Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Saturday, 3 March, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (4)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

نصائح عامة إلي أولي الأمر

بلغه رضي الله عنه أن واليا له في الأمصار دُعي إلي وليمة فمضي إليها فكتب إليه يقول له : ( بلغني أن رجلا دعاك إلي مأدبة فأسرعت إليها ، تُستطاب لك الألوان، وتُنقل إليك الجفان ـ جمع جفنة وهي القصعة ـ فانظر إلي ما تقضمه من هذا المقضم؛ فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه . ألا وإن لكل مأموم إماما – قال مأموم ، ولم يقل رعية. وقال إمام، ولم يقل راع – يقتدي به ، ويستضئ بنور علمه – فيفترض أن يكون الإمام أو ولي الأمر ذا بسطة في العلم والجسم – فأعينوني بورع وإجتهاد ، وعفة وسداد . فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا- أي ذهبا – ولا إدخرت من غنائمها وفرا – أي مالا – ولا حزت من أرضها شبرا ، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوي ، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر . هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي، أو أبيت مبطانا –أي ممتلئ البطن – وحولي بطون غَرْثي – أي جائعة – وأكباد حَرَّي – أي عطشانة- فاتقَّ الله ولتكفك أقراصك ، وليكن من النار خلاصك ) .

وكتب رضي الله عنه إلي ولاته في الأمصار بقوله: ( إنك ممن أستظهر به علي إقامة الدين، وأقمع به نخوة – أي كبر – الأثيم ، وأسد به الثغر المَخُوف – أي ما يُخاف علي أطراف الدولة من الأعداء – فاستعن بالله علي ما أهمك ، واخلط الشدة بضغث من اللين ، ورافق ما كان الرفق أرفق ، واعتزم بالشدة حين لا تغني عنك إلا الشدة واخفض جناحك ، وابسط وجهك للناس ، وألن لهم جانبك ، وآس بينهم حتي لا يطمع العظماء في حيفك ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك . وإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يُصَبْ صاحبُها منها شيئا إلا فتحت له حرصا عليها، ولَهْجا – أي وَلَعا – بها ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم، ولو اعتبرت بما مضي لحفظت ما بقي ).

وكتب إلي أمرائه علي الجيوش يقول : ( إن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا ، إلا في حرب ، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم، ولا أؤخر لكم حقا عن مَحَلَّه، ولا أقف به دون مقطعه – أي لا أنزل به دون الحق الذي قُطع لكم – وأن تكونوا عندي في الحق سواء ، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ، ولي عليكم الطاعة ، وأن لا تنكصوا عن دعـوة ، ولا تُفَرَّطوا في صلاح ، وأن تخوضوا الغمـرات إلي الحق ، فإن أنتم لم تستقيموا لي علي ذلك ؛ لم يكن أحد أهونَ عليَّ ممن إعوج منكم ، ثم أُعظِم له العقوبة ، ولا يجد عندي رخصة ) .

بيعة إبن أبي طالب

يقول إبن أبي طالب رضي اله عنه في بيعته: ( فما راعني إلا والناس إليَّ كعُرف الضَّبُع – أي ما كثر علي عنقها من الشعر الكثيف، ويُضرب به المثل في الكثرة والإزدحام – يَنْثالون – أي يتقاطرون متتابعين – عليَّ من كل جانب ، فلما نهضت بالأمر ؛ نكثت طائفة ، ومرقت أخري ، وقسط آخرون كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } بلي والله لقد سموعها ، ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها . أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النَّسَمَه – النسمة في اللسان العربي أبلغ دلالة علي الروح من الإنسان أما الروح فتعني الأمر مطلقا أو الواسع { ثم سواه ونفخ فيه من روحه } السجدة 9 أي من أمره ومن وسعه سبحانه وسع كل شئ رحمة وعلما – لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله علي العلماء أن لا يُقَادُّوا علي كِظَّة ظالم ، ولا سَغَب مظلوم – لولا حضور الحاضر أي الجموع التي بايعت وقامت علي الوفاء ببيعتها ، ووجود الناصر أي الجند الذين ينصرونه علي بيعته ، والتزامه أمام الله بأن لا يرضي عن كظة ظالم أي تخمته بما أكل ، ولا عن سغب مظلوم والسغب هو شدة الجوع دلالة علي أكل حقوقه – " لولا كل اولئك " لألقيت حبلها علي غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز – أي ما يخرج من أنفها )

الثابت مما أجمع عليه المؤرخون أن إبن أبي طالب لم يوص له بالخلافة كما أوصي بها ابوبكر لعمر بن الخطاب ، أو كما أوصي بها عمر لواحد من ستة كان إبن عفان من بينهم ، بل إنه قد جاء في أعقاب ثورة مسلحة ، وكانت ثورة منظمة ، داهمت عاصمة الخلافة ، وحاصرت مقر الخليفة من كل جانب وكان من بين قادة تلك الثورة أمير الجيش القادم من مصر عبد الرحمن بن عمرو العتري ، وكان صحابيا من الذين بايعوا تحت الشجرة .

ولقد عزموا أمرهم فأطاحوا بإبن عفان ، وتركوا الناس وشأنهم أحرارا في إختيار أميرهم ، فانثال الناس علي إبن أبي طالب ، وتزاحموا علي داره كما يتزاحم الشعر في عنق الضبع ، وبايعوه علي الخلافة .

ويبين من ذلك أن ولي الأمر يستمد ولايته من أمر جامع ، وتلتقي عليه جموع الناس في إمارته ، وكأنه يُفرز إفرازا طبيعيا كما يُفرز شيوخ القوم في عشائرهم ، ثم هو يستمد شرعية الولاية مما أعطت جموع الناس من بيعتها ، وظلت قائمة علي ما بايعت به ، ومن ورائهم جنود ينصرونه علي ما بويع عليه ، فإذا توافرت هذه الشروط ، وعقد ولي الأمر العزم علي أن ينصر المظلوم ويأخذ الحق له من الظالم وينشر العدل بين الناس ، فليس له أن يتنحي عن البيعة ولا أن يتخلي عن الناس الذين بايعوه ، ولو كانت الدنيا أزهد عنده من عفطة عنز ، أو كان نعله أحب إليه من الإمارة .

ولقد نهض رضي الله عنه بالأمر ، فهو يقول : ( لابد للناس من أمير بر أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويُبَلَّغ اللهُ فيها الأجل ويُجمعُ به الفئ، ويُقاتلُ به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتي يَستريح بَرٌُ، ويُستراح من فاجر ) .

فالإمارة عند إبن أبي طالب ضرورة لا مندوحة عنها ، بحسب ما يختار الناس لأنفسهم ، أو يُختار لهم . الإمارة من الأمر ، ولكل أمر ولي تجب له الطاعة كما تجب لله ولرسوله وفوق هؤلاء أمير ينسق بينهم ، ويقود مسيرتهم ويُرشَّد جهودهم . وهو منهم وإليهم ؛ فإذا آمنوا وعملوا الصالحات فؤلئك هم الأولياء { المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } التوبة 71 ووليهم بر مثلهم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، وإذا كفروا فوليهم منهم فاجر مثلهم { يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوي لهم } محمد 12

ويحدد أمير المؤمنين مسئولية الأمير بخمس مهام ؛ جمع الفـئ وهو كل ما يحقق للدولة عائدا لإدارة الشئون العامة ، والدفاع بقتال العدو ، والأمن بتأمين السبل ، والعدل بالأخذ للضعيف من القوي ، والرخاء حتي يستريح بر ويستراح من فاجر. وليس فيما أثبته المؤرخون علي لسان إبن أبي طالب قول واحد يجعل للدولة حقا في الغزو أو الفتح ، أو إكراه الناس علي الإيمان .

إستشاره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الخروج مع الجيش لقتال الفرس فقال إبن أبي طالب رضي الله عنه : ( كن قطبا ، واستدر الرحي ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض – أي عاصمة الخلافة – كان ما تَدَعُ وراءك من العورات ، أهم إليك مما بين يديك . فأما ما ذكرت من مسير القوم – أي الفرس – إلي قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر علي تغيير ما يكره . وأما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضي بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر وبالمعونة – أي نصر الله وعونه{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا اللهَ ينصركم ويثبت أقدامكم } محمد 7 ) .

هذا دليل قاطع من قول إبن أبي طالب رضي الله عنه ، علي أن الفرس هم الذين خرجوا بطرا لقتال المسلمين ، وهنالك كُتب علي المسلمين أن يخرجوا لقتالهم دفاعا عن دينهم الحق وعن ديارهم ، وعن المستضعفين منهم . ونِعْمَّ النصح ما نصح به إبن أبي طالب لأن الفرس كما يقول رضي الله عنه : ( إن ينظروا إليك – أي يعلموا بخروجك إليهم في جيشك – يقولوا هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك ) .

وأما الدعوة إلي دين الله فلم تكن بإكراه أحد أبدا { لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 { ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين } يونس 99 { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الكهف 29 وتلك سنة الله في عباده من أول رسالة في الأرض علي فترة نوح عليه السلام { قال يا قوم أرأيتم إن كنت علي بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } هود 28 بل إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد دعاهم إلي أن يختاروا لأنفسهم ما يعبدون { قل اللهَ أعبد مخلصا له ديني . فاعبدوا ما شئتم من دونه } الزمر 14 إن الله سبحانه وتعالي يريد عبادا يأتونه بإرادة حرة مطلقة لا تشوبها شائبة ، حتي من ظاهر ما يري الناس من الأنبياء والمرسلين { أفمن يُلقي في النار خُير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } فصلت 40 .

فسيقولون كل اولئك لمن كان كافرا فلا يكره في دين الله ، وأما المؤمن فإنه يُحَدُّ إذا إرتد عن دينه { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا . بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } النساء 137 هؤلاء قوم آمنوا بالله وبرسوله وبالنور الذي أنزل إليه ، ثم كفروا ، وحرف العطف ( ثم ) يفيد التراخي أي أنهم ظلوا ثابتين علي إيمانهم حتي كفروا ، ثم أمنوا أي أنهم ظلو ثابتين علي كفرهم من بعد إيمانهم حتي عادوا فآمنوا ، ثم كفروا من بعد ذلك ، ثم إزدادوا كفرا ، وكل ذلك ورسول الله شاهد عليهم فما حدَّهم ، ولا نقم منهم بل بشرهم بأن الله سبحانه لن يغفر لهم ، ولن يهديهم سبيلا ، والنار مثوي لهم .

الدعوة إلي دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار بالذي هو أحسن سبيلا { أُدْعُ إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربَك هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } النحل 125 والقرآن هو الحكمة { ذلك مما أوحي إليك ربك من الحكمة } الإسراء 39 والقرآن هو الموعظة الحسنة { وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكري للمؤمنين } هود 120 والقرآن هو أحسن الحديث لمن شاء جدلا أو حوارا { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابه} الزمر 23 .

قد جعل الله لكل أمر وليا ، يفُرز فيه من القوم إفرازا طبيعيا ، كما يُفرز أب في أسرته ، وتجب له الطاعة في هذا الأمر شوري بينهم . وجعل فوق هؤلاء أميرا ينسق الأمر بينهم ، ويجمع بين يديه شئون الخراج والدفاع والأمن والعدل والتنمية ، ويلتزم إذا عضلت عليه الأمور بالشوري ، فإذا سمع الرأي فله إذا عزم الأمر أن يتوكل علي الله ولو خالف القوم جميعا { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله إن الله يحب المتوكلين } آل عمران 159 .

لم يكد إبن أبي طالب يتلقي البيعة حتي ظهرت المعارضة ؛ منهم من ظن أنه سيجعل من حوله ملأ يرد إليه الأمور ويستشيرهم في الأمر ، ومنهم من ظن أنه سيوزع الوظائف جزافا ويبدد الأموال ويقطع البيع سدي، ومنهم من ظن أنه أصبح بالبيعة ملكا شُغل بالملك عنهم فلم يعد يجعل لهم من وسعه ودا ، فقال لهم : ( لقد نقمتم يسيرا وأرجأتم كثيرا- أي غضبتم للتافه من الأمور ، وأهملتم عظيمها – ألا تخبروني أي شئ لكم فيه حق دفعتكم عنه ؟ أم أي قَسْم استأثرت عليكم به ؟ أم أي حق رفعه إليَّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه ؟ والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ،ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتموني عليها ، فلما أفضت إليّ – أي وصلت إليّ الخلافة وولاية الأمر – نظرت إلي كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا به فاتبعته ، وما استسن النبي صلي الله عليه وسلم فاقتديته ، فلم أحتج في ذلك إلي رأيكم ولا عن غيركم ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركم وإخواني المسلمين ولو كان ذلك لم أرغب عنكم ولا رأي غيركم ، وأما ما ذكرتم من أمر الأسوة – أي تسوية الحقوق في قسمة الأموال – فإن ذلك أمر لم أحكم فيه برأي ، بل وجدت ما جاء به رسول الله صلي الله عليه وسلم قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكم فيما قد فرغ الله من قَسْمه وأمضي فيه حكمه ، فليس لكم عندي عُتْبَي . رحم الله امرأ رأي حقا فأعان عليه ، أو رأي جورا فرده ، وكان عونا بالحق علي صاحبه ) .

لقد علم إبن أبي طالب رضي الله عنه أنهم إنما نقموا منه ، لأنهم يتطلعون إلي مقاعد السلطان في ملكه ، وما كان إبن أبي طالب ليقيم ملكا بالملأ بطرا واستكبارا في الأرض وقهر الناس بالباطل ، فمالهم في ذلك من حق فيتهموه بأنه دفعهم عنه .

وعلم أنهم إنما نقموا منه لأنهم يطمعون في المال العام ليستأثروا به من دون الناس ، وما كان إبن أبي طالب ليطغي في موازين القسط التي جعلها الله ورسوله للناس علي سواء ، فمالهم من قسمة فيؤثرهم أو يؤثر نفسه بها عليهم .

وعلم أنهم إنما نقموا منه لأنه لا يشاورهم في الأمر، وما لأحد عنده حق في الشوري إلا في أمر ضعف عنه، أو جهله أو أخطأ بابه . وما ينبغي لهم أن يعتبوا عليه إلا في ضعف أو جهل أو خطأ ، فيردوه عنه حتي يستقيم علي الحق ، تلك هي حدود بيعته وحقه في الولاية .

لقد مضت قرون طويلة من البحث عن شروط الخلافة وطريقة البيعة وولاية العهد وشروط أهل الحل والعقد ، وفي ذلك يقول الدكتور محمد سليم العوا في كتابه النظام السياسي للدولة الإسلامية : ( إن تفاصيل النظام السياسي للدولة الإسلامية ؛ تركت أصلا لكي يختار فيها المسلمون ما يوائم العصور والظروف المختلفة ، وإذا لم يكن ثَمَّ نص ملزم فإن إجتهادات الفقهاء لا تلزم المسلمين بعد العصور التي صيغت فيها هذه الإجتهادات ، مع إستمرار تغير الظروف التي تمر بها المجتمعات المسلمة . الإسلام قد ألزم المسلمين بقيمة الشوري ، ولكن هذا التشريع قد اقتصر علي تقرير هذه القيمة ذاتها ، وليس في النصوص المتعلقة به بيان للطريقة التي تتبع في تطبيق الشوري ولا الأمور التي يجب أو يجوز أن تكون محلا للشوري ، ولا الصفات التي يجب أن تحسم بها مداولات أهل الشوري . وليس ثَمَّ طريقة يقال عنها إنها إسلامية بحيث تعتبر ما عداها غير إسلامية ، وإنما المسلمون ملزمون بقيمة مضمون الشوري ولا تثريب علي الناس بعد ذلك إن سلكوا ما شاءوا من سبيل لتحقيق هذه القيمة وضمان تطبيقها ) .

والذي نعلمه من التاريخ أن المسلمين لم يتبعوا أسلوبا واحدا في إختيار خليفتهم ؛ فقد إجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتنادون بالخلافة ، ومن قبل أن يفرغ أبو بكر من جهاز الرسول ، فجاءه عمر بن الخطاب يقول : ( قد حدث ما لابد لك من حضوره ) فهُرعا إلي السقيفة حيث استقر الأمر لأبي بكر بما عرف ببيعة السقيفة . ولقد إنتقد بعض الفقهاء هذه البيعة ؛ وقالوا إنها ليست من الشوري في شئ ، ولكننا نقول إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد ترك المؤمنين علي بصيرة من الأمر ، بحيث لا يتصور إختلافهم بأكثر مما اختلفوا فيه في تلك السقيفة .

وأما أبو بكر فقد عهد بالخلافة من بعده إلي عمر بن الخطاب بعد أن استشار الصحابة من حوله ، ولا يذكر التاريخ أحدا خالفه هذا الرأي إلا طلحة بن عبيد الله إذ قال له : ( ما أنت قائل لربك إذا سألك عن إستخلافك عمرعلينا وقد رأيت ما يلقي الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم بعد لقائك ربك ) قال أبوبكر : ( أبالله تخوفني ! أقول اللهم أستخلف علي أهلك خير أهلك ) ثم أشرف علي الناس بالمسجد وقال لهم : ( أترضون بمن أستخلف عليكم ، فإني ما ألوت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قرابة ، وإني قد وليت عمر بن الخطاب فأسمعوا له وأطيعوا ) ، فهذا هو الصديق قد إستشار خاصة المسلمين وعامتهم في مسجده ، ثم أمضي أمره بولاية عمر ، ولم يقل أحد أنه قد تجاوز الشوري أو خالف السنة ، أو أحدث في الإسلام مالا عهد له به ، وربما رأي أن إجتهاده علي نحو ما إجتهده هو الشوري في حقيقتها ومضمونها .

وأما إبن الخطاب فقد جعل الخلافة من بعده شوري في ستة هم : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص . وأيا ما كان من اختلاف هؤلاء الستة فيما بينهم ، فقد استقر الأمر لعثمان بن عفان بهذا الأسلوب ، ولا أظن أن أحدا سيري في الشوري ما لم ير إبن الخطاب من أمرها ، أو أنه سيعلم من الدين ما فات هؤلاء الستة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم .

وقد أجاز بعض الفقهاء الشوري في تفسير نصوص القرآن أو تنفيذها ، ومن هذا الرأي عبد القادر عودة في كتابه ( الإسلام وأوضاعنا السياسية ) ونري أن هذا ليس موضوعا للشوري ، بل هو مسئولية الطائفة التي فرض الله أن تُستَنفر من علماء المسلمين للتفقه في الدين عملا بقوله تعالي { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفرمن كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } التوبة 122 .

هذه طائفة يجب أن تفرغ لتفسير نصوص القرآن وإستنباطها وبيانها للناس في كل فرقة من فرق المسلمين، وإنما يتفرق المسلمون شعوبا وقبائل في الأرض ، ولقد يتفرقوا دولا بحسب شعوبهم أو قبائلهم ، ولكن لا ينبغي لهم أن يتفرقوا في دينهم أبـدا { ولا تكونوا كالذين تفرقوا وإختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } آل عمران 105 { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} الأنعام 153 {وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } آل عمران 103 { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ } الأنعام 159 .

الحقــوق العامـــة

إذا قامت البيعة لولي الأمر بالحق ؛ فإن ذلك يرتب لهم حقوقا عليه ، ويرتب له حقوقا عليهم ، يقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( قد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم ، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم . فالحق أوسع الأشياء في التواصف ، وأضيقها في التناصف – أي أنه يتسع عند وصفه والحديث عنه ، ويضيق عند إقتضائه والمطالبة به – لا يجري لأحد إلا عليه ، ولا يجري عليه إلا جري له . ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه ، لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه ، لقدرته علي عباده ، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه جعل حقه علي العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا . ثم جعل سبحانه حقوقا لبعض الناس علي بعض ، فجعلها تتكافأ في وجوهها ، ولا يجب بعضها إلا ببعض ، وأعظم ما إفترض سبحانه من تلك الحقوق حق الولي عليكم وحقكم عليه فريضة جعلها نظاما لألفتهم وعزا لدينهم ، فلا يصلح الناس إلا بصلاح الولاة ولا يصلح الولاة إلا بإستقامة الناس . فإذا أدي الناس إلي الوالي حقه ، وأدي الوالي إليهم حقهم ؛ عز الحق بينهم ، وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت السنن علي أذلالها – أي علي وجوهها – فصلح بذلك الزمان ، وطُمِع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلب الناس الوالي ، أو أجحف الوالي بهم ؛ إختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدين – الإدغال في الأمر هو إدخال ما يفسد به – وتركت محاج السنن ، فعُمِل بالهوي وعُطَّلت الأحكام ، وكثرت علل النفوس ، فلا يُسْتَوحش لعظيم حق عُطَّل، ولا لعظيم باطل فُعِل – أي يصبح تعطيل الحقوق وفعل الباطل أمورا عادية لا تثير الوحشة والإستغراب – هنالك تذل الأبرار ، وتعز الأشرار . فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه ، وليس إمرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفَوْق – أي أكبر – أن يعان علي ما حَمَّله الله من الحق ، ولا إمرؤ وإن صَغَّرته النفوس وإقتحمته – أي احتقرته – العيون ، بدون أن يُعِينَ علي ذلك ) .

هنالك قام رجل من أصحابه يثني عليه ثناءً عريضا ، ويعده السمع والطاعة ، فقال أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( إن مِن حق مَن عَظُمَ جلالُ الله في نفسه ، وجَلَّ موضعُه من قلبه ، أن يَصغُر عنده كلُّ ما سواه . إن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس ، أن يُظَنَّ بهم حب الفخر ، ويوضعَ أمرُهم علي الكِبرْ . فلا تكلموني بما تُكلَّم به الجبابرة ، ولا تتحفظوا مني بما يُتَحَفَّظ به عند أهل البادرة – أي أهل الغضب – ولا تخالطوني بالمصانعة . فإنه من استثقل الحق أن يُقال له ، أو العدل أن يُعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه . فلا تكفوا عن مقالة بحق ، أو مشورة بعدل . فإني لست في نفسي بفوق – أي بأكبر – أن أخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ) .

وفي موطن آخر يقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( أيها الناس ؛ إن لي عليكم حقا ، ولكم عليّ حق . فأما حقكم عليّ فالنصيحة – أي الإخلاص – لكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيلا تجهلوا . وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم . والذليل عندي عزيز حتي آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتي آخذ الحق منه ).

كتب رضي الله عنه إلي قثم بن العباس نائبه في مكة يقول له في موسم الحج : ( أقم للناس الحج ، وذكرهم بأيام الله – وهي الأيام التي عاقب الله سبحانه فيها الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لما ظلموا وكانوا بآيات الله يجحدون – واجلس لهم العصرين – أي الغداة والعشي – فأفت المستفتي ، وعلم الجاهل و ذاكر العالم . ولا يكن لك إلي الناس سفيرٌُ إلا لسانُك ، ولا حاجب إلا وجهك ، ولا تحجُبَن ذا حاجة عن لقائك بها – أي بالحاجة – فإنها إن ذِيدَت – أي مُنِعَت -عن أبوابك في أول وردها ، لم تُحمد فيما بعد علي قضائها . انظر إلي ما اجتمع عندك من مال الله فأصرفه إلي مَن قِبلك – أي لمن هو عندك في مكة ، فالخراج لأهله كما رأينا من قبل – من ذوي العيال والمجاعة ، مصيباٌ به مواضع الفاقة – أي الفقر – والخَلاَّت – جمع خلة وهي الحاجة – وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قِبلنا )

وكتب رضي الله عنه لعبد الله بن العباس عندما إستخلفه علي البصرة يقول: ( سَعِ الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإياك والغضب ؛ فإنه طِيَرَة من الشيطان – الطيرة هي الفأل الشؤم ، والشيطان يتفاءل بالغضب ، ولا شك أن الغضب يسهل للشيطان ما ينال من الإنسان – واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار ، وما باعدك من الله يقربك من النار ) .

فالناس كل الناس بإختلاف عقائدهم ومللهم والوانهم وألسنتهم ، ليسوا سواء أمام القانون فحسب ، بل هم سواء في مجلس ولي الأمر ، يأتونه فيجدون عنده سعة في وجهه ، وعدلا في قضائه ، وإحسانا في تصريف الأمور ، لا يستثقل أعباء ولا تستغضبه جهالة ، ولا يحتسب أجره إلا علي الله حذر الآخرة وطمعا في رحمته .

وربما يظن الناس أن إبن إبي طالب رضي الله عنه قد نسي نصيبه من الدنيا ، أو أنه زين لأصحابه أن ينسوا نصيبهم منها تقشفا وزهدا ؛ كان رضي الله عنه قد زار العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه في البصرة ، فأبصر ما رأي من سعة داره ، ولم ينكر عليه شيئا منها بل قال له: ( إن شئت بلغت بها الآخرة ؛ تُقْري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة ) .

فقال له العلاء : ( يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم ) قال : ( وما له ؟) قال : ( لبس العباءة وتخلي عن الدنيا ) قال : ( عليَّ به ) ، فلما جاء قال له إبن أبي طالب رضي الله عنه : ( يا عُدَىَّ – تصغير عدو – نفسِه ، لقد إستهام بك الخبيث – أي زين لك لشيطان ما تهِم به – أما رحمت أهلك وولدك ؟! أتري اللهَ أحلَّ لك الطيبات ، وهو يكره أن تأخذها !! أنت أهون علي الله من ذلك ).

ولا شك أنه رضي الله عنه كانت له بطانة من خاصة أوليائه ، ولكنه لم يكن ينظر إليهم إلا كما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم ينظر إلي بطانته التي إختارها الله سبحانه وتعالي له بقوله تبارك وتعالي { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا } الكهف 28

وهو رضي الله عنه يصفهم ويقول لهم : ( أنتم الأنصار علي الحق ، والإخوان في الدين ، والجُنَن – جمع جُنَّة ، أي وقاية – يومَ البأس ، والبطانة دون الناس ، بكم أضرب المدبر ، وأرجو طاعة المقبل ، فأعينوني بمناصحة لا غش فيها ولا رِيَب ، فوالله إني لأولي الناس بالناس ).

وأنصاره وإخوانه هم المهاجرون والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان ، كانوا رضي الله عنهم هم صحابته في الحق كما كانوا صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم بالحق ، وكانوا رضي الله عنهم هم جنوده الذين يضرب بهم المدبر ، ويرجو بهم طاعة المقبل ، ولم يكن منهم أحد في جنود عدوه فقد كتب إبن أبي طالب رضي الله عنه ينذر عدوه فيقول له : ( وأنا مُرْقِل – أى مسرع – نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم – القتام الساطع هو الغبار المنتشر – متسربلين سرابيل الموت أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم ) .

التحكيـــم

يقول أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتابه العواصم من القواصم : ( وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه مالا يرضاه الله ، وإذا لحظتموه بعين المروءة دون الديانة ؛ رأيتم أنها سخافة ، حمل علي سطرها في الكتب علي الأكثر عدم الدين ، وفي الأقل جهل متين ).

لقد أسقط إبن العربي رحمه الله كل ما رواه المؤرخون في التحكيم ، ولم يقبل إلا ما نقله في كتابه هذا عن الدارقطني أنه قال : ( إن الحكمين قد إتفقا علي رد الأمر إلي النفر الذي توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو عنهم راض ) .

يقول إبن أبي طالب رضي الله عنه في التحكيم : ( إنا لم نُحكَّم الرجال ، وإنما حَكَّمنا القرآن . وهذا القرآن إنما هو مسطور بين الدفتين ، ولا ينطق بلسان ، ولا بد له من تَرجُمان وإنما ينطق عنه الرجال . ولما دعانا القوم إلي أن نحكم بيننا القرآن ، لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالي ، وقد قال الله سبحانه { فإن تنازعتم في شئ فرُدُّوه إلي الله ورسوله } فرده إلي الله أن نحكم بكتابه ، ورده إلي الرسول أن نأخذ بسنته . فإذا حُكِمَ بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به ، وإن حكم بسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فنحن أولاهم به. وأما قولكم لِمَ جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم ، فإنما فعلت ذلك ليتَبيَّن الجاهلُ ويَتَثَبَّت العالمُ، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ، ولا تؤُخَذ بأكظامها ، فتَعْجَل عن تَبَينُّ الحق ، وتنقاد لأول الغي . إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه من الباطل ، وإن نقصه الحقُ وكرثه – أي أحزنه ) .

يلاحظ في هذا الحديث أن إبن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو مَن هو من السبق في دين الله ، قد منح هذه الحرية المطلقة لقومه ، فاتسع صدره ليجادلوه فيماَ عزم عليه ومضي أمره فيه ، فقام فيهم ليبين لهم أنه إذا خُيرِّ بين الحق والباطل ، فسوف يختار الحقَ وإن نقصه الحقُ وكرثه ، وأنه إذا دُعي إلي الله وسنة رسوله فهو أولي بهما { إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعوا إلي الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا واولئك هم المفلحون } النور 51

وكذلك فإنه يتضح من هذا الحديث أن إبن أبي طالب رضي الله عنه لم يُكره علي التحكيم ، وإنما قبله طائعاً مختاراً نزولاً عند حكم الله ، وما فرض الله من السلم ، فأيا ما كان من أمر القوم الذين طلبوا تحكيم القرآن ، فإنهم فى نهاية الأمر قد جنحوا للسلم ، وأصبح حقا على أمير المؤمنين أن يجنح لها { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ، وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين } الأنفال61.

ويبين من حديثه رضى الله عنه؛ أن القوم لا يجادلوه فى مبدأ التحكيم، وإنما هم يجادلوه فى تحكيم الرجال؛ فيقول رضى الله عنه إنه لم يحكم الرجال وإنما حكم القرآن ، ولابد للقرآن من رجل ينطق بالحق الذى بين يديه . ويجادلوه الأجل الذى جعله بين الفريقين ؛ فيقول رضى الله عنه إنه أراد بهذا الأجل هدنة ، لعل الله يصلح فيها أمر هذه الأمة ، فلا تؤخذ بأكظامها ، فتنزلق عن الحق وتميل إلى الباطل ، لأن الحقَ أحقُّ أن يُتَّبع ، وأول الحق وآخره فى كتاب الله مسطور بين دفتيه .

وربما إشتدت عليه المعارضة فى أمر هذا التحكيم ، ولكنه لا يحيد عن الحق الذى مضى أمره فيه ، ولا يزداد إلا إيمانا وتسليما ، فيقول رضى الله عنه : ( لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات ، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا ، ومضيا على الحق ، وتسليما للأمر ، وصبرا على مضض الجراح . ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا فى الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل ، فإذا طمعنا فى خصلة يلم الله بها شعثنا ، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا ، رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها ) .

فهو رضى الله عنه لا يضيق ذرعا بالقتال إذا فُرض عليه ، فقد كان يقاتل الأهل والعشير ، ويصبر على مضض الجراح والشدائد ، ولا يزداد إلا إيمانا وتسليما . ولكنه اليوم يقاتل إخوانه فى إلاسلام ، لا يقاتلهم إلا على ما دخل فيه من الزيغ و الاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا جاء التحكيم بخصلة، يجمع الله بها الشمل، ويقرب ما بعد بين الفئتين ، فإنها خصلة أدعى إلى أن يرغب فيها ، ويمسك بها عن قتال المسلمين بعضهم بعضا { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أَخَوَيْكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } الحجرات 10 .

ولم يكن هينا على أمير المؤمنين أن يخرج إلى قتال المسلمين ، رغم أنه رضي الله عنه قد علم أنهم الفئة الباغية ، لما دخل في دينهم من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل ، ذلك بأننا نسمع نداءه وهو يقول في فئته: ( إني خرجت إما ظالما وإما مظلوما، وإما باغيا وإما مبغيا عليه، وإني اذكر اللهَ من بلغه كتابي هذا لمّا نفر إليّ – لما مشددة بمعني إلا، كما وردت في قولـه تعالى { إن كل نفس لمّا عليها حافظ } الطارق 4 – فإن كنتُ محسنا أعانني، وإن كنتُ مسيئا استعتبني ) .

وكان دعاؤه إذا خرج إلي قتال عدوه أن يقول رضي الله عنه : ( اللهم ربَّ السقفِ المرفوع ؛ إن أظهرتنا علي عدونا فجنَّبنا البغي ، وسددنا للحق . وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة ، واعصمنا من الفتنة ) .

كل اولئك مما في حديث إبن أبي طالب إنما يدل دلالة قاطعة علي أنه لا يخرج إلي القتال إلا إذا لم يكن منه بد ، وهو يتحرج فيه أشد الحرج ، حتي إنه لا يدري إن كان قد خرج إليه ظالما أم مظلوما ، باغيا أم مبغيا عليه ، ويسأل الناس أن يردوه إن كان مسيئا ، أو ينصروه إن كان محسنا ، ويدعو ربه أن يجنبه البغي إذا ظهر علي عدوه ، وأن يرزقه الشهادة إذا ظهر عدوه عليه ، وأن يسدده للحق ، وأن يعصمه من الفتنة . وذلك دأب تلاميذ القرآن الذين لا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة ، ولا يرضون بالحياة الدنيا وزبرجها من الآخرة ، وما وعدهم ربهم من مغفرته ورضوانه { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} القصص 83 .

فإذا عزم الأمر ، وتراءت الفئتان ، قام أمير المؤمنين يقول في جيشه : ( لا تقاتلوهم حتي يبدأوكم ، فإنكم بحمد الله علي حجة ، وترككم إياهم حتي يبدأوكم حجة أخري لكم عليهم . فإذا كانت الهزيمة بإذن الله ؛ فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تصيبوا مُعْورَا – المعور من عجز عن القتال بتسليم نفسه أو إلقاء سلاحه – ولا تُجْهِزوا علَي جريح ، ولا تَهِيجوا النساء بأذي ، وإن شتمن أعراضكم ، وسببن أمراءكم ) .

وقال رضي الله عنه يصف أعداءه : ( جُمِّعوا من كل أوب ، ممن ينبغي أن يُفَقَّه ويُؤَدَّب ، ويُولي عليه ويُؤخذَ علي يديه ، ليسوا من المهاجرين والأنصار ، ولا من الذين تبوأوا الدار ) وهذا دليل قاطع علي أنه ليس من أعداء إبن أبي طالب رضي الله عنه ، ولا ممن حاده أو إنقلب عليه ، أحد من أهل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ، أو من صحابته الأبرار من المهاجرين والإنصار وإخوانهم الذين تبوأوا الدار { أولئك مُبَرَّؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } النور 26 .

ملكوت السماوات والأرض

كان إبن أبي طالب كثير النظر في ملكوت السماوات والأرض ، لا يجتهد فيه برأيه ، وإنما يتدبره بما أوحي إليه في القرآن ، ويقيسه بما أنزل الله فيه من الآيات البينات والحكمة البالغة .

يقول رضي الله عنه في الأرض : ( أنشأ الأرض فأرساها علي غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، ومنعها من التهافت – أي التساقط جزءا جزءا –والإنفراج – أي الإنشقاق – أرسي أوتادها ، وإستفاض عيونها ، وخَدَّ- أي شق – أوديتها . وهو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي علي كل شئ منها بجلاله وعزته ، لا يعجزه ولا يمتنع عليه شئ منها ولا يفوته سريع فيسبقه وهو يفنيها بعد وجودها ، وليس فناء الدنيا بأعجب من إنشائها ، ولو إجتمع أسناخها – أي كل أنواع الخلق فيها – وأجناسها علي إحداث بعوضة ما قدرت علي إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلي إيجادها . لم يتكاءده – أي لم يشق عليه – صنعُ شئ منها إذا صنعه ، ولم يَؤدْه – أي لم يثقل عليه – منها خلق ما خلقه وبرأه ، ولم يكونها لتشديد سلطان ، ولا خوف من زوال أو نقصان ، ولا للاستعانة بها علي ند مكاثر – أي مغالب بالكثرة – ولا للإحتراز بها من ضد مثاور – أي متأهب بالهجوم – ولا لوَحْشَة منه فأراد أن يستأنس إليها . ولكنه سبحانه دبرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا من حاجة إلي غني وكثرة ، ولا من ذل إلي عز وقدرة ، وسبحانه هو الغني القوي العزيز المتعال ) .

كيف أدرك إبن أبي طالب أن الأرض راسية بغير قرار ، قائمة بغير قوائم ، مرفوعة بغير دعائم ؟! يعلم تلميذ النبوة والوحي أن الأرض لا تختلف في شئ عما في السماء من النجوم والكواكب ، فكل اولئك كان رتقا ملتئما ففتقه الله ، لتسبح الأرض في فلكها كما تسبح النجوم والكواكب { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } الأنبياء 30 فهذه هي الأرض وما في السماء من الكواكب قد فتقت من رتق واحد ، فهي مثلها لا تختلف عنها في شئ ، وقد تأكد هذا التماثل بقوله تعالي { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} الطلاق 12 كما تأكد مما فيها من الذر { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض } سبأ 3 والذرة عند العرب هي صغار النمل ، كل مائة نملة منها تزن حبة شعير واحدة وتضرب مثلا لكل شئ يتناهي في الصغر وقد سميت به الأجزاء التي تتكون منها الأجسام في الأرض وفي السماء ، وهي تسمية صحيحة تتفق مع مدلولها في اللسان العربي .

{ خلق السماوات بغير عمد ترونها } لقمان 10 والأرض مثلها قائمة بغير قوائم ، راسية بغير قرار ، مرفوعة بغير دعائم ، ينظر إبن أبي طالب في كواكب السماء وكأنه ينظر إلي الأرض من فوق هذه الكواكب لإيمانه المطلق بالتماثل بين السماء والأرض ، فيقيس الأرض بما في السماء ، ويقيس السماء بما في الأرض بمراصد الوحي ومصابيح الهدي في هذا القرآن العظيم ، وهو يعلم من القرآن أن الأرض ستنشق كما ستنشق السماء يوم القيامة { يوم تنشق السماء بالغمام } الفرقان 25 { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } ق 44 فكما يتماثلان في النشأة الأولي فهما يتماثلان في النهاية ، ولذلك فقد إطمأن إبن أبي طالب إلي أنها لا إنشقاق لها ولا تهافت قبل يوم القيامة إذن أبدا .

ويفسر لنا إبن أبي طالب إسمين من أسماء الله الحسني ، فيقول رضي الله عنه : ( هو الظاهر عليها بسلطانه ، وهو الباطن لها بعلمه ) لا يخفي عليه شئ تبطنه فهو الباطن ، ولا يعجزه شئ منها فهو الظاهر . وهو الذي يُفني كل شئ ، وليس فناء الدنيا بأعجب من إنشائها ، ولا بعثها بأعجب من خلقها أول مرة ، وهو الغني بسلطانه سبحانه وتعالي من قبل ومن بعد له الجلال والإكرام ، وخلقهم جميعا فعجزوا أن يخلقوا ذبابا أو بعوضا ولو إجتمعوا له .

ويتأمل إبن أبي طالب كل اولئك ويتفكر فيه ليصل في النهاية إلي أن الله سبحانه لم يكن له ند مكاثر ولا ضد مثاور ، ولا يخلق من شئ ليستأنس به من وحشة ، ولا ليشد به سلطانا ، ولا ليدرأ به ضعفا أو نقصانا .{ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضي لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخري ثم إلي ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور } الزمر 7

وإبن أبي طالب لايري من شئ في ملكوت السماوات والأرض حتي يزداد خشوعا لله سبحانه خالق كل شئ فيقول : ( ربنا إننا لا نعلم كنه عظمتك ، إلا أننا نعلم أنك حي قيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم ، ولم ينته إليك نظر ، ولم يدركك بصر ، أدركت الأبصار ، وأحصيت الأعمال ، وأخذت بالنواصي والأقدام ، فمن فرَّغ قلبَه ، وأعمل فكره ، ليعلم كيف أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ، وكيف علقت في الهواء سماواتك ، رجع طرفه حسيرا ، وعقله مبهورا ) .

وكذلك ينظر تلميذ الوحي والنبوة في ملكوت الله يتفكر في خلقه سبحانه ، ويتفحصه بمراصد القرآن في عبادة وخشوع وذكر متصل ، ولا يمد بصره ولا يبسط فكره إلا بمقادير الوحي وموازينه { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } البقرة 255 { لا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير } الأنعام 103 { الذي خلق سبع سماوات طباقا ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } الملك 3 .

ويسبح إبن أبي طالب ويذكر ربه في القرآن بالقرآن لا يتجاوزه ولا يحيد عنه فيقول : ( الحمد لله المعروف من غير رؤية ، الذي لم يزل قائما دائما ، ذلك مبدع الخلق ووارثه ، وإله الخلق ورازقه ، أحصي آثارهم وأعمالهم ، وخائنة أعينهم وما تخفي صدورهم ، ومستقرهم ومستودعهم ، قاهر من عازه – أي أراد أن يشاركه في عزته – ومدمر من شاقه ، ومذل من ناوأه ، وغالب من عاداه ، ومن توكل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن شكره جزاه ) .

وهو رضي الله عنه يؤمن بأن هدي الله هو الهدي ، وأن علمه الذي علمه في القرآن هو العلم ، وأن الإلتزامَ بذلك وعدم تجاوزه إلي تكلف ما ليس في القرآن من آيات الله والحكمة رسوخ في العلم ، وهو رضي الله عنه يستنبط هذه الحكمة من قول الملائكة سلام الله عليهم جميعا { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } البقرة 32 ، فيقول : ( فما دَلَّكَ القرآن عليه فائتم به – أي أنه هو إمامك فاتبعه – واستضئ بنور هدايته ، وما كلَّفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب فِكلْ علمَه إلي الله سبحانه ، والراسخون في العلم هم الذين أغناهم الله عن إقتحام ماجهلوا تفسيرَه ، فمدح الله تعالي إعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا ، فالمؤمن من إقتصر علي ذلك ، فلا يقدر عظمة الله سبحانه علي قدر عقله فيكون من الهالكين ).

ويري إبن أبي طالب رضي الله عنه أن الإنسان يتفكر في خلق الله ليعتبر ، ويعتبر فيبصر ، ويبصر فيعرف قدر نفسه ، فيصبح علي بينة من ربه لا يحيد عن سواء السبيل ، فيقول : ( رحم الله إمرأً تفكر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، والعالم من عرف قدره ، وكفي بالمرء جهلا ألا يعرف قدره ، وإن من أبغض الرجال عند الله لعبداً وكله الله إلي نفسه ، جائرا عن قصد السبيل ، وسائرا بغير دليل ، إذا دُعي إلي حرث الآخرة كَسِلْ ، وهذا زمن لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نُوَمَه – أي ليس له ذكر عند الناس – إن شَهِد – أي ظهر – لم يُعرف ، وإن غاب لم يُفتقد ، والله سبحانه يقول { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } المؤمنون 30 فالله قد أعاذ الناس من أن يجور عليهم أو يظلمهم ، ولكنه سبحانه وتعالي لم يعذهم من أن يبتليهم ) .

ويتفكر إبن أبي طالب رضي الله في الدين ، فيبهره ما فيه مما فرضه الله علي عباده المؤمنين ، فيستبشر به ويعظمه ، ثم هو رضي الله عنه لا يكتفي من ذلك بشئ عما سواه مما فرضه الله سبحانه في القرآن فيري أنه لا يكتمل إيمان إلا بالعلم بالقرآن والعمل به ذلك بأن العلم بالقرآن واجب علي كل مؤمن ومؤمنة ، وهو أساس الحساب يوم القيامة { حتي إذا جاؤا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون } النمل 84 والعلم بالقرآن شئ والتفقه فيه شئ آخر ، التفقه في آيات الكتاب ، تدبرها ، وإستنباط الأحكام من بيانها ، هو عمل الطائفة المستنفرة من كل فرقة من فرق المؤمنين عملا بقوله تعالي { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } التوبة 122، لاحجة لهم الا بما يجدونه مسطورا فى كتاب ربهم تفصيلا وتبيانا لكل شئ .

يقول تلميذ الوحي والنبوة رضي الله عنه : ( إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلي الله سبحانه ؛ الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله ، فإنه ذروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة وإقام الصلاة فإنها الملة ، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنه جنة – أي وقاية – من العذاب ، وحج البيت وإعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويَرْحَضَان – أي يغسلان – الذنب ، وصلة الرحم فإنها مثراة في المال ومنسأة في الأجل ، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء ، وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان ، وذكر الله فإنه أحسن الذكر ، وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واسْتَشْفُوا بنوره فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص ، وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله ) ، وتلك هي أركان الإسلام التي بني عليها كما يراها تلميذ الوحي والنبوة بالحق صدقا وعدلا طالما فَرض العلمَ بالقرآن والعملَ به .

وفي ذلك يقول رضي الله عنه : ( إن الله تعالي خصكم بالإسلام ، واستخصكم له ، واصطفي الله تعالي مَنْهَجه وبَيَّن حججه من ظاهر العلم وباطن الحكمة ، لا تفني غرائبه ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا تُفتح الخيراتُ إلا بمفاتحه ، ولا تُكشف الظلماتُ إلا بمصابيحه ، فيه شفاء المستشفي ، وكفاية المكتفي ) رضي الله عن إبن أبي طالب فقد أدرك حكمة الله في قوله تبارك وتعالي { وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين } الإسراء 82 تماما كما أدرك حكمة ربه في قوله سبحانه وتعالي { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتابَ يُتلي عليهم إن في ذلك لرحمة وذكري لقوم يؤمنون } العنكبوت 51

ويقـول رضي الله عنه في موضع آخر وهو يعظ الناس : ( إن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدي، ولم يدعكم في جهالة ولاعمي ، أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شئ ، وعمر فيكم نبيه أزمانا حتي أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضي لنفسه ، وأنهي إليكم نواهيه وأوامره ، فألقي إليكم المعذرة ، وإتخذ عليكم الحجة ، وقدم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد ، فاستدركوا بقية أيامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه ، وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه ).

ويرجع إبن أبي طالب البصر في ملكوت السماوات والأرض فيسبح الله بحمده، ويتأمل الخلق فإذا هو في أحجام مختلفة من النملة إلي الفيل، ثم هو رغم إختلاف أحجامه شاهد علي بديع صنع الله، وعظمة إتقانه لما يخلق في الأرض وفي السماء، فيقول رضي الله عنه: ( ألا تنظرون إلي صغير ما خلق ، وكيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر وسوي له العظم والبشر – جمع بشرة وهي ظاهر الجلد – أنظروا إلي النملة في صغرها، ولطافة هيئتها، كيف دبت علي أرضها، وصَبَت علي رزقها، تنقل الحبة إلي جحرها، تجمع في حرها لبردها، وفي وردها لصَدَرها، لا يُغْفِلُها الرحمن ولا يحرمها ولو في الصفا – أي الحجر الأملس – اليابس ، والحجر الجامس – أي الجامد – ولو فكرت في مجاري أَكلها، في عُلوها وسُفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها – أي كيف يجري الطعام من فمها إلي جوفها – لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالي الذي أقامها علي قوائمها،وبناها علي دعائمها ، ولوضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، ما دلَّتك الدلالةُ إلا علي أن فاطر النملة هو فاطر النخلة، لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض إختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف ، والثقيـل والـخفيف ، والـقوي والضعيف في خلقه إلا سواء ) .

لئن كانت النملة خلقا عجبا، فأعجب من ذلك طعامها كيف يتاح لها فتجمعه، وكيف تأكله فيسري في جوفها ، وكيف تنقله إلي خزائنها ، وتحمله في الصيف لشتائها ، وقد ثبت أن النملة تحمل أثقل من وزنها خمسين مرة ، والنمل كالنخل كل يضرب في الأرض بحثا عن رزقه ، وربما كانت هذه الإشارة في حديث إبن أبي طالب هي اول مباحث علم النبات والحيوان يستنبطها رضي الله عنه مـن قــوله تعالي{ والله أنبتكم من الأرض نباتا } نوح 17 { وأنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا فيها من كل زوج كــريم } لقمان 10{ سبحان الذي خلق الأزواج كلهــا مما تنبت الأرض ومن أنفسكم ومما لا تعلمون } يس 36 إن كل شئ في الأرض من الحيوان ومن النبات يمد جذوره في الأرض ليستخلص طعامه ، ثم يفرغ كل شئ فيها ، ثم لا يلبث بعد ذلك أن يعود إليها ، فهي كالكفت أو الإناء يحمل الأحياء علي ظاهره ، ويحمل الأموات في باطنه { ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياءً وأمواتا } المرسلات 25 وما ينقص من ظهرها يزيد في باطنها ، وما ينقص من باطنها يزيد في ظاهرها ، في موازنة دقيقة لا تختل بها موازين البيئة ، ولا تتلوث إذاً أبدا { أفلا يرون أناَّ نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } الأنبياء 44 كل شئ في الأرض قد خضع لنظم ثابتة ، وسنة لا مبدل لها ، في بناء متناسق يكمل بعضه بعضا ، فهل يكون بناء من غير بان ، أو صنع من غير صانع { أم خُلقوا من غير شئ أم هم الخالقون } الطور 35 .

النظر في ملكوت السماوات والأرض عند إبن ابي طالب رضي الله عنه ، هو تدبر ما تدل عليه آيات القرآن فيما خلق الله من السماوات والأرض ، لا يتجاوز دلالة الآية ، ولا يتكلف ما عجز عن إستنباطه منها، فما كان بقرآن فهو العلم من لدن حكيم خبير ، وما ليس في القرآن فهو عفو مسكوت عنه ، والمؤمنون أولي بالسكوت عنه وعدم تكلفـه { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين يُنزَّل القرآنُ تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم . قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } المائدة 102 ولقد أبي أكثر أهل الكتاب هذا النظر ، وأصروا علي أن يتكلفوا ما لم يحيطوا به علما مما أوحي إليهم من كتب ربهم التي أنزلت عليهم بالحق تفصيلا لآيات الحكمة مبرأة من تفاصيل الرواية ، فضلوا بها وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ، فما أغنت عنهم كثرتهم علي ما يتكلفون بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير{ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ياأولي الألباب لعلكم تفلحون } المائدة 100 .

ولقد اختلفت روايات المؤرخين في القوم الذين قاتلوا إبن إبي طالب رضي الله عنه ، ولكنه يقول فيهم : ( فوالذي فلق الحبة وبرأ النّسَمَة ما أسلموا ولكن استسلموا ، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعونا عليه أظهروه ) ويقول فيهم في موضع آخر : ( مالي ولقريش ، والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين ، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم ) ، ولكنه رضي الله عنه إذا لقيهم في الحرب فإنه يدعو ربه فيقول : ( اللهم إليك أفضت القلوب وشخصت الأبصار اللهم نشكو إليك غيبة نبينا ، وكثـرة عدونا ، وتشتت أهوائن{ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } الأعراف 89 ) .

وكذلك فإن أفضل الدعاء ما كان بالقرآن ، فهو الصدق المطلق ، وهو الحق المبين . وما كان إبن أبي طالب ليقاتل القوم بغيا وعدوانا ، وما كان ليقاتل أحدا إلا ليحق الحق بعلم الله ، ويزهق الباطل بإذن الله ، ولا يتميز الحق من الباطل عند تلاميذ الوحي والنبوة إلا بموازين القسط في قرآن مجيد { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } فصلت 42 كيف وقد أُمروا بردع أنفسهم قبل أن يبدأوا بغيرهم ، وعلموا من كتاب ربهم أن الإمامة لا تصلح لأحدهم حتي يكون أحدهم إمام نفسه ، وفي ذلك يقول رضي الله عنه : ( من نَصَب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، ومُعَلّم نفسِه ومؤدبُها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبِهم ) .

الحــق والبــاطل

يقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( من لا ينفعه الحق يَضْرُرْهُ الباطل ، ومن لم يستقم به الهدي يجر به الضلال إلي الردي ، وإن أخوف ما أخاف عليكم إثنتان ؛ إتباع الهوي ، وطول الأمل ، فتزودوا من الدنيا ما تَحْرُزُون - أي تحفظون – أنفسكم به غدا ) .

لم ترد كلمة ( الأمل ) إلا في آيتين كريمتين من آيات القرآن المجيد ، الأولي في قوله تبارك وتعالي { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } الحجر 3 وفي هذا بيان بأن التكاثر في المال والبنين هو من اللهو الذي يلهو به الإنسان ويتمتع به في الحياة الدنيا ، وهو لا محالة زائل ومن ورائه حساب شديد وعذاب غليظ ، ومن أجل ذلك يحذر إبن أبي طالب من إتباع الهوي ، وطول الأمل ، بل الآخرة بالعمل الصالح خير ثوابا وخير أملا ، وينصح رضي الله عنه بأن يتزود المؤمن من الدنيا ما يحفظ نفسه به في الآخرة ، وذلك بإتباع الهدي من الله وإجتناب ما وراء ذلك من الباطل { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنَّي تُصرفون } يونس 32 .

ويقول رضي الله عنه في موضع آخر : ( إن أخوف ما أخاف عليكم إثنان ؛ إتباع الهوي ، وطول الأمل فأما إتباع الهوي فيصد عن الحق وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة ، وإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ) . فكيف علم تلميذ الوحي والنبوة أن إتباع الهوي يصد عن الحق ، لقد وجد رضي الله عنه أن القوم لم يعرضوا عما جاءهم من الهدي إلا بإتباع الهوي { إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدي } النجم 23 وأن القوم من بني إسرائيل لم يكذبوا الرسل ولم يقتلوا منهم من أحد إلا إذا جاءهم بما لا تهوي أنفسهم { كلما جاءهم رسول بما لا تهوي أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} المائدة 70 وان رسول الله صلي الله عليه وسلم قد إهتدي لأنه إنما كان يتبع ما أوحي إليه من الحق ، ولم يكن يتبع أهواء أحد من دونه أبدا { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم } الشوري 15 وأن كثرة الخبيث في ركام الذين يتبعون أهواءهم لا تغني من الحق شيئا ، ولا تضر مع الله في شئ { ثم جعلناك علي شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضـهم أولياء بعض والله ولي المتقين } الجاثية 18 وأن مثل الذين يتبعون أهواءهم بغير هدي من الله كمثل الكلب ولو كانوا من الذين أحاطوا بآيات الله علما { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } الأعراف 175

وكما أن إتباع الهوي يصد عن الحق ، فإن طول الأمل في الحياة الدنيا يصد عن الآخرة ، وفي هذا يقول إبن أبي طالب رضي الله عنه : ( من أقلَّ منها إستكثر مما يؤمنه ، ومن إستكثر منها إستكثر مما يوبقه ) ، ويقول رضي الله عنه : ( تصافيتم علي حب الآمال ، وتعاديتم في كسب الأموال ، وتاه بكم الغرور ) ، ويضرب المثل برسول الله صلي الله عليه وسلم الذي خشع قلبه لذكر الله سبحانه وتعالي ، وتطهر قلبه بما أوحي إليه من آيات ربه ، وشُغل بإقامة الصلاة والجهاد في سبيل الله فلم يعد يجد في قلبه مكانا للهوي { إن هو إلا وحي يوحي } النجم 4 ولم يعد يجد في حياته الدنيا أي وقت للأمل ، إلا أملا في لقاء ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ، فيقول رضي الله عنه : ( لقد كان في رسول الله ما يدلك علي مساوئ الدنيا ، إذ زويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ) .

ويقول إبن أبي طالب : ( لا يُدرك الحقُ إلا بالجد ، وبئس القوم قول بغير علم ، وغفلة من غير ورع ، وطمع في غير حق ) لا سبيل إلي الحق إلا بالجد أي الإجتهاد ، وإنما يجد الإنسان سبيله إلي الحق بثلاثة أمور ؛ العلم وإلاِلتزام به قولا وعملا ، والورع واليقظة في الجدل والحوار ، وعدم تجاوز الحق طمعا في غيره .

ويفتأ إبن أبي طالب يحذر من الهوي فيقول رضي الله عنه : ( إنما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع يُخالفُ فيها كتابُ الله ، ويتولي عليها رجال رجالا علي غير دين الله ، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف علي المرتادين – أي الباحثين عن الحق – ولو أن الحق خلص من لبس الباطل إنقطعت عنه السن المعاندين ) .

كدأب أهل الكتاب الذين كانوا من قبلنا ، أعرضوا عما جاءهم من العلم والبينات وإتبعوا أهواءهم { وما إختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءهم العلم بغيا بينهم }آل عمران 19 وإذا إختلف الناس عما جاءهم من الحق ، فقد أذنوا للشيطان أن يقعد لهم صراط ربهم ، ليأتيهم من بين إيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، فلا يهتدون إذا أبدا { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } الأعراف 16 وانما الحمد بالقول{ قل الحمد لله} النمل 59 والشكر بالعمل {اعملوا ال داود شكر} سبا34

وصراط الله هو هديه وكلامه الذي أوحي به الحق إلي رسوله صلي الله عليه وسلم { وإنك لتدعوهم إلي صراط مستقيم } المؤمنون 73 ولا نجد من بين أيدينا ولا من خلفنا صراطا من بعد الرسل إلا بكلمات الله في كتاب محفوظ { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلي صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلي الله تصير الأمور } الشوري 52 .

ويفتن الناس في دينهم إذا إتبعوا الهوي ، وإبتدعوا الأحكام خلافا لما أوحي إليهم من ربهم ، ثم يتولي الرجال بعضهم بعضا علي هذا الضلال في مذاهب شتي وأحزاب متنافرة كدأب أهل الكتاب من قبل { وآتينا عيسي إبن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما إقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن إختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما إقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } البقرة 253 .

وكذلك يختلط الحق بالباطل ، ولوخلص الباطل من مزاج الحق لما كان الأمر قد إلتبس علي أحد إذن أبدا ، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل لما عاند فيه المعاندون ، وإنما يُستنبط الحق بآيات الله يضرب بها الباطل فإذا هو زاهق ، فمن شاء عنادا من بعد ما بيَّن الله للناس من الحق بكلماته في الكتاب فإنما علي الرسل البلاغ والله بصير بالعباد { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدي من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } البقرة 159 .

والعدل هو إتباع الحق وإجتناب الباطل، ويقول فيه أمير المؤمنين رضي الله عنه (العدل علي أربع شُعَب؛ علي غائص الفهم، وغور العلم، وزُهرة – بضم الزاي أي حُسن – الحكم، ورساخة الحلم. فمن فهم علم غور العلم ، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ، ومن حَلُم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا ) الفهم هو سبيل المؤمن إلي الحق ، وربما إستنبط إبن أبي طالب رضي الله عنه هذه الحقيقة من قوله تعالي { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } الأنيباء 78 فالفهم هو أساس الحكم وهو سبيل العلم فمن فهم علم ، ومن علم أدرك شرائع الحكم ، فمن بلغ ذلك بالحلم علي تقوي من الله ، فذلك هو العدل في القول والعمل وفي الحكم وفي الفتوي .

وما نزال نجده رضي الله عنه حريصا علي إتباع الحق وإجتناب الهوي فيقول : ( واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل ، واللسان عن الصدق كليل ، واللازم للحق ذليل ، وأهله معتكفون علي العصيان ، ومصطلحون علي الإدهان ، وفتاهم عارم – أي شرس – وشائبهم آثم ، وعالمهم منافق ، وقارئهم مماذق – مذق أي غش – لا يعظم صغيرهم كبيرهم ولا يعول غنيهم فقيرهم ) .

وإنما يتبع الحق ويجتنب الهوي عباد الله المتقون ، ولذلك كان رضي الله عنه أشد مايكون حرصا علي أن يعظ الناس بالتقوي فيقول : ( أيها الناس ، إنما الدنيا دار مجاز ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممركم لمقركم ، فإن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك !؟ وقالت الملائكة : ما قدَّم !؟ ) .

ويعلم ابن أبي طالب من ربه أن الإنسان جُبل علي حب الخير وكره الشر لنفسه { وإنه لحب الخير لشديد. أفلا يعلم إذا بعثرما في القبور } العاديات 8 وأن هذه النزعة تلح علي الإنسان إلحاحا شديدا حتي تجعله أقرب إلي الهوي منه إلي الحق، ومن أجل ذلك يعظ رضي الله عنه الناس فيقول: ( إنك لست بسابق أجلك ، ولا مرزوق ما ليس لك ، وإن الدهر يومان ، يوم لك ويوم عليك ، وإن الدنيا دار دول ، فما كان منها لك أتاك علي ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ) .

ويري ابن أبي طالب أن القرآن ناطق بالحق شاهد عليه بالصدق فيقول رضي الله عنه : ( إنه من إستنصح الله وفق ، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم ، فإنّ جارَ الله آمن ، وعدوه خائف ، وانه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم ، فان رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن يتواضعوا له ، وسلامة الذين يعلمون قدرته أن يستسلموا له ، فلا تنفروا من الحق ، واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتي تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتي تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسّكوا به حتي تعرفوا الذي نبذه ، فالتمسوا ذلك من عند أهله ، وهم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، وصمتهم عن منطقهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق ، وصامت ناطق )

إنه رضي الله عنه يدل علي العلماء الذين ينبغي لهم أن يستعان بهم علي أمر الله ، من الذين علموا الحق فتواضعوا لله ، وعرفوا قدرته فاستسلموا له ، وإنما تعرف الأمور بأضدادها ، فيدرِكُ الرشدَ مَن عرف الذي تركه ، فإذا لم يعرف الذي ترك الرشد فإنه سيتبعه فيهديه إلي الغي ، ويؤمن الإنسان بكتاب ربه إذا عرف الذي نقضه ، فإذا لم يعرف الذي نقض الكتاب ، فإنه سيلتمس عنده علم الكتاب فيتلقاه محرفا مدخلا ، أما العلماء الذين تواضعوا لله وأسلموا له ، فيخبرك حكمهم عن علمهم ، فإذا حكموا بقضاء أو بفتوي فإنهموا يبينون الدليل من قول ربهم تبيانا ضافيا لا لبس فيه ، لا يأتيك بشئ من رأيه ، أو حكم لا دليل عليه ، وكأنك تُلقّي الحكم من عند الله لا ريب فيه ، ويخبرك صمتهم عن منطقهم ، فإذا سألتهم الحكم ولم يكن عندهم علم من الكتاب سكتوا ، أو قالوا لا ندري ، ففتحوا بذلك أبواب العلم لمن يتدبره في الكتاب ولم يغلقوا منها شيئا تواضعا لله واستسلاما لأمره وإبتغاء مرضاته ، اولئك العلماء الذين يدلك ظاهرهم عن باطنهم ، ولا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه .

ويبّين رضي الله عنه للناس أنهم إنما يمشون في طريق بين الباطل والحق ، وبين الضلال والهدي ، وأن الله سبحانه وتعالي قد شاء لهم أن يختاروا لأنفسهم ما شاؤا من النجدين ، فيقول : ( من لا ينفعه الحق يضرره الباطل ، ومن لم يستقم به الهدي يجر به الضلال إلي الردي ) .

وليس أيسر عند الناس من أن يأخذوا الحق للقوي ، أو أن يردوا الضعيف عن الباطل ، وإنما ابتلي المؤمنون بالحق يأخذه القوي من الضعيف بالباطل ، وفي هذا يقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( الذليل عندي عزيزحتي آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتي آخذ الحق منه ) ، ويحذر الناس الشبهة والتباس الحق بالباطل ، فيقول : ( وإنما سُميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ، وأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ، ودليلهم سمت الهدي – أي سبيل الهدي- وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمي ، فما ينجو من الموت من خافه ، ولا يُعطي البقاء من أحبه ) .

ثمَّ أناس يتحايلون علي الحق بالباطل ، ولا يجدون في أنفسهم مانعا من أمر الله ونهيه ، وفي هذا يقول رضي الله عنه شاهدا بالحق : ( لقد أصبحنا في زمان قد إتخذ أكثر أهله الغدر كيسا – الكيس هو العقل وهو خلاف الحمق – ونَسَبَهم أهل الجهل فيه إلي حُسن الحيلة ، مالهم ! وقد يري الحُوّلُ القُلّبُ – أي العاقل الذي يحذر تحول الأيام وتقلبها – وجهَ الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين – الحريجة هي التحرج من الإثم ) .

ومن الناس من يدلي إلي الباطل بأسباب الحق ليأكل أموال الناس بالإثم { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلي الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } البقرة 188 ورد التعبير في هذه الآية الكريمة بالإدلاء ، وهو الإرسال من أعلي إلي أسفل ، أو هو الإلقاء كما في قوله تعالي { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلي دلوه } يوسف 19 ، أو هو كما يقول الإمام الزبيدي رحمه الله ( إرسال مع تعليق ) كتدلي الثمرة ، والدوالي هي الثمرات المعلقة . وكذلك فإن الكلمة في القرآن كائن حيّ يتحرك بالإحساس بحسب مساقه في الآية ، فهي تعطي إحساسا بمعني الإقتراب ولو لم يكن بالسعي صعودا أو هبوطا ، كما في قوله تعالي { ثم دني فتدلي } النجم 8 ، وهو يعطي إحساسا آخر بمعني الزلق ، كما فعل الشيطان بآدم وزوجه { فدلاهما بغرور } الأعراف 22 أي أنه أرسلهما ليهبط بهما في المعصية ، ثم هي في آية أكل أموال الناس بالباطل تعطي الإحساس بالإسقاط لإستدراج الحكام بقضاء لا حق فيه

ويستظهر إبن أبي طالب أهلَ الحق فيقول فيهم رضي الله عنه ويدعو لهم : ( رحم الله امرأً سمع حكما فوعي ، ودعي إلي رشاده فدنا ، وأخذ بحُجْزَة هاد فنجا – أخذ بحجزته أي اعتصم به – راقب ربه ، وخاف ذنبه ، قدّم خالصا ، وعمل صالحا ، إكتسب مذخورا – أي اكتسب بالعمل الصالح ثوابا يكون له ذخرا – واجتنب محذورا ، رمي غرضا – أي أراد الحق فأصابه – وأحرز عِوَضا ، وكابر هواه – أي غلبه وقهره – وكذب مُناه – فلم يلهه الأمل – جعل الصبر مطية نجاته ، والتقوي عدة وفاته ، ركب الطريقة الغراء – أي الواضحة – ولزم المحجة – أي جادة الطريق – البيضاء ، إغتنم المهل – أي ما أمهله الله في حياته الدنيا – وبادر الأجل ، وتزوّد من العمل ) .

ولايزال إبن أبي طالب رضي الله عنه يري الحق ما رأي القرآن من الحق ، ويري الباطل مارأى القرآن من الباطل ، فيقول : ( إن الله سبحانه وتعالي لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدي ، ولم يدعكم في جهالة ولا عمي ، أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شئ ، وعَمّر فيكم نبيه أزمانا حتي أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضيه لكم ، وأنهي إليكم محابه من الأعمال ومكارهه ونواهيه وأوامره، فألقي إليكم المعذرة ، وإتخذ عليكم الحجة ، وقدم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد ، فاستدركوا بقية أيامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه ، وأن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه ، والمغبون – أي المخدوع – من غبن نفسه ، والمغبوط – أي الذي يتمني الناس أن ينالوا حظا من نعمته – من سلم له دينه ، والسعيد من وُعظ بغيره ، والشقي من انخذع لهواه وغروره ، ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب ، ولا تباغضوا فإنها الحالقة – أي الماحية للخير والبركة – وإن الأمل يُسهي العقل ويُنسي الذكر ، فأكذبوا الأمل فإنه غرور ).

ورد الأمل في آيتين في القرآن ولم ترد في غيرهما قط { رُبَما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلههم الأمل فسوف يعلمون } الحجر2 { المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } الكهف 46 الأمل هو التطلع إلي الخير مطلقا بغير حدود ، فلا ينبغي إلا أن يكون في الآخرة بالعمل الصالح ، وأما الأمنية فهي التطلع إلي شئ محدود { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم علي بعض } النساء 32 ولا ضير أن تكون للإنسان أماني يتطلع إلي تحقيقها ، فتلك من سنن الخلق في الحياة الدنيا ، علي ألا تكون هذه الأماني بغرور أو بغير حق { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } 120 .

ويصف إبن أبي طالب عبادا أحبهم الله فيقول : ( إن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله علي نفسه ؛ نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، أخلص لله فاستخلصه ، والزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوي عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، قد أمكن الكتابَ من زمامه ، فهو قائده وإمامه) .

ويصف رضي الله عنه ميت الأحياء من الذين إجتنبوا الحق وإتبعوا الباطل فيقول : ( وآخر إقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، نصب للناس شَرَكا من حبائل الغرور وقول الزور ، وحمل الكتاب علي آرائه ، وعطف الحق علي أهوائه ، يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع ، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع ، لا يعرف باب الهدي فيتبعه ، ولا باب العمي فيصد عنه ، فذلك ميت الأحياء ) .


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home