Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 1 June, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (14)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.}(البقرة 179).

القِصاص

{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .} (البقرة 179) فرض الله القِصاص لعباده لعلهم يتقون وجعله حياة لهم ودعى إليه أولى الألباب لحكمة بالغة وأمر رشيد، وأول ما يتبادر إلى الذهن أن الجزاء الذي يفرض على الجاني لا يفرض عليه عقاباً ولا ردعاً ولا تهذيباً، وإنما يفرض عليه قِصاصاً من نفس الجنس الذي يقع به الاعتداء { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .} (المائدة 45). وبمقارنة هذه الآية بالآية الأولى التي فرضها الله على رسوله نجد أن آية القِصاص كما فرضت في التوراة قد نسخت بالقِصاص المطلق الذي لا يقيده إلا ما شرعه الله في كتابه من القِصاص في شأن بعض الجرائم الخاصة كالقتل والسرقة والزنى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } (البقرة 106). ويتضح النسخ من قوله تعالى في قصاص التوراة { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } (المائدة 45) أي كتبنا على بني إسرائيل في التوراة بينما جاءت الآية الثانية بالقِصاص المطلق بقوله تعالى { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . } (البقرة 179) ولا شك أن أمة القرآن لاحقة على أمة التوراة وأجلهم سابق علينا { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } (الأعراف 34) { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ .} (الرعد 38) وكتاب هذه الأمة هو القرآن فما فرض فيه على هذه الأمة فهو ينسخ ما كان مفروضاً على غيرها بكتب أخرى.

ونرى أن القصاص المطلق الذي فرضه الله لعباده إنما يكون بمثل ما اعتدى الجاني على المجني عليه وليس بنفس ما اعتدى كما فرض على بني إسرائيل في التوراة بشرط أن يكون المقصود من الجزاء الذي يوقع على الجاني هو القِصاص منه وليس مجرد عقابه أو ردعه أو تهذيبه، ذلك لأنه إذا علم الجاني في المجتمع الإسلامي أنه سيؤدي من نفسه أو من ماله أو منهما معاً بمثل ما يعتدى فلا يبقى له من عدوانه شيء يدخره لنفسه لارتدع الجاني ولاطمأن الناس على أموالهم وأنفسهم وهنا يتضح المعنى العظيم من قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } (البقرة 179). ولنتخيل مجتمعاً لا يطمئن فيه الإنسان على نفسه وعلى ماله إذا كان الجاني فيه يستطيع أن يفلت بشيء مما يكتسبه بالعدوان، إن الأمن والاطمئنان هما أول مقومات الأمم الحية ولا حياة لأمة يختل فيها الأمن ولا يطمئن فيها الفرد على ماله ونفسه ولهذا فرض الله القِصاص حياة لأولي الألباب لعلهم يتقون. وإنما تتحقق هيبة الدولة إذا اتقى الآثمون وعز في ظلها الصالحون، ولا يتقي الآثم إلا القصاص فهو الذي يأخذ منه بمثل ما يعتدي، ولا عزة للصالحين إلا بالقِصاص فهو الذي يدفع عنهم بمثل ما يعتدي به عليهم.

وجاء بعض الفقهاء بتقسيمات لا نكاد نجد لها أصلاً في القرآن، فقالوا إن ما شرعه الله من جزاء خاص في القرآن لبعض الجرائم يعتبر حداً فقالوا بحد القتل وحد الزنى وحد السرقة، وإن ما يفرضه ولي الأمر من جزاء للجرائم الأخرى يعتبر من قبيل التعذيرات بمعنى أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إعذار للجاني إذا ارتكب إثماً بتوقيع الجزاء الذي فرضه له. وسواء كان الجزاء بحكم خاص في القرآن أم بنص خاص يقرره أولو الأمر فلا ينبغي أن يكون هذا الجزاء إلا قصاصاً.

فأما التعذير فهو ما لا أساس له في القرآن على الإطلاق وأما الحد فهو كل حكم شرعه الله لعباده في القرآن سواء كان جزاء يقتص به ممن أجرم في جماعة المسلمين أم لم يكن من ذلك في شيء، الصيام من الفجر إلى الليل حد من حدود الله { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } (البقرة 187). نظام الطلاق كما شرعه الله لعباده بأحكام مفصلة في القرآن يعتبر من حدود الله { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .‏} (البقرة 229، 230). نظام المواريث كما بيّنه الله في كتابه تفصيلاً بتحديد الوارث ونصيبه في الإرث من مورثه حد من حدود الله { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .} (النساء 12، 13) كفارة الظهار كما شرعها الله لعباده تعتبر حداً من حدود الله { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (المجادلة 3، 4).

وإذا طلق الرجل زوجه وجب أن يطلقها لعدتها وأن يحصي العدة ويجب عليه ألا يخرجها من بيتها قبل انقضاء العدة كما يجب عليها ألا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها وكل ذلك من حدود الله التي بينها الله لعباده في الكتاب تفصيلاً { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً .} (الطلاق 1).

حدود الله هي أحكامه التي فرضها الله لعباده ولا شك أن الجزاء الذي شرعه الله في القرآن قصاصاً في بعض الجرائم الخاصة هو من حدوده تبارك وتعالى التي أوجب العمل بمقتضاها، كما أن الجزاء الذي يفرضه أولو الأمر قصاصاً في الجرائم الأخرى أمر واجب الطاعة لأن الله تبارك وتعالى فرض لهم الطاعة ما أطاعوا الله وعملوا بشريعته { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (النساء 59).

القِصاص إذن هو كل جزاء يفرض على معتد سواء بحكم خاص في القرآن أو بحكم يقرره أولو الأمر في جماعة المسلمين.

ولا تثريب على المسلمين أن يكون لهم قانون يبين الجزاءات على أن يسمى قانون القِصاص وأن يسن بإرادة أولى الأمر كما فرضهم الله وبين مالهم وما عليهم في الكتاب تفصيلاً، وأن يراعي في كل جزاء ينص عليه في هذا القانون أن يكون بقصد القصاص من المعتدين وإنما يتحقق ذلك إذا كان الجزاء بمثل الاعتداء. وإن في ذلك لحياة لأولى الألباب، ولقد رأينا أن الأمة الحية هي التي هان فيها شأن المعتدي حتى يقتص منه ويعز فيها الآمن حتى يقتص له، كما رأينا وكم رأينا أن الأمة الميتة هي التي عز فيها جانب المعتدي حتى تعجز الجماعة عن القِصاص منه وهان فيها شأن الآمن حتى فرض عليه العدوان. ولقد رأينا أن الله تبارك وتعالى أحل الشهر الحرام إذا أحله المعتدون وجعل لكل حرمة قِصاص وأطلق يد أولي الأمر بفرض ما يرونه قِصاصاً بشأن ما لم يرد فيه قِصاص بحكم خاص في القرآن { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . } (البقرة 194)، في هذه الآية يفسر الله تبارك وتعالى كيف يكون القِصاص المطلق الذي شرعه الله لعباده بقوله عز وجل { مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ } وتتجلى عظمة الله في تفسير كلماته وبيان حكمتها وتفصيل أحكامها بقوله بتارك وتعالى { فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } وليس بقدر ما اعتدى عليكم أو بنفس ما اعتدى عليكم، ذلك لأن التماثل في الأشياء قد لا يكون بقدرها، كما إنه يتحقق ولو لم يكن بنفسها { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .‏ } (الكهف 110)، ففي البشر يتماثل النبي بمن سواه من الناس ولكن شتان بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم بل وبين الصالحين منهم قدراً ونفساً، { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران 140)، ففي آلام القرح يتماثل الناس دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يمسهم نفسُ القرح الذي أصاب الآخرين أو قدره { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ .} (الرعد 17)، يرد البيان واضحاً في هذه الآية الكريمة بأن التماثل بين الأشياء لا يعني التجانس بينها ولا يستوجب أن يكون هو نفسها أو بقدرها فهذا تماثل قد تحقق عند الله بين زبد السيل وزبد الوديان وزبد الغليان في ذهابه جفاء، رغم أنه يختلف بعضه عن بعض في القدر وفي الجنس. { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } (الطلاق 12)، وهذا بيان قاطع بأن التماثل بين الأشياء لا يعني التجانس بينها ولا يحتم أن يكون هو نفسها أو بقدرها فأين الأرض من السموات. { وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ .} (يس 41، 42)، وهنا يتحقق التماثل بين الفلك المشحون وبين السفن على اختلاف أنواعها وأحجامها والطاقة التي تسير بها كل سفينة منها في أنها جميعاً خلقت ليركبها الناس في اسفارهم، وأي بيان أو تفسير أقطع في الدلالة من هذا البيان الذي يؤكد في الآية أن التماثل بين الأشياء شيء وأن التجانس بينها شيء آخر، { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً .} (النساء 140)، هؤلاء قوم كافرون خاضوا بالكفر في آيات الله وأولئك قوم آمنوا قعدوا معهم ينصتون إليهم ورغم اختلاف هؤلاء عن أولئك في كل شيء حتى فيما نسب إليهم من الأفعال فقد تماثلوا في الإثم. { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } (هو 13)، ولو أن التماثل في الأشياء هو نفسها كما فرض على بني إسرائيل في التوراة عيناً بعين وسناً بسن وأذناً بأذن، لما وردت هذه الآية الكريمة بهذه الصياغة لأن المطلوب فيها من الذين يجحدون آيات ربهم أن يأتوا بعشر سور مفتريات في مستواه من البلاغة والجمال والحكمة والعظمة في القلب وفي اللسان.

نخلص من كل ما تقدم أن القِصاص الذي فرض على أمة هذا القرآن يتحقق بالتماثل بين الجزاء والعدوان فيما يحدثه الجزاء من الأثر في نفس المعتدي أو في ماله أو فيهما معاً، { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.}، (البقرة 149) وإنما نستنبط هذا المعنى من قوله تعالى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (النحل 126)، العقاب هو الأثر الذي يحدثه الفعل في النفس وليس هو الفعل نفسه { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .} (الزخرف 28)، أي جعلها كلمة باقية في أثره أو من بعده فماذا بعد العدوان إلا الألم الذي يعتصر قلب المعتدي عليه والقِصاص بعدوان على المعتدي يترك في قلبه من الألم بمثل ما ترك في قلب الآمن الذي بغى عليه.

ونجد في القرآن القتل جزاء القتل وقطع اليد جزاء السارق والجلد جزاء الزاني والذين يرمون المحصنات، والنفي أو التنكيل أو القتل جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، وكل ذلك قصاصاً من الذين يعتدون على الآمنين ويبغون في الأرض الفساد ونتوقف قليلاً عند قوله تعالى {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً . وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا } (النساء 15و16)، إن الله تبارك وتعالى يرخص لأولى الأمر اختيار الجزاء المناسب دون تحديد، فقال وقوله الحق { فَآذُوهُمَا } والإيذاء يتحقق بالجلد وبالنفي كما يتحقق بالحبس والغرامة والتوبيخ والحرمان من بعض الحقوق المدنية والسياسية وتحديد الإقامة بموطن معين وغير ذلك من وسائل الإيذاء التي تتيسر لأولى الأمر قصاصاً من الذين يعتدون على الناس بغير الحق. ولقد ورد النص على الإيذاء في هذه الآية الكريمة بصياغة مطلقة، والنص المطلق يجري على إطلاقه فيجوز بأي وسيلة من وسائل الإيذاء في حدود القِصاص العادل، وما جاز في جريمة معينة بصياغة مطلقة فإنه يجوز في غيرها من الجرائم بإطلاقه وتجريده. والإيذاء ينبغي أن يترك أثراً في نفس الجانح أو في ماله أو فيهما معاً حتى يتحقق به القصاص، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بالعقاب كما أسلفنا بمعنى أن يعقب في نفس المعتدي من الأثر بقدر ما عقب في نفس المعتد عليه من الألم { مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ .} (فصلت 43). أما لفظ العقاب مجرداً فهو لا يفي في اللسان العربي بمعنى الإيذاء لأنه قد يكون بالحسنى { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (الأعراف 128)، { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ .} (هود 49)، { لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى .} (طه 132)، { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (القصص 83)، أما عاقبة السوء فهي التي يرد بيانها بذلك أو يستنبط من سياق القول كما في قوله تعالى { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً .} (الطلاق 8، 9)، وهكذا يبين بجلاء أن لفظ العقاب مجرداً لا يفي في اللسان العربي بمعنى القصاص ولذلك اقترحنا أن نسمي القوانين التي تصدر في هذا الشأن بقانون القصاص أما العقوبات فهي قد تكون بالسيئة كما قد تكون بالحسنة سواء بسواء، كما علمنا الله اللسان العربي فيما تلوناه من القرآن الكريم.

لا بيان للقرآن ولا مفصل لآياته ولا مفسر لأحكامه إلا بالقرآن كله، ولسوف نشير إليه وننبه إلى بعض أحكامه دون أن نكون قد أتينا بشيء من لدنا مثلنا في ذلك مثل من يقف عند النهر يغترف منه بيده على أعين الناس ليقول لهم هاكم انهلوا، ومن قبل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب إلى الناس كما أنزل عليه من ربه وقال لهم ما أمره الله أن يقول لهم { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً . قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً . قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً .} (الجن 20-22).

الجرائم المنصوص عليها في القرآن

أولاً : القتل بغير الحق

{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً . } (الإسراء 33).

تقرر هذه الآية الكريمة عقوبة القتل جزاء من قتل نفساً بظلم، والظلم هو تجاوز الحق فمن قتل نفساً بحق فلا يعاقب بهذه العقوبة وإن جاز لولي الأمر أن يقرر ما يراه مناسباً له من العقوبات.

وأول ما يراعى بشأن هذه العقوبة أنها فرضت جزاء لمن قتل نفساً أي نفس بصيغة مطلقة لا تخصيص فيها، سواء كان المقتول عبداً أم حراً ذكراً أم أنثى مؤمناً أم كافراً. وإنه يشترط في القاتل ألا يكون قد قتل بحق من الحقوق التي رخص الله فيها لعباده كحق الدفاع كما رأينا من قبل في باب القتال، وأن يكون المقتول قد قتل مظلوماً بأن يكون قد ألقى السلم ولم يبادر أحداً بعدوان ولم يظاهر أحداً في الاعتداء على أحد.

ورجال القانون أقدرعلى تحديد أركان هذه الجريمة وعناصرها وبيان الحالات التي تزهق فيها الأنفس ظلماً وبغير حق، وتستوجب بالتالي عقوبة القتل بغير إسراف، { فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً .} (الإسراء 33) .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (البقرة 178).

ولقد قيل في بيان هذه الآية ما نرى الخير في الإعراض عنه، ونكتفي بأن كثيراً من الفقهاء قد انتهوا في فهمهم إلى أنه لا يجوز قتل الذكر إذا قتل الأنثى ، ولا يجوز قتل الحر إذا قتل عبداً ،وذهبوا في تصورهم إلى أبعد من ذلك فقالوا بأنه لا يجوز قتل المسلم إذا قتل ذمياً، وضربوا على ذلك الأمثال بما كان من أعمال السلف بغير دليل ينهض على هذه الأقاويل وتلك التصورات. وليس أظهر دلالة على خطأ هذا الفهم وبطلان الروايات التي بني عليها من قوله تبارك وتعالى { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً .} (الإسراء 33) فالآية لا تحل قتل أي نفس بغير حق سواء كانت نفس مسلم أم غير مسلم ، وسواء كانت نفس عبد أم حر، ذكراً كان أم أنثى ، وتقرر عقوبة القتل في الأحوال التي يقتل فيها أي من هؤلاء مظلوماً سواء كان القاتل مسلماً أم غير مسلم ، عبداً أم حراً ذكراً أم أنثى.

ومعنى الآية الكريمة واضح كل الوضوح من قوله تبارك وتعالى { كتب عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (البقرة 178) فالخطاب لأولى الأمر الذين جعل الله لهم سلطاناً في قتل من يقتل مظلوماً بغير الحق دون أن يسرفوا في القتل ، وبيان هذا القصاص أنه ينفذ حر بحر ،وعبد بعبد وأنثى بأنثى فلا يسلم القاتل الحر لعبد ينفذ فيه عقوبة القتل ولا يسلم القاتل العبد لحر ينفذ فيه هذه العقوبة ولا تسلم الأنثى القاتلة للرجال يقتصون منها بل تسلم لأنثى تقتلها، ويتفق هذا الحكم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى طبائع الأمور التي خلقوا بها حتى إننا قد نجد في النظام العسكري وهو أكثر النظم دقة وانضباطاً لخطورة العمل العسكري على حياة الأمة جميعاً أن الضابط لا يقبض عليه إلا ضابط مثله ولا يحاكم إلا أمام مجلس عسكري من ضباط مثله ولا يشرف على تنفيذ الجزاء الذي يوقع عليه إلا ضابط مثله أو أعلى رتبة منه.

وقد ورد حكم الله بإسقاط هذه العقوبة إذا عفى لمن ينفذ عليه هذا القِصاص في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } (البقرة 178) بمعنى أنه يظل حق إسقاط هذه العقوبة قائماً بعد صدور الحكم بالقصاص وإلى لحظة التنفيذ، والعفو ينبغي أن يصدر ممن يملكه كأب المقتول أو ابنه أو أخيه أيهم أقرب إليه، ونرى أن ولي الأمر لا يملك العفو في القصاص لأنه كتاب الله عليه { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (البقرة 178) وبقوله تعالى { عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } وليس من وليه، وكذلك فإن كتاب القصاص قد فرض بغير استثناء فلا نجد في القرآن ما يرخص للولي في العدول عن القصاص. وإذا صدر العفو ممن يملكه { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } واتباع المعروف يقتضي استبدال جزاء آخر بجزاء القتل كالسجن المؤبد أو المؤقت، إذ لم تتعارف الجماعات الإنسانية على إطلاق سراح القاتل إذا سقطت عنه عقوبة القتل لسبب أو لآخر، والأداء بإحسان يقتضي إلزام القاتل بدفع دية مسلمة لأهل المجني عليه.

وكما نرى فقد شاء الله تبارك وتعالى أن يترك تنظيم كل هذه الأمور لولي الأمر يتدبره مع أهل الرأي والمشورة في الجماعة بتشريعات تكون قابلة للتعديل حسبما يتبين في التطبيق ووفق ما يأتي به العلماء من أفكار واستنباطات.

ثانياً : القتل الخطأ

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .} (النساء 92).

ونجد في هذه الآية الكريمة أحكام القتل الخطأ مبينة ومفصلة تفصيلاً، ويعنينا في هذا المقام أن الله قد فرض على من يقتل مؤمناً خطأ نفس الجزاء الذي يفرض على من يقتل غير مؤمن خطأ إذا كان من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق بعدم الاعتداء، ومن هؤلاء بطبيعة الحال غير المؤمنين الذين يعيشون آمنين في دولة المسلمين لأن الله سبحانه وتعالى قد أخذ ميثاق المسلمين بحمايتهم ورعايتهم بل وفرض لهم حقاً في القسط والبر كما رأينا من قبل.

ويرى أبعاض أن الأبوة مانع من القِصاص، وأنه لا يُقادُ المؤمن بغير المؤمن، ولقد خالف المالكية كل ذلك بحق لقوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } (البقرة 178) وقالوا إن الآية تفيد وجود القِصاص في جميع القتلى بصفة عامة مطلقة، وإن الأحاديث التي تخالف عن ذلك لا يصلح الاستدلال بها لأنها – كما يقول المالكية بحق – تخصيص لعموم القرآن فلا يلتفت إليه.

وربما قتل المؤمن بخطأه مؤمناً أو أكثر، وهو ما يحدث كثيراً من حوادث السيارات وغيرها، فهل يصوم المؤمن شهرين لكل نفس قتلها خطأ؟ أم يكفيه صيام شهرين عن الحادث الواحد مهما بلغ عدد القتلى الذين قضوا نحبهم بسبب هذا الحادث؟ والقتل الخطأ سيئة من السيئات التي يعاقب الله عليها ويفرض الكفارة عنها، والقاعدة في كتاب الله أن العبرة بفعل السيئة في ذاتها، وليست العبرة بالنتائج التي ترتبت عليها ولا بعدد الإصابات التي تنجم عنها {من جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .} (الأنعام 160) { وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا } (يونس 27) { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا } (غافر 40).

وثم فارق بين الذنب وبين السيئة؛ يقول الفقهاء إن الذنب هو ما يرتكب ضد حق من حقوق الله، والسيئة هي ما ترتكب ضد حق من حقوق الناس. وهذا القول يجعل لله حقوقاً في أشياء ولا يجعل له سبحانه وتعالى حقوقاً في أشياء أخرى كمثل الذين قالوا { هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ .} (الأنعام 136). سبحانه وتعالى له ما في السماوات وما في الأرض كل له قانتون، ولقد جاءت سورة الإسراء ببيان كثير مما يرتكب من الإثم في جنب الله وفي حق الناس على سواء ووصف كل أولئك بالسيئة بقوله تعالى { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً .} (الإسراء 38)، وأوشك آل فرعون أن يصيبوا رجلاً مؤمناً منهم بمكرهم فقال الله تعالى { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } (غافر 45) ولا شك أنهم إنما أرادوا أن يصيبوا ذلك الرجل بمكرهم فوصف مكرهم أنه سيئة رغم أنه كان سيقع على حق من حقوقه. وإنما يلاحظ أن الذنب يقتضي المغفرة، وأن السيئة تقتضي التكفير { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا } (آل عمران 193)، والمغفرة هي التجاوز عن الذنب، وأما التكفير فهو محو السيئة فلا يظهر منها ولا من أثارها شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا يبقى منها شيء في ذاكرة أحد على الإطلاق. وبذلك فإن الذنب هو ما علمه الله من الإثم ولم يعلم به من أحد غيره سبحانه وتعالى فيغفره، والسيئة هي ما علمه الله وما علمه الناس من ذلك فيتجاوز الله عنها برحمته لمن يشاء ثم يمحها من ذاكرة الذين علموا بها فلا تعلق بذهن أحد من الخلق في الأرض وفي السماء وفي الدنيا وفي الآخرة سبحانه وتعالى إنه هو العزيز الرحيم.

إن فهم مفردات القرآن هو أول ما ينبغي للمؤمن أن يستنبطه من كتاب ربه، ذلك بأن الجهل بحقائق هذه المفردات سيؤدي في النهاية إلى اتباع الجبت والطاغوت { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً .‏ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً .} (النساء 51، 52).

الجبت كما يقول الإمام الزبيدي صاحب تاج العروس هو كل ما عُبد من دون الله من صنم أو كاهن أو ساحر، وتسمى به بعض كبار اليهود، عن ابن عباس أنه قال: (الجبت هو كعب الأحبار وحي بن أخطب). ويلاحظ أن كل أولئك مما يُطاع في الأرض من دون الله طوعاً واختياراً، فهذا هو الجبت أو هو الكهنوت من الكهانة التي تحترف الدين وتحتكره بغير الحق، فترى الناس يأتون إليهم طوعاً واختياراً مؤمنين بأن كل ما يقولون هو الحق وما هو بالحق، وإن كل ما يتلون عليهم هو من عند الله وما هو من عند الله، فينخدعون بهم ويطيعونهم من حيث يعلمون أو لا يعلمون أنهم إنما يطيعون الجبت الذي لا يريد من الدين إلا الكبرياء والسيادة في الأرض، مثل هؤلاء كمثل الذين يقولون عند ربهم { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً .} (الأحزاب 67، 68).

وأما الطاغوت فهو كل ما يطاع في الأرض من دون الله جبراً وقهراً كمثل فرعون {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ .} (الزخرف 54) وسواء أطاع الإنسان الجبت طوعاً واختياراً أم أطاع الطاغوت جبراً وقهراً، فإنه يقع في الشرك الذي لا يغفره الله { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .} (الأنعام 121) ذلك بأنه يستوي عند الله أن تشرك بعبادته أحداً، أو أن تشرك في حكمه أحداً { مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً .} (الكهف 26) { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .‏} (الكهف 110).

وقد يدعو المؤمن إلى كتاب ربه لا مبدل لكلماته فيضيق الجبت بدعوته ويصر على ما عنده من دون الله فيستعين عليه بالسلطان، هنالك يتحول الجبت ويصبح طاغوتاً ليتخذ القوم هذا القرآن مهجوراً وهو قائم عليهم بالحق من عند الله.

ثالثاً : الفاحشة

{ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً . وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً .} (النساء 15-16).

تبارك وتعالى يرخص لأولي الأمر اختيار الجزاء المناسب دون تحديد، فقال وقوله الحق { فَآذُوهُمَا } والإيذاء يتحقق بالجلد وبالنفي كما يتحقق بالحبس والغرامة والتوبيخ والحرمان من بعض الحقوق المدنية والسياسية وتحديد الإقامة بموطن معين وغير ذلك من وسائل الإيذاء التي تتيسر لأولى الأمر قِصاصاً من الذين يعتدون على الناس بغير الحق. ولقد ورد النص على الإيذاء في هذه الآية الكريمة بصياغة مطلقة، والنص المطلق يجري على إطلاقه فيجوز بأي وسيلة من وسائل الإيذاء في حدود القصاص العادل، وما جاز في جريمة معينة بصياغة مطلقة فإنه يجوز في غيرها من الجرائم بإطلاقه وتجريده.

والإيذاء ينبغي أن يترك أثراً في نفس الجانح أو في ماله أو فيهما معاً حتى يتحقق به القِصاص، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بالعقاب كما أسلفنا بمعنى أن يعقب في نفس المعتدي من الأثر بقدر ما عقب في نفس المعتدى عليه من الألم { مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ .} (فصلت 43).

{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .} (النور 2 ، 3).

ورد التعبير بالنساء مضافاً إلى المخاطب من الرجال للدلالة على الأزواج في ثمانية مواضع من القرآن هي { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ } (البقرة 187) { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } (البقرة 226) { وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ } (النساء23). { وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ } (النساء23) {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } (الطلاق 4). { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } (المجادلة 3) والآية الثامنة هي قوله تعالى { وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ } فالحديث في هذه الآية الكريمة عن زوج أتت الفاحشة وهي محصنة في بيت زوجها ,ولا تثبت عليها الفاحشة إلا بإحدى طريقتين أن يشهد على ذلك أربعة من المؤمنين { وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ } أو أن يشهد الزوج أربع شهادات بالله انه صادق فيما رماها به من إتيان الفاحشة وشهادة خامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وهو ما يسميه الفقهاء باللعان { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ .} (النور 6، 7) فإذا ثبت أنها قد اقترفت الفاحشة بأحد هذين الدليلين وجب أن يقضى بتحديد إقامتها في بيت من بيوت المؤمنين حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لها سبيلا { فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً. }يجوز أن تحبس في بيت زوجها كما يجوز أن تحبس في بيت أبيها أو بيت أخيها أو بيت أختها أو غير ذلك من البيوت لورود النص طليقا من أي قيد إلا قيد إحصانها ذلك لأنه يبين من طبيعة هذا الجزاء أنه إنما قصد به أن يكون قيداً مؤبداً على حريتها يتحقق به إحصانها وفرض الستر عليها.

ولا شك أن الزوج المحصنة أولى بصونها بأشد الضمانات حماية للمجتمع حتى لا تشيع فيه الفاحشة { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .} (النور 19), ولا شك أن الفاحشة التي شهدها أربعة من المؤمنين قد شاعت وبالتالي فقد وجب توقيع الجزاء, كما أن الفاحشة التي يصر عليها الزوج بأربع شهادات بالله انه لمن الصادقين و الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين هي فاحشة بسبيلها إلى أن تشيع لان الزوج الذي يثلم شرفه زوج قد ظلم ومن ظلم فقد رخص له الله في أن يجهر بظلمه حتى يقتص له { لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً .} (النساء 148) ونجد آيات الله البينات كلها لا تختلف فيما تأمر به من الستر والصفح, لأنه سبحانه وتعالى قد فتح أبواب توبته ورحمته للناس حتى يحضرهم الموت, وقد تتوب هذه المرأة ويصلح أمرها وتكون من المؤمنين فيغفر الله لها ويتوب عليها ويدخلها في رحمته في عباده الصالحين.

ولقد وردت هذه الضمانات في سورة النور بحديث عن إفك جاء به عصبة من المؤمنين { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ . لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (النور11، 18) في هذه الآيات البينات كتب الله على المؤمنين أن يفترضوا الخير في أنفسهم وألا يتهم بعضهم بعضا بالمظنة و الإثم وألا يتحدث بعضهم عن بعض بغير علم. أما من الذين جاؤوا بالإفك ومن منهم الذي تولى كبره ومن التي لاكوا سيرتها بهذا الإفك من نساء المؤمنين ومن هو زوج هذه المرأة. لا نجد فيما أوحى إلينا من كتاب ربنا إجابة على أي سؤال من هذه التساؤلات إلا ما يجب علينا أن نقتدي فيه بالملائكة {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .} (البقرة32) وان نقول كما علمنا ربنا { مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ .} (النور16) ومع ذلك فقد أشاع كثير أن هذه المرأة هي واحدة من أمهات المؤمنين بل وابنة اقرب المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوردوا الأسماء والتفصيلات بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ودون الحاجة إلى شئ من هذه التفصيلات التي خاضوا فيها, ولا نجد بينة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج من ابنة رفيقه هذا, ولا نجد سبباً ظاهراً على ما يصر عليه الرواة من أنها كانت زوجه, وأنها هي المقصودة بحديث الإفك, وأنها هي نفسها التي قادت واقعة الجمل ضد على بن أبي طالب رضى الله عنه, وان كل هذا لا يغني في الدين من شئ هو من السيرة التي يجب علينا أن نتعلمها, أو ليس خيراً للمؤمنين أن يتعلموا المعاني العظيمة التي تضمنها قوله تبارك وتعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً .} (الاحزاب6).

تلك هي الضمانات التي تجب لأزواج الناس في جماعة المسلمين,لا تثبت عليها الفاحشة إلا إذا رماها رام بها وجاء عليها بأربعة يؤيدونه فيما رماها به. فواضح كل الوضوح أن هؤلاء لا يأتون إلي الشهادة من تلقاء أنفسهم, بل يجب على كل واحد منهم أن يلتزم الصمت حتى يجد نفسه احد أربعة جئ بهم ليشهدوا على الفاحشة { لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } (النور13) ولهذا كانت شهادة الزوج { أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . }(النور6، 7) ويستوي في هذا الحكم أن يكون الاتهام وارداً من شخص واحد أو من مجموعة من الأشخاص قل عددهم أو كثر, فسواء كان الرامي واحداً أم كان أكثر من ذلك فهم جميعاً في موقف الاتهام ولا تقوم بهم البينة إلا إذا اشهدوا على اتهامهم أربعة شهداء { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ . لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء}, (النور 11-12) فلا تقوم بالعصبة بينة حتى يأتوا بالشهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون.

عقوبة الحبس في البيوت عقوبة خاصة بامرأة متزوجة ثبتت عليها الفاحشة بأحد السبيلين السابقين اتهام يعزز بأربعة شهداء أو أربع شهادات بالله معززة بقبول لعنة الله إن كان من اتهم الزوج هو بعلها نفسه,أما الرجال عامة والنساء إن كن غير أزواج سواء كن ثيبات أم أبكاراً فعقوبتهم جميعاً الإيذاء { وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا } (النساء 16) ويقع الإيذاء بأي عقوبة تصيب النفس أو المال كالحبس أو الغرامة أو التوبيخ أو غير ذلك مما يراه ولي الأمر مناسباً لكل حالة بذاتها وذلك لورود النص على الجزاء بالإيذاء في هذه الحالة مطلقاً من غير قيد, وما كان في كتاب الله مطلقاً فيجب أن يعمل به على إطلاقه وظنوا أن هذه الآيات البينات قد نسخت بقوله تعالى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . }(النور 2، 3) والحقيقة الظاهرة أن كلتا الآيتين الكريمتين

قد تضمنتا أحكاماً فرضت على المسلمين الذين أصبحوا بتنزيل القرآن أمة هذا الكتاب. وقد سبق أن رفضنا النسخ في الآيات التي كتبت على هذه الأمة ونظن أننا أقمنا الدليل على هذا من قبل, وقلنا أن النسخ إنما هو بهذه الآيات لما سبق عليه من أحكام كان يجري عليها العمل من قبل في أمة التوراة ثم من بعد ذلك في أمة الإنجيل. ونبادر إلى القول بأننا يجدر بنا حين يتراءى لنا أن ثم آية تنسخ الأخرى مما فرض علينا في الكتاب أن نتريث قليلاً, فليس في أحكام الله تبارك وتعالى ما ينقض بعضه بعضاً وإنما التناقض الذي قد يتراءى لنا إنما يكمن في أذهاننا نحن وفي أسلوب تفكيرنا والطريقة التي نتناول بها الكتاب العزيز. ولا جناح علينا إذا استعصى علينا فهم آيات الله واستنباط حكمته أن نقول كما علمنا تبارك وتعالى { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ . رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ . }(آل عمران7، 8).

الزانية والزاني بأل التعريف كقولك الفارس والطبيب ليغنيك عن بيان من هو الفارس أو من هو الطبيب وكيف يمكن أن تكون المرأة أو الرجل هذا الفارس أو ذلك الطبيب, فهل ترى أنك قد أصبحت ذلك الفارس إذا امتطيت صهوة جواد مرة أو مرتين أو عشر مرات, وهل تري أنك ذلك الطبيب إذا عالجت أهلك من صداع أو جرح أو غثيان.لا تظن أن أل التعريف قد وردت زائدة في قول الله تبارك وتعالى الزانية والزاني وليس في القرآن كله حرف واحد زائد أو ليس مسطوراً في الكتاب لحكمة بالغة, فهذا كتاب الله الذي أتقن كل شئ وقال وقوله الحق فيما خلق من شئ { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .} (آلعمران191) وقد يقول قائل لقد فرض علينا الختان فأصبح هذا خلقاً زائداً يجب استئصاله, ونقول إنه قد فرض علينا هذا حقاً ولكنه لم يفرض علينا بأمر ربنا بل فرضناه نحن على أنفسنا وقلنا إن الرسول فرضه علينا بل قلنا إنه هو نفسهr قد ختن قبل أن يدري أو يدري أحد ما الكتاب وما الإيمان. ولو بحثنا أصل الختان في التاريخ لوجدناه عند بني إسرائيل بقولهم (وقال الله لإبراهيم وأنت فاحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك , وأعطيك أرض غربتك لك ولنسلك من بعدك جميع أرض كنعان ملكاً مؤبداً وأكون لهم إلهاً, وقال الله لإبراهيم وأنت فاحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم, هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك يختن كل ذكر منكم, فتختنون القلفة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم, وابن ثمانية أيام يختن كل ذكر منكم مدى أجيالكم المولود في منازلكم والمشترى بفضة من كل غريب ليس من نسلكم, يختن المولود في بيتك والمشترى بفضتك فيكون عهدي في أبدانكم عهداً مؤبداً, وأي أقلف من الذكور لم تختن القلفة من بدنه تقطع تلك النفس من شعبها إذ قد نقض عهدي,سفر التكوين, الفصل السابع عشر الجمل (10-15).

هكذا فرض الختان على اليهود وتقرر الجزاء على مخالفة هذا الأمر, بقطع النفس من الشعب نبذاً أو نفياً أو إعداماً الله أعلم بهم, وقيل إن هذا الأمر إنما فرض عليهم ليكون علامة عهد بينهم وبين ربهم لينظر إلى الناس فيميز شعبه المختار بهذه العلامة الغريبة, ولقد قالوا مثل ذلك عندما زعموا أنهم أمروا بتلطيخ أبوابهم بالدماء حتى تتميز بيوتهم فلا يدمرها وهو يدمر بيوت المصريين (وأنا أجتاز في أرض مصر في تلك الليلة وأقتل كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وبجميع آلهة المصريين أصنع أحكاماً أنا الرب, فيكون الدم لكم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم ولا تحل بكم ضربة هلاك إذا ضربت أرض مصر- سفر الخروج,الفصل الثاني عشر,الجملتان (13، 14) ونرى أن هؤلاء القوم قد ظنوا أن لهم رباً لا يراهم إلا بعلامات مميزة فأرادوا أن يتميزوا ليراهم ربهم فختنوا القلفة ولطخوا أبوابهم بالدماء فيما يزعمون، ولم ترد آية إشارة في القرآن الكريم لهذا المنطق فهو سبحانه لا يقول هزلاً ولا ينبغي للرحمن أن يرد على هزل { وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ. إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً. وَأَكِيدُ كَيْداً . فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً. } (الطارق 13-17)، لقد خلقهم الله وخلق كل شئ مما هو أصغر من الذرة إلى ما هو أكبر من المجرة مما نعلم ومما لا نعلم من خلقه سبحانه فكيف لا يعلم من خلق حتى يتميزوا { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .} (الملك 13، 14)، ولئن سألت عن القلفة فلا ينبغي لنا أن نقول إلا ما علمنا ربنا في كتابه العزيز {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ } ويحلو لبعضهم أن يقولوا نختن أبناءنا من باب الصحة فهل هلك المسيحيون أو أصابتهم علة من عدم الختان، هذه آية فرضها اليهود على أنفسهم ونسخه الإنجيل بالحق أما كيف أحييناها ولماذا جعلناها فريضة أكبر في النفس من الصوم ومن الصلاة، ولماذا نصر عليها إذا كان اليهود الذين فرضوها لا يصرون عليها إلا ليتميزوا عند ربهم، فيسأل عن ذلك من يصر عليها .

ورب قائل يجادل عن الشعر أو الأظافر فيقول أليس ذلك بالشئ الذي يزيد في أبداننا.. وتلك حجة على الختان وليست حجة له..لأن الله قد أنزل في الشعر وفي الأظافر قرآناً {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } (الفتح 27), وسبحان الله الذي فصل كل شئ في الكتاب تفصيلا.. ولولا إن القلفة نفل يسئ إلى أبداننا أو يشوهها أو يعرضها لأي ضرر لكان الله قد أنزل قرآناً بالختان كما أنزل الله قرآناً بالحلاقة والتقصير.. { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ .} (لقمان 16), بهذه الآيات البينات يرد الله تبارك وتعالى على هزل اليهود وعلى كل زيف سبحانه وتعالى يقذف بالحق علام الغيوب.

ليس في القرآن كله حرفٌ واحدٌ زائدٌ.. وليس في القرآن كله حرف واحد لم يرد في موضعه مسطوراً ثابتاً لحكمة بالغة.. يلاحظ أن أسماء الله الحسنى جاءت في القرآن مفردة معرفة بأل التعريف فإذا أحصيناها في القرآن وجدناها ثلاثة وخمسين اسماً.. الله.. الرحمن.. الرحيم.. الملك.. القدوس.. السلام.. المؤمن.. المهيمن.. العزيز.. الحكيم.. الجبار.. المتكبر.. العلي.. الكبير.. الخالق.. البارئ.. المصور.. الغفار.. القهار.. الغفور.. الودود.. الوهاب.. الرزاق.. الفتاح.. العليم.. السميع.. البصير.. اللطيف.. الخبير.. العظيم.. الكريم.. الرقيب.. المجيد.. الحق.. الوكيل.. القوى.. المتين.. الولى.. الحميد.. الحى.. القيوم.. الواحد.. الصمد.. القادر.. البر.. التواب.. القدير.. الغنى.. المتعال.. الأول.. الآخر.. الظاهر.. الباطن..

وأول ما يلاحظ على هذه الأسماء التي وردت في القرآن مفردة معرفة بأل التعريف أنها تدل على ذاته سبحانه وتعالى كما تدل على صفاته الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير كما تدل على دوام هذه الصفات واستقرارها وهذا هو ما يستنبط بكل وضوح من الآيات الأخيرة من سورة الحشر { لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏}.

الله سبحانه وتعالى يقبض ويبسط .. ويعز ويذل..ويبدئ ويعيد..ويحيى ويميت..ويهدى ويضل.. ويحكم بين عباده بالحق..وكل ذلك من أفعاله سبحانه وتعالى التي لا تحصى.. ولا ينبغى لنا أن نشتق منها الأسماء الحسنى بغير قرآن.. لأنه إن جاز لنا ذلك بغير قرآن فينبغى لنا أن نقول إنه سبحانه وتعالى هو المعاقب وهو المعذب.. لأنه سبحانه وتعالى يعاقب ويعذب من يشاء, وقالوا هو (الصبور) بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإنما الصبر على المكاره إذا لم يكن بد من دفعها ، ويتنزه الله سبحانه عن ذلك ويتعالى علواً كبيراً .

ويلاحظ أن بعض الأسماء لم يرد معرفاً في القرآن بأل التعريف.. من ذلك إنه سبحانه وتعالى حليم.. حفيظ.. وليس في القرآن كله أنه سبحانه وتعالى هو الحليم.. لأن الحلم هو الإعراض عن الخطأ مع القدرة على تصحيحه والعقاب عليه رأفةً وعفواً, والحلم من هذا الوجه صفة لا يمكن الاعتماد عليها بصفة دائمة.. لأن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب عزيز ذو انتقام.. وليس في القرآن كله أنه سبحانه وتعالى هو الحفيظ.. ذلك لأن من عباده من ينسى الله فينساه { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ } (التوبة 67), ومنهم من لا يقيم له يوم القيامة وزناً.. فالله سبحانه وتعالى لا يحفظ إلا من يحفظ أحكامه أما الذي يفرط فيها فإنهم مفرطون { لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ . }(النحل 62).

يستنبط مما تقدم أن أل التعريف لا ترد في القرآن ارتجالاً بل ترد في موضعها لتفيد الدوام والاستقرار والثبات..أما ما جاء به فقهاء اللسان من أن هنالك أل الجنس وأل العهد.. فكل ذلك إن صح أن يكون من التقسيمات المفيدة إلا أنها لا تقدم تفسيراً لأل التعريف ولا تبين شيئاً من دلالاتها الكبرى كما جاءت في القرآن العظيم.

رسل الله سلام الله عليهم جميعاً..وصفوا في القرآن ببعض الصفات الحسنى ولكن بدون أل التعريف { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ . }(الدخان17) { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ .} (الحاقة 40، والتكوير 19) { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . }(التوبة 128) { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } (هود 75) ويقول الأرموى صاحب (الحاصل من المحصول) لفظ الجلاله اسم يلزمه الألف واللام ولا يفارقانه بحال فصارا وكأنهما من نفس الكلمة (ج1ص 223).

أل التعريف ليست نفلاً في القرآن الكريم ولا ترد في الكتاب ارتجالاً.. سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.. ولذلك فإن الزانية والزاني هما اللذان أعدا للفاحشة بيتاً يركن إليه بصفة ثابتة وبنظام مستقر.. هذان يجلدان مائة جلدة دون رأفة جلداً علنياً يشهده طائفة من المؤمنين..ولا حرج في ذلك فلقد أراد زينة الحياة الدنيا بالإثم والعدوان ومعصية الله والرسول وأصرا على هذا الرجس في دولة أقامها الله ورسوله على طهارة القلب والبدن والثياب.. وإذا عاش احدهما بعد هذا العذاب فليعش مهاناً يحمل ظاهره من أثار العذاب ما اكتسب باطنه من الإثم ويحرم نكاحه على المؤمنين.

وإن التعبير بلفظ الزنى يدل بذاته على هذا المعنى لأن صاحبه يمشى بزينة الحياة الدنيا بالإثم والعدوان ومعصية الله ويبتغي غير سبيل المؤمنين في الاستمتاع بحياة الدنيا وزينتها، زنى أي اتخذ زينة الحياة الدنيا هواه فمشى بها وجعلها سبيلاً لا يتحول عنها فوجب اقتلاعه بهذا العذاب لتطهر سبيل المؤمنين ويطهر مجتمعهم من الرجس. وكذلك تتضمن كل آية حكماً لا تناسخ فيه { وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ } (النساء 15) المرأة المتزوجة إذا ثبت أنها ارتكبت الفاحشة ولو مرة واحدة باتهام يعززه أربعة شهود أو بشهادة بعلها على نحو ما سبق بيانه، وهذه تحبس في البيوت حتى الموت أو حتى يجعل الله لها سبيل{ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ } المرأة غير المتزوجة بكراً كانت أو ثيباً والرجل سواء كان أعزباً أم متزوجاً يأتي أحد هؤلاء الفاحشة ولو مرة واحدة فيقضى عليه بالإيذاء أي إيذاء يكون مناسباً حسبما يراه ولى الأمر في جماعة المسلمين. أما { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } اللذان يمشيان بالفاحشة لا يبغيان عنها حولاً حتى يشيع أمرها بين الناس، وهو أمر لا يثبت من إتيان الفاحشة مرة أو عشر مرات ولا يتحقق بالعود المتكرر الذي يعرفه فقهاء القانون، بل هو أكثر من ذلك إصرارٌ على الفاحشة وضلالٌ في سبيلها.

ولا يحل للزاني أن ينكح مؤمنة كما لا يحل للزانية أن ينكحها مؤمن، وعلى كل منهما أن ينشد النكاح في رجس مثله من زنى أو شرك هذا بعد أن يثبت عليها الزنى وينجو أحدهما أو كلاهما من العذاب بطبيعة الحال. ورغم وضوح الآية في فرض هذا الحكم على المسلمين فإن الذين خلطوا بين الزنى وبين مجرد التورط في الفاحشة مرة أو عدة مرات دون إصرار عليها أو ضلال في سبيلها،قالوا بأن هذا الحكم ليس للتطبيق وإنما ليكره الناس إتيان الفاحشة وكأن الفاحشة أمر يمكن أن يحبه من آمن بالله واليوم الآخر. أو ليس الناس يأتون الفاحشة لا يأتونها إلا اضطراراً ثم يعودون منها بالندامة والغثيان, وأما الزانية والزاني فهذان سادران في الغي طرباً أو يبغيانه معيشةً وارتزاقاً وهما حقيقان بما فرض عليهما من العذاب خليقان بأن يحرم نكاحهما على المؤمنين, وشتان شتان بينهما وبين غيرهما ممن يتورطان في الفاحشة وقلبهما مطمئن بالإيمان.

وقالوا إن الزوج إذا زنت وجب رجمها وأصر بعضهم على أن الرجم في هذه الحالة يعتبر من حدود الله ورووا في ذلك ما رووا من القصص والأحاديث, والله يشهد أنه ليس في القرآن رجم على الإطلاق, وقد بين الله حكم الزوج التي تثبت عليها الفاحشة بما يغنى عن الرد على ما يقولون, وإنما يعنينا أن نبين أن عقوبة الرجم لم يأت بها إلا اليهود فيما يرونه في أسفارهم فلقد قالوا برجم العروس إذ لم تكن بكراً (وإن كان الأمر صحيحاً ولم تكن وجدت للفتاة عذرة, فليخرجوا الفتاة إلى بيت أبيها ويرجمها جميع أهل مدينتها بالحجارة حتى الموت لأنها صنعت قباحة في إسرائيل بفجورها في بيت أبيها واقلع الشر من بينكم - سفر تثنية الاشتراع فصل 22 ) وقالوا برجم الولد العاق (إذا كان لرجل ابن عقوق مارد لا يطيع أمر أبيه ولا أمر أمه وهما يؤدبانه فلا يسمع لهما, فليقبض عليه أبوه وأمه ويخرجاه إلى شيوخ مدينته وإلى باب موضعه, ويقول لشيوخ مدينته إن ابننا هذا عقوق مارد لا يطيع أمرنا وهو أكول شريب, فيرجمه جميع رجال مدينته بالحجارة حتى يموت وأقلع الشر من بينكم فيسمع كل إسرائيل ويخافوا- سفر تثنية الاشتراع فصل 21) وقالوا برجم حطاب عمل يوم السبت (وإذ كان بنوا إسرائيل في البرية وجدوا رجلاً يحتطب حطباً في يوم السبت فقاده الذين وجدوه يحتطب حطباً إلى موسى وهارون وكل الجماعة, فألقوه في السجن لأنه لم يتبين ما يصنع به, فقال الرب لموسى يقتل الرجل قتلاً يرجمه بالحجارة كل الجماعة في خارج المحلة, فأخرجته الجماعة كلها إلى خارج المحلة ورجموه بالحجارة فمات كما أمر موسى- سفر العدد فصل 15).

وقالوا برجم من يلحد في اسم الله (وجدف ابن الإسرائيلية على الاسم ولعنه فقادوه إلى موسى وكان اسم أمه شلوميت بنت ديبرى من سبط دان, فألقوه في السجن حتى يتبين لهم أمر الرب, فكلم الرب موسى قائلاً أخرج اللاعن إلى خارج المحلة وليضع كل من سمعه أيديهم على رأسه وليرجمه كل الجماعة – سفر الأحبار فصل 24).

وقالوا كذلك برجم من يعبد غير الله (ومضى فعبد آلهة أخر وسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لسائر جند السماء مما أمر به, وأخبرت وسمعت وتقصيت جيداً فكان الأمر صحيحاً ثابتاً وقد صنع هذا الرجس في إسرائيل, فأخرج ذلك الرجل أو تلك المرأة الذي صنع هذا الأمر المنكر إلى أبوابك رجلاً كان أو امرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت – سفر تثنية الاشتراع فصل 17) ورووا في حديثهم أن رجلاً يقال له عاكان بن كرمى بن زبدى بن زارح من سبط يهوذاً قد خالف أوامر ربهم فقاتلوه حتى سقط في أيديهم فرجموه(وقال يشوع لماذا أعنتنا أعنتك الرب في هذا اليوم فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة ثم احرقوه بالنار – سفر يشوع فصل 7) بل قالوا أكثر من ذلك قالوا برجم الثور إذا نطح رجلاً (وإن نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات فليرجم الثور ولا يؤكل من لحمه ورب الثور برئ. فإن كان ثوراً ناطحاً من أمس فما قبل فاشهد على صاحبه ولم يضبطه وقتل رجلاً أو امرأة فليرجم الثور وصاحبه أيضاً يقتل- سفر الخروج فصل 21).

هؤلاء قوم يرجمون كل شئ حتى الثور وليس هذا عجيباً في اليهود فإنهم يعترفون في كتبهم بأنهم قوم قساة الرقاب ويعترفون بأنهم لا يلبثون أن ينقلبوا على أعقابهم بعدما يموت أنبياؤهم وحكماؤهم, وقال الله فيهم أصدق الحديث في كتابه العزيز{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . }(البقرة 74).

ويحدثنا أقرب الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى أن جماعة من بنى إسرائيل جاؤوا بامرأة إلى المسيح ابن مريم عليهما السلام, وقالوا له إن هذه امرأة زانية فأمر برجمها حسب الشريعة, فقال لهم عليه السلام (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) هذا حديث يرويه المسيحيون في كتبهم, ولو لم يكن صحيحاً في التاريخ لكان في العقل والمنطق صحيحاً. وبذلك يكون أهل الإنجيل قد نسخوا ما كان عند أهل التوراة من الإسراف في الرجم, فما هو أساس العودة إليه عند بعض فقهاء المسلمين من الذين أمروا بالقرآن وقد أنزله الله بالحق لا رجم فيه.

ينسب إلى عبدالله بن عمر أنه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في قضية يهودي زنى بيهودية فسأل اليهود عن حكم ذلك في كتبهم فقالوا نلطخ وجهيهما بالسواد لينفضح أمرهما, قال بل يرجمان فأتوا بالتوراة واتلوها إن كنتم صادقين فلما رأوا هذا الحكم في كتبهم أسلمها إلى الرجم فرجما وكان الرجل ينحني على المرأة ليقيها الحجارة. هذا ما جاءت به الأساطير وجاءوا بأكبر من ذلك فقالوا بقرآن نسخ كتابة ولم ينسخ حكماً في حديث الشيخ والشيخة, وهو حديث عظيم نرى أن الإعراض عنه خير من الرد عليه فإن من يؤمن بهذا الحديث لا يعقل ولا يبصر من أمره شيئاً ، ولو كان قائل هذا الحديث عربياً لقال: الشيخ والعجوز وليس الشيخ والشيخة { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } ( هود 72).

ما كان لله سبحانه أن يترك كتابه للبشر ينسخون منه ويضيفون إليه كما تهوى أنفسهم بغير سلطان مبين, وما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقضى بغير ما أراه الله في كتابه العزيز { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ . }(المائدة 49، 50). رابعاً: عقوبة السارق والسارقة

{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.} (المائدة 38).

ما يقال عن السارق والسارقة إلا ما قد قيل عن الزانية والزاني, فقد ورد النص عليهما في هذه الآية بأل التعريف, وهي كما رأينا أكبر ولا شك من حبة خردل ولم يأت بها الله زائدة في هذه الآية الكريمة. ولو كان المقصود بهذا الحكم أن تقطع أيدي كل من يسرق ولو مرة واحدة لاختلفت الصياغة كما في قوله بالنسبة لمن يأتي الفاحشة ولو مرة واحدة { وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا }.

السارق والسارقة هو كل من ينظم حياته ومعيشته على السرقة فيمشى بها بين الناس مصراً عليها لا يعدل عنها ولا يريد أن يتحول إلى عمل صالح يرتزق منه في جماعة المسلمين ويشيع أمره بين الناس حتى يعرف بالسرقة. هذان تقطع أيديهما وليس يد كل منهما اليمنى أو اليسرى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . }(المائدة 38) تقطع اليدين بتراً بآلة حادة وليس كما يظن ضان ممن يرون أنهم أرحم بالناس من ربهم أن القطع هنا بمعنى الكف, وذلك بأن يعمل أولو الأمر على إصلاحهما بما يكفان به عن السرقة لقوله تعالى { نَكَالاً مِّنَ اللّهِ }فكيف يكون التنكيل بهما إذا كان المقصود كف أيديهما عن السرقة بغير بتر.

هذا حكم الله إنه عزيز حكيم ولكنه لا ينطبق على من يسرق ولو مرة واحدة أو يضبط عشرات المرات,ثم نختلف بعد ذلك على قيمة ما يسرق فتقطع يده إذا سرق ناقة ولا تقطع يده إذا سرق جملاً, أو تقطع يده إذا سرق قنطاراً ولا تقطع يده إذا سرق صاعاً, ويعفى من الحد إذا سرق وهو في فاقة أو في حالات القحط أو المجاعة مع إنه ينبغى تغليظ الجزاء في مثل هذه الأحوال لأن السرقة في قحط أو في مجاعة تترك في نفس المسروق من الألم والحسرة ما قد لا تترك السرقة في حالات الرخاء منه شيئاً. التفاوت في جرائم السرقة وما يجب لها من الإيذاء تخفيفاً أو تغليظاً أمر ترك لأولى الأمر أن ينظموه بتشريعات قابلة للتعديل والتبديل بحسب الزمان أو المكان شأنها في ذلك شأن الجرائم الأخرى التي لم يرد بشأنها نص في القرآن كجرائم الرشوة واستغلال النفوذ وتعاطى المواد المسكرة أو المخدرة وجرائم المرور, أما إذا أصبح من يسرق السارق أو السارقة فإن الجزاء هو بتر اليدين معاً جزاء بما كسبا نكالاً من الله. إنما يصح التساؤل عن اليدين كيف تقطعان من الرسغين أم من المرفقين أم من الكتفين, التعبير باليد مجرداً دون تحديد يعنى اليد ألى الرسغ وهذا يستنبط من قوله تعالى {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} (البقرة 249) وبطبيعة الحال فإنك لا تغترف الغرفة بيدك إلا إلى الرسغين فدلت هذه الآية على أن التعبير باليد مجرداً دون تحديد يعنى اليد إلى الرسغ فإذا كان المطلوب هو تجاوز الرسغ إلى المرفقين وجب في البيان تحديد ذلك كما في قوله تبارك وتعالى { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة 6) فمتى ورد النص على قطع اليدين دون تحديد فإن المقصود بذلك هو قطعهما من الرسغين, ولا محل للاجتهاد في آيات الله البينات فإنها كما ترى يفسر بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً في إتقان لا مثيل له لأنه تنزيل ممن ليس كمثله شئ سبحانه وتعالى علواً كبيراً.

لا سبيل إلى القول بأن قطع اليدين ليس هو البتر بآلة حادة لأن الله قد أمر بذلك { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ } ولا يكون التنكيل إلا بالبتر, ولا سبيل إلى القول بأن البتر لم يحدد بالرسغ أو المرفق أو الكتف لأن آية طالوت قد بينت أن التعبير باليد مجرداً دون تحديد يعنى اليد إلى الرسغ { إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ .} ولا سبيل إلى القول بأن البتر هو بتر يد واحدة وليس بتر اليدين معاً فلا خلاف على وجوب غسل اليدين معاً عند كل وضوء دون الاكتفاء بيد واحدة وذلك عملاً بقوله تعالى { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فيجب بتر اليدين معاً في آية السارق والسارقة لقوله تعالى{ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا }.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home