Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الثلاثاء 23 يونيو 2009

الدولة المدنية
في مواجهة ولاية الفقيه والحكم الفردي

إيران وليبيا نموذجا


موسى عبدالكريم

إن ما يحدث هذه الأيام في إيران أمر في غاية الأهمية ليس للشعب الإيراني فحسب، بل أيضا للمنطقة ككل، وللشعوب العربية على وجه الخصوص لتتعلم منه، وما أ قصده يتعلق فقط بجزئية واحدة ألا وهى قضية المشاركة في التغيير، أي المشاركة من جانب الشعب الإيراني أو الشارع الإيراني، في الأخذ بزمام المبادرة والمساهمة في التغيير أو على الأقل المحاولة في هذا الاتجاه، ورفض حالة الجمود السياسي تحت أي شكل من أشكال السلطة، هذا الجمود أو ما يمكن أن نطلق عليه "التحجر السياسي"، الذي مازالت ترزح تحته جميع الأقطار العربية لفترة تزيد على أكثر من نصف قرن.

وفى ماعدا ذلك فأن السلطة هي" السلطة" سواء لبست عمامة أو زيا وطنيا أو ملابس أجنبية أو غيرها، وسواء اعتمدت ولاية الفقيه "بالاختيار" أو رئاسة الحاكم "بالانتخاب" أو خضعت لأوامر الزعيم أو القائد الذي استولى على السلطة بالدبابة وتشبت بها لنفسه وبمفرده، فالجميع مرتبط في هذه الدول بما يسمى "بالمطلق السياسي" أي في العالم العربي وغالبية دول العالم الإسلامي مع استثناء نسبي في لبنان، وماليزيا وإندونيسيا.

والمطلق أساسه عملية "التقديس" الشديدة، التي تفرض هيبة من يتولى الحكم على بنية التفكير أو(العقل) الجماعي أي لدى الشعوب والرعايا، حتى لو كان الذي يحكم أو يسيطر لا يتمتع بأي أهلية أو جدارة أو خبرة أو معرفة، أو مبدأ وقيم، أو كان معتوها أو مريضا بالنرجسية، أو ارتكب في حق شعبه أو غيره من الشعوب من الأخطاء والمظالم والمجازر الشيء الكثير.

وباسم هذه " الهيبة" يوهب ويحابى ويدان ويشرد ويهدد ويعذب ويسجن ويقتل عشرات أو مئات أو آلاف من البشر، وباسمها أيضا يصبح الإنسان في وطنه منسحقا خائفا منكسرا طائعا مستعطفا، أو طامعا متزلفا منافقا متسلقا كاذبا، أو يختار أن يكون منعزلا كارها ناقما مستنكرا يشعر أنه لا حول ولا قوة له.

النموذج الإيراني لولاية الفقيه الذي يطلق عليه في الغرب اسم " الاتوقراطى"، مع أنه يختلف اختلافا كبيرا عن النموذج البابوي أو الكنسي الذي ساد في العصور الوسطى في أوروبا، ألا انه يتميز بأنه سمح بالحراك السياسي داخل المنظومة العقائدية للفكر الشيعي، مما أوجد ديناميكية وحيوية وفاعلية لم تكن موجودة في النظام الكنسي، وهذه الديناميكية ظلت تغذى الشعب الإيراني وتدفعه للمشاركة بشكل فعال في الشأن العام سواء فى عهد الشاه أو بعده.

ومع ذلك يمكن القول: أنه تحت ولاية الفقيه التي تولت السلطة في أعقاب الثورة الإيرانية تم ضع خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها وقد قبل بها آنذاك أغلبية الشعب الإيراني، ولكن هذه الخطوط الحمراء أصبحت فيما بعد ومع مرور السنوات، عائقا ومعوقا نحو المزيد من الانفتاح من وجهة نظر التيار الإصلاحي، بل إن ما يعرف بالجيل الثالث أي جيل ما بعد الثورة تجاوز ذلك، ليصنف الوضع القائم على أنه جمد التطور السياسي والاجتماعي للشعب الإيراني، وبالتالي فهو يبحث عن وسيلة للاقتراب من شعارات الدولة المدنية، ولو كان ذلك عن طريق تأييد التيار الإصلاحي في تحدى حالة الجمود السياسي.

وفى هذا الإطار ينبغي الإشارة إلى نقطتين ذات دلالة خاصة وهما:

الأولى: أن آية الله منتظري أحد أبرز رموز الثورة الإيرانية، كان أول من عارض احادية آلرأى منذ السنوات الأولى للإمام الخميني ،... وهو ما يزال على نفس الموقف الذي قد يجعله أبعد قليلا من التيار الإصلاحي، واقرب ما يكون من فكرة الدولة المدنية.

والثانية: أنه مهما قيل حول هذه التظاهرات العارمة التي شهدتها شوارع طهران، فإنها بلاشك دليل تفاعل وحيوية ديموقراطية يندر بل و يستحيل وقوعها في أي من عواصم العالم العربي.

إن لعبة التوازن السياسي التي سمح بها النظام الإيراني في إطار المنظومة الشيعية الواحدة، بإمكانها أن تسمح أيضا بظهور الاجنحة وتعطى هامش من استقلالية القرار، الذي قد يدفع بعض السياسيين إلى استغلاله ليصبح عنصرا جوهريا، لنجاح شرعيتهم في الداخل.

ولعل الأيام والأسابيع القادمة سوف تكشف مدى قدرة أي طرف من الأطراف، على فرض أجندته والسيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات.

وفى هذا السياق نجد تكالب الأنظمة الغربية في محاولاتها لـتأييد التيار الإصلاحي في إيران أو الشارع الإيراني، لا تنطلق من موقف مبدئي بدافع حماية الديمواقرطية وحرصها على إقامة الدولة المدنية، بل من أجل مصالحها السياسية والإستراتيجية في المنطقة، ويبدو التناقض بالنسبة لهذه الأنظمة الغربية أكثر وضوحا في ازدواجية المعايير و المواقف و زيفها، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، و بحالة التحجر السياسي في ليبيا، وحقوق الشعب الليبي، ولعل موقف معظم إن لم يكن جميع هذه الأنظمة من نظام القذافي الاستبدادي الدكتاتوري، على مستوى التعامل والاستقبال والإعلام لا يحتاج إلى دليل.

النموذج الليبي للحكم الفردي الذي ولد بعد انقلاب سبتمبر العسكري كان تكريسا حقيقيا للاستبداد والفوضى، التي أنجبت التخلف بجميع ممارساته وصوره، وعرقلة أي شكل من أشكال التطور التدريجي أو العقلاني "للنظام السياسي"، بل وللحياة السياسية برمتها في ليبيا.

ففي ظل عدم السماح بأي هامش للتنوع أو الاختلاف أو التدافع السلمي في داخل المجتمع، تم القضاء على كل شي يمكن أن يحدث تفاعل أو حركية من قبل هذا الشعب أو قواه الاجتماعية، وكان استخدام العنف بشكل تعسفي ومفرط وبصورة غير مألوفة في مواجهه كافة القوى الاجتماعية، عنصرا مهما في عرقلة أي نشاط سياسي أو مدني قد يخلق نوعا من الديناميكية والحيوية في البلاد.

كما أدى فرض "الآراء والأفكار" الأحادية لرأس "النظام" على المجتمع الليبي ككل، ليس لتنظيم قواعد اللعبة السياسية إذ لم تكن هناك أصلا لعبة سياسية، بل لخلق حالة من التحجر السياسى والجمود الفكرى والتفرد والاحتكار لسير العملية السياسية بطريقة غير مسبوقة، تحت تسميات دعائية لأشكال سياسية كرتونية فاقدة لأدنى فاعلية ومصداقية (المؤتمرات واللجان الشعبية )، بل الأدهى من ذلك حتى هذا الشكل الهش للسلطة السياسية، العاجز من ناحية الأداء والقدرة على اتخاذ قرارات باستقلالية، فرض عليه رقابه اللجان "الثورية"، التي تدين بالولاء للقذافي شخصيا إمعانا في التحكم و تكريسا للسيطرة الفردية.

أما عن المحاولات الفردية أو الجماعية إلى تمت طوال السنوات الماضية، من أجل تغيير حالة التحجر السياسي في ليبيا، والعمل للاقتراب ولو قليلا من الدولة المدنية فقد اصطدمت بعدة حقائق منها:

أحادية تفكير القذافي وعقليته الاستبدادية التي لا ترى سوى المطلق في كل شي، والنرجسية المفرطة التي تزين لصاحبها الإحساس بالتفوق إلى درجة جنون العظمة، وسيطرة المحنطين ) نفس الاشخاص والوجوه ) المستفيدين من بقاء "النظام" على المشهد العام في ليبيا ، وتدنى الإرادة الشعبية إلى مستوى يمنع التحرك الجماعي، وبروز حالة الانسياق شبه التام من غالبية المجتمع في انتظار المجهول.

الفرق بين النموذجين الإيراني والليبي شاسع، فالاول يتمتع بديناميكية وحيوية مستمرة، تظهر على السطح لتمارس دورها الحقيقى فى الاوقات المفصلية أو العصيبة، و بالتالى فأن احتمالات وصول نظام ولاية الفقيه إلى مرحلة الدولة المدنية فى المستقبل يصبح أكثر توقعا، سواء من خلال دور النخب التى تبرز و تبادر ويلتف حولها ألانصار والمؤيدين، أو عبر الجيل الجديد الذي بات يخاطر لدرجة المطالبة بتغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة،

في حين أن" القواعد" التي تحكم المشهد السياسي في ليبيا هى سلبية وتفتقد الى أدنى حد من الحيوية والمخاطرة، أو حتى الجرأة والقدرة على المبادرة، واختارت الكثير من ان النخب الجلوس على طاولة الا مبالاه، واصبحت القضايا المهمة والجوهرية بالنسبة للمجتمع الليبي، لاتشكل أى الحاحا يجدر الاهتمام به والالتفات اليه، ودب ألياس والاحباط فى اوصال الجيل الجديد صاحب المصلحة الحقيقية فى الاستفادة من أى تغيير، وتخلى هذا الجيل عن دوره فى المبادرة والمشاركة فى تحريك الشارع من اجل استعادة الحقوق المسلوبة من قبل السلطة الاستبدادية، لذلك فأن الوصول الى مرحلة الدولة المدنية قد يستغرق وقتا طويلا.

و ما ينطبق على ليبيا ينطبق على أغلبية العالم العربي والإسلامي، مع الاستثناءات التي أشرنا إليها، هي جميعها واحدة، ولكنها تتفاوت في الحدة واللين، وفى الهوامش المفتوحة أمام الشعوب من قطر إلى آخر، ليبقى السمت العام ممثلا في غياب الحيوية والديناميكية الجماعية للإسراع بالمطالبة بإقامة الدولة المدنية الدستورية، حيث المساواة والعدل والحريات الاجتماعية والسياسية الاقتصادية، وهذا ما أخر العالم العربي حتى الآن من أن يرتقى فعليا داخليا، و يقدم ولو إسهاما بسيطا في التطور والتقدم العالمي.

كما ننوه الى أن الحديث عن إقامة الدولة المدنية لا يعني غياب الكثير من مظاهر التسلط أو التفرد أو التلاعب السياسي لأطراف وقوى عديدة فى مثل هذه الدولة، ولكن يظل هذا النموذج نسبيا هو أفضل الموجود لإدارة شؤون المجتمعات لقدرة القوى الديناميكية والحيوية على التصحيح والمراجعة والتدخل بالتغيير.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home