Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الثلاثاء 26 مايو 2009

البطالة مأساة أخرى مستمرة

موسى عبدالكريم

الحديث عن البطالة في ليبيا يضيف إلى مآسي الشعب الليبي مأساة أخرى، على تلك التي تعرض لها لأكثر من ثلاثة عقود، وهذا الحديث ذو شجون وألام وإحساس بالقهر والظلم، في وطن غنى عجز على أن يوفر لقمة العيش الكريمة للآلاف من الأسر والأفراد، ولا يمكن إيجاد أي تبرير منطقي وعقلي وعلمي لوجود ظاهرة البطالة في بلد يسبح على بركة من النفط، كافية لكى يعيش عليها كافة سكان ليبيا المحدودى العدد، فهل الأمر يتعلق بسوء ادارة شؤون البلاد ومواردها المالية من قبل السلطة القائمة وعدم الاحساس بمعاناة الناس؟ أم هو تجاهل وتعامي مقصود يدفع ضريبته معظم الليبيين ؟

الغريب في الأمر أن السلطات الليبية وصلت باستثماراتها في جمهورية مصر المجاورة إلى نحو 10 مليار، وهى على وشك تعمير 17 قرية في شمال دار فور بالسودان ستكلف المليارات، بالإضافة إلى الفنادق الراقية في العاصمة الخرطوم، والقرية النموذجية في تونس ومطار جربة والطرق المزدوجة، كل ذلك لا اعتراض عليه إذا كان هناك في المقابل إنفاق مماثل في بقية المدن والقرى الليبية، وفي تشغيل وتوظيف القوة البشرية العاطلة التي لا تجد أي مورد لها للعيش كبقية البشر.

لا أحد يتصور في هذا البلد المحدود السكان أن توجد بطالة بين أهله، وهناك العشرات من الآلاف من العرب والأجانب الذين يعملون في ليبيا، ولازالت الإعلانات عن وجود فرص عمل تنشر في الصحف العربية والعالمية، لعل آخرها كان في الصحف الفليبينية عن وجود 16 ألف وظيفة للفلبيين في ليبيا. إذن ما هي البطالة؟ وكيف وجدت طريقها إلى المجتمع الليبي؟

تعرف البطالة بأنها ( حالة الفرد القادر على العمل ويرغب في الحصول على فرصة عمل ولكنه لا يجده ،وليس لهذا الفرد مورد مالي يمكن أن يعيش منه ).

والبطالة تعنى أيضا حالة من الحرمان المادي من خلال غياب المورد المالي الأساسي الذي يدير به الإنسان شؤون حياته المعيشية. (1)

لقد كشفت البيانات والأرقام التي نشرت مؤخرا في ليبيا حول البطالة والتي وصلت إلى20.7% ونقلتها بعض وسائل الأعلام العربية ووكالات الأنباء،عن حجم وضخامة هذه الظاهرة، مما يثير الكثير من المخاوف والقلق على مستقبل السلم الاجتماعي في البلاد في السنوات القادمة. بهذا المعدل تكون البطالة في ليبيا هي الأعلى بين دول المغرب العربي الخمس البالغ مجموع سكانها 80 مليون نسمة ،حيث تتراوح نسبة البطالة في الدول الأربعة الأخرى من 9% إلى 15% وفقا للأرقام الرسمية .(2)

وبلغ عدد الليبيين المشتغلين بالفعل ما مجموعة 1.3 مليون أي يشكل نسبة قدره 79.26 % من إجمالي السكان الليبيين العاملين اقتصاديا،وبذلك يصبح معدل البطالة بين أفراد قوة العمل الليبية يقدر بنحو 20.74%.(3)

ويلاحظ من خلال هذه البيانات أن نسبة البطالة ترتفع بين الذكور إلى نحو21.55% وتنخفض بين الإناث إلى حوالي 18.71%، كما أن نسبة الإناث في التعليم العالي وصلت إلى 12.88 % في حين ان نسبة الذكور هي في حدود 10.37%،بالإضافة إلى أن نسبة التسرب من التعليم بين الذكور أعلى من نسبة التسرب لدى الإناث .(4)

وأوضحت الأرقام التي نشرت حول البطالة، أن أكثر من 16% من أجمالي عدد الأسر الليبية والبالغة 886.978 ألف أسرة، لا يكسب أفرادها دخلا مستقر في حين أن 43.3% من الأسر لديهم شخص واحد يعمل، وان 26% يوجد بها شخصان يكسبان أجرا ثابتا، علما بان متوسط حجم الأسرة هو 6.59 أي نحو 7 أفراد .

كما أشارت هذه المعلومات إلى أن هناك أكثر من 33 ألف أسرة ليبية تعيش في ظروف سكن غير صحي.(5)

وفي ضوء هذه النسبة العالية لظاهرة البطالة في دولة تعد من اغنى الدول في القارة الإفريقية، إذا أخذنا في الاعتبار عدد السكان الضئيل والمحدود في ليبيا، فأنه يمكن القول ان هناك القليل من الاهتمام والإحساس الفعلي من قبل الجهات المسؤولة، بمدى خطورة هذه الظاهرة وتجاهل الحاجة الملحة لإيجاد الحلول الفعالة لها، وإهمالها بهذا الشكل الخطير سيقود إلى نتائج وخيمة في المستقبل .

ولقد أشار موقع شبكة الأخبار العربية (محيط) إلى أن السلطات الليبية قامت بالتعتيم على أزمة البطالة،في حين تشير المعلومات شبة الرسمية إلى أن الأزمة القائمة حاليا تشكل أكبر تهديد للسلطة والمجتمع معا في ظل حلول يراها المواطنون مجرد مسكنات وقتية لا جدوى منها.

ومن هذه الحلول التلفقية المؤقتة ما يسمى (المركز الوطني للتأهيل والتطوير المهني) والذي تم إنشاؤه خصيصا لمعالجة البطالة الناجمة من تسريح الموظفين من مختلف الدوائر والمؤسسات الرسمية والتعليم، بإعادة تأهيلهم ثم توزيعهم على الجهات والشركات المختصة للاستفادة من خدماتهم وخبراتهم التي اكتسبوها من فترات العمل السابقة على امتداد سنوات كثيرة، وكذلك من خلال التأهيل الذي يفترض أن يتلقوه من هذا المركز،حيث تم إلغائه واصبح هؤلاء الموظفون والمدرسون بدون عمل وبدون مرتبات لمدة تزيد على ثلاثة اشهر.

إن الآثار السلبية لظاهرة البطالة تنعكس بدورها على سلوك وتصرفات العاطلين، خاصة فئات الشباب، ولقد شاهدت البلاد فى العشرين سنة الماضية الكثير من المظاهر السيئة، التي ألقت بظلالها على المجتمع الليبي ولم يعرفها في السابق، فالبطالة تدفعهم إلى سلوكيات ضارة بالمجتمع ككل، مثل تعاطى المخدرات والإقدام على السرقة والعنف الأسرى والاعتداء على الأعراض، والقيام بالأعمال التخريبية للممتلكات الخاصة والعامة، كما هو معروف أينما يوجد الفقر يوجد الجهل والجريمة والانحراف، وانتشار الشعور بالكبت والإحباط لدى العاطلين، كل هذا ولّد ضعفا وفقدانا للهوية و الانتماء للمجتمع وللوطن والسلبية المطلقة، مما افرز ولازال يفرز في أجيال مدمرة نفسيا وصحيا واجتماعيا.

في الواقع اليومي لا يوجد شئ اثقل على نفس المواطن الليبي، من تجرع مرارة الحاجة والعوز المادي والإحساس بامتهان كرامته الإنسانية، وفقدانه لقيمته ودوره في المجتمع بسبب البطالة ،في الوقت الذي يري فيه هذا المواطن، الفئات التي تمثل السلطة بمختلف مستوياتها وعلى الأخص المستويات العليا ومن يرتبط بها ،منغمسين في ترف العيش ورغد الحياة والسيطرة على الوظائف وملكية المال العام،بينما المواطن العاطل لا يجد عمل يستعين به على حاضره ومستقبله، أو لا يجد ما يطعم به أسرته ويوفر لها حياة كريمة إذا كان رب أسرة.

إن التباينات الكبيرة والفروق في الدخول التي بدأت في الظهور تدريجيا منذ السنوات الأولى للانقلاب بين من هم في السلطة ومعها وهم يملكون كل شئ، وبين فئات كثيرة من المجتمع الليبي وهم محرومون من أشياء كثيرة والعديد منهم لا يجد حتى سبل العيش وفرص العمل، مما يؤكد انعدام أي جهد جاد وفعال من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية بين الليبيين.

وفي هذا السياق نجد أن ظاهرة البطالة قد أفرزت بدورها ظاهرة جديدة على المجتمع الليبي، لم يعرفها إلا أثناء الغزو الاستعماري الإيطالي لليبيا ألا وهى الهجرة للخارج .

البطالة والهجرة إلى الخارج :

في ظروف تزايد وانسداد الآفاق أمام طموحات الشباب في أيجاد العمل المناسب في بلادهم النفطية، الذي يكفل لهم تحسين أوضاعهم المعيشية، والسعي لتكوين أسر جديدة، أصبحت الهجرة إلى الخارج وبصفة خاصة إلى الدول الغربية، حلم يراود الكثير من العاطلين، مما أجبر العديد من الشباب على الهجرة إلى الخارج.

وعلى الرغم من انه لا توجد أرقام وإحصائيات دقيقه وموثقه، حول هجرة الشباب الليبي، غير انه لوحظ خلال الخمسة عشر سنة الماضية، تزايد عدد المهاجرين أو الفارين من الليبيين إلى الدول الأوربية، لأسباب اقتصادية للبحث عن مستوى حيا ة افضل، وفرص عمل ومستقبل اكثر أمان واستقرار، وفي ظل بيئة حرة وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية تسمح بتكافؤ الفرص والمساواة افضل مما عليه الحال في ليبيا, ولقد أوضحت الإحصائيات الرسمية التي صدرت عن إدارات الهجرة في العديد من الدول الأوروبية تزايد عدد المهاجرين الليبيين عاما بعد عام .

إن ظاهرة البطالة لم تقتصر على أولئك الذين لم يحصلوا على قدر كافي، من التعليم والثقافة أو المعرفة والخبرة فحسب، بل أنها شملت أيضا أصحاب المؤهلات العلمية من خريجي الجامعات في مختلف التخصصات.

لقد خسرت ليبيا الكثير من الأطباء والمهندسين والمتخصصين في مجالات النفط والإدارة والاقتصاد وعلوم التقنية الإلكترونية وغيرها من المجالات، بسبب الهجرة إلى الخارج رغم أن البلاد في أمس الحاجة إلي جميع هذه الخبرات والإمكانيات ، فضلا عن الإنفاق الكبير الذي تكبدته ( الدولة) عبر سنوات الدراسة، ولعل السبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أن البيئة في ليبيا أصبحت بيئة طاردة وليست بيئة جاذبة ، بيئة خانقة ومدمرة وليست محفزة ومشجعة، لاتسمح بمبدأ تكافؤ الفرص في مجال تولى الوظائف الرسمية أو العمل العام ، أو حتى في مجالات العمل الأكاديمي والعلمي ، إلا على أساس الولاء لراْس السلطة ولما يطرحه من شعارات زائفة، وليس على أساس الكفاءة والجدارة العلمية والخبرة، أو بمعنى آخر جرى تسييس العمل والوظائف لصالح الولاء للسلطة ورموزها .

أيضا تدخلت عوامل أخرى منها المحسوبية والمحاباة و الاعتبارات الجهوية و القبلية، في شغل الوظائف والأعمال المهمة دون أي اعتبار للكفاءة والجدارة، وعدم وجود معايير ومواصفات وظيفية يمكن الاستناد إليها في التقييم لشغر الوظائف، كما انتشر أصحاب الشهادات المزيفة والمزورة من المحسوبين على السلطة، الذين جرى فرضهم أو" تصعيدهم" في مختلف المرافق والمؤسسات والأجهزة الرسمية والعلمية بدون أي استثناء، والفروق في المعاملة والمرتبات بين الأجانب والمواطنيين من أصحاب نفس الكفاءات .

أسباب أساسية للبطالة :

من الأسباب التي أدت إلى تفاقم ظاهرة البطالة، ضآلة دور السلطات الليبية و عدم تدخلها السريع والمناسب لوضع حد لهذه " الظاهرة "، من خلال أبحاث وتصورات مدروسة و خطط وبرامج متكاملة والتي يمكن إدراجها على النحو التالي:

• فشل برامج التنمية الاقتصادية في العناية بالجانب الاجتماعي المكمل لها، وعدم الاهتمام بإيجاد فرص عمل مناسبة من خلال مشاريع وخطط تهتم بالتنمية البشرية ، مثل التدريب والصقل والإعداد ، وانصب الاهتمام على المشاريع ذات الطابع الدعائي السياسي، الذي غابت عنه حتى دراسات الجدوى الاقتصادية.

• استمرار تدفق العمالة الأجنبية من جميع المستويات والتخصصات الفنية والعلمية على البلاد، باعتبارها منطقة جذب توفر فرص العمل بقليل من الشروط أو المواصفات الدقيقة ، التي تفرضها الدول الأخرى .

• لا وجود لخطط سنوية أو حتى خماسية لتطوير أسواق العمل في البلاد، من حيت دراسة وبحث الاحتياجات في مختلف التخصصات والمجالات وتوزيع العاملين عليها، مما قلل القدرة على التوظيف وتشغيل العمالة .

• فشل الكثير من برامج التخطيط الاقتصادي وإخفاق عمليات التصحيح الاقتصادي، وغياب الشفافية والرقابة على مجمل الأعمال الاقتصادية والمالية .

• سوء الإدارة والتوجيه غير السليم للموارد المالية وهدر المال العام .

• الكثير من الخطط والمشاريع الاقتصادية الحالية، تحاول تشتيت الانتباه عن القضايا الأساسية والمسائل الجوهرية أو تتعارض معها .

إن البطالة مشكلة معقدة ومتشابكة، وقد زادت تعقيدا بسبب الإهمال والتعمد في تجاهلها من قبل السلطات الليبية، وقد تؤدى إلى مضاعفات خطيرة في المستقبل، ما لم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة للتعامل معها بالكيفية والطريقة الصحيحة .
________________________________________________

الهوامش :
1- ويكييديا الموسوعة الحرة
2- موقع القانون الليبي- إشراف الدكتورة فائزة الباشا- بيانات وإحصائيات حول البطالة في ليبيا،لمزيد من المعلومات انظر أيضا تقرير منظمة العمل العربية،و جريدة الوطن حول كارثة البطالة في الدول العربية، مجلة الاقتصاد والأعمال دراسات وبحوث عنى البطالة في العالم العربي.
3- نفس المرجع
4- نفس المرجع
5- نفس المرجع
• لمزيد من المعلومات انظر أيضا تقرير منظمة العمل العربية،و جريدة الوطن حول كارثة البطالة في الدول العربية، مجلة الاقتصاد والأعمال دراسات وبحوث عنى البطالة في العالم العربي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home