتركب من رأس وأطراف {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } (إبراهيم 43). إنها صورة لا تختلف عن صورة الإنسان في الحياة الدنيا.. وفوق ذلك فإنه يحمل في جوفه ما كان يحمله من الأمعاء تجمع له طيبات الجنة أو حميم النار { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } (محمد 15).

إن الخلق في الآخرة كالخلق في الحياة الأولى وهي صورة مطابقة للخلق في الحياة التي يحياها الإنسان في الحياة الدنيا برأس وأطراف وسمع وأبصار وجلود وأفواه وأمعاء.. وبذلك فلا حجة للذين يزعمون أن الإنسان في الآخرة سيظهر على صورة غير الصورة المألوفة في الحياة الدنيا.

والنفخ هو إعطاء الشيء ما يقوى به على الحياة.. تنفخ في القبس فيكون ناراً { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْر} (الكهف 96). ذلك إذا نفخ الإنسان.. أي إنسان.. أما إذا نفخ الله من روحه بكلمة منه فلا ريب أن الخلق في الأولى وفي الآخرة سيكون بإذنه لله جميعاً سبحانه وتعالى علواً كبيراً.. { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } (الحجر 28، 29). وقد أذن الله لعيسى عليه السلام أن ينفخ في الطين فيكون طيراً فشهدنا كيف يخلق الله من الماء والتراب كل شيء حي { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي} (المائدة 110).

يبين من الآيات أن النفخ في الصور هو إعطاء ما كان للصور في الحياة الدنيا ما يحيا به من بعد الموت في الحشر الأعظم يوم القيامة { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } (الأنعام 38). الإنسان والطير والدواب والشياطين كل ذلك في حشر يسير { يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ . }(ق 44).

إنه ولا شك حشر يسير بل هو أهون على الله سبحانه وتعالى { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (الروم 27). كان الإنسان يوم بدأ الخلق قد شهد بين يدي الله سبحانه أنه هو الله ربه الأعلى.. وجاء اليوم الذي حذره الله من قبل أن يقول أنه كان غافلاً عن هذا أو أن آباءه قد أشركوا من قبل وكان ذرية من بعدهم فنسى شهادته واتبعهم فيما أشركوا به.. لقد جاءه الهدى من ربه فلا حجة له من بعد الذكر.

فإذا رجع الإنسان إلى ربه يوم القيامة فإن أول سؤال يسأل عنه بين يدي الله لا يسأل عن ماله فيما أنفقه أو عن أبنائه كيف أنشأهم أو عن صحته كيف كان يبذلها، بل إن الإنسان لا يسأل يومئذ إلا عن هذا القرآن وعما أنزل فيه من البينات والهدى {حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ } (النمل 84). إنه سؤال واحد ولكنه قد جمع فأوعى تماماً كما جمع هذا القرآن فأوعى.. هل كذبتم به ولم تحيطوا به علماً، يستوي في هذا السؤال من كذب بالقرآن ومن جهل به، ذلك لأن النتيجة واحدة في الحالتين، من كذب بالقرآن فقد حجب نفسه عن نوره وهداه ، ومن جهل به ولم يحط به علماً فقد حجب نفسه كذلك عن نوره وهداه.

ويجب أن يكون واضحاً أن فارقاً كبيراً بين العلم بالقرآن وبين التفقه فيه، العلم بالقرآن كما يبين من هذه الآية الكريمة واجب على كل مسلم ومسلمة ولا يقبل الاعتذار بجهله وهو أول ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة، فعليه أن يجتهد في طلبه في الحياة الدنيا ليهتدي بهديه. أما التفقه فيه واستنباط أحكامه واستخلاص أوامره في شؤون الحكم والسياسة وتنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض، فهو واجب الطائفة التي يجب أن تستنفر من كل فرقة من فرق المؤمنين نفيراً كنفير الجهاد لتبين لهم أحكام ربهم وتسوسهم بأوامر الله ونواهيه لعلهم يحذرون { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .‏ }(التوبة 122).

التفقه في الدين شيء والعلم به شيء آخر، التفقه في الدين واجب الطائفة المستنفرة من كل فرقة من فرق المؤمنين لتكون مرجعاً لهم في استنباط أحكام دينهم، أما العلم بالدين كما بينه الله للناس في كتابه فهو واجب كل مسلم وكل مسلمة ولا يقبل الاعتذار بعدم الإحاطة به وهو أول ما يسأل عنه يوم القيامة. فإذا لم يكن قد أحاط به علماً فإنه كالذي كذب به سواء بسواء، لأنهما يستويان في أن كلاً منهما قد حجب نفسه عن نوره وهداه لذلك أوجب الله على عباده أن يقرأوا القرآن وأن يستمعوا إليه وأن ينصتوا إذا قريء عليهم وأن يتمسكوا به وأن يتدبروا آياته آناء الليل وأطراف النهار { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } (المزمل 21). { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الأعراف 204). { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } (البقرة 121). { وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } (الأعراف 170). { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} (العنكبوت 45). {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَ} (محمد 24).

لا عذر للإنسان يوم القيامة إذا جاء ربه مكذباً بآياته أو جاهلاً بها، أولئك يستهزيء الله بهم ويقول لهم يوم لا ينفع مال ولا بنون قول الحق {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } شغلتهم أموالهم وأهلوهم فأعرضوا عن ذكر ربهم، وقد كان هذا القرآن هو أشد الأركان التي يمكن للإنسان أن يأوي إليها فيجد فيه الملجأ والعزة والقوة والحماية والأمن وسعادة الدنيا والآخرة.

لم يحيطوا علماً بآيات ربهم فجهلوا كيف يبين الله لهم الحياة الدنيا في أربع آيات بينات { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } (الأنعام 32). {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } (العنكبوت 64). { إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} (محمد 36). { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } (الحديد 20).. بكل صياغة الحصر والقصر، مرتان (بما ... وإلا) ومرتان (بإن ... وما).

هنالك تنكشف هذه الحقيقة ويعلم الإنسان أنه قد استنفد عمره فيما لم يكن ينبغي له أن يستنفده فيه، وأعرض عن الذكر وكان أولى له ألا يعرض عنه.. { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ . } (فاطر 37).

جاء الإنسان إلى هذه الحياة الدنيا ليتذكر أنه إنما احتمل الأمانة دون الخلق جميعاً على أن يحمل نفسه على هدى من ربه وبوحي من كلماته، ولكنه لم يلبث أن ظن أنه إنما جاء ليشغل في هذه الحياة الدنيا بماله وأهله.

مثل الذين يحاجون بأموالهم وأهليهم كمثل القاعدين الذين جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً . بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً . وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً } (الفتحة 11-13). ومثل الذين يحاجون بأوطانهم وأمتهم كمثل الذين تولوا عن رسول صلى الله عليه وسلم يوم التقى الجمعان { وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً . وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً .‏ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً . قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً } (الأحزاب 13-17). آيتان بينتان لمن يتخلف عن أمر الله أو يفر من حكمه.. أولئك لا يمتعون إلا قليلاً.. أولئك لا يملك لهم من أحد شيئاً إن أراد الله بهم نفعاً أو ضراً.. ولا يجدون لهم من دون الله من عاصم إذا أراد بهم سوءاً أو رحمة.. وليس لهم من دون الله من ولي ولا نصير..

ويقول صاحبي وهو يحاورني: أئنك إذا وجدت شيئاً في كتبنا يوافق رايك استشهدت به، وإذا لم تجد فيها شيئاً يوافق رأيك أعرضت عنها؟! قلت: إن للباحث أن يتخير مصادره وأن يستشهد بما يشاء إذا وجده حقاً، وأن يعرض عما يشاء أو يفنده إذا وجده باطلاً، وكذلك كنت أفعل في كل مباحثي.

ولقد علم الله سبحانه أن علماء بني إسرائيل يعلمون أنه الحق من ربهم فاستشهد به عليهم { أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ . } (الشعراء 197) وأن أحدهم إذا شهد له بالحق فإنه لا يملك إلا أن يؤمن به { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } (الأحقاف 10). ومالي لا أستشهد بما أجده حقاً، وأعرض عما أجده باطلاً؟! ألم تر أني قد استشهدت بحديث الشيطان يوم القيامة وهو الحق من ربه { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم } (إبراهيم 22).

وليس أسوأ من هؤلاء إلا رجل تذكره بآيات ربه.. لا تقول له شيئاً من عندك.. بل تتلو عليه القرآن مفصلاً ومفسراً بآيات الله البينات التي يسرها سبحانه وتعالى للذكر بعلمه وبرحمته.. فيقول لك ببلاده واستخفاف وعناد دفين: (معذرة فأنا لا أحفظ من القرآن كما تحفظ ولا أفقه منه شيئاً كما تفقه) إنه يرفض الحوار ويأبى إلا الإصرار على ما وجد عليه قومه من ضلالة الأساطير ومفتريات الحديث، فمثله كمثل قوم شعيب { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } (هود 91) أو كمثل ذلك الأبله الذي قال بعد كل ما سمعه من رسول الله من الهدى والبينات {مَاذَا قَالَ آنِفاً } (محمد 16).

ويقول صاحبي وهو يحاورني: أئنك لتأذن لنفسك بأن تُبَيِّن كتاب الله ولا تأذن لرسول بأن يبينه والله يقول في كتابه {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 44)، قلت: إنك لتطرح سؤالاً يدل دلالة قاطعة على أنك لم تفقه شيئاً من قولي على الإطلاق، أئنك أنت الذي تجادلني في بيان الرسول ؟! من أين لنا أن نتلو القرآن لولا أننا تلقيناه بالحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! وهل يؤمن رجل بالقرآن إلا أن يكون قد آمن برسوله وبالصدق الذي بين يديه؟! ومن أين لك ببيان الرسول الذي تحاجني به؟! هل تجده إلا في كتب مدسوسة آخرجها المستشرقون؟! هل تجده إلا في كتب لا دليل عليها ولا ندري إن كان من كتبها هم أولئك الذين تُنسب إليهم؟! أم أنك تجد بيان الرسول في حديث يفترى أو في رواية مشبوهة تناقض القرآن أو تزيد عليه أو تنقص من أحكامه؟! لو كان عندنا بيان الرسول بدليل قاطع لا شبهة فيه، لما كان لنا إلا أن نلتزم به ولا نعدل عنه، فالذي جاء بصدق القرآن وعدله لا ينقصه ولا يضيف إليه ولا ينقص منه.. ولو علم الله سبحانه أنه سيحفظ لنا بيان الرسول كما حفظلنا القرآن لما أمرنا أن نتدبر منة شيئاً { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً . }(النساء 82) وإن الآية التي تجادل بها لتدعوك إلى تدبر القرآن { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فلو أن بياناً يغني عن تدبر القرآن لما كان لأحد أن يتفكر في آياته أو يستنبط من أحكامه شيئاً، وما أنزل الله إلينا الذكر إلا لنتدبر آياته ونتفكر فيها { كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } (البقرة 219، 266) وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقص شيئاً من القرآن إلا لنتدبره ونتفكر فيه {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف 176).

ويوم القيامة يسألهم الله عن القرآن.. أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً.. أم ماذا كنتم تعملون.. هذا هو السؤال الأول في اللحظة التي يأتي فيها الإنسان فرداً لا ينفعه بين يدي الله إلا الحق ولا شيء غير الحق.. ولا حق بغير قرآن.

{ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } (غافر 45، 46). عذاب دائم بغير حساب.. فلِمَ حقت عليهـم هذه الكلمة الصادقة من العذاب.. لو تدبرنا قصص فرعون وآل فرعون في القرآن لوجدناه نموذجاً متكرراً لنظم الحكم الفاسدة.. نظام الجسد الذي يتسلط على عباد الله في الأرض بغير وازع من الدين أو العلم أو التقوى فيهلك الحرث والنسل ويعم الفساد والخراب والله لا يحب المفسدين.. يقول أنا ربكم الأعلى.. أحياناً يتحرج في قولها بلسانه ولكنه يفتأ يقولها بأفعاله يوماً بعد يوم.. فهو كفرعون وهو معه في الخالدين.. يسوم الناس سوء العذاب يقتل أبناءهم وقد لا يستحي نساءهم.. ثم يقول للناس إنه إنما قتلهم لأنه يخشى أن يبدلوا دينهم أو أن يظهروا في الأرض الفساد.. فهو كفرعون وهو معه في الخالدين.. يخرج ملفاته القديمة ويحاسب الناس بماض عفى الله عنه فيقول كما قال فرعون لموسى ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين.. فهو كفرعون وهو معه في الخالدين.. تراه يتباهى بمظهره ويتكبر بزينته ويفاخر بجنده يقول في نفسه ما كان يقول فرعون في ملئه أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون.. فهو كفرعون وهو معه في الخالدين.. وإذا تصدى له من أحد أو أراد أن يهديه إلى الرشد قال ما كان يقول فرعون لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد.. فهو كفرعون وهو معه في الخالدين.. وتراه يتهم الناس بالباطل ويعدهم القتل والتصليب يقول للسحرة الذين جاء هو بهم بنفسه واختارهم بعلمه إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين.. إن هذا ليس قصص فرد معيّن أو حديث طاغية دمر الله عليه وأورثه سوء العذاب.. ولكنه نموذج متكرر لنظم الحكم الفاسدة وهو لا يكاد يختفي من مكان في الأرض حتى يظهر بنفس الصورة في مكان آخر بأشكال متفاوته ولكنها لا تخرج عن جوهر هذه الصورة التي وصفها الله في كتابه فأحسن وصفها وبين للناس سبيل الذين يعرضون معه على النار من آل فرعون فيمسهم ما يمسه من العذاب قبل قيام الساعة وبعدها.. أولئك الذين كانوا يقولون له وكأنه في حاجة لمن يحرضه على الفساد أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك.. نفس ما تقول حاشية الجسد وأتباعه في كل مكان وزمان فهم كآل فرعون وهم مع آل فرعون في الخالدين.. وتراهم يرددون ما يقـول الجسـد حقاً أو باطلاً لا يريدون إلا إرضاءه والظفر بثقته { قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (الشعراء 34 ، 35) هذا هو ما كان يقوله الجسد وقالت الحاشية والأتباع { قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } (الأعراف 109 ، 110). نفس الكلمة يرددونها بحذافيرها بغير وعي إلا أن السيد الجسد قد قالها فهم من ورائه يرددونها كما تفعل حاشية أي جسد في الأرض.. أولئك كآل فرعون في الخالدين..

كلا لم يكن قصص فرعون حديث طاغية دمر الله عليه.. بل هو حديث كل النظم الفاسدة في الأرض إذا تسلط الجسد بآله وملئه ليفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل.. ويبين الله مصير فرعون وآله وهو نفس مصير كل طاغية يسير على نهجه ومصير كل من يعينه على ظلمه من الآل والأتباع { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } (غافر 46). ذلك جزاء فرعون وذلك جزاء كل فرعون في الأرض.. لا يقال له يوم القيامة إلا ما يقال لفرعون { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان 49). ولا نجاة منه ولا من آله إلا بشراء النفس ابتغاء مرضاة الله { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } (البقرة 204-207). شراء النفس باجتناب الملأ من آل فرعون وأعوانه.. لا حرج على المؤمنين من معايشتهم واتقاء كيدهم إذا لم يجدوا بداً من ذلك ولم يكن في ذلك خطر على دينهم.. شراء النفس بالصبر وبالصلاة كما قال موسى عليه السلام { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (الأعراف 128). شراء النفس بالصبر وانتظار حكم الله كما قال شعيب عليه السلام { وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ .‏} (الأعراف 87). فإذا كانت ظلمات كقطع من الليل فإن أرض الله واسعة لمن يهاجر فيها.. ووعد الله الذين يهاجرون في سبيله أجراً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة.. إنها سبل متعددة لشراء النفس من ظلم الجسد وأعوانه يبينها الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين. ولكننا لا نجد في آيات الله البينات التي أنزلها الله لعباده بالحق ما يرخص لعباده في التآمر على الجسد سراً أو جهراً لأن الله سبحانه وتعالى هو الحق وهو لا يقذف باطل الجسد بالغدر به أو بالتآمر عليه.. بل يقذف باطله بعباده المؤمنين يواجهونه بالحق أو يصبرون عليه ويهجرونه في سبيل الله.. والذين يتبعون سبيل الله أولئك حزب الله يشرون أنفسهم وينجون من الظالمين في الحياة الدنيا ويرفعهم الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة درجات ويرزقهم من لدنه رزقاً حسناً وينجيهم من عذاب أليم.

{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } (الفرقان 73). نموذج آخر من الظلم.. رجل تذكره بآيات ربه فيخر.. لا يخر ساجداً لما عرف من الحق.. بل يخر كالبهيمة وكأنه لم يسمع شيئاً ولم يرَ من نور ربه شيئاً.. إنه الإنسان الأعمى حقاً { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } (الحج 46). قد ينظر إليك وأنت تحدثه بآيات ربه.. وقد يتفق معك في كل ما تقول بل وقد يسألك المزيد.. ولكنه لا يلبث أن ينسى كل ما تلي عليه من آيات ربه لأنه كان يخر عليها صماً وعمياناً.. إنه استثناء في الذين يحشرون إلى ربهم يوم القيامة من بعد ضنك الحياة الدنيا { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً .‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى . } (طه 124-127). من اختار لنفسه العمى في الحياة الدنيا عن نور الله الذي أنزله لعباده بالحق فقد اختار لنفسه يوم القيامة حشراً مهيناً { وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } (الإسراء 72). وترى الذين سمعوا الذكر وآمنوا به وخروا سجداً لما عرفوا من الحق يؤمنون به ولا يعدلون عنه ولا ينسونه من بعد ما عقلوه.. وتراهم ينطلقون به في الآفاق يتبعونه ويدعون إليه مبشرين ومنذرين.. أولئك هم جنود الرحمن { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } (الصافات 171-173). ترى في أعينهم فرحة بالقرآن وفرحة بنصر قريب.. لا تلههم الحياة الدنيا عن ذكر الله ولا يكفون عن طلب المزيد من القرآن تلاوة وتدبراً وإحاطة وحفظاً.. أولئك في ركن شديد لا يخافون ولا يحزنون.

في الحياة الدنيا يختلف الناس في أجناسهم وألوانهم وألسنتهم.. وهو اختلاف مألوف لا ضير فيه فتجد منهم الأبيض والأحمر والأسمر والأصفر والأسود، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى لأحد على أحد من الفضل إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (الحجرات 13). وهي صبغة قد تكون من تأثير الشمس أو من تأثير غيرها.. أما في الآخرة فلا صبغة إلا بنور الله من يجعل الله له نوراً فهو من الذين أبيضت وجوههم.. ومن قيل لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فأولئك من الذين اسودت وجوههم { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (الأنعام 106-107). القوم الذين يحشرون بوجوه مسودة هم أولئك الذين آمنوا ثم نكسوا على رؤوسهم فأصبحوا كافرين.. آثروا الحياة الدنيا بعدما علموا الإيمان والآخرة فقبح الله وجوههم يوم القيامة.. وكذلك يحشر كل الذين كذبوا على الله بأي افتراء لا حجة لهم عليه أو قول لا يستند إلى علم أو هدى أو كتاب منير { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ } (الزمر 60). إنه ليس سواد الجلد الذي يبدو في كثير من الأحيان أجمل وأبهى من الجلود البيضاء.. إنه سواد الغبر والقتر الذي يلطخ وجوههم جزاء كفرهم وفجورهم { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ .‏} (عبس 38-42).

ذلك مما نشاهد في الحشر يوم القيامة يفصله الله بكلماته في القرآن المجيد.. ولا مفصل للقرآن إلا بكلماته التي أنزلها الله تبارك وتعالى تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء وتفسيراً لكل شيء.. وهو حشر في ثياب أو في سرابيل.. فلا يعري أحد بين يدي الله الكريم المتعال يوم يدعوهم بنفخة واحدة.. { وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ . لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ . هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .‏} (إبراهيم 48-52).

رابعاً : الحساب

{ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } (الأعراف 46). لم يكن أحد من أصحاب الجنة يطمع أن يدخلها.. ليس زهداً فيها ولا استغناءً عنها.. بل لأنها كانت غاية أبعد من مطمعهم وأكبر من تطلعاتهم.. كانوا يعلمون الحق من ربهم أنهم في خسر إلا من هدى الله { إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ . } (العصر 2، 3).. وكانوا يعلمون الحق من ربهم أنه ما من أحد منهم إلا وأراد النجاة من النار ولا نجاة لأحد منهم إلا لمن اتقى { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } (مريم 71و72). وكانوا يعلمون الحق من ربهم أنه لا نجاة لهم من النار إلا زحزحه برحمة من الله لمن فاز فوزاً عظيماً { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ. }(آل عمران 185).

إن هذه الحقائق التي يعلمونها بالحق من ربهم كانت تجعل الجنة أملاً عزيزاً لا يناله إلا المتقون بدعاء يتواصل بتواصل الليل والنهار { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } (السجدة 16). إنه الخوف الذي تطمئن به القلوب وتثبت به الأقدام وإنه الطمع الذي يورث الإنسان العزة ويرفعه فوق ذل الحياة الدنيا ومهانتها.. لقد كان لهم في ذلك أسوة بأبيهم إبراهيم عليه السلام إذ قال { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } (الشعراء 28). لا مطمع لأحد منهم في الجنة حتى ينجو من النار.. ولا نجاة لهم من النار إلا زحزحه بفضل من الرحمن.. ولذلك فإنهم لما دخلوا الجنة فقد دخلوها وهم لا يطمعون.. ولم يكن لهم من سبيل إلى دخولها إلا خوفاً من الله وطمعاً في ذاته تبارك وتعالى علواً كبيراً.

ولقد وصفت الجنة في الكتاب وصفاً مفصلاً دقيقاً يوشك أن يكشف الحجب عنها.. بل إن آيات الله تبارك وتعالى كثيراً ما تتجول بك في أرجائها وكأنك تراها وترى أهلها رأي العين وتسمع من أحاديثهم وتعلم من انبائهم علم اليقين.. قطوفها الدانية.. ظلالها الممدودة.. أصناف الطعام والشراب الذي أعد لأهلها.. هدوؤها وسلامها وأمنها وحديث الصدق فيها لا لغو فيه ولا تكذيب.. زينتها وزخرفها وذهبها وفضتها ومعارج غرفاتها والأنهار التي تجري من تحتها.. حورها والمقصورات في خيامها كأنهن الياقوت والمرجان طاهرات لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان.. ولا شك أن آيات الله قد فصَّلت كلَ ذلك تفصيلاً لا حاجة معه إلى مزيد.. وإنما نتوقف عند ثياب أهل الجنة {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } (الكهف 31).

لقد ظن كثيرون أن الآية تتحدث عن لون هذه الثياب فزعموا أنه لا لباس في الجنة إلا باللون الأخضر.. وتهافتوا على اللون الأخضر يلبسونه في الحياة الدنيا وكأنهم يتعجلون الجنة قبل الموت وقبل الحساب.. { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } (الحج 63). إن الخضرة في فهم هذه الآية الكريمة تعني النضرة والحيوية والتناسق البديع والجمال المتقن الذي يبعث البهجة في النفس { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .‏ }(الحج 5). بهجة الأزواج.. تناسق الألوان.. جمال النضرة والحيوية.. ذلك إذا نزل الماء فتصبح الأرض مخضرة.. ليست لوناً أخضراً واحداً بل حدائق ذات بهجة { وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } (النمل 60). فإذا وصفت ثياب أهل الجنة بالخضرة.. فليست هي خضرة العمامات التي يضعها المشعوذون فوق رؤوسهم أو على سرابيلهم.. بل هي الألوان المتناسقة والنضرة والحيوية والجمال المتقن والبهجة والحسن والإبداع العظيم.. وقد يغلب عليه اللون الأخضر كما يغلب في الحدائق والبساتين، ولكن ليس خضر العمامات ولا خضر السرابيل ولا أي شيء من خضرة الحياة الدنيا.

وكذلك وصفت النار وصفاً مفصلاً دقيقاً يوشك الظالم أن يراها رأي العين وأن يسمع حسيسها وأن يطلع على أهلها وهم يصطرخون فيها.. وهي نار ذات لهب ترمي بشرر كالقصر وليست مجازاً في الوصف.. وهي نار ذات وقود تحترق به الجلود ويصهر به ما في البطون { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } (البروج 4-6). وهو ليس وقود يتأجج في الضمائر مجازاً، بل هو وقود من الناس والحجارة تتأجج بها نار حامية { فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (البقرة 24). وقود من الناس ووقود من الحجارة في ركام واحد بين يدي ملائكة غلاظ شداد { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } (التحريم 6).

وما يزال في الناس من يهزأ بالعذاب يكذبون به أو يقولون أنه عذاب الضمير أو شيء كالنار يتأجج في الصدور حسرة على أخطائهم.. وهي ليست كذلك بل هي نار تكوي بها الجباه والظهور { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } (التوبة 35). وهي نار تنضج منها الجلود { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } (النساء 56). وهي أكثر من ذلك حميم في البطون وثياب من نار ومقامع من حديد { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ . يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ . وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ . كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (الحج 19-22). إنها نار تحرق وتكوي حتى تنضج الجلود وتنصهر البطون وليست مجازاً في شيء على الإطلاق {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } (البقرة 175). ولا يتركهم الملائكة وشأنهم فيها بل تراهم وهم يسحبونهم على وجوههم { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } (القمر 48). ثم يقلبون فيها على وجوههم ذات اليمين وذات الشمال { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } (الأحزاب 66-68).

التخاصم والتلاعن والحسرة والعذاب كل ذلك في النار جزاء الذين عرض عليهم الإيمان وحياً من ربهم فحجبوا أنفسهم عن الهدى وآثروا الحياة الدنيا.. وتراهم كلما ألقي عليهم فوج يتصايحون.. لا مرحباً بكم { هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ . هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ . هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ . قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ } (ص 55-60).

وتراهم على جبلتهم التي كانوا عليها في الحياة الدنيا لم يتغير شيء من خصائص تكوينهم أو تركيب أجسامهم فهم يحترقون في جهنم فيكتوون بنارها حتى تنضج جلودهم وتنصهر بطونهم، وهم يتطلعون إلى الطعام جوعاً وإلى الشراب ظمأ { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ . الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ .‏ وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأعراف 50-52).

إن آيات الله التي أنزلت تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء وتفسيراً لكل شيء لا تدع مجلاً للشك في أمر النار التي وعد الله عباده الذين كفروا بآياته وكذبوا بها أو هجروها ظلماً وطغياناً.. إنها نار تحرق وتكوي وكلما استغاثوا من كي أو حريق أغيثوا بماء يشوي الوجوه { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً } (الكهف 29).

يكفي أولي الألباب أن يقال لهم إن المجرمين في نار جهنم.. ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً.. يجادل في كل شيء ليخضعه إلى ما يحب ويهوى { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى } (النجم 23-25). يتمنى الإنسان أن تكون جهنم حسرة في الصدور ووخزاً في الضمير وأسفاً على الخطأ.. فيفصل الله تبارك وتعالى آياته للناس أنها ليست كذلك.. بل هي نار ذات وقود.. وهي نار ذات لهب ترمي بشرر كالقصر.. وإنها نار تحرق وتكوي وتشوي حتى تنضج الجلود ويصهر ما في البطون.. حجارة موقدة ولهيب مستعر وحميم كالمهل ينزع الجلود ويقطع الأمعاء ويشوي الوجوه.

ومن الناس من يظن أنها لسعة وتنقضي كمثل الذين من قبلهم { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة 80، 81). لا يعلم أحد ما ينتظره من العذاب في النار جزاء سيئته إلا الله سبحانه وتعالى.. وهو عذاب يتفاوت من كل الوجوه بحسب أعمال الناس في الحياة الدنيا.. لا يخرجنه من أحد منها إلا الله فما له من حميم ولا شفيع يطاع.. وهو قد يكون في ركن من أركان جهنم وقد يكون في الدرك الأسفل منها { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ . ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ .‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } (الأنعام 130-132). لكل درجة ولكل منزلة كل بقدر ما كان يعرض عن آيات ربه ويستهزيء بها، وكل بحسب ما كان يتبع من الهوى ويظن بالله غير الحق ظلماً وعلواً وفساداً في الأرض.. وما من أحد يعلم من وزن أعماله عند الله شيئاً فقد يستهين بعمل صالح ربَما كتب به عند الله في الصالحين، وقد يستهين بسيئة ربما كتب بها عند الله في الظالمين { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } (النور 15).

لا أحد يعلم نصيبه من النار إلا الله سبحانه وتعالى.. يعلم ما تكسب كل نفس في كتاب تقدر به السيئة بمثقال الذرة وتقدر به الحسنة بمثقال الذرة في ميزان الله الذي لا يغفل ولا يظلم ولا يضل ولا ينسى.. لذلك يحذر الله من العلم بنصيب من القرآن مع الجهل ببعض آياته ويدعو عباده إلى الإحاطة بالقرآن كله والاكتفاء به عما سواه فهو قرآن مجيد وهو في أم الكتاب عند الله عليٌّ حكيم { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ . فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } (آل عمران 23-25). إن آيات القرآن يكمل بعضها بعضاً تبياناً وتفصيلاً وتفسيراً لكل شيء.. والعلم ببعض الآيات دون بعض قد يؤدي إلى العلم بها غير مبينة أو غير مفصلة أو غير مفسرة بعلم الله تبارك وتعالى.. أولئك الذين أوتوا نصيباً من الكتاب تدعوهم إلى بيان الكتاب بالكتاب فيتولوا وهم معرضون يقولون لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودات وإن منهم لمن يخلد فيها أبداً { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً } (الجن 23). { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً . } (الأحزاب 65).

هذا ما وعد اللهُ عباده الذين آمنوا وكانوا يتقون.. وذلك ما وعد الله عباده الذين كفروا وكانوا يفسقون.. جنة وحريراً أو عذاباً أليماً بحساب سريع لا ظلم فيه { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ . يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ .‏ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } (غافر 15-17).

هنالك يقول الشيطان قول الحق من ربه للذين اتبعوه من قبل واتخذوه ولياً قولاً بليغاً صادقاً { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (إبراهيم 17) لو أن الناس يضعون هذا القول في آذانهم لما استطاع الشيطان أن يهمس فيها إذن أبداً.. ولكن إن تعجب فعجب أن هذا الشيطان يعصي ربه ويرتعد فرقاً من خشيته.. تراه يتبرأ من الذين يطيعونه رغم أنه يعلم أنها براءة لا تغني عنه من عذاب الله شيئاً { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } (الحشر 16، 17). أما الإنسان فإنه يعصي ربه ويتمادى في العصيان ويفعل ما تتحرج منه الشياطين ولا يكاد يحس بأن له رباً يسمع ويرى.. من أجل ذلك كان كيد الشيطان ضعيفاً، أما الإنسان فلولا أن الله قد أحاط بمكره لتبدل وجه الأرض ومن عليها { وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ . يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ . لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } (إبراهيم 46-51).

ويبين الله تبارك وتعالى أساليب الشيطان ووساوسه وكلها لا تخرج عن كلمته التي أعدها للذين اتبعوه يوم يلقونه بين يدي الله.. يدعوهم فيستجيبون له.. { لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً . وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً . أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً .‏} (النساء 118-121). لو أنك رأيت الحجيج في منى لرأيت أن الشيطان قد أقام لنفسه نصباً من الحجارة ليحشر عباد الله من حوله ثلاثة أيام في الأشهر الحرم يقذفون الحجارة بالحجارة في صراع دموي مع أنفسهم فيسقط الناس صرعى أو يضيقون ذرعاً بعذاب بئيس.. وكان ذلك عند الشيطان نصيباً مفروضاً، وما فرض عليهم بقرآن ولا بسنة ولا بقول رشيد..

وأما ضلالة الشيطان وأمنياته لأوليائه فلا حصر لها منها أن الله سبحانه وتعالى يصيب عباده الذين أسرفوا بالبأساء ليتضرعوا إليه، فيسرع الشيطان إليهم ليزين لهم ما كانوا يعملون وليقنعهم بأنهم إنما كانوا على الحق وعلى الصواب وأن ما أصابهم إنما كان سحابة صيف زائلة { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . } (الأنعام 42، 43).

ولقد خلق الله الإنسان ليصلح في الأرض ويستثمر فيها أربع ثروات هي أساس خلق الله ومركز كل نشاط عمراني فيها.. الثروة البشرية.. والثروة المائية.. والثروة الزراعية.. والثروة الحيوانية.. فيتدخل الشيطان ليقوض أركان هذا البناء وليصرف الإنسان عن هذا العمران ليقيم بناء العبث ومصانع الخلود وبطش الجبارين { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . }(الشعراء 128-135). أمدكم بأنعام الثروة الحيوانية.. وبنين الثروة البشرية.. وجنات الثورة الزراعية.. وعيون الثروة المائية.. هذه هي مجالات الإصلاح في الأرض من خلق الله الذي يغيره الشيطان إلى بناء العبث، ومصانع الخلود، وبطش الجبارين.

{ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَام ِ} (النساء 119) إنه يقول إنه سيظل يأمر الناس حتى يضعون علامات في آذان الأنعام بكيها أو تقطيعها.. فما حاجة الشيطان إلى ذلك.. الأنعام ثمانية أزواج { مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } (الأنعام 143). { وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } (الأنعام 144). إن أول ما يتبادر إلى الذهن أن هذه الأنعام تعيش في كنف الإنسان وتألفه وتعرف طريقها إليه إذا تركت وشأنها دون أن تضل سبيلها إليه.. ولذلك فقد ورد ذكرها في القرآن متميزة عن غيرها من الدواب { وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ } (فاطر 28). وتمييز الأنعام ببتك آذانها يعني أن الثقة قد ضاعت بين الناس فلم يعد الجار يثق في جاره ولا الأخ يطمئن إلى أخيه حتى على الأنعام التي لا حاجة لتمييزها وهي التي تألفه وتعرف طريقها إليه.. ولا شك أن ضياع الثقة بين الناس مكسب كبير للشيطان الذي وعد ليغوينهم أجمعين.

ينبغي أن يكون فهم الحساب يوم القيامة على أسس واضحة من أساليب الشيطان ووساوسه كما بينها الله تبارك وتعالى مفصلة في كتابه العزيز.. ولقد كان أخطر أساليبه وأعماله على الإنسان أن يقعد لهم صراط الله الذي بينه بهذا الكتاب العزيز.. هنالك تنفتح له السبل إلى الإنسان في كل اتجاه عن اليمين وعن الشمال ومن أمامه ومن خلفه فيقعد الإنسان عن شكر ربه بالعمل الصالح وإن ظل يحمده بالقول الذي أفرغ من قيم الإيمان والتقوى ويصبح أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان بالله { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } (الأعراف 16، 17). قعود الصراط الذي بينه الله في كتابه سوياً هو بداية كل ضلالة عن الحق وأول الطريق إلى النار.. صراط الله هو القرآن { وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (الأنعام 126، 127). صراط الله هو هذا الكتاب الذي هدى به رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (الأنعام 161). صراط الله هو كلمات الله وآياته التي دعى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. } (المؤمنون 73). صراط الله هو الوحي لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ . } (الشورى 52، 53).

ولذلك كان الحساب على أساس هذا الكتاب وعلى قدر ما تلتزم كل نفس بصراط الله الذي يبينه الله لعباده بكلماته وحياً من عند الله على حنيفة إبراهيم عليه السلام الذي لم يكن يتلقى الدين من الأرض بل يتلقاه كما كان يتلقاه النبيون من بعده والذين أسلموا وحياً طهوراً من السماء مكملاً ومبيناً ومفسراً ومفصلاً بكلمات الله وحده سبحانه وتعالى لا شريك له.

ويستوي في حساب الله الذين كذبوا بالكتاب والذين غفلوا عنه سواء بجهله أو بالإعراض عنه.. لأن النتيجة واحدة في كل هذه الحالات جميعاً وهي أن يقعد صراط الله الذي بينه الله لعباده بالكتاب تفصيلاً { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } (يونس 7-8). الذي لا يرجو لقاء الله وحسابه في الآخرة والذي يؤثر الحياة الدنيا ويطمئن بها كالذي كان غافلاً عن آيات ربه كلهم سواء في ركام واحد في نار جهنم. والذي يغفل عن آيات الله ولا يتبع صراط ربه كما بينه الله للناس في الكتاب هو الذي شاء أن يتبع الهوى ولم يشأ الهدى وحياً من الله أولئك يصرفون عن الذكر وعن الهدى ويشاء الله لهم الضلالة التي اختاروها لأنفسهم بأنفسهم { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ . }(الأعراف 146).

إن الذين يحرفون الدين من الأحبار والرهبان والذين يُضَاهِئونهم من أكابر الشيع والملل والطوائف.. أولئك يصدون عن صراط الله الذي بينه الله للناس في الكتاب استكباراً في الأرض وطمعاً في الاستعلاء فيها بغير الحق.. وخليق بهم أن يقتدوا برسولهم الكريم عليه السلام الذي لم يكن يُسمع من أحد في الدين من شيء غير القرآن { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ .‏} (التوبة 6)، الذين أشركوا قوم لا يعلمون فإذا جاء أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يسمع عنده إلا كلام الله { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ .‏ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } (المائدة 82، 83)، هؤلاء الذين لا يستكبرون من النصارى كانوا يسمعون ما أنزل إلى الرسول فتفيض أعينهم من الدمع ويقولون آمنا بالله وحده وبما أنزل علينا من الصراط المستقيم { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } (الأحقاف 29-30)، هؤلاء هم الصالحون من الجن جاؤوا بأمر الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينصتوا إلا عندما تلى القرآن فلما قضى ولوا إلى قومهم ينذرونهم بما استمعوا إليه.. في دلالات واضحة بآيات محكمات تقيم البينة على أنهم لم يسمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا القرآن.. كلما استمعوه اهتدوا وانطلقوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين.. وذلك لا يعني بطبيعة الحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول في حديثه شيئاً إلا آيات القرآن.. بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظ بالقرآن ويهدي بالقرآن ويبين للناس آيات الله بالقرآن ويفسرها لهم بالقرآن ويجادلهم على هدى من آيات القرآن.. فسلوكه القرآن وحديثه القرآن وحياً حنيفاً من عند الله علياً حكيماً بفضل الله وبرحمته.. وكان يقول صلى الله عليه وسلم ما أمر به {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (الأعراف 203) لذلك فإنه لا يمكن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به بغير علم الوحي الذي أنزل عليه بالقرآن.. فالقرآن هو سنة الرسول وهو الصراط الذي كان يتبعه بوحي من ربه، ومن جهل به كالذي كفر به سواء بسواء كلاهما محجوب عما كان يتبعه الرسول في سلوكه وحياته وأساليب قيادة أمته.. إن الذي يقود أمته في معركة خاسرة إنما يفعل ذلك جهلاً أو غروراً أو خيانة. يفعل ذلك جهلاً إذا أخطأ حسابات النصر والهزيمة.. ويفعل ذلك غروراً إذا أراد أن يتحدث عنه الناس أحاديث البطولة والاستشهاد.. ويفعل ذلك خيانة إذا أراد أن يقدم أمته إلى العدو صيداً رخيصاً.. والنتيجة واحدة في كل هذه الحالات وهي الهزيمة الساحقة والخسران المبين.. وكذلك فإن الدين لا يتبع جهلاً ولا غروراً لأن ذلك كالكفر سواء بسواء.. وصدق الفقهاء الذين حظروا على المؤمنين أن يتمنوا الشهادة في القتال، لأن في ذلك أمنية للعدو بالانتصار.. إن المقاتل المؤمن يقاتل ليغلب انتصاراً للحق والعدل والسلام لذلك كان أجره عند الله عظيماً سواء قتل في سبيل الله أم لم يقتل، أما الذي يقاتل من أجل الشهادة فهو رجل يؤمن بالله ولكنه لا يقاتل في سبيل الله بل يقاتل في سبيل جنة أمرها بيد الله ولا يستطيع مؤمن أن يطمع فيها إلا بإذن الله ومن هذا الوجه فإنني أعتقد أن هجوم المنتحرين ليس قتالاً في سبيل الله.

والله سبحانه وتعالى قد جعل لكل إنسان داراً وجعل لكل إنسان قوماً.. وكل إنسان مجبول على حب داره ومعايشة قومه.. ولقد أذن الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين أن يعيشوا في ديارهم وأن يعايشوا قومهم ولو كانوا كافرين.. ولم يسألهم الله سبحانه وتعالى رحمة بعباده المؤمنين إلا أن يقولوا قول الحق من ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة.. فإن أعرضوا فما جعل الله لهم من وصاية عليهم.. وإذا قاتلوهم فعليهم أن يقاتلوهم إذا كانوا يستطيعون قتالاً ولكن ليس لهم أبداً أن يبادروا قومهم بقتال أو عدوان.. وإذا كانوا مستضعفين لا يستطيعون قتالاً فقد أذن الله سبحانه وتعالى أن يكفروا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان نجاة بأنفسهم من بطش لا قبل لهم به.. ولم يأذن لهم في هجرة ديارهم والانطلاق بعيداً عن قومهم إلا في حالتين اثنتين في كتاب الله الذي أنزله الله تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء.. حالة الفتنة { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (النحل 110)، وحالة الظلم {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} (النحل 41).

فإذا لم يكن المؤمن في فتنة توشك أن تغريه بالركون إلى ما يعبد قومه من دون الله أو إتباع أحكام غير التي أنزلها الله وحياً على رسوله، وإذا لم يكن المؤمن في ظلم يوشك أن يغريه على أن يترك دين الحق من الله تبارك وتعالى فليس له أن يهجر قومـه.. وشـرط الهجرة في كلتا الحالتين أن تكون في سبيل الله نجاة بدينه من فتنة قومه أو ظلمهم { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } (الحج 58، 59).

ولو نتدبر آيات الساعة والحساب بالحق من الله تبارك وتعالى لوجدنا حديثاً عن أمر كأنه تم وانقضى فلا رجوع فيه ولا مبدل له { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ . أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ . } (ق 19-26).

حديث كأنه يتم الساعة أو أنه تم وانقضى ليستيقن الذين آمنوا ويزداد الذين يتلقون الوحي إيماناً ولا يرتاب المتربصون والذين في قلوبهم مرض.. وإن الساعة من الحق كأمر وقع وانتهى ولا رجوع فيه إذن أبداً { أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (النحل 1). لا يستعجل أمر الله إلا القوم الكافرون.. إن أمر الله قدر مقدور.. وإن أمر الله مستقر.. وإن أمر الله كان مفعولاً.. ولا يستعجل المؤمن قدراً مقدوراً وأمراً مفعولاً كلمح بالبصر.. الرزق والموت والساعة والحساب ونصر الله.. كل ذلك من أمر الله.. والمؤمن الحق يعيش حياته كلها لا يستعجل رزقاً ولا موتاً ولا ساعة ولا حساباً.. { أَتَى أَمْرُ اللّهِ } بصياغة الماضي { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } لأن الناس ستمر به وكأنه ماض قضى وانتهى.. لأنه أمر الله.. لأنه الحق { قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } (سبأ 49)، الحق من أمر الله ولا يستعجل المؤمن منه شيئاً بل يعايشه كأنه قضى وانتهى ويرتب جميع حساباته على أنه آت لا ريب فيه أو أنه قد أتى ولا رجوع عنه أبداً.. إنه أمر بمعايشة الحق لأنه سيظهر لا محالة بأمر الله الحق، وإنه لأمر باجتناب الباطل لأن سيزهق لا محالة بأمر الله {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } (الإسراء 81)، ولما جادل إبراهيم عليه السلام رسل الله إلى قوم لوط.. من قبل أن يصلوا إلى لوط عليه السلام.. ومن قبل أن تقلب قريتهم أو يرجمون قال الله { يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } (هود 76)، كان قدراً مقدوراً بالحق.. وأمراً مفعولاً لا رجوع فيه.. فقضى وانتهى وقيل بعداً للقوم الظالمين.

لا ينفع الناس شيء عند ربهم إلا إيمانهم { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً } (الأنعام 158). يبين من هذه الآية أن الإيمان الذي ينفع الناس يوم القيامة هو إيمانهم في الحياة الدنيا قبل الموت وقبل النشور.. فما هو الكسب في الإيمان.. فإن نفساً كسبت في إيمانها خيراً لا تحسب عند الله في الذين آمنوا ابتغاء وجه الله ومرضاته.. ما معنى حرف الجر (في) الذي جاءت به هذه الآية الكريمة.. لقد خرج الذين يبينون القرآن للناس بغير القرآن عن دلالة هذه الآية الكريمة خروجاً بعيداً.. ولو نتتبع هذا الحرف في القرآن لوجدناه مبيناً في قوله تبارك وتعالى { أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً } (الحشر 11)، لا نطيع أحداً فيكم بمعنى لا نطيع أحداً على حسابكم أو لا نطيع أحداً طاعة تضركم.. وكذلك لا ينفع نفساً إيمان كسبت فيه خيراً، بمعنى إنها كانت قد كسبت خيراً على حساب إيمانها أو إضراراً به.. فالذي يكسب خيراً مقابل تلاوة القرآن لا يكسب خيراً على حساب إيمانه إذا كان قد عقد العزم على أن يسمع الناس آيات ربهم بما يليق بها من الخشوع ومن التقوى حتى يحملهم على الإنصات وتدبر القرآن حكمة بالغة وموعظة حسنة ملتزماً بقراءة المصحف وآداب ترتيل القرآن.. أما الذي يكسب خيراً مقابل أن يطرب الناس بصوته إذا قرأ القرآن ولو لم يحرص الناس من حوله على أن ينصتوا للقرآن ويتدبروا آياته فذلك الذي يكسب في إيمانه خيراً ولن ينفعه هذا الإيمان شيئاً عند الله يوم القيامة.

ولا إيمان إلا بالقرآن، فهو صراط الله الذي بينه الله لعباده يختاره الإنسان من بين البدائل المتاحة له في الحياة الدنيا { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (الأنعام 153) والمؤمن لا يستبق الأحداث ولا يستعجل منها شيئاً بل يمضي في صراته الذي بينه الله له في الكتاب لا يعدل عنه ولا يستبدل به شيئاً من متاع الحياة الدنيا وزينتها.

إن الذين يستبقون الحوادث وينشدون الخير على حساب صراط الله الذي بينه الله للناس في الكتاب أولئك الذين طمس الله على أعينهم فلن يبصروا إذاً أبداً.. لا ينفعهم الخير الذي يمتعون به إلا إلى حين ومن ورائهم عذاب غليظ في الدنيا وفي الآخرة { وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } (يس 66)، لا يستبق الصراط ولا يستعجل الحوادث إلا الذين طمس على أعينهم فهم قوم لا يبصرون.. أما الذين يثبتون في الحياة الدنيا بالقول الثابت من صراط ربهم فأولئك لا ينتقلون من موقع إلى موقع آخر إلاّ بالحق وبسبب مشروع.

كمثل ذي القرنين عليه السلام.. بلغ قمة المشرق وقمة المغرب يتبع الأسباب لا يصنعها ولا يتصيدها ولا يتسابق عليها.. بل كان ثابتاً على صراط ربه لا يعدل عنه ولا يتبدل مواقعه إلا بسبب مبين { وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً } (الكهف 84، 85)، تأتيه الأسباب بإذن ربه فيراها ببصيرة المؤمن فيتبع الأسباب.. لم يكن فاتحاً بسيفه ولا قاهراً بسلطانه بل كان مؤمناً صالحاً يثبت على صراط ربه لا يعدل عنه ولا يستبدل به شيئاً.. حتى إذا أتته الأسباب من ربه اتبعها دون أن يوغل فيها أو يطغى بها.

وكمثل يوسف عليه السلام كان ثابتاً على صراط ربه لا يضيق بالجب الذي ألقى فيه ولا يتمرد على المنفى الذي أبعد إليه فلما فرض عليه السجن رأيناه إماماً يدعو إلى الله بإذن ربه ويهدي إلى صراط مستقيم.. فلما جاءته الأسباب ودعاه الملك إليه ليستخلصه لنفسه تولى خزائن الأرض وأصبح فيها عزيزاً تخر له الجباه ويأتمر الناس بأوامره.. كل ذلك دون أن يوغل في الأسباب ودون أن يطغى فيها أو يستبقها بل كان يقف منها وجلاً بين يدي ربه يعفو عَمَّن ظلمه ويستغفر له ويحسن إليه ويقول قول الحق من ربه { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . } (يوسف 101).

ذو القرنين ويوسف عليهما السلام كانا مثلين في الكتاب للذين لا يستبقون الصراط ولا يتبدلونه إلا بسبب مبين.. فنراهما في قصصهما لا ينتقلون من موقع إلى موقع آخر ولا يرتقون في الأسباب إلا بإذن ربهم وعلى هدى مستقيم.. وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده الصالحين الذين يستبقون الصراط ويرتقون في الأسباب من قبل أن يأذن الله لهم في قصص موسى ويونس عليهما السلام.

كان موسى عليه السلام في بيت فرعون مؤمناً صالحاً وعالماً حكيماً وقوياً أميناً.. وكان يضيق بأفعال فرعون فذهب يصطنع لنفسه الأسباب من قبل أن يأذن الله له في الأمر أو تأتيه الأسباب بأمر ربه.. فجعل لنفسه شيعة لمناهضة فرعون حتى دخل المدينة على حين غفلة من أهلها ووجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه.. وكان طبيعياً أن يستنصره الذي من شيعته فوكز موسى الذي هو من عدوه فقضى عليه، انفرطت الشيعة وعلم موسى أنه تعجل الحوادث واستبق الأسباب من قبل أن يأذن الله له في الأمر فاستغفر ربه وأناب إليه ورضى بالمنفى يدعو ربَّه ولا يرتقي إلا باتباع الأسباب حتى ناداه ربه وكلمه الله في الوادي المقدس طوى وبعثه إلى فرعون رسولاً أميناً في تسع آيات بسلطان مبين.

وكان يونس عليه السلام في قوم ربما كانوا لا يستمعون إليه وربما كانوا لا يفقهون من حديثه شيئاً.. وربما طال عليه الأمد وهم في غمرتهم لا يأبهون به ولا يسمعون له ركزاً.. وإنما يضيق أولو العلم بالذين ينظرون إليهم وهم لا يبصرون.. أو يجادلونهم في الحق بعدما تبين وهم لا يعلمون.. إن الله سبحانه وتعالى يعلم أن أكثر الناس لا يؤمنون وأن أكثر الناس لا يعقلون.. وأن أكثر الناس هم الفاسقون.. ولكنه يريد أن يقيم عليهم الحجة كاملة يوم القيامة.. ذلك لأن الله كتب على نفسه ألا يعذب نفساً لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى تشهد الإيمان ثم تصر على الكفر والفسوق والعصيان.. ولذلك فإن الله لم يكن يختار رسله إلا من أولي العزم من الذين أوتوا العلم والحكمة وكان الله يفرغ عليهم الصبر ويثبتهم بالقول الثابت ويعصمهم من الناس حتى لا يكون لهم من حجة بعد الرسل.. وكانوا بشراً يضيقون ويستيئسون.. فذهب يونس مغاضباً وأبق إلى الفلك المشحون فوجد نفسه في ضيق ليس بعده ضيق ويأس ليس بعده يأس وظلمات بعضها فوق بعض.. ولكنه كان مؤمناً صالحاً وأواباً حكيماً { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } (الأنبياء 87). فاستجاب له ربه ونجاه من الكرب وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون في أمة صالحة تستمع إليه وتؤمن برسالته فأسبغ الله عليهم من رحمته ومتعهم إلى حين.

مثل موسى عليه السلام كمثل الذي يريد أن يقتحم الظلم ليقوض أركانه.. ومثل يونس عليه السلام كمثل الذي يريد أن يهجر الظلم ويتولى عنه إلى ركن شديد.. المثلان يختلفان ولكنهما في واقع الأمر استباق الحوادث وارتقاء في الأسباب من قبل أن يأذن الله على صراط مستقيم، فكانت العاقبة أن نفى موسى أجيراً في مدين وألقى يونس في بطن الحوت فعلما أنه كان ينبغي لهما أن يصبرا لحكم الله وألا يتعجلا الأسباب من قبل أن تتبين لهما { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . }(القلم 48-50).

والإنسان يتعجل الأحداث بطبعه ويستبق الأسباب بجبلته {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ } (الأنبياء 37). والإنسان المؤمن الذي يتلقى العلم وحياً من ربه يعلم أن النفس تتعجل الأحداث وتستبق الأسباب إما باقتحام الواقع كاقتحام موسى أو بالفرار منه كما أبق يونس إلى الفلك المشحون.. تلك أماني النفس التي تريد أن تستبق الصراط من قبل أن يأذن الله بالأسباب لمن يشاء ويرضى تماماً كما عبر عنها لوط عليه السلام حين صاح في قومه قائلاً : { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (هود 80). لو أن له قوة الاقتحام فيدمر ما يصنع قومه من الخبائث.. أو ركناً شديداً يأوي إليه فراراً من فسوقهم.. اقتحام الواقع أو الفرار منه.. وجهان للعجلة واستباق الأسباب. ولكن أولي العزم من الرسل لا يستبقون الصراط بل يصبرون على المكاره لا يتركون مواقعهم إلا هجرة في ظلم أو فتنة.. إذا أمكن لهم أن يعايشوا قومهم آمنين في ديارهم من الظلم ومن الفتنة فلا هجرة عليهم.. بل دعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة لا يقتحمون واقعهم ولا يفرون منه.. تضيق صدورهم وتألم أنفسهم وقد يوشك أحدهم أن يبخع نفسه على آثار قومه.. ولكنهم على بصيرة من صراط ربهم لا يستبقونه ولا يرضون عنه بدلاً.. فإذا استبقوا من الأسباب ما لم يأذن به الله أسرعوا إلى مغفرة من ربهم وأنابوا إليه فاجتباهم ربهم وهداهم إليه صراطاً مستقيماً كما فعل موسى عليه السلام حين ترك شيعته التي كان يستعجل بها أمر فرعون وتوجه تلقاء مدين يقول { عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ } (القصص 22) وكما فعل يونس عليه السلام إذ قال وهو في بطن الحوت { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } (الأنبياء 87).

الاقتحام.. كاقتحام موسى عليه السلام بشيعته يستعجل أمر فرعون خوفاً من واقعه أو حزناً عليه.. والفرار كفرار يونس عليه السلام إلى الفلك المشحون يستعجل الخلاص من واقعه خوفاً من ذلك أو حزناً عليه.. والخوف من الواقع أو الحزن عليه هو الذي جعل لوطاً عليه السلام ينادي في قومه { قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } (هود 80). قوة يقتحم بها ذلك الواقع السيء من أمر قومه أو ركن شديد يأوي إليه فراراً من هذا الواقع الذي يخافه أو يحزن عليه.. من أجل ذلك يعظ الله عباده المؤمنين ألا يخافوا ولا يحزنوا.. لأنهم إذا أسلموا أنفسهم إلى الخوف أو إلى الحزن فإنهم سيلجأون بجبلتهم التي جبلوا عليها إلى الاقتحام أو إلى الفرار، ولا فرار من أمر الله إلاّ إليه ولا اقتحام إلاّ بسلطان من لدنه. يوم هبط آدم عليه السلام هذه الأرض أول مرة أذن الله بأن يصل عباده بالهدى وأذن لمن يتبع الهدى بألا يخاف ولا يحزن في هذه الحياة الدنيا { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } (البقرة 38). ورضى الله الإسلام ديناً لعباده في الأرض بأن يسلموا وجوههم إليه منيبين إلى الله على صراط غير ذي عوج كصراط كل شيء أسلم إلى الله { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .‏} (البقرة 112). بذلك يتخلى الإنسان عن حمل الأمانة التي حملها ظلماً وجهلاً ويحمل نفسه على صراط ربه محرراً من الخوف ومن الحزن في ظلال آمنة من رحمة الله { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (فصلت 30).

الاستقامة على صراط الله هي العدول عن اختيار حمل الأمانة باختيار حمل النفس على الإنابة إلى الله كما أنابت السماوات والأرض والجبال فأمنت الزلل كما أمنت السؤال والحساب.. لا سبيل إلى صراط كصراط القمر الذي لم يشأ حمل الأمانة، ولكن الله من رحمته جعل للإنسان بديلاً باختيار الوحي والقنوت لله.. فمن اختار الوحي قانتاً لله فقد اختار ولاية الله الذي يتولى كل شيء في الأرض وفي السماوات العلى بإتقان بديع سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . } (يونس 62-64). لا تبديل لكلمات الله.. من اتبع الوحي فقد اتبع الرسول.. ومن اتبع الرسول فقد اختار ولاية الله.. ومن تولى الله فلا يخاف ولا يحزن في الحياة الدنيا ولا في الآخرة بل له البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وذلك هو الفوز العظيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال قول الحق من ربه { إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } (الأعراف 196).

المؤمن الذي أسلم وجهه إلى الله وأناب إليه يعيش حياته مستبشراً بنعمة الله مسروراً بآياته قرير العين بالقنوت له.. لا يخاف إلا الله ولا يحزن إلا إذا فرط في جنب الله { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (النور 55، 56). وعداً مؤكداً من الله بلام التأكيد ونونها للذين يعبدونه لا يشركون به شيئاً.. لم تكن عبادة الله أبداً مهانة ولا ذلة.. بل كانت منذ خلق الله السماوات والأرض اختياراً حراً ليحمل الإنسان نفسه على صراط ربه عزيزاً كريماً آمناً مطمئناً مستبشراً قرير العين مسروراً.. عبد الشيء بتشديد الباء أو بتخفيفها إذا مهده وهيأه.. فمن عبد النفس على صراط الله بعيداً عن نازعات الهوى ومواطن الزلل فقد أمن فلكاً مستقيماً كفلك الأرض أو الشمس أو القمر ومن اتبع السبل متفرقاً عن صراط الله فقد هوى كالذي تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق لا يأمن التمزق ولا يأمن الضياع أولئك في الأذلين.

المؤمنون في كتاب الله أحد رجلين.. رجل قضى نحبه.. ورجل ينتظر { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } (الأحزاب 73). نحب الإنسان نحباً أو تنحيباً إذا أوجب على نفسه أمراً وذلك كما جاء في تاج العروس للإمام الزبيدي رحمه الله.. ونرى إن الإنسان ينحب نحباً إذا أوجب على نفسه أمراً صالحاً ويستفاد ذلك من شعر لبيد إذ يقول (ألا تسألن المرء ماذا يحاول.. أنحب فيقضي أم ضلال وباطل) فقد جاء بالنحب مضاداً للباطل والضلال والنحب كذلك هو السير في كثرة الدأب.. يقال (سار على نحب) إذا سار فأجهده السير والحياة الدنيا في نظر المؤمن مسيرة كثيرة الدأب على الحق والهدى من صراط الله الذي بينه الله للناس بالقرآن.. وهذا هو نحب المؤمنين فمنهم من قضى نحبه ومنهم ينتظر.. وليس لهم من دون ذلك في الحياة بديل عن ذلك ولا يبغون من دونه حولاً.

{ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ . فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .‏ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ . فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } (الروم 48-53).

تصور هذه الآيات العظيمة تقلب الناس بتقلب أحوال الحياة الدنيا.. فتراهم مبلسين إذا انقطع عنهم الخير.. ثم تراهم يستبشرون إذا جاءهم خير من ربهم.. فإذا أصابتهم سيئة بما قدمت أيديهم إذاً هم يكفرون.. أما المؤمن فهو في الخير شاكر لأنعم الله.. وهو في السيئة صابر على ما أصابه.. لا يفرح إلا بإيمانه.. ولا يحزن إلا على خطيئته.. فذلك الذي ينتظر نحبه على صراط مستقيم.

لم تكن البلاغة كما يقولون هي مظهر (إعجاز) هذا القرآن.. بل إن الآية الكبرى وأعظم المجد والإبداع في إحاطته الشاملة بتفصيل كل شيء حكمةً بالغةً وموعظةً حسنةً وهدى للناس، ونور مبين يكفي الحنفاءَ الذين يتلقون الدين وحياً من ربهم ولا يشركون في حكمه أحداً سبحانه وتعالى علواً كبيراً.. إننا نجد الجمال في كلمات الله كما نجد الجمال في ريشة طاووس أو جناح فراشة أو أي شيء من خلق الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه.. ولكننا لا نجد تفاصيل الحكمة والاستقرار العظيم على صراط الله واطمئنان القلب ونقاء الروح وشفاء الصدور إلا في هذا القرآن { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } (الكهف 109).

لقد فطر الله الناس على تلقي الوحي إذا أقام الناس وجوههم للدين حنفاء على ملة أبيهم إبراهيم.. ذلك أن الله الذي خلق الإنسان هو الذي نزل هذا القرآن فيمتزج العقل الذي خلقه الله بالكلمة التي أوحى بها ليصدر الإنسان الرباني الذي يعرف نحبه ولا ينتظر سواه { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . }(الروم 30-32).


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home