Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الأربعاء 17 ديسمبر 2008

مظاهرات اليونان والمشهد الليبي

موسى عبدالكريم

"كان ومازال الإيمان بالإنسان بأنه أهم كائن في العالم الطبيعي ومعيار الأشياء جميعها، وسيد قدره"*

الذين تابعوا المظاهرات العارمة التي اندلعت ومازالت حتى الآن، في مختلف المدن اليونانية، وعلى الأخص في العاصمة "أثينا" ومدينة "تسالونيك"، والتي شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين من مختلف الفئات والقطاعات ، يدركون المعنى الحقيقي الذي تعبر عنه هذه المظاهرات، والذي ينطوي على معاني القيمة الإنسانية، ومغزى الحرية والإرادة والقدرة على التحدي وتحديد المصير .

وإذا كان الإنسان يعد أهم الكائنات التي خلقها الله على الأرض، والمحافظة على حياته وصيانتها، تعتبر أهم قيمة في أي مجتمع من المجتمعات البشرية، فان المعنى الأساسي لهذه المظاهرات ليس فقط الاحتجاج على مقتل فتى يبلغ من العمر خمسة عشرة عاما، على يد قوات الأمن اليونانية، ورفض عنف السلطة ممثلة في أمنها، وإنما يؤكد على القيمة التي يوليها الشعب اليوناني لحياة الإنسان، وأهمية الفرد المواطن مهما كانت الفئة العمرية التي ينتمي إليها، ومهما صغر أو كبر دوره في المجتمع، باعتباره مواطنا لا يمكن الاستهانة بحياته وإزهاق روحه ببساطة، دون أن يتعرض من قام بذلك للعقاب والحساب .

أما المغزى الحقيقي لهذه المظاهرات فهو يكمن في الحرية، وفى حق الإنسان في أن يعبر عن ذاته، وان يكون صاحب فكر و رأي وموقف فيما يدور في بلده، الذي يعيش ويشترك فيه مع الآخرين غيره ، كما أن حرية الإنسان وأفعاله واختياراته وقراراته ينبغي أن تكون نابعة من إرادته الحرة، التي تقوم على العقل وتعبر عن إدراكه ومسؤوليته، تجاه نفسه وتجاه هؤلاء الآخرين الذين يشاركونه في الوطن.

الحرية تعنى خلاص الإنسان من كل صور القهر و العسف والطغيان السياسي، وتحرر الشعور الإنساني من كل القيود التي تكبل حريته وتشل إرادته.

هذه المظاهرات هي تفعيل فعلى للإرادة الحرة للمجتمع اليوناني، وحقه في التصدي لما يراه ظلم وعسف وقع على احد أبنائه، ورفض في نفس الوقت للأمر الواقع بكل ما يشوبه من عيوب وتشوهات، قد أثرت في المجتمع اليوناني سياسيا واقتصاديا، وأنتجت الكثير من الفساد، وانحدار في مستوى التعليم والصحة والخدمات العامة، وارتفاع نسبة البطالة في المجتمع، وعجز الحكومة اليونانية عن معالجة التدهور الاقتصادي الذي انعكست أثاره على غالبية المجتمع.

هذه المظاهرات هي في حقيقة الأمر تعبير عن القدرة على التحدي وتحديد المصير، أي قدرة المجتمع اليوناني، بان يعمل من اجل تحديد مصيره بشأن من يقوده أو يحكمه، ورفضه لما هو قائم من سلطة الحكومة، التي يراها مسؤولة عن الحالة المتردية التي وصل إليها هذا المجتمع.

وهكذا تتواصل المظاهرات لمقتل فتى واحد في اليونان، فهل قيمة وأهمية الإنسان تختلف من بلد إلى آخر!!؟

في المشهد الليبي تبدو الحالة شديدة الاختلاف، وتبعث على الأسى و الحزن العميق، فلقد قتل العشرات بل المئات، على يد سلطات القذافي وأعوانه، ومع ذلك فلم يحدث أي رد فعل طبيعي وعفوي، على إزهاق أرواح الليبيين من قبل أبناء الشعب الواحد، مما يجعل المرء يتساءل: هل أصبح الليبيين يعيشون في جزر معزولة عن بعضهم البعض، وفقدوا الإحساس بالآخرين وبما حولهم تحت مقولة "أخطى رأسي وقص"؟.

لقد جرى التخلص من المئات من الضباط والجنود أكثر من مرة، بحجة القضاء على المحاولات الانقلابية ضد القذافي، وقتل الطلاب في الجامعات وعلقوا على أعواد المشانق في الساحات والميادين ، ومات العشرات وربما المئات، بعضهم نعرفهم وبعضهم قد لا نعرفهم، تحت التعذيب في السجون والمعتقلات، كما تم القضاء على الآلاف في حرب تشاد الخاسرة، دون أن يجرؤ أحد على تحديد مسئولية أي طرف من أطراف السلطة الذي يتحمل مسئولية ما حدث في تشاد، بل أن جريمة سجن أبو سليم التي راح ضحيتها أكثر من 1200 سجين سياسي، ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، و أخيرا قتل الشباب والأطفال في أحداث 17 فبراير 2006م، ومع ذلك لم يتحرك ولم يتظاهر أحد من أجلهم.

كل هذه الأحداث والجرائم تطرح الكثير من الأسئلة حول مشاعر وإنسانية الشعب الليبي، وهل هو شعب واحد، أم أن كل فرد منهم يمثل شعبا بنفسه، لا علاقة ولا صلة له بالآخرين الذين يعيشون معه في نفس الوطن، وعلى نفس الأرض وربما في نفس المدينة أو القرية أو الشارع.

أن المرء ليتساءل هل فقد الإنسان الليبي أهميته بالفعل في المجتمع الذي يعيش فيه؟ وهل حياته لا قيمة لها ولا تساوي أي شيء؟ وهل فقد الشعب حريته في القيام بأي عمل للاعتراض على ممارسات السلطة الخاطئة وأفعالها الظالمة!! وهل أصبح الشعب الليبي منذ انقلاب القذافي مسلوب الإرادة وعاجز عن التحرك للتصدي لكل ما تعرض له ويحاك ضده؟.

قد تكون الإجابة على هذه الأسئلة ليست بالأمر الهين أو السهل، ولكن ما هو محير بالفعل هو كيف كان نفس هذا الشعب، وقواه الاجتماعية بمختلف فئاته وقطاعاته تتحرك وتتظاهر، بل وتتصدى لبعض سياسات وممارسات النظام الملكي التي كانت ترفضها أو تختلف معها!؟.

هل كان هامش الحرية المتاح آنذاك والقيم الأخلاقية، التي تحكم التعامل بين أبناء الشعب الليبي حكاما ومحكومين، هي أفضل مئات المرات مما هي عليه الآن؟ أم أنه لا يوجد وجه مقارنة بين ذلك العهد وهذا العهد!!..

الكل يقر بأن العنف الذي مارسته ولا زالت تمارسه سلطات القذافي، فاق أي تصور إنساني وعقلاني ولم يعد هذا العنف، يمس المواطن الفرد بل أصبح يمس كل من له صلة بهذا المواطن الفرد، الأسرة والأهل والأقارب والأصدقاء وربما حتى الجيران.

إن المرء يزداد حيرة وهو يتساءل عن الفرق بين الجيل الذي ولد قبيل الاستقلال والعهد الملكي وبعده، وبين الأجيال التي ولدت قبيل الانقلاب وبعده، هل هو الفرق بين الجيل الحي والأجيال الميتة؟

الجيل الحي الذي كان يتفاعل بمشاعره الصادقة وبحبه لوطنه، وبرغبته في أن يرى هذا الوطن في أفضل صورة، فيتظاهر ويعبر عن رأيه في كل القضايا الداخلية والخارجية، جيل يملك الإحساس بالوطن الذي يعيش فيه وبما يدور فيه و حوله من قضايا ومشاكل.

و أجيال أخرى ميتة، ليس بمعنى الموت الحقيقي أي بمغادرة هذه الدنيا، بل بمعنى أجيال ماتت مشاعرها و أحاسيسها وحبها للوطن، وفقدت قدرتها على التصدي للظلم والفساد والخراب.

أجيال تنازلت عن حريتها أو سلمتها طوعا، وصارت مجرد عبيد في جماهيرية خرافية لم ولن تحقق شيء للإنسان الليبي على أرض الواقع، أجيال فقدت الإرادة الحرة، وعجزت على أن تجد موضع قدم لها في وطن يحترم حق المواطنة ، ورضت أن تتجرع الذل والهوان من أجل أن تعيش وهي في حالة موت.

أجيال فضلت أن تعيش على هامش الحياة لا حاضر ولا مستقبل ، وقبلت أن تصبح مهمشة الأدوار ، تنتظر عطايا وهبات الحاكم الطاغية ، ليتصدق عليها بأقل من ابسط حقوقها!! ، وتستجديه لحل مشاكلها وهي تدرك انه هو من أوجدها وهو السبب في استمرارها.

أجيال ترى بأم عينها كيف يتقاسم الجلاد وأبناءه السلطة والثروة ، وكيف يُسخّرون الآخرين لخدمتهم وتقبيل أرجلهم والتمسح بأعتابهم ، بمقابل أو بدون مقابل.

أجبال لا تميز بين الخبيث والطيب ، ولا بين ألطالح والصالح ، ولا بين الخير والشر ، ولا بين الظلم والعدل والمساواة ، بل إنها تمادت في غيها والتمست له الأعذار من دماء ضحاياه.

الآن وفي هذا الوقت بالذات والعين تدمع والقلب يتفطر، نحن جميعا نرى ونسمع أهالي ضحايا سجن أبو سليم، وهم يقفون وحدهم ولا أحد يحرك ساكنا، وكأن هؤلاء قد جاءوا من كوكب آخر من خارج مجموعتنا الشمسية، المشاعر تبلدت والضمائر ماتت، ويبدو انه لن يتحقق شيء كما قال الله في محكم كتابه الكريم "إنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ".

الشعب اليوناني يكاد أن يخرج على بكرة أبيه من أجل مقتل فتى ، وأهالي ضحايا سجن بوسليم (1200شهيد) يخرجون في تظاهرة بميدان الشجرة ، فهل لهم أن يتوقعوا أن تستيقظ الضمائر لتؤازرهم وتتظاهر معهم قريبا؟


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home