Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Monday, 2 October, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (25)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

شروط الولاية

يشترط فيمن يلي أمور المسلمين أن يكون ذا بسطة في العلم والجسم { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 247).

وأن يكون ممن عرف عنهم الحرص على مصالح الناس والرأفة بأعوانه والرحمة بمن حوله إقتداء برسوله الله الذي تولى الأمر بالحرص والرأفة والرحمة { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . }(التوبة 128).

وأن يكون معروفاً في قومه باحترام أهل العلم والتقوى والإعراض عن الجاهلين والذين يتبعون أهواءهم بغير العلم غروراً { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً .} (الكهف 28).

وأن يكون مؤهلاً بحسب علمه وخلقه لأن يحكم بين الناس بالعدل { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (النساء 58).

وبصفة عامة فإنه يجب أن يكون ملتزماً بشريعة الله كما أنزلها الله تبارك وتعالى في كتابه مؤمناً بها عاملاً بأحكامها لا يعدل عنها ولو اجتمعت الأمة كلها على غير ما أنزل الله، لأنه من بعد البيعة لم يعد رجلاً من الناس يعتزلهم إذا ضلوا أو يأوي بعيداً عنهم إلى ركن شديد، بل عليه أن يحملهم على طاعة الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.. طاعة لإقرار الأمن والاطمئنان والعدل بين الناس ولا شأن له بدينهم لأن الله فرض شريعته عدلاً وصدقاً وأمر أنه لا إكراه في الدين، ولقد بعث الله تبارك وتعالى رسولاً ولم يجعله وكيلاً على عباده ولا حفيظاً عليهم ومنعه من إكراه الناس في الدين وأمره أن يعدل بينهم { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ . } (الشورى 15).

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ.} (آل عمران 159).

ينفذ أمر رب الأسرة ويرضى به جميع أفرادها، وينفذ أمر شيخ العشيرة وترضى به العشيرة كلها، وينفذ أمر القائد العسكري ورؤساء الأمن والشرطة كما ينفذ أمر مجالس النقابات والاتحادات والصحف وغيرها، وينفذ قضاء القاضي خطأ كان أم صواباً ويرضى به الناس لأنه لا بديل لهم عن ذلك. وذلك كله باجتهادات بشرية تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، إلا إذا كان خطأ مقصوداً يريد به صاحبه علواً في الأرض أو فساداً، فهنالك ينبغي أن يحجب عن الأمر بالطرد و العقوبة.

فإذا كان الأمر كذلك وكان الله قد أوجب طاعة أولي الأمر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (النساء 59). فلماذا يجب أن تقيد سلطة ولي الأمر إذا كان الرجل قد بويع من قوم لا يرد لهم أمر، وكان حريصاً على الإصلاح ما استطاع إليه سبيلاً، ولم يكن من الذين يبتغون في الأرض علواً ولا فساداً.. إن المنطق يقتضي القول بإطلاق يده في الأمر حتى تسقط عنه البيعة، لأن الثقة ينبغي أن تمنح كاملة أو تسحب بكاملها، والقول بالبيعة المقيدة لا يجد له سنداً في العقل أو المنطق إلا أن تكون عقدة من أثر نظام الجسد الذي يحذرون.

أمر الله ولي الأمر بأن يستشير في الأمر، فإذا رأى العدل خلاف ما أشير عليه وعزم أمره فعليه أن يتوكل على الله. قد يتساءل أناس عن جدوى الشورى إذا كان لولي الأمر أن يقضي خلاف ما يشار عليه بها.. وهو تساؤل مردود لأن من الحكمة ألا يقضي ولي الأمر برأيه حتى يسمع آراء من حوله، ومن خلال هذا الحوار فإنهم يسجلون عليه آراءهم في مداولات مفتوحة ومناقشات حرة. ولكن ينفذ الرأي الذي يعزم عليه ولي الأمر طالما كانت البيعة له قائمة على أصولها ومن خلال ما يكشف عنه العمل من نتائج هذه الآراء أو تلك يكون الحكم في النهاية لولي الأمر أو عليه. فإذا تبين أنه خالفهم بالحق سجل عليهم صدق ما رأى وألزمهم التحفظ فيما يطرحونه عليه من الآراء، أما إذا تبين أنه خالفهم بغير الحق جاز لهم أن يسحبوا ثقتهم منه ويولوا عليهم غيره ممن ثبت أنهم كانوا على الحق والصواب. وإنما يجب أن يتم كل ذلك بالعلم والحكمة ودون حاجة إلى العنف أو الانفعال، لأن البديل عن ذلك هو نظام الجسد ليتسلط على الناس ويستبد بأمرهم من جديد ويهلك الحرث والنسل وتكون فتنة وفساد كبير.

وليس عسيراً على رجال القانون العام أن يجتهدوا صياغات لأحكام الله تبارك وتعالى وذلك بإعلان قيام سلطة أولي الأمر وطريقة تلقيهم البيعة وإسقاطها عنهم وقيام مجلس الشورى وطريقة مداولاته وإجراءاته بحسب ما تقتضيه أحوال كل أمة من الأمم. وإنما يجب الحرص على أن يتلقى ولي الأمر البيعة من أولي الأمر في الجماعة، وأن يشكل مجلس الشورى من أهل الرأي في الجماعة، وأنه يجب على ولي الأمر أن يستشير مجلسه في الأمر وله بعد المشورة أن يعزم ما يشاء من أمره.

والشورى لمن يشير على ولي الأمر برأيه فإذا كان الرجل لا رأي له بأن كان مجنوناً أو سفيهاً أو جاهلاً فلا يصح أن يكون له مقعد في مجلس الشورى، فالرأي الذي يستند إليه ولي الأمر سواء في شرعية ولايته أو صحة قراراته ينبغي أن يحسب بالكيف ولا ينبغي أن يحصى بالكم عدداً.

ولقد يرى أبعاض أنني بهذا أجد مبرراً شرعياً (للدكتاتورية)، وإنما تنبغي التفرقة بين ولي الأمر الطبيعي الذي تفرزه الجماعة إفرازاً طبيعياً، وما كانت لتفرزه بذاتها ومن تلقاء نفسها لولا أنها تريد أن يقود مسيرتها ويصرف أمورها بما عرف به من فضائل العلم والعدل والعزم والقسط. فهذا ولي طبيعي له أن يعزم أمره كما يعزم الأب الأمر في بيته سواء أيدته الشورى أم لم تؤيده، أما الجسد الذي يلقى على الجماعة ليتسلط عليها من تلقاء نفسه بطراً وعلواً فهذا ليس من أولي الأمر، ولا أمر له ولو جاءت به الانتخابات أو أيدته الاستفتاءات ومجالس النواب ومجالس الشيوخ.

الشورى

لقد مضت قرون طويلة من البحث عن شروط الخلافة وطريقة البيعة وولاية العهد وشروط أهل الحل والعقد وغير ذلك من البحوث التي لم ينزل الله بها سلطاناً، وفي ذلك يقول الدكتور محمد سليم العوا، في كتابه النظام السياسي للدولة الإسلامية: (إن تفاصيل النظام السياسي للدولة الإسلامية بكل ما تشمل هذه العبارة من معان تُركت أصلاً لكي يختار فيها المسلمون ما يوائم العصور المختلفة والظروف المختلفة، وإذا لم يكن ثم نص ملزم فإن اجتهادات الفقهاء لا تلزم المسلمين بعد العصور التي صيغت فيها هذه الاجتهادات مع استمرار تغير الظروف التي تمر بها المجتمعات المسلمة. الإسلام قد ألزم المؤمنين بقيمة الشورى، ولكن هذا التشريع قد اقتصر على تقرير هذه القيمة ذاتها، وليس في النصوص المتعلقة به بيان للطريقة التي تُتَّبع في تطبيق الشورى ولا الأمور التي يجب أو يجوز أن تكون محلاً للشورى ولا الصفات التي يجب أن تحسم بها مداولات أهل الشورى. ليس ثم طريقة يقال عنها إنها إسلامية بحيث تعتبر ما عداها غير إسلامية، وإنما المسلمون ملزمون بقيمة مضمونها ولا تثريب على الناس بعد ذلك إن سلكوا ما شاءوا من سبيل لتحقيق هذه القيمة).

إن وصف أسلوب سياسي معين بأنه هو الأسلوب الإسلامي وأن كل ما عداه من الأساليب ليس من الإسلام في شيء، والتعصب لفكرة معينة دون سواها كفكرة الخلافة أو الإمامة أو الإدارة وغير ذلك من القضايا التي شغلت المسلمين ردحاً طويلاً ومازالت تشغلهم وترهقهم من أمرهم عسراً، والتمذهب والتحزب والاقتتال في سبيل هذه القضية أو تلك لم يكن أبداً في سبيل الله ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وصراط الراشدين من بعده، بل كان تنادياً بالسلطة وتداعياً بالسيادة ومزايدة سياسية للوصول إلى الحكم بغير بيعة ولا شورى.

الذي نعلمه علم اليقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلف أحداً من بعده، ولا شرع للناس من بعده أسلوباً معيناً لاختيار خليفته، وليس في القرآن إلا قوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى 38) وفي ذلك تقول الدكتورة منى أبو الفضل في بحثها المقدم إلى (ندوة النظرية السياسية في الإسلام) المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة سنة 1981: (السمات البارزة للأمة الإسلامية تتميز بالخصائص الآتية: (1) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خلف وراءه عند وفاته أمة ولم يخلف إماماً، ولو لم تكن الأمة لما وُجد لها إمام يؤمها، فالإمام فرع من الأمة والأمة هي الأصل (2) الأمة هي مستودع الرسالة، والقرآن هو شريعة هذه الأمة ووعاؤها (3) بقاء هذه الأمة مرتبط بسبب قيامها أول مرة وهو القرآن).

والذي نعلمه من التاريخ إن صحت الرواية أن المسلمين لم يتّبعوا أسلوباً واحداً في اختيار خليفتهم أو إمامهم، فقد اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتنادون بالخلافة من قبل أن يفرغ أبوبكر من جهاز الرسول، فجاءه عمر يقول: (قد حدث ما لابد لك من حضوره) فهرعا إلى السقيفة حتى استقر الأمر لأبي بكر بما عرف ببيعة السقيفة. ولقد انتقد بعض الفقهاء هذه البيعة وقالوا أنها ليست من الشورى في شيء، ولكننا نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك المؤمنين على بصيرة من الأمر بحيث لا يتصور اختلافهم إلى الحد الذي تصوره رواية التاريخ في هذا الخصوص .

وأما أبوبكر فقد عهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب بعد إن استشار الصحابة من حوله، ولا يذكر التاريخ أحداً خالفه هذا الرأي إلا طلحة بن عبيد الله إذ قال له: (ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا بهم بعد لقائك ربك)، قال أبوبكر: (أبالله تخوفني! أقول اللهم استخلفت على أهلك خير أهلك) ثم أشرف على الناس بالمسجد وقال لهم: (أترضون بمن استخلف عليكم فإني ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قربة وإني قد وليت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا) فهذا هو الصديق بحسب رواية المؤرخين قد استشار خاصة المسلمين من حوله وعامتهم في مسجده ثم أمضى أمره بولاية عمر، وإذا صحت هذه الرواية فلا ينبغي لنا أن نقول أنه قد تجاوز الشورى أو خالف السنة أو أحدث في الإسلام ما لا عهد له به، وربما رأى أن اجتهاده على نحو ما اجتهده يغني عن الشورى أو أنه هو الشورى في حقيقتها ومضمونها وأن الأمة لو اجتمعت ما كانت لتخالف ما رأى لهم.

وأما عمر بن الخطاب فقد جعل الخلافة من بعده شورى في ستة من الصحابة هم: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وأياً ما كان الأمر من اختلاف هؤلاء الستة فيما بينهم فقد استقر الأمر لعثمان بن عفان بهذا الأسلوب. وإذا صدقت رواية المؤرخين في هذا الخصوص فلا ينبغي للذين يحملون الدين على هذه الروايات ويرفعون ابن الخطاب إلى ما رفعوه إليه أن يزايدوا اليوم عليه فيروا في أمر الشورى ما لم ير هو من أمرها، أو أنهم سيشرعون في الدين ما فات هؤلاء الستة من أصحاب رسول الله أو أنهم سيعلمون الناس من الدين ما لم يعلموا.

ولقد فُتن المسلمون في الأعوام الأخيرة من عهد عثمان، ثم فُتنوا من بعد قتله فتوناً شديداً. وتولى الخلافة من بعده علي بن أبي طالب دون منازع إلا من طلحة والزبير، ويذكر المؤرخون في خلافة علي رضي الله عنه ما يحسن بالمسلمين أن يعرضوا عنه، رحمة الله وبركاته على أهل البيت ورضى الله عن السابقين الأولين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ونتوقف قليلاً عند التحكيم فعسى أن يكون هو آخر ما يقدمه المؤرخون من نماذج الشورى في الصدر الأول من الإسلام.

جاء في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبي زهرة: (ظهر الخوارج في جيش علي رضي الله عنه عندما اشتد القتال بين علي ومعاوية في صفين، وذاق معاوية حر القتال وهم بالفرار حتى أسعفته فكرة التحكيم، فرفع جيشه المصاحف ليحتكموا إلى القرآن، ولكن علياً أصر على القتال حتى يفصل الله بينهما، فخرجت عليه خارجة من جيشه تطلب إليه أن يقبل التحكيم فقبله مضطراً. ولما اتفق مع خصومه على أن يحكما شخصين اختار معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يختار عبد الله بن عباس، ولكن الخارجة حملته على أن يختار أبا موسى الأشعري، وانتهى أمر التحكيم إلى النهاية التي انتهى إليها وهي عزل علي وتثبيت معاوية، واشتد بهذا التحكيم ساعد البغي الذي كان يقوده معاوية).

هذه هي رواية التحكيم كما يتناقلها المؤرخون دون بينة أو تحقيق، ولقد نعلم أن الحكمين قد يتفقان على عزل على فهو الولي الذي تولى الأمر ببيعة صحيحة، ولكن فيما كان اتفاقهما بشأن معاوية؟! الثابت بإجماع المؤرخين أن معاوية لم ينازع علياً الخلافة ولم يطلب البيعة لنفسه، وإنما رفض أن يبايع علياً لأنه لم يقتص من قتلة عثمان. فهو في يوم التحكيم معترض على ولاية علي بن أبي طالب وعلي في أثره حتى يلتزم السمع والطاعة، وما كانت هذه الحقيقة الواضحة لتغيب عن فطنة أبي موسى ولا عن ذكاء ابن العاص، وكل منهما صحابي له شأنه العظيم في الفقه وفي السياسة ، فيتفقان على خلع معاوية كما خلع على، ثم ينهض إبن العاص ليثبت معاوية من قبل أن يدعى أحد له حقاً في الولاية ولا هو نفسه قد زعمها لنفسه.

يقول أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتابه العواصم من القواصم: (وقد تحكّم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله، وإذا لحظتموه بعين المروءة دون الديانة رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب على الأكثر عدم الدين وفي الأقل جهل متين).

ذلك ما نعلم من رواية التاريخ في أمر الشورى، وإنا وإن كنا نرى في رواية التاريخ ما يرى أبن العربي رحمه الله في التحكيم، إلا أننا مع ذلك نتساءل مع الذين يستمسكون به رغم ما يلاحظ على ما سطر فيه: هل يمكن استنباط حكم من هذه الروايات بحيث يقال تلك هي الطريقة المثلى وكل ما عداها ليس من الإسلام في شيء؟! الحقيقة المستنبطة من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن الشورى واجبة في كل أمر جامع بين جماهير المواطنين كافة على سواء، ولا حرج على هذه الجماهير إذا أخرجت من بينها قيادة شعبية تطمئن إليها وتثق فيها وتراقبها لتتولى أمرها بإفراز طبيعي كما يتولى الأب أمر بنيه دون نيابة ولا تمثيل وبغير حاجة إلى صناديق الاقتراع وزيف الدساتير والبرلمانات.

والذين يدعون بحكومة إسلامية تفرض على الناس فرضاً بأسلحة الدمار والإرهاب والتكفير هم أول من يخرج على الشورى من الذين يزعمون لأنفسهم وصاية في الدين لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لمن اتبعه بإحسان من المؤمنين، مثل هؤلاء كمثل النفر من الخوارج الذين يروى عنهم الشيخ أبو زهرة في كتابه المذكور نقلاً عن الكامل للمبرد: (أن جماعة منهم إلتقوا عبد الله بن ضباب وفي عنقه مصحف ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا له: إن الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان في ست سنين- أي السنين الأولى لخلافته فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في التحكيم؟ قال: أقول إن علياً أعلم بكتاب الله منكم وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة. قالوا: إنك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرجال على أسمائهم، ثم قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه. وساموا بعد ذلك نصرانياً بنخلة له، فقال هي لكم، فقالوا والله لانأخذها إلا بثمن، قال: ما أعجب هذا أتقتلون مثل عبد الله بن ضباب ولا تقبلون منا نخلة!؟).

والوضع السيء ظاهر في هذه الرواية، ولا شك أنه وضع يرضي هوى المستشرقين من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما أوتوا من كتاب ربهم، فهذه رواية تجيز الخروج على المؤمنين تقتيلاً وتكفيراً، وتستثنى من هذه الفتنة أموال أهل الكتاب كما تستثني أرواحهم من باب أولى.

والشورى لا تكون في أمر ورد عليه النص في القرآن بحكم آياته سبحانه وتعالى، فالقرآن هو شريعة الله بيقين ثابت لا شك فيه، وتجوز في غير ذلك على وجه الإطلاق فلقد ورد النص على الشورى بصيغة عامة { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (الشورى 38) وما كان عاماً فهو يسري على إطلاقه ما لم يقيده النص، ولا قيد عليه إلا بنصوص القرآن، والقرآن قيد على الشورى ومهيمن عليها.

وقد أجاز بعض الفقهاء الشورى في تفسير نصوص القرآن أو تنفيذها، ومن هذا الرأي عبد القادر عودة في كتابه (الإسلام وأوضاعنا السياسية). ولكننا نرى أن هذا ليس موضوعاً للشورى، بل هو مسئولية الطائفة التي فرض الله أن تستنفر من علماء المسلمين لتتفقه في الدين عملاً بقوله تعالى { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ . }(التوبة 122) فهذه طائفة يجب أن تفرغ لبيان نصوص القرآن واستنباطها وتحذير الناس بها في كل فرقة من فرق المسلمين، وإنما يتفرق المسلمون شعوباً وقبائل في الأرض ولكن لا ينبغي لهم أن يتفرقوا في الدين أبداً { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (آل عمران 105) { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } (الأنعام 153) { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } (آل عمران 103) { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } (الأنعام 159).

إذا جاز للمسلمين أن يتفرقوا في الأرض شعوباً وقبائل أو حتى حكومات ودولاً، فإنما يتفَّرقون في أحوال معيشتهم وحسبما تقتضيه مصالحهم، ولكن ينبغي لهم أن يتفقوا في دينهم وألا يختلفوا في كتاب ربهم، وهذا هو واجب الطائفة التي فرض الله أن تستنفر نفيراً دائماً في كل فرقة من فرق المؤمنين. فما كان من أمر دينهم فأمره إلى هذه الطائفة المستنفرة ليتفقهوا في كتاب الله وليستنبطوا منه أحكام دينهم لا إكراه فيه، وما كان من أمر دنياهم فأمره شورى بينهم إذا كان أمراً جامعاً يتعلق بجماعتهم ويجب طاعته جبراً عنهم. ويبقى من بعد ذلك لكل إنسان أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، لا وصاية له على أحد في دين الله ولا ينبغي له أن يكون خصيماً لأحد في الدين بدعوى الحسبة أو بغيرها.

ويعرف فقهاء القانون أنه لا تقبل الدعوى بغير صفة ولا يجوز رفعها بدون مصلحة، ولكن القرآن جاء بأعظم من ذلك فلم يأذن لأحد بأن يسيء إلى أحد ولو بمجرد القول إلا إذا ظُلم وبقدر دفع هذا الظلم عن نفسه { لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً .} (النساء 148) فمن كان يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فليكف عن الجهر بالسوء ولا يبدي من نفسه إلا خيراً وأن يكون أقرب إلى العفو عمن ظلمه، ذلك مما علم الله رسوله من الآيات والحكمة في القرآن وذلك ما كان يتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه إحساناً وتوفيقاً وأجدر أن يكون قدوة للذين يدعون بسنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . فلا حسبة ولا وصاية ولا رقابة في دين الله ولا عقوبة في الدين بغير حكم بيِّن في كتاب الله، ورغم ذلك فقد اختلف المسلمون في حد المرتد وكأن الأمر لم يكن محسوماً بأمر الله في القرآن { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً .} (النساء 137) هؤلاء قوم آمنوا في عهد رسول الله ثم كفروا، و(ثم) حرف عطف يفيد التراخي أي أنهم لم يكفروا من فورهم بل ظلوا على إيمانهم بالله وبالرسول حتى كفروا فتركوا وشأنهم { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29) ثم آمنوا مرة أخرى ثم لم يلبثوا أن ارتدوا كافرين وازدادوا كفراً، فما كان من أمر رسول الله إلا أن بشرهم بأن الله لن يغفر لهم ولن يهديهم سبيلاً، فهو لم يقتلهم في المرة الأولى ولم يقتلهم في المرة الثانية بل أعرض عنهم وترك حسابهم على الله الذي يعلم ما في قلوبهم، هذا من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان من أمره صلى الله عليه وسلم في القرآن تفصيلاً.

وإنما يجب التفرقة بين الطاعة من جهة وبين الاتباع من جهة أخرى، ذلك بأن كثيراً من الفقهاء يخلط بينهما وكأنهما مترادفان للدلالة على معنى واحد. الطاعة لا تكون إلا للأمر، والاتباع لا يكون إلا للمناهج. لم يكن رسول الله يتبع غير الوحي { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي } (الأعراف 203) {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ } (يونس 15) في الآية الأولى ورد التعبير بصياغة (إن) و(ما) وفي الآية الثانية ورد التعبير بصياغة (إن) و (إلا) وكلتا الصياغتين تفيدان الحصر والقصر أي أن اتباع الرسول محصور بالقرآن ومقصور على القرآن، فمن اتّبع القرآن فقد اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم .

وعلى نهج القرآن وآياته البينات كان لرسول صلى الله عليه وسلم أمر في تصريف الأمور، لا شك أنه كان يشاورهم في الأمر بدلالة قوله تعالى { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } (آل عمران 159) فكان يأتنس بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم، فإذا قضى أمراً فإنه يحسم الشورى ويلزم المؤمنين الطاعة بلا معقب { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً .} (الأحزاب 36). وما كان صلى الله عليه وسلم ليقضي أمراً خلاف القرآن لأنه ملزم باتباعه، فإذا نسب إليه أمر يتجاوز نصوص القرآن فهو مين وافتراء، ولقد دأب الأئمة والعلماء على رد كل ما يناقض القرآن مما كان ينسب إليه كذباً. سؤل يحيى بن القطان رحمه الله ألا تخشى أن يكون هؤلاء الذين ترد أحاديثهم خصمك يوم القيامة، فقال: (أن يكون هؤلاء خصمي أحب إليّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول لي: لِم لَم تذب الكذب عن حديثي).

القرآن حجة للمؤمنين إلى يوم القيامة { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} (النساء 105) وهو حجة عليهم إلى يوم يبعثون { إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الزمر 41).

وكل ما ليس في القرآن فهو عفو { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ .} (المائدة 101) ويستنبط من هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد رضى لعباده الإسلام ديناً، وألزمهم القرآن في دينهم، فإذا ألزموا أنفسهم صراطه المستقيم وهو الحق فهم مسلمون بإذنه على الطريقة، وليس عليهم من حرج إذا عفوا عما عفا الله عنه.

ذلك بأن القرآن منهم وإليهم أينما وجدوا في الأرض يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين من أصلابهم { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } (الأنعام 20) الله وحده هو الذي خلقهم وهو أعلم بهم إذ هم أجنة في بطون أمهاتهم، وهو سبحانه الذي أنزل كتابه بالحق ليهديهم إليه صراطاً مستقيماً، فيمتزج القرآن الذي أنزل الله بالعقل الذي خلق فسوى فيصدر الإنسان السوي على صراط مستقيم.

من أجل ذلك عفا الله عن كل ما ليس في القرآن وألزم رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وأولو الأمر مكلفون بكل ما كُلِّف به الرسول صلى الله عليه وسلم أسوةً واقتداءً، فهم مطالبون بالبلاغ لا إكراه في الدين ولا عدوان إلا على الظالمين، من رفض القرآن فعليه كفره ومن اعتدى فأولئك هم الظالمون. { يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } (المائدة 67) هذه هي رسالة الرسول بلاغ القرآن، فإذا بلغت القرآن فقد اقتديت بالرسول صلى الله عليه وسلم وسبيل المؤمنين جميعاً، وإذا تجاوزت القرآن زيادة أو نقصانا اوتناقضا ، فما بلغت شيئاً ومالك من الله من عاصم .

السياسة هي فن اتباع الأسباب

قد نرى أن خير الأمم ما احتكمت إلى ولاة أمورها من الصالحين من أهل الرأي فيها ومثل الشعوب التي تتمرد على ولاتها من هؤلاء كمثل الأبناء الذين يتمردون على آبائهم أو العشيرة التي تستهين بشيخها. وإنما تفسد الأمور إذا اختلطت ضوابط النظام فيها وإنما تختل هذه الضوابط إذا تولى الأمر من لا يصلح لولايتها، أو تمرد العامة على الصالحين من ولاة أمورها. وتحدثنا توراة اليهود حديثاً جديراً بالبحث والتمحيص عما يفسد به النظام في مصر وننقله بنصه من الفصل التاسع عشر من نبوءة أشعياً (هوذا الرب يركب على سحابة سريعة ويدخل مصر فتتزلزل أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر في داخلها. وأسلح مصر على مصر فيقاتل الإنسان أخاه والرجل صديقه مدينة مدينة ومملكة مملكة. ويهراق روح مصر في داخلها وأبيد مشورتها فيسألون الأوثان والسحرة وأصحاب التوابع والعرافين.. وأدفع مصر إلى يد سيد قاس وملك ذى عزة يتسلط عليهم.. وتنضب المياه من البحر ويجف النهر وييبس. وتنتن الأنهار وتتناقص جداول مصر وتجف فينذوي القصب والبردي. والمروج على النيل وجميع مزارع النيل وتتلف ولا تكون. فينتحب الصيادون وينوح كل الذين يلقون الشص في النيل ويتحسر الذين يمدون الشبكة على وجه المياه. ويخزي صناع الكتان المهلهل وحاكة الأنسجة البيضاء. وتضحي أعمدتها محطمة وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفوس. فلا يبقى لمصر عمل يعمله فيها الرأس أو الذنب السعف أو البردي. في ذلك اليوم تكون مصر مثل النساء فترتعد وتفزع) ولا نمضي مع النبوءة حتى نهايتها ليزعم أشعياً أنه اطلع الغيب فعلم أن مصر وآشور سيعودان إلى رشدهما ويؤمنان بالرب فيقبلان إسرائيل ميراثاً له بينهما، وإنما يعنينا أن هذا الخراب الذي تنبأ به لا يقع منه شيء إلا عندما يقاتل الأخ أخاه وتقع البلاد في يد سيد قاسٍ ذي عزة يتسلط عليهم.

من أجل ذلك عندما أقام الله تبارك وتعالى دولة الإسلام على قواعد العدل والقسط والرحمة بين الناس، فقد فرض ولاية الأمر لأولي العلم وأهل الرأي في الجماعة وفرض لهم الطاعة ما أطاعوا الله واتقوه واتبعوا النور الذي أنزل عليهم من ربهم وفرض لولي الأمر الحق في إصدار القرار النهائي فيما عزم عليه ليكون قراره القول الفصل فيما يختلف فيه أهل المشورة حتى لا يكون من الشورى أئمة يدعون إلى تفرق الأمة واختلاف كلمتها {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .} (الأنفال 46).

ويضرب الله الأمثال لولاة الأمر من الصالحين الذين تعمر الأرض بعلمهم وحكمتهم وعدلهم بين الناس، كما يضرب الله الأمثال لولاة الأمر من الفاسقين الذين يهلك بهم الحرث والنسل ويضل الناس بظلمهم ضلالاً بعيداً كل ذلك من مثل الذين خلو من قبل في أحسن الحديث { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . }(الزمر 23).

ومن الصالحين الذين تعمر بهم الأرض ويصلح الناس بسياستهم ذو القرنين { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً .} (الكهف 84، 85). كان ذو القرنين سيداً صالحاً مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً وأوحى إليه باتباع الأسباب، فلم يكن يصطنعها ولم يكن ليتقدمها بل كان يتربص بها حتى إذا جاءه سبب من الأسباب أمسك به وأمضى قراره على سند منه وجعل أمره موقوتاً بميقاته ولا نجد في السياسية أفضل من هذه الحكمة، فإن الأمة التي تسبق الأسباب أو تعمل في فراغ منها أو تضيع أسبابها لا تلبث أن تخسر قضيتها وتفشل في أمرها مهما أعدت له من القوة ومن رباط الخيل.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home