Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 3 September, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (23)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

آل عـمران

{إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء . فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ . قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ . وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ . يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ . إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ . وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ . إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ . فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ . وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ . إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ . إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ . قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .} (آل عمران 33-64).

إن أعلى مراتب الإيمان أن يكون الإنسان على بينة من ربه فلا يجد خلقاً أعظم من خلق الرحمن ولا يجد الحكمة إلا في كلمات الله ولا يجد قوة أعظم من قوة الله ولا يستبدل بحكم الله حكماً ولا يجد له شريكاً ولا والداً ولا ولداً ولا كُفُؤاً ولا يجد كمثله شيء في الأرض ولا في السماوات العلى، هو الله خالق كل شيء وهو الرحمن الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وكل شيء من صنعه وكل شيء قد تحددت له البداية والنهاية بإرادته هو وحده سبحانه وتعالى يحي ويميت فإذا قضى شيئاً فإنما يقول له كن فيكون ثم إن كل شيء من بعد ذلك هالك إلا وجهه وكل إنسان من بعد ذلك آت الرحمن عبداً.. وما يزال الإنسان يترقى في هذه المراتب من الإيمان حتى تصفو نفسه وتطهر روحه ويصبح ربانياً لا يحب أي شيء إلا لأن الله قد أحبه وحبب إليه أن يحبه ولا يكره الشيء أي شيء إلا لأن الله قد كرهه وحبب إليه أن يكرهه.. ويرى نار جهنم رأي العين في كل عمل يعمله وفي كل قول يلفظه وفي كل خطوة يتقدم بها أو يتأخر في الحياة الدنيا ولا يكره شيئاً أعظم من أن يقذف فيها مع الغاوين الذين تربصوا وارتابوا وجادلوا في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

الغاوون يرون في سير الأنبياء سحراً أو جنوناً أو كذباً أو ضلالاً كما رأى قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب، أما الربانيون فلا يرون في هذه السيرة إلا الحق والحكمة والصدق والهدى كما سئل الذين آمنوا من قوم صالح { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ.} (الأعراف 75)، لم يتربصوا ولم يرتابوا ولم يجادلوا بل آمنوا بالحق الذي أرسل به بكل صفاء الصدق الذي جاء به وبكل صفاء التصديق الذي وجدوه في أنفسهم.. الربانيون لا يجدون غشاوة على أبصارهم تحجب عنهم الرؤية الصادقة ولا يجدون في آذانهم وقراً يمنع عنهم السمع الرشيد ولا يجدون حجاباً يحجب عنهم الوحي فيتلقونه طهوراً كما أنزل إليهم طهوراً من ربهم لا يختلط عندهم الماء بالسراب ولا يختلط في آذانهم الصوت بالصدى.. فهم على بينة من ربهم آمنوا بالله فزادهم هدى وآتاهم تقواهم.

يأتي بعد ذلك موسى فيُفجِّر الماءَ بعصاه ويَفلق البحرَ فرقين كل فرق كالطود العظيم فيقول الربانيون آمنا بربنا إنه على كل شيء قدير.. تحمل سفينة نوح من كل زوجين اثنين فوق الطوفان العظيم، ويقول الربانيون إننا نرى ربنا أعظم من ذلك فهذه الكرة تحملنا وتحمل آباءنا الأولين كما تحمل أنعامهم وزروعهم ومن كل شيء في فضاء من الفلك وفي دوران دائم أدق من عقارب كل الساعات التي عرفتها الأرض.

ليس في السماوات ولا في الأرض شيء يدعو الربانيين الذين آمنوا بربهم أن يتعجبوا من أمر الله، فكل مثل من الغيب له من الواقع بينة تدل على أن الله على كل شيء قدير وأنه إذا أراد شيئاً فلن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وأن كل أمر يتم على أعظم خلق وعلى هدى وعلى صراط مستقيم بأسرع من لمح البصر سواء تعلق هذا الأمر بحياة شيء أو موته أو ببعثه أو بحسابه.

وكان عيسى عليه السلام الامتحان الأخير للبشر.. من قبل الكتاب المحفوظ.. جاء من أم طاهرة تقية مؤمنة بغير أب فقال الربانيون قول الحق من ربهم { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (آل عمران 59) وقال الغاوون ولد الله وما كان للرحمن أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.. وجاء يكلم الناس في المهد وكهلاً وكان يحي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيكون طيراً بإذن الله فقال الربانيون قول الحق من ربهم { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً . لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً .} (النساء 171) وقال الغاوون بل هو ثالث ثلاثة وقال الله { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.} (النساء 157-158) فقال الربانيون إن الله ينصر رسله في الحياة الدنيا وفي الآخرة لقد أنجى نوحاً فوق الطوفان وأنجى هوداً وصالح وشعيباً من الصواعق وأنجى موسى من فرعون وأنجى إبراهيم من النار فما هو العجب في أن ينجو عيسى من الصلب ومن القتل ليطهره الله من الذين كفروا ويرفعه إليه.

{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ .} (العنكبوت 1-3). فالذين صدقوا لا يفتنهم شيء عن ربهم فهم على صراط مستقيم لا ينحرف بهم عن هدى الله فلا يرون شيئاً إلا إنه من صنع الله ولا يجدون هدى غير هدى الله. يبصرون الآية من ربهم ويعلمون أنها الحق فإن أدركوا حكمتها فقد ازدادوا هدى وإن لم يدركوا حكمتها قالوا ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار.. أما الكاذبون فيسقطون في الفتنة ويقيمون الحجة على أنفسهم إنهم كانوا من الغاوين.. وجاء عيسى بالحق من ربه ليمهد لعهد جديد.. عهد تكون فيه كلمة الله الباقية هي الآية الوحيدة التي لا قبل لبشر بأن يأتي بمثلها.. ولد بغير أب وجاء يكلم الناس في المهد ويخلق الطير بإذن الله ويحي الموتى بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله وينبيء الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ومع كل ذلك فقد سألوه مائدة من السماء ليأكلوا منها ولتطمئن قلوبهم وليعلموا أنه من الصادقين فأنزل الله المائدة من السماء عليهم.. آيات بينات يراها الذين صدقوا فيؤمنوا ويراها الغاوون فيسقطوا في الفتنة.

وجاء عيسى عليه السلام مصدقاً لما بين يديه من التوراة ومهيمناً عليه بما أوتي من الإنجيل ليُستحفظ البشرُ للمرة الثانية والأخيرة على كتب ربهم إن الحادثة الواحدة لا تصنع قاعدة، ولا يمكن أن يتخذها الناس في المنطق مثلاً، ولكنها إذا تكررت فإنها تصبح قاعدة وتصبح مثلاً.. فهذه هي البشرية قد ائتمنت على كتاب ربها مرة فأضاعته. فكان لا بد أن تؤتمن عليه مرة أخرى فإذا أضاعته من بعد ذلك فإنه حري بالإنسان ألا يأتمن أحداً على دينه غير الله الذي حفظ له القرآن ولم يستحفظ عليه أحداً من الإنس { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . }(الحجر 9) .

استُحفظت البشرية مرتين على كتاب ربها فلم تحفظه وكان الله يعلم أنها لن تحفظه حتى يحفظه بإذنه تبارك وتعالى... وما كان ذلك عبثاً ولا سدى بل لحكمة بالغة ظاهرة حتى لا يأمن الناس أحداً على دينهم غير الله، ولا يقيمون الدين إلا بكلمات الله كما حفظها سبحانه وتعالى في كتابه.. لا نفاق في دين الله فإن أحداً لن يغني عنك من الله شيئاً يوم القيامة ولا وصاية على دين الله إلا بكتابه فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث من رب العالمين إلى الناس كافة لم تكن له هذه الوصاية إلا بالقرآن الذي أوحى إليه من ربه.

إن أول آية في خلق المسيح عيسى ابن مريم رسول الله إنه جاء إلى الدنيا بغير أب وهي آية تقيم البينة على أن الله الذي يخلق بغير أب قادر على أن يخلق بغير أب وبغير أم.. فإنما يولد الناس من الأب والأم بقانون يحكم الأب والأم والابن ولكنه لا يحكم الخالق لأنه هو الذي وضع لهم هذه القوانين وهو وحده القادر على أن يستثني منها.. ولم يكن هذا الاستثناء في خلق الله أمراً عجباً.. فلقد جاء آدم إلى الدنيا بغير أب أو أم وجاء إسحاق ومن بعده يعقوب عليهما السلام من أب شيخ وأم عجوز كما جاء يحيى عليه السلام من أب شيخ بلغ من الكبر عتياً ومن أم عاقر، وكل ذلك في الاستثناء أكبر ولا شك من خلق جنين في رحم أم تحمل وتضع بأمر الله سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون سواء تم ذلك بقوانين يألفها الناس أم بقدرة مطلقة لا علم لهم بها ولا قبل لهم بقياس سننها وحكمتها.. وفي عهد عيسى عليه السلام كنا نرى الطير يخلق من بين يديه بغير ذكر أو أنثى أو بيض أو لقاح بل كان الطير يخرج بنفخة واحدة في الطين بإذن الله.. وكنا نرى الطير يمزق إرباً ويشتت في الجبال وبدعوة واحدة من إبراهيم عليه السلام يعود الطير كما كان طيراً في حياته الأولى، كما رأينا الموتى يخرجون من الأجداث بدعوة واحدة من عيسى عليه السلام.. قوانين الحياة والموت هي سنن تحكم المخلوق ولكنها لا تقيد الخالق، والآية الكبرى في خلق إسحاق ويعقوب ويحيى وعيسى وإحياء الطير والموتى على يد إبراهيم وعيسى ابن مريم عليهما السلام إنما تنزلت بحكمة بالغة ليؤمن الناس بأن قوانين الحياة والموت التي تقيدهم لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تقيد الخالق لأنه هو الذي وضع للناس هذه القوانين وهو وحده القادر على أن يستثنى منها { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (المائدة 17).

إن الآية الواحدة كما يهتدي بها قوم فإنه يضل بها آخرون { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ .} (التوبة 124، 125)، وكذلك فقد جاء عيسى بالبينات من ربه فأما الذين آمنوا فقد استيقنوا أن قدرة الله لا تقيدها حدود ولا تخضع لقوانين، وأما الذين في قلوبهم مرض فمنهم من وجده ساحراً ومنهم من رآه إلهاً ومنهم من ظن أنه ابن الله وكذلك يسقطون في الفتنة ويقيمون الحجة على أنفسهم أنهم متخلفون عن امتحان ربهم سبحانه وتعالى عما يقولون.. أولئك الذين كفروا من بني إسرائيل فلعنهم الله كما لعنهم المسيح عيسى ابن مريم وكما يلعنهم اللاعنون { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ . كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ . تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ . وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ . لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ . فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ .} (المائدة 78-85).

بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب بن إبراهيم عليهما السلام منهم المسلمون ومنهم اليهود ومنهم النصارى ومنهم الذين كفروا من الأحياء منهم وممن سبقهم من الأولين الله أعلم بهم وهو يفصل بينهم بحكمه يوم القيامة.. وأما اليهود فهم الذين يتبعون الملة التي وجدوا عليها أحبارهم وآباءهم وكتبهم ما كان منه صحيحاً وما كان أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.. وأما النصارى فهم البقية الباقية ممن اتبعوا عيسى ابن مريم عليه السلام وألفَوا آباءهم على أمة تهجر الإنجيل كما ألفينا آباءنا على أمة تهجر القرآن.. ولكن المؤمنين الذين أسلموا لربهم يجدونهم أقرب مودة إليهم وأحب إلى نفوسهم { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم 1-5)، إن معنى الرومي في هذه الآيات البينات هو النصراني الطيب المتواضع.. أو هو الديمقراطي الذي يؤمن بالمحبة سبيلاً إلى الحياة الدنيا، لا يتعصب للون ولا لعنصر ولا لجنس ولا لدين، وتجده أقرب إلى الحق فإذا اطلعت على سلوكه وعلى قوانينه وجدت فيها شيئاً من وحي الله.. هؤلاء هم أقرب مودة للذين آمنوا وهم أحق بالمودة والبر.

ويبين الله تبارك وتعالى أن الذين اقتتلوا من بعد الرسل لم يقتتلوا أبداً في دين الله ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فأما الذين آمنوا فقد دعوا إلى السلم فلم يبادروا أحداً بعدوان وأما الذين كفروا فقاتلوا، أولئك جعل الله للمؤمنين سبيلاً عليهم لرد عدوانهم { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .} (البقرة 253).

في نبوءة ميخا نجد حديثاً عجباً عن الذين يفرضون الوصاية لأنفسهم في دين الله فيكرهون ما أنزل الله ويصدون عن سبيل الله ويريدون بناء الأمجاد بالإثم وبالدماء ويسألون الناس أجورهم ولا يحتسبون أجورهم على الله فيأكلون أموال الناس بالباطل ويقولون سيغفر لنا، أولئك تبشرهم النبوءة بالخزي في الحياة الدنيا.. ولعذاب الآخرة أشد وما لهم من الله من واق (اسمعوا هذا يا رؤساء آل يعقوب وحكام آل إسرائيل الذين يمقتون العدل ويعوجون كل استقامة، الذين يبنون صهيون بالدماء وأورشليم بالإثم إنما رؤساؤها يحكمون بالرشوة وكهنتها يُعَلمِّون بالأجرة وأنبياؤها يتخذون العرافة بالفضة ويعتمدون على الرب في وسطنا فلا يحل بنا شر، لذلك ستُحرث صهيون بسببكم كحقل وتصير أورشليم رجماً وجبل البيت مشارف غاب- العهد القديم، نبؤءة ميخا، الفصل الثالث) هذا ما قاله اليهود أنفسهم شاهدين على الوصاية في دينهم، وجاء الأوصياء في دين الله من بعدهم يضاهئونهم في لباسهم وفي قولهم وفي دعوتهم بأساليب متفاوتة وأشكال مختلفة ليهجروا كلمات ربهم وليتبعوا أهواءهم.. لكن الله يشهد بما أنزله على رسوله بالحق وهو خير الشاهدين { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .} (التوبة 34).

إنما بعث الله النبيين والمرسلين لتحرير الإنسان من الخضوع لغير الله. وتحطيم الأصنام بجميع أشكالها سواء كانت صنماً من حجارة أو من كوكب أو من حيوان أو من ملك أو من إنسان يلبس كهانة أو إنسان يتكلم بغير ما أنزل الله { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (الأعراف 157).

محمد رسول الله

قرأت أكثر ما كتب الأولون عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فلم أجد قولاً أحاط بسيرته وأنزله منزلته الكريمة إلا قولاً واحداً ينسبونه إلى أم من أمهات المؤمنين (رضى الله عنهن) أنّها قالت (كان خلقه القرآن)، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه إنما بعث ليكون أول المسلمين وخاتم النبيين بكتاب من عند الله يوحى إليه فيتعلمه ويتبعه ويعلمه الناس ليتبعوه وليقتدوا به في اتباعه بإحسان إلى يوم القيامة لا نذير ولا بشير من بعده إلا بقرآن.

ولد يتيماً فآواه الله ويبين الله لعباده أنه من أراد أن يقسط في اليتامى فإن القسط الأوفى لا يتم إلا كما أتم الله نعمته على عبده بالمأوى، ربما كفل الله المأوى لرسوله اليتيم في بيت جده أو في بيت عمه الله أعلم بذلك سبحانه لا علم لنا إلا ما علمنا ولا نقول على الرسل إلا الحق ولا نجد من بين أيدينا ولا من خلفنا أحق من الحق الذي أنزل علينا بالوحي من عنده وبعلمه تبارك وتعالى. ووجده الله من بعد يتمه عائلاً فأغناه الله، ربما أغناه الله بالتجارة أو بالميراث الله أعلم وربما كان متوسط الثراء أو أقل من ذلك ولكن الذي لا شك فيه أنه كان غنياً عن الناس وكان يجد رزقه من الطيبات ميسراً في حياته معصوماً من الناس.. ومن كان قد أغناه الله فإنه ينزل أكرم المنازل ويلبس أشرف الثياب ويظهر بأطيب زينة ويغمس خبزه في أطيب الطعام. وكذلك يصنع الأنبياء على عين الله في أمة وسط يشرقون على الناس في الظلمات كأول خيط يظهر من الفجر صغيراً لا يكاد يرى ولكنه لا يلبث حتى يتم به نور الله، فهم الهدى وهم النور الذي لا يأفل إلا في قلوب الذين فسقوا من الجاحدين.. جاء صلى الله عليه وسلم لا يَعلم القرآن ولا الإيمان كما جاء أول خيط من الفجر لا يعلم ما وراءه من النور فهداه الله.

{ وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى . وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى . فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .} (الضحى 1-11).

كان صلى الله عليه وسلم بشراً ورسولاً... كان بشراً بالسبع المثاني رسولاً بالقرآن العظيم { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ . وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ . كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ .} (الحجر 86-89)، أتم الله نعمته عليه وسواه بشراً متكاملاً على السبع المثاني بالخلق العظيم، لم ينقصه ربه شيئاً منها... أربع ظاهرة عينان مبصرتان وأذنان سماعتان ويدان كريمتان ورجلان تمشيان، وثلاث باطنه طاهرة محفوظة بأمر الله فتبارك الله أحسن الخالقين.. حتى إذا بلغ أشده واستوى عليهن أتاه ربه النبوة بالقرآن العظيم.. وبيّن له تكاليف نعمته ألا يتطلع إلى زينة الحياة الدنيا التي لم يفرض الله له شيئاً منها، وألا يحزن على الناس إذا أرادها الناس عوجاً أو أرادوا به مكراً، وأن يخفض جناحه للمؤمنين، وأن ينذر بالقرآن من يخاف وعيد.. إن فاتحة الكتاب من القرآن العظيم، وإنما السبع المثاني لبيان أنه صلى الله عليه وسلم كان قد استوى على خَلْق عظيم متكامل غير منقوص لا في ظاهر خَلْقِه ولا في باطنه، ويحاجون بأن المثاني أكثر من ذلك في الأبدان وإنما هي السبع من المثاني التي لا يستوي الخلق إلا عليها فتبارك الله أحسن الخالقين.

لم يكن صلى الله عليه وسلم يبيت على الطوى ولم يكن ليغمس خبزه في الخل كما غمسه اليهود من قبل بل كان يأكل من الطيبات { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .} (المؤمنون 51)، ولم يكن يبيت في الخيام أو يسكن الكهوف المرتفعة أو المنخفضة بل كان يسكن الحجرات { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.} (الحجرات 4)، ومن كان يسكن الحجرات فإنه كان قادراً على تأثيثها بما يسر الله لعباده في الأرض، فإذا أقام الصلاة أقامها على متكيء لين لا تتورم به قدماه ولا تسود به جبهته الشريفة بل تزداد بالتقوى جمالاً وضياءاً عليه صلاة الله وسلامه في العالمين.. {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } آياتهم ونورهم وعلامات التقوى ظاهرة على وجوههم من أثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

كانت له أزواج هن أمهات المؤمنين أحلهن الله له كلهن سواء منهن من اتخذها زوجاً أو استنكحها ليأويها أو يأوي يتيماً لها في حجرة من حجراته صلى الله عليه وسلم { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً . وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الأحزاب 50)، ولا نعلم عدد أزواجه صلى الله عليه وسلم ولكننا نعلم بيقين أنه لم يكن ليجمع بين أكثر من أربع أزواج في وقت واحد الأولى زوجاً والثلاثة من بعدها إيواء فذلك حكم الله الذي كان يتبعه ولم يرخص له بتجاوز ذلك بل على العكس حرم عليه النساء من دون المؤمنين إلا لإيواء ملك اليمين من بعد أن جاءه حكم ربه تبارك وتعالى { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً .} (الأحزاب 52).

هن أمهات المؤمنين دعاهن الرسول ليعرضن عن الحياة الدنيا ولا يردن إلا الله ورسوله والدار الآخرة فحفظن العهد والإيمان وأطعن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وذَكَرنَّ ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.. هن أهل البيت اللاتي جاءهن كتاب من الله ربهن خاصة من دون نساء المؤمنين، فما بال القوم الذين يتحدثون عنهن بغير سلطان أتاهم لا يكادون يفقهون حديثاً.. ألا فليسمعوا كتاب الله إلى أمهات المؤمنين وإن لنساء المؤمنين في أمهاتهن لقدوة حسنة { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً . وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً . يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً . يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً .} (الأحزاب 28-34).

هن الحرائر المحرمات رضي الله عنهن لا يؤذين ولم يرخص الله لهن الزواج من بعده أبداً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً .} (الأحزاب 53)، رحمة الله وبركاته عليهن أهل البيت إنه حميد مجيد.. فمن كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فليمح من التاريخ حديث الإفك وواقعة الجمل وغير ذلك مما أقحم على تاريخ المسلمين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. ومن كان يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فإنه يكفيه ما جاءه من ربه في النبيين وفي أزواجهم على سواء.. إن حديث الإفك إنما أنزل في امرأة مؤمنة من نساء المؤمنين برأها الله بكلماته، وما من أحد يستطيع أن يقيم البينة على اسمها أو اسم زوجها أو أسماء الذين جاؤوا بالإفك المبين فيها.. ثم ما حاجة المؤمنين إلى وضع الأسماء على قصص القرآن الذي أنزل إلينا بغير أسماء، ألا يكفينا أن الله سبحانه وتعالى قد حصن نساءنا بهذا الحديث وجرم الذين يخوضون في أعراضنا بغير الحق وغلظ عليهم العقاب في الدنيا وفي الآخرة.

لم يكن عليه الصلاة والسلام ليدري ما الكتاب ولا الإيمان { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ .‏} (الشورى 52-53)، وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليتنبأ لنفسه بالوحي من قبل أن يقضي إليه، ولم يكن لأحد أن يتنبأ له بالرسالة من قبل أن يبعثه الله بها { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ .} (القصص 86)، فلم يكن لبحيرة ولا لمستور ولا لغيرهما من كهان يهود أو نصارى أن يرجو ما لم يكن هو نفسه يرجوه، وما كان الله ليطلع على غيبه أحداً.

في ليلة مباركة من شهر رمضان جاءه الروح الأمين بقرآن عربي مبين { حم . وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ . إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ . لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . } (الدخان 1-8)، ليلة مباركة حاسمة في تاريخ الإنسان من يوم هبط آدم إلى يوم يبعثون { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .} (القدر).. فمن أراد أن يصيب هذه الليلة فإن له أن ينشدها في ليلة من ثلاثين ليلة في شهر رمضان.. وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (البقرة 185).

وتتابع الوحي من بعد ذلك آية بعد آية كل آية تنزل عليه ببيان موضعها من القرآن ومكانها من سورتها وشكلها ورسمها { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ .} (النحل 101-102)، فالآية من القرآن لم تكن لتنزل بالحق من الحق تبارك وتعالى لتدون على سعف النخيل أو لتحفر على الحجارة أو لتنقش على صدور الرجال حتى يأتي زمن عثمان ليجمعها بعد هذا التفرق كما يزعمون، بل ها هي ذي تبدل من مكان إلى مكان حتى تكتمل بها سورتها في مصحف الرسول الذي كان يدون على عينه والذي ما نزال نرسم عنه القرآن جيلاً بعد جيل محفوظاً بأمر الله لا مبدل لكلماته من بعد الوحي إنه كان وعده مأتياً.

وكان قولاً ثقيلاً لا يحتمله إلا أولو العزم من الرسل { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً . إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً . وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً .} (المزمل 5-10)، وظن الناس أن الوحي أمر ميسور فهونوا من شأنه إذ يرون اليوم آيات الله مسطورة برسمها العظيم الذي نجده في المصاحف بين أيدينا.. وتناسوا أنه صلى الله عليه وسلم كان يجادل بها عقولاً من الصخر وقلوباً مشمئزة لاهية ماجنة ونفوساً عابثة ساخرة طاغية.. وتناسوا أنه كان لا يعدل عن اتباعها ولا يحيد عن الاهتداء بها ولا يساوم عليها ولا يداهن فيها.. وتناسوا أنهم كانوا يجهلون فيزداد إيماناً ويكفرون فيزداد صبراً ويطغون فيزداد حلماً ويستهزئون فيزداد يقيناً ويكابرون فيزداد احتمالاً ويسيئون فيزداد إحساناً.. واعتدوا فجاهدهم به جهاداً كبيراً. وقاتلوا فقاتلهم كافة حتى أظهره الله عليهم.. فهل كان ذلك أمراً ميسوراً وهل كان ذلك شأناً هيناً.. ولنضرب مثلاً في آية الصيام التي أمر الله بها إلى الليل فجعلها المسلمون اليوم إلى المغرب، آية واحدة هجرها الناس وألفوا غيرها بغير سلطان بين فهل لك إلى أن تبين للناس الفرق بين الليل والنهار؟ حاول اليوم مع الناس الذين أبصروا من الفلك ما يجري وراء المجرات.. حاول إن استطعت لتعلم شيئاً قليلاً مما كان يحتمله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتجرب قدراً ضئيلاً من صبره ومعاناته.

لم يكن صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى ماء يتفجر من بين يديه فإن جهاد الذين عميت أبصارهم عن النور الذي أنزل إليه كان يكفيه، ولم يكن في حاجة إلى غير القرآن واتباع آياته دليلاً على صدق رسالته فلقد بعث إلى أولى الألباب الذين آمنوا به إماماً رشيداً ومؤمناً صادقاً ومجاهداً صبوراً ومحسناً حكيماً ومسلماً خاشعاً وإنساناً طيباً لا ينطق عن الهوى ولا يريد علواً في الأرض ولا فساداً ولا يسأل الناس أجراً بل يعطي من روحه ومن قلبه ومن ماله بغير حساب ثم يخفض جناحه للمؤمنين ويفتح أبواب بيته لكل طاعم ولكل مستأنس لحديث.. إنه خاتم النبيين فمن شاء أن يؤمن بذلك فليؤمن ومن شاء أن يكفر فقد مضت سنة الأولين، وقامت الحجة على الناس بعد أن كفروا بها { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً . وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً .} (الإسراء 89-93)، القرآن هو آية صدقه. واتباع آياته هو دليل رسالته فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن بآيات ربه ليتبع ما أنزل إليه كما اتبعها بصدق وإحسان وكما اقتدى به السابقون الأولون من المهاجرين والانصار.

ويتتابع الوحي بآيات الله محكمات ومفصلات بينات ومبينات متشابهات ومفسرات {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً . وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .} (الفرقان 32-33)، إذا كانت كتب السيرة تروي لنا الأساطير بالحق وبالباطل فإن القرآن يأخذ بأيدينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنراه قائماً يصلي أو قاعداً يذكر ربه ويتبتل إليه أو مجادلاً بآيات الله في القوم الذين آمنوا وفي القوم الذين كفروا أو متصدقاً بماله أو قاضياً بما أنزل إليه من ربه أو ماشياً في الأسواق أو طائفاً بالكعبة أو حاجاً بما أراه الله من مناسكه.. فذلك أحسن القصص مما أوحى إلينا من كتاب ربنا لا حاجة لنا في مزيد ولن نجد من دونه ملتحداً.

وتكامل الوحي بلسان عربي مبين حكمة بالغة ممن يعلم منطق الملائكة والجن والإنس والطير والدواب.. من الله الذي يسبح له كل شيء في السماوات وفي الأرض ويعلم تسبيحه ومستقره ومستودعه وحركته وسكونه.. وضرب الله مثلاً بماء طهور أنزله الله من السماء فترى القوم يدرسونه ويتعلمون تركيبه وجزئياته ووسائل تخزينه وصرفه واستعمالاته وينقبون الأرض بحثاً عنه حتى أصبح الماء لساناً عالمياً على كل قلب وهو ما يزال علماً من علوم الأرض فما بالهم لا يتعلمون لساناً جاء بكل مثل وفصل للناس كل شيء تفصيلاً وبين لهم ما يتقون في الحياة الدنيا وفي الآخرة على صراط مستقيم { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً . لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً . وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً . وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً . فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً .} (الفرقان 48-52)، فمن كان له قلب أو القى السمع إلى هذا القرآن يوماً لعلم أن تعلمه بلسانه خير له من كل ماء الدنيا بل ومن كل ما عليها من متاعها وزينتها.

بحروف الكلم التي يتحدث بها الناس ويقرأون بها ما يكتبون تنزل هذا القرآن بلسان هذا النبي الأمي الذي بعث في الأميين رسولاً.. حروف في متناول كل الناس كحرف الحاء أو الميم أو العين أو السين أو القاف ولكن هيهات أن يؤلفوا منها سورة واحدة من مثل هذا القرآن العظيم { حم . عسق . كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . } (الشورى 1-3)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم إنه إنما اهتدى بهذا القرآن وما كان لنفس أن تهتدي إلا به.. فهو الحق ولا يقوم حقٌ إلا به ولا يستقيم أمر إلا إذا استقام عليه { قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ . قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ .} (سبأ 49-50).

ويدعو الله سبحانه وتعالى عباده كافة إلى الإصغاء إليه قبل أن يعرضوا عنه ويدعوهم إلى الإقبال عليه بقلوب مفتوحة راضية قبل أن يرفضوه أو يحجبوا أنفسهم عنه.. ويبين لهم أنه لا يكرههم عليه بل يكره أن تعمى أبصارهم عما فصل لهم فيه من الهدى والفرقان.. وإن لهم من قبل ومن بعد أن يقترفوا ما هم مفترفون.. { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ . أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . } (الأنعام 113-117)، علم الله أن أكثر الناس لا يجتمعون إلا على الضلالة فإذا اجتمعوا على هذا القرآن فقد اهتدوا وذلك هو الإجماع الذي يرضاه الله ورسوله وذلك هو الحق وليس بعد الحق إلاّ الضلال المبين.

وفي ليلة مباركة من ليالي الوحي المباركة أسرى الله برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .} (الإسراء 1)، المسجد الأقصى من بيوت الله المباركة التي ينبغي أن يشد إليها الرحال، بَلَغَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة مباركة ليرى من آيات ربه الكبرى.. فما هي هذه الآيات.. لا علم لنا ولا لآبائنا.. بل هي درجة من التفضيل بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضل من الله يؤثر من عباده من يشاء ويختار وهو العزيز الرحيم.. فأما الذين آمنوا به بشراً مفضلاً ورسولاً عزيزاً موقراً، فلهم أن يترقوا في آيات القرآن فمن سبق فيه بعلم من الله فأولئك الذين فضلوا، ومن اهتدوا بما علموا منه فأولئك الذين سبقوا، ومن اتبعوا الهدى بإيمان وإحسان فأولئك الذين فازوا فوزاً عظيماً..

بلغ الرسول هذه الدرجة عند ربه فقد علم الكتاب وآمن به وإبتع الهدى الذي أنزل إليه ففاز فوزاً عظيماً ثم جاهد به جهاداً كبيراً وصبر عليه كما صبر أولو العزم من الرسل فاستحق درجة أكبر من التفضيل فكان ذلك الإسراء العظيم في تلك الليلة المباركة.

وفي نفس الليلة المباركة أو في يوم مبارك أو ليلة مباركة أخرى حدث ذلك الاقتراب العظيم.. إنه ليس حديث المعارج بل هو حديث الدنو من الثلاثة الكبر.. الأفق الأعلى وسدرة المنتهى.. وجنة المأوى.. وبلغها نبي هذه الأمة الواحدة تلو الأخرى لا يزيغ بصره عما أتيح له ولا يطغى فيه.. بل يراه رأي العين وهو ثابت الوجدان مطمئن الفؤاد خاشع القلب لرب الأرض والسماوات العلى.

إننا نعلم أن الله قريب منا ولكن قليلاً منا من يعلم كم هو قريب من الله.. لقد قرب الله رسوله إليه حتى كان قاب قوسين أو أدنى.. درجات من التفضيل بلغها محمد صلى الله عليه وسلم بعلمه وإيمانه وثباته وجهاده وصبره.. كيف ومتى وأين وماذا رأى من آيات ربه الكبرى.. وهل دنا بالارتقاء في الأفق الأعلى أم دنا كما دنت الثمار إذا تدلت وهي ما تزال مستقرة في أشجارها ثابتة على أرضها.. الله أعلم.. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى . ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى . }(النجم 1-18).

الحديث كله عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ما ضل عليه الصلاة والسلام وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى.. الأفق في اللسان العربي كما يقول الإمام الزبيدي رحمه الله هو ما ظهر من نواحي الفلك أو هو أطراف الأرض.. فإذا كنت تطل عليه من مكان وقوفك على الأرض فسوف ترى النهار من الفجر إلى آخر ضوء من النهار قبيل الليل.. وإذا صعدت جبلاً فسوف ترى أفقاً أوسع من ذلك.. وإذا ركبت طائرة رأيت من الأفق ما هو أكبر منه.. فإذا ركبت القمر أو صعدت إلى المريخ رأيت آفاقاً لا قبل لك بحصرها وقد تصل إلى كل ذلك بل وإلى أبعد منه إلى ما وراء المجرات وأنت في مكانك من الأرض إذا استعملت مراصد الفلك التي خلقها الله بأيدي عباده العلماء { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .} (فصلت 53).

أو كان للناس عجباً أن الرجل الذي علمه شديد القوى قد استوى بالأفق الأعلى ليرى من آيات ربه الكبرى.. إن الله قد فضل العلماء بعقولهم ليطلعوا على آياته فيما وراء المجرات، فما هو العجب في أن يفضل الله رسوله صلى الله عليه وسلم الذي علمه من لدنه علماً وهداه واجتباه وعصم لسانه عن الهوى بأن يطلعه على الأفق الأعلى الذي لم يعد من ورائه من أفق يمكن أن يصل إليه العلماء من بعده أبداً.

ولقد تصل المراصد إلى هذا في يوم من الأيام.. ولكن هيهات أن تصل إلى سدرة المنتهى التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم .. السدر عند العرب هو النبق، والنبق عندهم نوعان أحدهما بشوك ويقال له ضال والآخر بغير شوك ويقال له عبري والسدر المخضود هو النبق الذي لا شوك له { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ .} (الواقعة 27، 28)، وهو كما يقول الإمام الزبيدي أجود نبق يُعلم بأرض العرب لأنه حلو المذاق يفوح فم آكله وثيابه كما يفوح العطر.. وإنما ضرب الله به مثلاً من أشجار الجنة ومنها تلك الشجرة التي نزل عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أطيب الطعام ما كان من الفواكه وخير الفواكه ما كان حلو المذاق طيب الرائحة.. ولعلها استراحة المسافر بعد هذا البصر العظيم في ظلال وارفة من شجرة طيبة عندها جنة المأوى.

علم الله تبارك وتعالى أن الناس تبلغ المسجد الأقصى في ليلة واحدة وتعود منه في نفس الليلة من أماكن أبعد بكثير من المسجد الحرام.. وعلم الله تبارك وتعالى أن الناس سيطلعون على آياته الكبرى في الآفاق أفقاً بعد أفق.. فأراد سبحانه وتعالى أن يفضل نبيه على العالمين من بعده بسدرة المنتهى. فبلغها صلى الله عليه وسلم ورآها رأي العين وشاهد ما يغشاها بأمر ربها فوصل بذلك إلى أبعد ما يمكن أن يصل إليه أحد في العلم من العالمين من بعده..

وتم كل ذلك كما يتم كل شيء أراده الله { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ.} (النحل 40)، وليس في ذلك ما ينتهي بنا إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فضل بذلك على غيره من الرسل، فلقد أمر الله بألا نفرق بين رسل الله في أي شيء فكلهم قد فضلوا على العالمين.. منهم من رفعه الله هو والأجيال من بعده فوق الطوفان على ذات ألواح ودسر.. ومنهم الذي اتخذ خليلاً.. ومنهم الذي كلم تكليماً.. ومنهم الذي أتاه من الملك ما لم يؤت أحداً من العالمين.. ومنهم النبي الذي بلغ سدرة المنتهى.. والله سبحانه وتعالى قد فضل بعضهم على بعض، وما كان لبشر أن يبلغ قدر هذه المفاضلة أو الإحاطة بعلمها بل علمها عند ربي وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه رضي الله عنهم كانوا هم القدوة العظمى والقدوة الأخيرة في حياة الإنسان.. لا نبوة من بعده عليه السلام ولا نذير من بعده إلا بكتاب الله الذي أنزل عليه.. فضرب الرسول المثل الأعلى في اتباع القرآن وضرب أصحابه المثل الأعلى في الصبر معه على اتباعه.. لا تآمر في الخفاء ولا طفرة في الأحداث بل دعوة ثابتة إلى دين الله بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. دعوة هادئة لا انفعال فيها ولا تخاصم عليها.. من آمن فقد اهتدى لنفسه، ومن حجب نفسه عن الهدى فعليه كفره.. من قبل الجدل في الدين فعلى المسلمين أن يجادلوه بالحكمة والموعظة الحسنة ومن خاصم فيه فعلى المسلمين أن يعرضوا عنه ويهجروه هجراً جميلاً.. بالرفق واللين والمودة والصبر وبالحكمة والموعظة الحسنة وبآيات القرآن بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين للناس صراط ربهم إلى يوم القيامة.. فإذا أكره أحد من الذين آمنوا به في الدين فقد جعل الله له أحد مخرجين، إما أن ينطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أو يتولى الذين كفروا ليتقي منهم تقاة.. إلا من جيء به ليشهد لله ولرسوله في ملأ عظيم كما جيء بالسحرة من قبل ليشهدوا لله وللرسول في ملأ فرعون لا يكتمون الشهادة ومن كتمها فإنه آثم قلبه.

لا تآمر في الخفاء ولا طفرة في الأحداث.. بل دعوة متأنية لا استعجال فيها ونداء معلن لا حرج فيه.. ولا نصر فيه إلا لله.. لا قاهر ولا مقهور.. لا أبطال ولا متخاذلون.. لا حمية ولا انفعال.. ولذلك غلب الكفار على أمرهم ولم يجدوا ما يردوا به هذا النور الذي عميت عليه أبصارهم إلا أن يطلبوا من رسول الله أن يخرج من أرضهم.. تماماً كالذي يكره النور في شمال أوربا حين يأوى إلى النوم فلا يجد ما يقهر به النور إلا أن يغلق نفسه في حجرة سوداء معتمة.. إنهم هم الذين أخرجوه { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ .} (محمد 3)، إنه المنهاج الأخير للإنسانية وآخر صراط يوضع للناس في الأرض.. إن الله كان قادراً على أن يهلك الذين أخرجوا رسوله من أرضه وكان قادراً على أن يسلط عباده عليهم لينتصروا منهم.. ولكنها السنة الحميدة للناس في الأرض.. كان للقرية رجالها ونظامها فإذا اتخذ هؤلاء قراراً سياسياً بإبعاده فعلى المؤمنين أن يحترموا هذا القرار ولو كان ظالماً.. إن الدعوة في مكة كانت ما تزال في بدايتها، ولم تكن قد قامت للمسلمين حكومة فيها، بل الحكومة ما تزال جاهلية في أيدي القوم الذين رفضوا الإيمان وحجبوا أنفسهم عن الهدى. لا بأس فقد مضت سنة الأولين وبعث خاتم النبيين ليرسم للناس من بعده سبيل الدعوة المتأنية والنداء المعلن.. لا استعجال فيه ولا حرج منه ولا يكره أحد عليه.. فخرج هو وصاحبه إلى القوم الذين لا يرفضوه ولا يريدون أن يحجبوا أنفسهم عن نوره عليه السلام ثم تبعهما المهاجرون والمهاجرات إلى الله ورسوله لتقوم أول حكومة للرسول في المدينة المنورة في حماية أهل يثرب ومن حولهم من الأعراب الذين آمنوا..

وإذا كانت القرية هي التي أخرجته فما حاجته إلى الخروج متخفياً.. وما حاجته إلى أن يضع علياً أو غيره في فراشه.. وإذا كان الرسول قد قبل قرارهم وخرج من قريتهم تنفيذاً لما عقدوا العزم عليه فما حاجتهم إلى مطاردته في الصحراء.. والبحث عنه في الكهوف والوديان حتى إذا أتوا على الغار الذي آوى إليه وجدوا عليه حمامة ترقد على بيضها وعنكبوتاً يغلق منفذ الغار بخيوطه الواهية.. وهل هذا يدخل في منهاج الله الذي جعله الله ليستقيم عليه الناس في الأرض، أم هو القصص الذي لا أساس له في القرآن والذي أقحم على السيرة ليحجب الناس عن البصر الصحيح بدين الله الذي يريد الله ليظهره على الدين كله.. أي حمام وأي بيض وأي عنكبوت إن الرسول وصاحبه قد خرجا تنفيذاً لقرار سياسي، وربما أحسنت القرية وداعهما احتراماً لهما وتقديراً لتضحيتهما بأكثر مما يقال عن استقبالهما من أهل يثرب.

{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (التوبة 40)، أخرجه الذين كفروا بكلمة ظالمة.. وحزن صاحبه.. لم يخف بل حزن فقال له النبي لا تحزن إن الله معنا.. لم يكن هنالك شيء يخيف ذلك الصحابي الذي أبى إلا أن يرافق النبي في هجرته فظفر بهذا السبق العظيم.. ولكن كان خليقاً بمثله أن يحزن وهو الذي ما يزال في بداية العهد بهذا المنهاج الجديد الذي يكتبه الله بكلماته ليكون آخر منهاج يوضع للناس إلى يوم القيامة.. ربما تصور هذا الخروج ضعفاً أو هواناً وربما كبر عليه أن يقبل النبي هذا القرار على ظلمه، وربما أرادها ثورة وانفعالاً وحرباً وتحدياً.. ولكن ليس في المنهاج شيء من ذلك ولهذا جاءت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم قوية ثابتة عالية شامخة { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } من هو هذا الصحابي إنه مهاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل مكة سباق إلى الخير من الذين آمنوا صحابي جليل استأثر من الرسول بما لم يستأثر به أحد من المؤمنين وذكر معه في القرآن كما لم يذكر معه أحد من أصحابه.. وحسبنا ذلك مما علمنا ربنا وهو أعلم به ولا حاجة لنا اليوم إلا أن نسعى ليكون لنا لقاء به في الصالحين.

وتمادى أهل القرية في ظلمهم وازداد المؤمنون تمسكاً بمنهاجهم، فمنهم من هاجر إلى الرسول طوعاً ومنهم من أخرج من القرية إخراجاً.. فمن وصل منهم إلى الرسول فقد خرج من دولة الكافرين ودخل في دولة النبي، لذلك لم يجعل الله له من بعد أن يتخذ من الكافرين أولياء ولم يعد له أن يتقي منهم إلا في ظلال الدولة الجديدة في المهجر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ .} (الممتحنة 1), عندما كانوا في دولة الكافرين فقد رخص الله لهم في أن يتولوهم ليتقوا منهم تقاه، أما بعد أن رضوا بدولة النبي فلم يعد لهم هذا الحق وحرم عليهم أن تكون لهم اتصالات مشبوهة بأعداء الله، أو علاقات مريبة تنفصم بها عروتهم الوثقى لأنه لا ينبغي لهم أن يكون لهم في دولتهم من أولياء إلا إمامهم والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. أولئك بعضهم أولياء بعض في كتاب الله وأولئك هم خير أمة أخرجت للناس.

وحتى لا تكون حرباً معلنة على أحد أو مبادرة بالعدوان فقد حرم الله على الذين آمنوا أن تكون لهم ولاية على غير المؤمنين الذين هاجروا إليهم وجاءوا للإقامة في دولتهم {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (الأنفال 72)، ليس للمؤمنين ولاية على الذين آمنوا في ديار غير ديارهم في شيء، وليس عليهم أن ينصروهم إلا في دين الله.. فإن اختلفوا مع أقوامهم في شأن من شؤون الدنيا فلا شأن للمؤمنين بهم، وإن كان بين أقوامهم وبين المؤمنين ميثاق على عدم الاعتداء فلا نصر لهم ولو قوتلوا في الدين.. ذلك أمر الله أنزله إليكم.. لكل آية حكمها ولكل حكم موضعه في هذا المنهاج العظيم الذي فرضه الله لعباده لا ناسخ له إلى يوم الدين.

وتظل الهجرة من السنن القويمة في منهاج الله العظم.. صحيح أنه لا هجرة بعد الفتح فخير للمؤمن كل الخير أن يعيش عزيزاً في دولة الإيمان من بعد الفتح وخير لهذه الدولة أن تعتز بكل مؤمن فيها.. ولكن إذا انتكس الفتح وغلب المسلمون على أمرهم وأصبحوا في هوان بعد عزة وذل بعد قوة وبدأوا يحسون الخطر على دينهم وعلى أبنائهم فلا سبيل لهم إلا الهجرة { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً . إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً .} (النساء 97-99)، فالهجرة ما تزال هي الباب الخلفي الأخير لكل مسلم يحس الخطر على دينه أو يجد الفتح في أرض غير أرضه إذا خرج من بيته متوكلاً على الله لا يبتغي غير رحمته ورضوانه.

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على المؤمنين رؤوفاً بهم يخفض جناحه لهم ويشاورهم في الأمر ويعفو عنهم ويستغفر لهم ولا يضيق صدره بمكرهم ولا يحزن عليهم.. يعطيهم بغير أجر ويعلمهم بغير جزاء ولا يأخذ منهم إلا من شاء منهم أن يتخذ إلى ربه سبيلاً.

لم يكن يصدر عن هوى ولم يكن ينطق إلا بالحق، وكان يعرض عن اللغو ولم يكن يخوض فيه أبداً.. لم يكن يحب من دنياه إلا ذكر الله ولا يجد قرة عينه إلا في طاعة الله ولا يصبر نفسه إلا مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولم يكن يؤثر عليهم أي شيء من متاع الحياة الدنيا ولهوها وغرور زينتها، لم يكن يفضل قرشياً على يمني

ولا عربياً على أعجمي أو رومي إلا بالتقوى، فإن أكرمهم عند الله أتقاهم.. أحب الأتقياء وحبب إليهم الآخرة والإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.. لم يكن يبادر عدواً بعدوان وإنما كان يقول لهم قولاً ليناً ويعظهم بكلمات ربهم ويعرض عنهم ولا يحرص على مخاصمتهم.. يقول لهم سلاماً لا نبتغي الجاهلين لكم دينكم ولي دين.

لم يكن يفرح إلا بكلمات الله إذا أنزلت عليه وبنصر الله إذا جاء من عند الله يحق الحق ويزهق الباطل وتعلو به كلمة الله.. ولم يكن أبداً يمرح في الأرض بغير الحق ولا ينشد زينتها لذاتها ولا يضرب فيها لمجرد ابتغاء متاعها بل كانت كل حساباته لله رب العالمين يقول قول الحق من ربه {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .} (الإنعام 162).

كان طاهر القلب والثياب يداه مبسوطتان إلى الماء يسبغ بهما على وجهه الكريم وأطرافه في الصلاة.. لم يكن بحاجة إلى من يغسل قلبه فهو النبي المصطفى للناس كافة بشريعة عالية ومنهاج قويم، وإنما يبدل القلب غير القلب عند اليهود (فكان عندما حول منكبه لينصرف من عند صموئيل أن الله أبدل قلبه ووقعت تلك الآيات كلها في ذلك اليوم، وأقبل إلى الأكمة فإذا بجماعة من الأنبياء قد استقبلوه فحل عليه روح الله فتنبأ بينهم- العهد القديم سفر الملوك الأول الفصل العاشر).

كان يمشي على الأرض هوناً ولم يكن يقوم فوق رقاب المؤمنين على المنابر، إنما يتعالى بالدين على أقوامهم اليهود ولم يكن النبي يهودياً ولا نصرانياً بل كان حنيفاً مسلماً على ملة إبراهيم عليه السلام.. لا منابر في الإسلام بل جدل بالحسنى لا يأتون بمثل إلا جاءه الله بالحق وأحسن تفسيراً.. وكان حديثه بصوت غض وقول مرتل وحجة داحضة.. تخرج كلماته كالنسيم في الأيام الحارقة فيرق لها القلب ويطمئن بها الفؤاد، ولم يكن هو ولا أحد ممن اتبعه جهوري الصوت أو عالي الحناجر كالذي ينعق بما لا يسمع ليَصُمَّ الآذان ويرهق الناس وينفر منه أولو الألباب.. وإنما تخضع أعناق الذين لا يعلمون للسادة الذي يجلجلون كالطبل من فوق المنابر (وقام عزرا الكاتب على منبر من خشب مصنوع لذلك وقام بجانبه متيا وشامع وعنايا وأوريا وحلقياً ومعسياً عن يمينه وفدايا وميشائيل وملكياً وحشوم وحشبدانة وزكريا ومشلام عن يساره، وفتح عزرا السفر على عيون جميع الشعب لأنه كان فوق الشعب كلهم ولما فتحه وقف الشعب أجمعون، وبارك عزرا الرب الإله العظيم فأجاب جميع الشعب آمين آمين رافعين أيديهم وخروا وسجدوا بوجوههم للرب إلى الأرض- العهد القديم سفر نحميا الفصل الثامن) فذلك هو المنبر وذلك مكان الشعب من السيد القائم على المنبر لا يملك من أمره إلا أن يقول آمين ويخر بوجهه ساجداً إلى الأرض.. أما النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان هو الذي يخفض جناحه لشعبه وكان يسمح لهم بمناقشته والرد عليه في جدل بالحسنى وبالقول البليغ.. إن الله قد جمع كل العلم وكل الحكمة في قلبه فما حاجته إلى أن يكون فظاً غليظ القلب وقد علم الله أنه قادر على أن يخضع أعناقهم له كما خضعت أعناق الشعب للسيد القائم على المنابر.. ولكن الله سبحانه وتعالى لم يكن يريد ذلك بل كان يريد أن يؤلف بين قلوبهم ويجمع بينهم على الحب والمودة والرحمة والإحسان.. إنه سبحانه هو الغفور الودود.

كان يسبح بحمد ربه في النهار سبحاً طويلاً، ويقوم من الليل ثلثه ونصفه وأدنى من ثلثيه أحياناً.. صام رمضان وحج البيت واعتمر بمناسكه التي أراه الله.. لم يزد فيها ولم ينقص منها شيئاً وما كان لأحد أن يبين له الفرق بين الليل والنهار إذا شهد شهر رمضان صائماً.. كان أول من صدع بالحق فإذا أصر المستكبرون تولى عنهم وصفح الصفح الجميل يقول كما قال أخوه شعيب من قبل { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .} أقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وجاهد في سبيل الله لا يخشى أحداً غير الله.. وأحل للناس ما حرم عليهم ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وأسقط الحجب عن أبصارهم لينظروا في ملكوت السماوات والأرض.. وأطلق أفكارهم لينظموا أمورهم ويقدروا في السرد باتباع المعروف واجتناب المنكر وقول الزور حنفاء لله غير مشركين به.. ولقد استنفر من كل فرقة طائفة من المؤمنين ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون لم يكن يسب أحداً من الناس ولم يكن يعير أحداً بنقيصة أو بجهل ولم يكن همزة لمزة ولم يكن يغتاب أحداً أو يستهزيء برجل أو بامرأة مهما بلغت من الجهل، فالناس درجات في العلم وكان هو أعلم الناس يقول قول الحق من ربه { رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً .} (طه 114) لا يقضي بنبأ حتى تقوم البينة عليه ولا يظن بأحد سوءاً حتى يظهره الله عليه.. هو خاتم النبيين لم يبشر من بعده بأحد لا بمهدي منتظر ولا بغير منتظر، لم يترك من بعده غير القرآن محفوظاً بأمر الله لا مبدل لكلماته فمن اتبعه فقد اتبع الرسول ومن هجره فقد خسر الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين.

كان يستشير أصحابه في أساليب الخطة وتوقيتها ولم يكن يستوحيهم في الدين فإذا خالفوه فيما أوحى إليه لم يكن لينزلق معهم عما جاءه من الحق ولم يكن أبداً ليتبع أهواءهم ولو أجمعوا عليه.. كان يبلغ رسالات ربه ولا يجد حرجاً فيما أوحى إليه ولا يخاف أحداً إلا الله.. كان بشراً من أميين لا ينتمي إلى يهود ولا إلى نصارى، بل رسولاً من الأمة إلى أميين ونبياً إلى الأولين والآخرين إلى يوم الدين.. وكان قارئاً كاتباً عالماً لما علمه الله حكيماً بما تفضل الله عليه ولم يكن يشتغل إلا بقراءة القرآن ولم يكن يشتغل إلا بكتابته فبقى مصحفه محفوظاً بأمر الله إلى يوم يبعثون، وبقيت كلمات الله لا يأتى بمثلها القراء والكتاب من الأولين والآخرين ولو قدر لهم أن يجتمعوا عليه، ومن السفه أن يكون العجز عن القراءة والكتابة دليلاً على صدق القرآن وهو الحق من الحق دليل على صدقه وبيانه.

كان صلى الله عليه وسلم أول من هاجر في سبيل الله وكان أول من قاتل لرد العدوان.. فإذا انتصر فنعم المنتصر.. لم يكن يأخذ الأسرى ولم يكن يمعن في سفك الدماء.. وحديث المعارك في القرآن ليس كحديث المعارك في العهد القديم حتى نكتبه مخضباً بالدماء والأحقاد والثأر والهوى وصيحات المغاوير الذين لا يشق لهم غبار، وانفعالات الأبطال الذين لا يقهر لهم سيف ولا تخمد لهم نار.

إن الدم لا يسفك في الإسلام سدى بل هو الجراحة التي لا مفر منها لإنقاذ الجسم البشري، والمسلمون لا يحاربون لقتل الرجال وقهرهم بل يقاتلون لحمل الناس على العودة إلى السلام { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .} (البقرة 208)، إن الله تبارك لا يدعو إلى دارين دار للحرب ودار للإسلام بل يدعو إلى دار واحدة في الأرض جميعاً تحت ظلال وارفة من النور والسلام { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .} (المائدة 15، 16)، ربنا رب السماوات والأرض ومن أسمائه الحسنى التي ندعوه بها إنه هو السلام تبارك { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } (الحشر 23)، أعداء الله يوقدون نار الحرب فلا يجد المؤمنون بداً من الخروج لإطفائها بنار مثلها، فإذا ارتدع أعداء الله وجنحوا للسلم فذلك ما يريد الله ورسوله وعلى المؤمنين أن يجنحوا لها.. المسلمون لا يخرجون لقهر الرجال بل يقاتلون لقهر العدوان ورد الظلم واستتباب الأمن والسلام.. هذه هي شريعة إبراهيم وموسى وعيسى وهذا هو ما وصى به الله محمداً صلى الله عليه وسلم.. فمن أين جاء المسلمون بالحرب المعلنة على الكافة والنار الموقدة لقهر الرجال والديار وسبي النساء وجمع الأسلاب إلا من الذين يدعون إلههم برب الجنود (وقال صموئيل لشاويل أنا الذي أرسلني الرب لأمسحك ملكاً على شعبه على إسرائيل فاسمع الآن قول الرب، هكذا يقول رب الجنود قد افتقدت ما صنع عماليق بإسرائيل وكيف وقفوا لهم في الطريق عند خروجهم من مصر، فهلم الآن واضرب عماليق وابسل جميع مالهم ولا تعف عنهم بل اقتل الرجال والنساء والصبيان والرضع والبقر والغنم والإبل والحمير – العهد القديم سفر الملوك الأول فصل 15).

الله هو السلام والله لا يدعو إلا إلى دار السلام والله جعل تحية المؤمنين في الدنيا والآخرة سلام ولا حرب إلا من أجل السلام ولا قتال إلا لقهر العدوان ودفع كل خطر يهدد السلام.. فمن يقاتل في سبيل السلام فإن الله هو السلام ومن يقاتل في سبيل العدوان فإنما يتبع خطوات شيطان عدو مبين.. وكتب الله لينصرن من ينصر السلام وليقهرن أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً.

وفي القرآن معركتان في آيتين بينتين. لا دماء فيها ولا مغاوير.. لا قهر فيها ولا عدوان.. بل نصر بالإيمان ثم هزيمة بالغرور.. نصر بدر.. وهزيمة حنين.. { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ . بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ . لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (آل عمران 121-129).

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة يدعو إلى السلام في دولته التي أقامها الله على شريعته ومنهاجه.. وكان الكفار ما يزالون في دولتهم في مكة وقامت هذه المعركة في بدر.. فأي الفريقين خرج ليعتدي على الفريق الآخر وأي الفريقين خرج ليدفع هذا العدوان.. تقع بدر على مشارف المدينة فلما بلغ الرسول أن العدوان قد أصبح وشيكاً فقد نفر من فوره يبويء المؤمنين مقاعد للقتال رغم ما كان يعلمه من ضعفهم ونقص عدتهم.. لقد كتب عليه القتال كما كتبت عليه الصلاة وما كان الرسول ليقعد عما كتب عليه وما كان ليدع المؤمنين يولون الأدبار والله ينصر من ينصره وهو ولي المؤمنين.. وكانت بدر وكان النصر لأنصار السلام.

ما جعل الله هذا النصر المبين ليتفاخر المؤمنون ويتيهوا به في الأرض.. وما جعله بداية ليتذوق المؤمنون نشوة الظفر ولذة الغنائم.. بل جعله بشرى ليستبشر المؤمنون بدينهم الحنيف وسلاماً تطمئن به القلوب.. كان خليقاً بهم أن يعودوا إلى السلام الذي كتبه الله لهم، وأن يرضوا بالديار التي حصنها الله لهم، وأن يدعوا إلى دين ربهم كما علمهم بالحكمة والموعظة الحسنة لا قهر فيها ولا إكراه عليها.. وأن يتركوا الذين لا يؤمنون وشأنهم، الله يقطع طرفاً منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم هو يستدرجهم ويكيد لهم وهو الذي يرميهم وينتصر عليهم.. وسبحان ربنا ما كان لرسوله من الأمر من شيء.. ولكن كثيراً من الناس أشربوا في قلوبهم الأسفار والأساطير من حيث يعلمون أو من حيث لا يعلمون وهجروا كتاب ربهم.

{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (التوبة 25-27).

يوم حنين.. لم يكن يوم الكر والفر والخطة و المكيدة وطاعة الرماة أو اطماعهم.. بل كان يوم ابتلاء المؤمن في إيمانه.. المؤمن لا يخشى على نفسه من الطمع فهو بإيمانه لا يطمع إلا في الآخرة. ولا يخشى على نفسه من الأعداء فهو بالسياسة التي تعلمها من لدن حكيم عليم لا يخشى إلا الله.. ولكنه لا يحذر على نفسه إلا الغرور.. يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.. فظنوا أنها تكفيهم ذلك اليوم وأنهم ليسوا كما كانوا يوم بدر في حاجة إلى ربهم، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئاً وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا مدبرين.

ينتصر المسلمون بإيمانهم إذا خرجوا جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته.. ولا ينهزموا إلا بغرورهم إذا خرجوا بطراً ورئاء الناس.. الإنسان كالطفل تحذره من النار فلا يبالي بها حتى تلسعه يوماً فلا يقربها من بعد إذن أبداً.. وكذلك يتعلم المسلمون من بدر أنهم في عزة ما نصروا الله في مواقعهم وخرجوا جهاداً في سبيله وابتغاء مرضاته لا يعتدون ولا يظلمون ولا يبتغون شيئاً من غنائهما ولو كانوا في ذلة من الناس، وكذلك يتعلم المسلمون من حنين أنهم في ذلة إذا خرجوا من ديارهم بطراً وغروراً وابتغاء الحياة الدنيا وزينتها ولو كانوا في عزة من الناس.

وإذا انزلق المسلمون في غرورهم ثم ذاقوا عواقب ذلك الغرور كما ذاقوه يوم حنين فلا نجاة لهم إلا بما نجا به المؤمنون في ذلك اليوم.. السكينة.. الثبات والسيطرة على الهواجس والعودة السريعة إلى الله بذكره والإنابة إليه.. ويحدثنا الله تبارك وتعالى عن القوم الذين آمنوا وأدركوا أو لم يدركوا أنهم إنما آمنوا نفاقاً فسقطوا في الفتنة عند الابتلاء وأخرج الله أضغانهم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً . وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً .‏ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً . قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً .} (الأحزاب 9-17).

وكذلك يميز الله الخبيث من الطيب ويعلم الذين آمنوا ويعلم المنافقين.. {لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .} (التوبة 88، 89). ولقد نتوقف قليلاً مع رواة الأساطير عن حقيقة ما يقدمونه من أحاديث الرماة الذين عصوا الرسول فتركوا مواقعهم يوم أحد وطمعوا في الغنائم حتى كر عليهم خالد فسحقهم وسحق الجند من ورائهم.. إننا لا نجد سنداً لهذه الرواية في القرآن بل على العكس من ذلك فإننا لا نجد إلا ما يدحضها ويكشف زيفها ويثبت أنها إنما أقحمت على السيرة لتحريف صراط الله الذي يبينه الله مفصلاً في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وإذا تساءلنا عن مناهل هذا التحريف فإننا نجده مكشوفاً في الفصل الرابع من سفر المكابيين الأول من العهد القديم (ونفخ أصحاب يهوذا في البوق. واقتتلوا فانكسرت الأمم وانهزمت إلى السهل. وسقط جميع ساقتهم بالسيف فتبعوهم إلى جازر وسهول أدوم وأشدود ويمنيا وكان الساقطون منهم ثلاثة آلاف رجل. ثم رجع يهوذا وجيشه عن تعقبهم. وقال للشعب لا تطمعوا في الغنائم لأن الحرب لا تزال قائمة علينا فإن جُرجياس وجيشه بالقرب منا في الجبل فاثبتوا الآن أمام أعدائنا وقاتلوهم وبعد ذلك تأخذون الغنائم بأمان. ولم يفرغ يهوذا من هذا الكلام حتى ظهرت فرقة تتشوف من الجبل. فرأت أنهم قد انكسروا وأن المحلة قد أحرقت كما دلهم على ذلك الدخان المتصاعد. فلما عاينوا ذلك خافوا جداً وإذ رأوا جيش يهوذا في السهل مستعداً للقتال. فروا جميعاً إلى أرض الأجانب. فرجع يهوذا إلى غنائم المحلة فأخذوا ذهباً كثيراً وفضة وسمنجونيا وأرجواناً وأموالاً جزيلة). فذلكم المنهل الذي يغذي خيال رواة الأساطير يحجبون به القرآن ويحرفون به السيرة.. إن رواية يهوذا كما يقدمها أهل التوراة هي نفسها رواية أحد كما يقدمها أهل القرآن مع فارق بسيط هو أن جند يهوذا من اليهود قد أطاعوه في الجبل بينما عصى المسلمون رسولهم في أحد إن اليد التي دست الأحاديث والمفتريات هي نفس اليد التي نسجت السيرة بخيوط العنكبوت بهدف واحد هو حجب الناس عن كتاب ربهم واتخاذه مهجوراً وراء ظهورهم وهو الحجة البالغة محفوظاً من لدن حكيم حميد { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً .} (الفرقان 30). المؤمنون الذين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا يقاتلون من اجل الذهب والفضة والسمنجونيا، بل يقاتلون في سبيل الله لرد الظلم وقهر العدوان وحماية الأرض وحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ليعبد الناسُ ربَّهم في أمن وسلام. وهم ينتصرون بإيمانهم وبصبرهم وبالحق الذي يقاتلون في سبيله ولو كانوا في قلة كما انتصر السابقون في بدر.. ولا خوف على هؤلاء الذين آمنوا وصبروا من عباد الرحمن إلا من أنفسهم إذا أصابهم الغرور كما أصاب السابقين في حنين.

كانت العودة إلى مكة فتحاً مبيناً ونصراً مظفراً.. أخذ المسلمون بأسباب دينهم وتعلموا من تجاربهم وأيقنوا أن الله لا يعد إلا حقاً ولا يقول إلا صدقاً.. هم الذين أخرجوا من ديارهم فخرجوا وكان النبي أول من خرج مهاجراً إلى الله منيباً إليه متوكلاً عليه.. وهم الذين قوتلوا فقاتلوا وكان النبي أول من جاهد معهم في سبيل الله بنفسه وبماله.. وهم الذين أصابهم الغرور يوم حنين فعلموا أنه لا نجاة لهم إلا بطاعة الله ورسوله فازدادوا إيماناً والتفافاً حول نبيهم.. ولقد علموا أنه لا منتصر في المغامرات العسكرية ولا خير في العدوان.. وإنما النصر لله ولدينه الحق ولا خير إلا في الاستعداد لرد العدوان { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ .} (الأنفال 60).

كان المسلمون قد بلغوا في المدينة شأناً من دينهم جعل أنظار الناس من حولهم ترنوا إليهم بكل الإعجاب والتقدير.. فإذا تطلع الناس إلى أحوالهم وجدوا قوماً أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتراحمون بالآباء والضعفاء والفقراء واليتامى والمساكين وأولي القربى والجار وابن السبيل. ظاهرهم كباطنهم لا يداهنون في دينهم ولا يعدلون عنه ولا يكرهون عليه أحداً ولا يجاملون فيه خواناً أثيماً.. لا يلههم الأمل ولا يشغلهم اللغو ولا يرغبون بأنفسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبرم أمراً لم يخرجوا عنه ولم يكن لأحد الخيرة فيه.. يرونهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً.. هم الضياء الذي ظهر من الهجرة كما يظهر الخيط الأبيض الأول من الفجر ثم لا يلبث خيطاً بعد خيط أن يملأ الدنيا نوراً بعد أن ملئت ظلاماً بغير دماء ولا مغامرات عسكرية ولا عدوان، وكذلك كان دخول المسلمين مكة بعد أن أظهرهم الله بإيمانهم كما يظهر الصبح لا يملك الناس من حولهم إلا أن يستيقظوا وينتشروا ويشهدوا منافع لهم ليبتغوا فضلاً من ربهم الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً . هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً . إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً . لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً .} (الفتح 24-28) بالسكينة وبكلمة التقوى دخل المسلمون البيت الحرام آمنين لا يخافون.. وما أظن أنهم قد دخلوا أقطار الدنيا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب إلا بالسكينة وبكلمة التقوى.. فلما غرهم الشيطان في دينهم وفتنوا بأنفسهم واستبدلوا كلمات الشرك بكلمة التقوى وفرقوا دينهم وتفرقوا طوائف وشيعاً وهجروا كتاب ربهم أذن الله بغياب شفق الإيمان.. ولن يعود الفجر إلا كما ظهر على الدنيا يوم الفتح المبين بالسكينة وبكلمة التقوى وبالأمن لكل الناس لا يخاف المسلمون في دينهم ولا يخيفون به أحداً بل يطمئنون بنوره ويبشرون بهديه على فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله.

إن قتال الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه لم يكن أبداً قتال المغاوير وكر العنتريات وسيوف ابن الوليد أو ابن عوف أو ابن أبي وقاص، ولم يكن قتالاً من أجل القهر أو السحق أو السبي أو الغنائم أو العدوان أو التوسع أو إذلال البشر الذين لم يؤمنوا.. بل كان قتالاً في سبيل الله لقهر العدوان وكسر الظلم ليعم السلام والهدوء والسكينة بعيداً عن قرع السيوف وجلبة الغوغاء وانفعال الهوى وصيحات الرجز المريض من الشعراء، كان قتالاً لم يرم أحد فيه إلاَّ الله ولم ينتصر فيه أحد إلا الله ولم تسمع كلمة من بعده إلا كلمة الله { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ .} (الأنفال 17-18). مثل معارك المسلمين عند الله كمثل العصا في يد موسى عليه السلام لا يضرب بها إلا الله ولا يرمي بها إلا الله ولا يفرق بها بين الحق والباطل إلا بإذن الله ثم يمن الله بنصره على من يشاء من عباده المؤمنين ويوهن به كيد الكافرين.. فلا مساغ لنظم الشعر في المغاوير أو إتباع أساطير ابن الوليد وابن أبي وقاص والوقوف عند كر هؤلاء أو فر أولئك أو سقوط هذا أو استشهاد ذلك رجماً بالغيب وانحرافاً بالسيرة عن نهجها القويم الذي أرشد الله إليه في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. محمد رسول صلى الله عليه وسلم ما كان ليدخل معركة حتى يفرض عليه القتال، فإذا فرض عليه ببغي المعتدين خرج إليهم متوكلاً على الله مؤمناً بكلماته فإذا انتصر عليهم علم أن الله هو الذي قتلهم وهو الذي رماهم وهو الذي منّ عليه بالبلاء الحسن وهو الذي أوهن كيد الكافرين.. لا قهر ولا سحق ولا سبي ولا غنائم ولا عدوان.. بل سكينة وسلام لتسمع كلمات الله بعيداً عن صخب الغوغائيين وفي مأمن من ضجيج المكابرين وهوى المرضى وشعر الجاهلية..

مثل معارك الرسول صلى الله عليه وسلم كمثل العصا يضرب بها موسى البحر فينفلق البحر فيراه المؤمن فيزداد إيماناً ويستبشر بالله العلي القدير، ويراه المنافق فيظن أنه السحر فيزداد رجساً ويحجب نفسه عن آيات الرحمن.. بدر وحنين وغيرهما من مواقع المؤمنين من عهد نوح عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تقرأها في القرآن فلا تجد فيها إلا يد الله وما يمن على عباده المؤمنين، وتقرأها في الأساطير فتجذبك مهارة ابن الوليد ويبهرك مكر ابن العاص وتحجبك عنتريات القعقاع وابن أبي وقاص عن الله الذي رمى وحده تماماً كما فلق البحر وحده وحمل سفينة نوح فوق الطوفان وحده ودمر القرى الظالمة وحده تدميراً..

ولعل موقعة الأحزاب تغنينا عن كل جدل وتأخذ آيات الرحمن بأيدينا إلى قلب المعركة لنسمع أنباءها بآذاننا ونشهد أحداثها بأبصارنا.. يبدأ القتال كما يبدأ كل قتال يخوضه المؤمنون بمجيء قوي البغي وتحالف جند الشيطان.. كان زلزالاً شديداً وامتحاناً عسيراً سقط فيه المنافقون واختلفت صيحاتهم.. منهم من كفر بوعد الله.. ومنهم من دعا إلى التراجع والهزيمة.. ومنهم من التمس المعاذير الواهية.. ومنهم الذي قتله الهلع من قبل الالتحام وود لو أن بينه وبين المعركة أمداً بعيداً.. أما الرسول والذين آمنوا معه فكانوا القدوة الحسنة لمن كما يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.. وآيات الرحمن تغنينا عن كل التفاصيل إذا تدبرناها بقلوب مطهرة من زيف الأساطير وخنادق المؤرخين وشعوذة الهوى وباطل الانفعال وضجيج المغاوير { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً . وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً . قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً . قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً . قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً . وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً .‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً . وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً . وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً . } (الأحزاب 9-27).

إن الذين يقرأون السيرة في الأساطير يرجون ابن العاص وابن الوليد وابن أبي قاص ولا يأملون النصر إلا بأيديهم تماماً كما ينتظر اليهود شمشون ليسحق البشر.. بفك حمار.. وأما الذين يقرأون السيرة في القرآن فلا يرجون من بين أيديهم ولا من خلفهم إلا الله ولا يأملون النصر إلا بيده ينصر من ينصره من عباده المؤمنين وما النصر إلا من عند الله { قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى .} (طه 135).

وكان صلى الله عليه وسلم يقضي بين الناس بالقسط وبما أراه الله.. لا يؤثر في قضائه أحداً ولو كان ذا قربي ولا يتبع الهوى أن يعدل بين الناس.. وكان المؤمنون يرضون قضاءه ولا يخافون حيفه.. فإذا قضى في المؤمنين قضاء فلا يرد له قضاء لأن طاعته واجبة بوصفه رسولاً أوجب الله له الطاعة وبصفته ولي الأمر في أمة المسلمين { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً .} (الأحزاب 36). أما بالنسبة لغير المسلمين من أهل الكتاب فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم إلا إذا جاؤوا ليحكم بينهم.. فإذا جاؤوا ليحكم بينهم فقد كان له صلى الله عليه وسلم أن يقضي بينهم أو أن يعرض عنهم حسبما يراه في كل حالة بذاتها {فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة 42).

وبذلك فإنه ليس ثَم ما يمنع أن يكون لليهود وللنصارى في دولة المسلمين محاكم خاصة يشكلونها بأنفسهم داخل كنائسهم ليحتكموا إليها فيما بينهم في أحولهم المدنية أو الشخصية من بيوع أو زواج أو وصية أو ميراث، ويمكن أن تصدر بتشكيل هذه المحاكم وبتنفيذ أحكامها قوانين خاصة بعد مشورة أهل الرأي في الدولة ومشورة أهل الكتاب المعنيين بهذا القانون.. على أن يكون لغير المؤمنين في جميع الأحوال أن يحتكموا إلى القضاء العادي في الدولة، وعلى أن يكون للقاضي أن يفصل بينهم أو أن يعرض عن دعواهم حسبما يراه في كل حالة بذاتها.

فذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتاب نبياً من الأميين إلى الأميين جميعاً ورسولاً إلى الناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بكتاب عزيز لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً، فأما الذين جاؤوا بالأساطير فما أظن أنهم قد أرادوا بها إلا أن تكون حجراً محجوراً لتحجب الناس عما أنزل إليهم في كتاب ربهم من تفاصيل الحكمة مبرأة من تفاصيل الرواية.

ذلكم الرسول صلى الله عليه وسلم لا نعرف له ختاناً ولا نجد أنه أمر بختان وإنما يختتن اليهود من إفكهم بغير سلطان بين فمن أظلم ممن أفترى على الله كذباً إذ يقولون في أسفارهم (هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبين نسلك من بعدك يختن كل ذكر منكم فتختنون القلفة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم، سفر التكوين، الفصل السابع عشر).

ذلكم الرسول صلى الله عليه وسلم لا نعرف له قلباً مغسولاً وإنما تبدل القلوب غير القلوب عند اليهود الذين يقولون في أسفارهم (فكان عندما حول منكبه لينصرف من عند صموئيل إن الله أبدل قلبه ووقعت تلك الآيات كلها في ذلك اليوم وأقبل إلى الأكمة فإذا بجماعة من الأنبياء قد استقبلوه فحل عليه روح الله فتنبأ بينهم – سفر الملوك الأول الفصل العاشر).

وذلكم الرسول صلى الله عليه وسلم رسول من الأمم إلى الأمم كافة من أم القرى إلى أهل القرى في الأرض جميعاً، ولا نعرف عن أزواجه إلا أنهنّ أمهات المؤمنين أعرضن معه عن الحياة الدنيا وزينتها ولم يردن إلا الله ورسوله وأقمن الصلاة وذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة ولم يؤذين ولم ينكحن من بعده أبداً. ذلكم محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب.. فمن أراد من سيرته شيئاً غير ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن وكان عمله القرآن وكانت دعوته بالقرآن وكان سبيله القرآن.. صلاته وذكره صيامه وحجه جهاده وصبره زكاته وبره وعدله وإحسانه وحياته ومماته وكل شأن من شؤونه صلى الله عليه وسلم في القرآن تفصيلاً.

بعث بالحق بشيراً ونذيراً { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ .} (البقرة 119). بل إنه لم يبعث إلا بشيراً ونذيراً { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . } (سبأ 28). وما كان صلى الله عليه وسلم ينذر إلا بالقرآن { حم . تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . }(فصلت 1-4).

ولم يكن هيناً أن يبشر الرسول بما أنزل إليه من ربه أو أن ينذر الناس بما أوحى إليه من الكتاب، إن الذين جاؤوا بالأساطير إما أنهم لم يقدروا الكتاب حق قدره أو أنهم يريدون أن يحجبوا الناس عن كتاب ربهم ليتخذونه مهجوراً { وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً . قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً . } (الإسراء 105-108).

بل الله سبحانه وتعالى لا يبعث الرسل إلا بالحق مبشرين ومنذرين، وما يجادل الذين كفروا من وراء ذلك إلا بالباطل ليد حضوا به الحق.. والباطل هو تجاوز الحق بالحذف أو الإضافة، فمن أضاف إلى الرسل شيئاً لم يبعثوا به فهو باطل ومن حذف من الرسل شيئاً بعثوا به فهو باطل وما يُبدئ الباطل وما يعيد { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً .} (الكهف 56-57).

وشهد الله أنه ما من رسول بعث إلا بالحق بشيراً ونذيراً، وشهد الله أنه ما من رسول بعث إلا ليتبع ما أنزل إليه من ربه، وشهد الله أن الذين يتبعون الحق من ربهم هم الفائزون وأن الذين يتجاوزون الحق من ربهم زيادة عما أوحى إليهم أو نقصاناً عن ذلك ولو شيئاً يسيراً هم الخاسرون الذين حجبوا أنفسهم عن الحق وعن الخير في الحياة الدنيا وفي الآخرة على السواء { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ . قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ . وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ .} (الأنعام 48-51).

والذين يجعلون للرسول وكالة في الدين إنما يريدون في الحقيقة أن تكون لهم الوكالة في الدين بغير حق، وشهد الله أنه لم يبعث رسوله على الناس وكيلاً { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً .} (الإسراء 54). وكذلك يشهد الرسول انه لم يبعث بوكالة على أحد أبداً وإنما الله هو الذي بعثه بالحق الذي أوحى إليه به فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ . وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ .‏ } (يونس 108-109). وإذا لم يكن الرسول وكيلاً فهل تجوز الوكالة لأحد من بعده إن الذين يزعمون الوكالة لأنفسهم في الدين إنما يضيعون الدين.. لأن الله سبحانه وتعالى لا يريد لأحد غيره أن تكون له الوكالة في الدين على أحد وذلك لحكمة بالغة حتى يتحرر الإنسان من كل خوف إلا من خوف الله فيصبح الإنسان رقيباً على نفسه.. وهل ثَم رقابة أشد وطأة من رقابة الإنسان على نفسه تحت سمع الله وبصره { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ . وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الأنعام 102-107).

والذين يجعلون الرسول حفيظاً على الناس في الدين إنما يريدون في الحقيقة أن يكونوا حفظة على الناس في الدين بغير حق، ويشهد الله أنه لم يبعث رسوله حفيظاً على أحد في دين الله { اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ . فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ .} (الشورى 47، 48). وشهد الرسول أنه لم يكن حفيظاً على أحد من دون الله سبحانه وتعالى { قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ .} (الأنعام 104). وإذا لم يكن الرسول حفيظاً على أحد في دين الله فلا ينبغي لأحد أن يكون حفيظاً على أحد في الدين.. لا يريد الله وكلاء ولا أولياء ولا حفظة.. لأنه هو الذي خلق الإنسان وعلم أنه قد جبل على التمرد على كل من يدعي لنفسه الوكالة أو الولاية أو الحفظ بغير الحق.. ولكن الإنسان لا يتمرد على نفسه إذا آمن أن الله هو الوكيل وهو الولي وهو الحفيظ على عباده كافة { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الشورى 6).

في دين الله لا وكالة ولا ولاية ولا حفيظ إلا الله.. وكذلك لا سيطرة على أحد في الدين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. وإن الذين يزعمون لأنفسهم السيطرة والوصاية على الناس في الدين أولئك يخالفون عن أمر الله ويخالفون سنة نبيه التي بعثه الله عليها.. فمن تولى وكفر فإنما أمره إلى الله يحاسبه الله ويعذبه الله العذاب الأكبر { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ . إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ . إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ . } (الغاشية 21-26).

لا وصاية لأحد في الدين على أحد.. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن وكيلاً ولا حفيظاً ولا مسيطراً على أحد في دين الله.. وما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أن يكون لأحد من بعده.. كان يبلغ رسالات ربه مبشراً ونذيراً وشاهداً على ما يبشر به وينذر به الناس، ثم يترك كل إنسان وشأنه إن شاء هدى إلى صراط ربه الذي أوحى إليه وإن شاء أن يتمرد فلن يتمرد إلا على نفسه فالله هو الولي وهو على كل شيء وكيل.

الرقابة في الدين رقابة ذاتية ولا تفويض في الدين لأحد على أحد.. ولقد نجد أن الله سبحانه وتعالى قد فوض رسوله في الرد على بعض ما كان الناس يسألونه عنه عن الأهلة {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } (البقرة 189). وعما ينفقون { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (البقرة 215). وعن الشهر الحرام { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ } (البقرة 217). وعن الخمر والميسر { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } (البقرة 219). وعما ينفقون مرة أخرى { قُلِ الْعَفْوَ } (البقرة 219). وعن اليتامى { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } (البقرة 220). وعن المحيض {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ } (البقرة 222). وعما أحل لهم {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } (المائدة 4). وعن الساعة { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي } (الأعراف 187). وعن الأنفال { قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ } (الأنفال 1). وعن الروح { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (الإسراء 85). وعن ذي القرنين { قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً .} (الكهف 83). وعن الجبال {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً . } (طه 105). أما إذا سأله الناس عن الله فلا تفويض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بل يأتي الجواب من الله تبارك وتعالى فوراً وبطريق مباشر لا يوكل فيه أحداً ولا يوصى عليه أحداً ولا يستحفظ عليه من أحد أبداً ولا يجعل لأحد سيطرة فيه على أحد على الإطلاق { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ .} (البقرة 186). الاستجابة إلى الله والإيمان بالله أمران لا وصاية فيهما لأحد على أحد، ولا رقابة فيهما إلا من ذات الإنسان على نفسه على بصيرة من الله وحده إنه قريب مجيب.. وحتى في الرد على سؤال يتعلق بالإيمان لم يشأ الله أن يجعل لرسوله تفويضاً كما فوضه في كل ما سأله الناس عدا ذلك، بل جاء الرد من الله مباشرة بغير تفويض.. فهل ينبغي لأحد من بعد ذلك أن تكون له الوصاية في الدين.. إن الذين يزعمون الوصاية في الدين يبدلون كلام الله ويريدون أن يلغوا عقول الناس ليكونوا هم عقولهم التي يفكرون بها.. ولن يستطيع أحد أن يفكر بعقل غيره في الدين.. إن الإنسان يستطيع أن يصل إلى المريخ بعقول البشر، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى الله أبداً إلا بكلماته.. الذي خلق الإنسان هو الذي هدى بالقرآن.. والذين يتدبرون القرآن تتفاعل عقولهم التي خلقها الله بالوحي الذي أنزله الله فيمتزج العقل بالوحي في مزاج مبدع ليقوم الإنسان المؤمن الذي يراقب نفسه على بصيرة من الله.

ولينظر الإنسان إلى نفسه.. لقد خلق بيد الله.. ولا يأكل ولا يشرب إلا من يد الله.. ولا يصل إلى مكان إلا على مراكب خلقت كلها بيد الله.. ولا يلبس شيئاً إلا ملابس صنعت كلها بيد الله.. فما بال الناس يريدونه أن يهتدي بغير كلمات الله.

لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات ربه كما أوحى إليه بها وقال للناس قول الحق من ربه تبارك وتعالى { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ . }(الأحقاف 9). لم يكن صلى الله عليه وسلم ليتبع شيئاً لم يوح به من ربه.. فمن أراد أن يتبع الرسول فليتبع الوحي.. ومن أراد أن يتبع من دون ذلك أولياء فإنهم لن يغنوا عنه من الله شيئاً. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق من ربه { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً . قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً . قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً . إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً .} (الجن 20-23) محمد رسول الله والذين معه حديثهم القرآن وسيرتهم القرآن وعملهم القرآن.. امتزجت عقولهم بالقرآن كما يمتزج النبات الطيب بالماء العذب الفرات.. ولو اختلطت عقولهم بشيء غير القرآن لما استووا على السوق، ولكن الله الذي خلقهم هو أعلم بهداهم وأقدر على دعوتهم إليه مثل الذين يقدمون القرآن إلى عقول الناس ليتدبرونه كمثل الزراع الذين يقدمون الماء الطهور إلى النبات الطيب، أولئك يحسن زرعهم ولا يضل سعيهم في الحياة الدنيا.. كلمات الله التي أوحى بها إلى محمد رسول الله هي القول الفصل بالحق في كتاب مبين ولا سبيل إلى الهدى بغيره أبداً { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً .} (الفتح 29).

هذا هو النبي الذي يجده اليهود مكتوباً عندهم في العهد القديم.. أقامه الله بشراً ورسولاً وألقى إليه كلماته في كتاب لا يبلى وبلغ كل ما أرسله الله به فتمت كلمات الله صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونها بدلاً فليستمع اليهود والنصارى إلى ما يؤمنون به ثم لتصغي أفئدتهم إلى هذا القرآن وليرضوه وليقترفوا بعد ذلك ما هم مقترفون (أقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلك وألقى كلامي في فيه فيخاطبهم بجميع ما أمره به وأي إنسان لم يطع كلامي الذي يتلكم به باسمي فإني أحاسبه عليه. فإن تكلم النبي باسم الرب ولم يتم كلامه ولم يقع فذلك الكلام لم يتكلم به الرب بل لتجبره تكلم به النبي فلا تخافوه – سفر تثنية الاشتراع، الفصل الثامن عشر).

وإذا كان اليهود والنصارى يؤمنون بهذا الذي يجدونه عندهم في العهد القديم فإن هذا النبي هو محمد رسول الله { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (الإعراف 157).

وكلما قام شيخ يدعو إلى الله ورسوله استفتح فقال: (الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله)، ذلك ليوهم من سمعه أنه إنما يحدث عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أوجب الله الصلاة على أصحابه من المهاجرين والأنصار بما فرض الله له بقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً .} (الأحزاب 56) فالله سبحانه يصل رسوله بنصره ورحمته وبما فتح الله له وبما انقض ظهره ويسر له أمره ووضع عنه وزره وعصمه من الناس ورفع له ذكره في العالمين. فمن حضره من المؤمنين فقد وجبت عليه الصلاة عليه بتعزيره وتوقيره وتأييده وطاعته، وأما بعدما لقي ربه فقد أصبح رسولاً من الرسل { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنهم } (آل عمران 84) ولم يعد لنا وهو عند ربه في عليين إلا أن نقول كما علمنا ربنا لما يجب للرسل كافة { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ . وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.‏} { الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} (النمل 59).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home