Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الثلاثاء 17 فبراير 2009

الطبقة الطفيلية*

موسى عبدالكريم

فى البداية قد يتسأل البعض كيف يمكن ان تكون هناك "طبقية" - بالمعنى المتعارف عليه فى المجتمعات الاوربية - فى مجتمع صغير كالمجتمع الليبى، وهوالذى لم يصل بعد فى تطوره المادى الى مرحلة فرز الطبقات الاجتماعية، بالشكل الذى حدث فى اوربا؟ وبمعنى اخر كيف يمكن ان توجد "طبقة " فى ليبيا، وهى التى لم تعرف مراحل التحول من النظام الاقطاعى الزراعى، ولم تمر بالمرحلة التجارية، ولا بالثورة الصناعية ولابالرسمالية، تلك المراحل التى مرت بها وعرفتها الدول الاوروبية!

فى الحقيقة ان ما حدث فى ليبيا هو حالة كارثية فريدة من نوعها، بل حالة شاذة تمت فى ظل ظروف غير طبيعية وغير شرعية، ادت الى افراز طبقة مستفيدة الى اقصى الحدود، بسبب وجود الوضع السياسى الاستبدادى واستمراره الى الان.

فهذه "الطبقه" الطفيلية ظهرت فجأه للوجود على حساب الشعب الليبى، وقامت بامتصاص دمه والاستيلاء على ثروته، لانها تستند على العلاقة العضوية مع راس السلطة، او كونها "طبقة" تمثل السلطة او هى جزء منها، وعلى علاقة وطيدة بالمتنفدين فى السلطة.

وتتكون هذه الطبقة من جزء صغيرمن القذاذفة بمافى ذلك ابناء العمومة، قيادات اللجان الثورية وبعض المتنفذين فيها، قيادات أجهزة الأمن الخارجى وبعض قيادات الأمن الداخلى، وأعضاء اللجنة الشعبية العامة من الثوريين وغير الثوريين، وفى مرحلة لاحقة أنظم الى هذه الطبقة مجموعة من الانتهازيين الذين ظهروا "كارجال أعمال" جدد.

النشأة :

تشكلت الملامح الاولى لهذه "الطبقة" فى اعقاب الانقلاب العسكرى، وتركز السلطة فى يد القذافى الذى استعان بالاقارب والاصهار والاعوان على المستوى القبلى، وقد ساعد على صعود هذه الطبقة الطفيلية، حالة انعدام الثقة التى كان ومازال يعانى منها راس السلطة، والخوف من فقدان الحكم والثروة الهائلة التى يسيطر عليها.

لقد سرعت عملية خلخلة المؤسسات والاجهزة القائمة وتهميش ادوراها، والتخلص من المخلصين العاملين فيها، من بداية التنامى لهذه الطبقة لتحل محل الأجهزة الرسمية للدولة، خوفا من ان تشكل هذه المؤسسات بعض مراكز القوى، التى قد تتصدى لما يحدث من تخريب متعمد.

لقد استغلت هذه الطبقه الطفيلية الكثير من الازمات، التى وقعت فى البلاد وزادت من دورها لخدمة اهدافها الخاصة وطموحاتها الشخصية، على حساب معاناة الليبين وتردى احوالهم على كافة المستويات.

كان واضحا من البداية تأثير تدفق النفط على عناصر السلطة، للاحتفاظ بالحكم بشكل هلامى يغيب الدولة بمؤسساتها واجهزتها القانونية والادارية، ويخلق بدلا منها هياكل وأطر شكلية وعديمة الفاعلية، مع العلم أن هؤلاء القادمون يفتقدون الى الخبرة والتجربة وغياب الكفاءة العلمية والفكرية والثقافية، ولايعرفون سواء جملة من الشعارات الجوفاء التى تبث انها لم تحل اى مشكلة على مدى اربعين عاما.

انعكست اثار هذا التغير الذى جاء بالطبقة الطفيلية على كيفية انفاق عائدات النفط، على ما يسمى بخطط التنمية والمشاريع التنموية وقطاع الخدمات وكذلك فى مسألة شراء الاسلحة، التى لم يستفيد منها الشعب الليبى ولم تفلح فى صد اى عدوان ولا تحقيق نصر عسكرى.

الأنقلاب العسكرى كان مهتما بالدعاية السياسية له الى درجة الجنون ويريد ان يبث للناس انه يقوم بأنجزات "كبرى" مثل مصنع كل شهر اومشروع زراعى اوغيره، دون الاهتمام بدراسة الجدوى الاقتصادية، ومدى توفر الخامات والايدى العاملة المدربة والفنيين، وامكانية استفادة الشعب الليبى من ذلك على المدى البعيد، وقد انتهت معظم تلك المشروعات الى الفشل الذريع، واهدار الالاف من الملايين دون جدوى اواى نتائج تذكر.

منذ المرحلة الاولى لهذه "المشروعات" وماتلها من مراحل، لعب المساسرة والباحثين عن الثراء السريع، خاصة الذين ارتبطوا بشكل اواخر بعناصر السلطة والعاملين فيها من النافدين، دور مهما فى الحصول على اكبر قدر من هذة الصفقات "الوغمة"، وكذلك تقاطر على البلاد اعداد كبيرة من الوسطاء والسماسرة العرب، من عدد من الانظمة العربية بما فيهم بعد المتنفدين فى هذه الانظمة، وكذلك بعض المغامرين الاجانب من مختلف الدول الاوروبية الغربية والشرقية، وشرع الجميع فى اكبر عملية استنزاف للثروة الليبية تحت مختلف التسميات مستخدمين كل وسائل التحايل، فى ظل غياب اى شكل من اشكال الرقابة والمتابعة.

تصاعد دور الطبقة الطفيلية

نشط دور هذه الطبقة فى فترة التأميمات التى قامت بها السلطة، للاستيلاء على الممتلكات والعقارات والشركات والموسسأت الخاصة بما فى ذلك المصانع الصغيرة، وكذلك على الاراضى ومحلات التجارة، وعلى الاموال المودعة فى البنوك، وغنم المتنفدين فى السلطة واعوانهم واتباعهم بما فى ذلك قيادات "الثوريين" جزء كبير من هذه المتلكات والاراضى الخاصة والأموال.

كانت حالة الفوضى العارمة وعمليات القمع والارهاب والترويع، التى مورست على قطاع كبير من الشعب الليبى أثناء فترة التأميمات، قد فتحت الابواب على مصراعيها للمزيد من النهب والسلب تحت الشعارات الجوفاء التى لم يستفيد منها سوى هذه الطبقة الطفيلية.

ولم تمضى سوى سنوات قليلة حتى فرض على ليبيا ما اسمته السلطة انذاك بالحصار الاقتصادى، رغم ان هذا "الحصار" لم يشمل تصدير النفط الذى يمثل العائد الرئيسى للدولة كما لم يشمل الحصار منع السفن التجارية من نقل مختلف البضائع والمنتجات والمعدات، من الوصول الى الموانى الليبية، وانما اقتصر الحظر على الطيران المدنى ووصول الاسلحة والمعدات العسكرية الى ليبيا .

فى هذه المرحلة جاء دور الكذب والتزييف التى استخدمها القذافى، عبر اجهزته الاعلامية والاقلام المأجورة، التى استطاع شرائها فى العالم العربى وفى اوربا، لتوظيفها للترويج لخطورة "الحصار الاقتصادى" المفروض على ليبيا، ليقوم بفرض اقصى درجات التقشف على الليبين تحت حجة "الحصار" فى الوقت الذى كان بعض افراد اسرته يهدرون الملايين فى العواصم الاوروبية. حجة الحصار هذه استخدمها القذافى ايضا لايقاف الكثير من الخدمات، واهمال العديد من الانشطة التجارية والحيوية فى البلاد، فى جميع القطاعات والمجالات بصورة وصلت فى بعضها الى حد الايقاف، وبالطبع كانت هذه هى الفرصة الذهبية للطبقة الطفيلية، لكى تستغل معاناة الشعب الليبى وتزيد من مكاسبها وارباحها بدرجة خيالية، فى صفقات بموافقة السلطة دون مراعاة لمواصفات الجودة او الصلاحية وبدون اى رقابة، وبأسعار مضاعفة عدة مرات، كما قامت هذه الطبقة بتهريب جزء من أموالها إلى الخارج وإداعها في البنوك الأجنبية أو استثمارها في بعض الأعمال تحت أسماء وهمية أو لأفراد من اسرهم أو أبنائهم.

في عام 1988، كان واضحا أن جملة من الضغوط الخارجية والداخلية، بدأت تزداد حول "النظام" خاصة بعد فشل معظم مشروعات السلطة الإقتصادية والتنموية، وأزدياد حالة التذمر من الأوضاع المعيشية المتردية للغاية، واحتمال حدوث ردة فعل شعبية غير محسوبة أو متوقعة في البلاد، الأمر الذي دفع بالسلطة الحاكمة إلى القيام بنوع من الإنفراج الإقتصادي المحدود للغاية.

تكالب الطبقة الطفيلية :

استغل المتنفذين بالسلطة عمليات الإستيراد، بعد أن تم السماح بها وقفزوا بسرعة البرق على هذا القطاع، واستغلوا وظائفهم ومراكزهم وعلاقاتهم وسطوتهم، في السيطرة الشبه الكاملة على الإستيراد من الخارج.

حاول بعض رجال العمال والتجار الليبيين العودة إلى نشاطهم السابق، من أجل توفير الكثير من احتياجات السوق الليبية من مختلف المنتجات أو المعدات بأسعار معقولة، غير انهم اصطدموا بالأتوات المفروضة عليهم وبالحصص والنسب المالية المطلوب دفعها مقابل الإفراج على ماجلبوه من الخارج عبر الموانىء الليبية.

لم يكن أمام هؤلاء التجار ورجال العمال سوا أحد أمرين، إما القبول بدفع الرشاوي والحصص أو فقدان حقهم في ممارسة نشاطهم، لقد وصل الأمر إلى درجة التهديد بمصادرة ماجلبه هؤلاء التجار ورجال الأعمال أو تدميره بالكامل أو تركه في مكانه حتى يفقد صلاحيته، وقد رضخ الكثير منهم لهذا الواقع المرير، فى حين رفض بعض رجال الاعمال والتجار هذا الأمر الغير عادل وغادروا البلاد.

لم يقف السطوا والإختلاس من هذه الطبقة الطفيلية عند حد معين، بل أنضم إليها أعداد اخرى من المستفيدين الذين أخذوا بالتلاعب في أموال البنية التحتية، وإنشاء المدارس والمستشفيات، وإصلاح الطرق وتشييد المساكن، وغيرها من الخدمات ومايمكن أن نطلق عليهم المشروعات الصغيرة، فقامت هذه الطبقة بمضاعفت الأسعار التي تتقدم بها بشكل كبيرجدا، حيث يتم إعطاء جزء من المبالغ كارشاوي إلى المتنفذين بالسلطة الذين يمنحونهم هذه المشروعات والعمليات.

كما قام أبناء المسؤلين والمتنفذين في السلطة بإحتكار إستيراد السيارات بمختلف أنواعها ومارسوا على أبناء الشعب الليبي كل اساليب التحايل والمماطلة، فضلاً عن الأسعار المضاعفة من أجل حصولهم على السيارات، والقصص حول هذا الموضوع التي تروى عن الطبقة الطفيلية توضح مدى الإستغلال والجشع والطمع الذي تجاوز كل الحدود ولم يجد المواطن من يحمية من هذا العسف ويرد له حقوقة.

فى هذه المرحلة قامت جمعية سيف ثم بعد ذلك جمعية عائشة القذافى بأستيراد الكثير من المنتجات والمواد والمعدات لحسابهما دون أن يتم دفع اى رسوم جمركية عليها ودون التعرض لأى نوع من التفتيش او التعطيل، وتم بيع وتوزيع هذه المنتجات والمواد والمعدات بأسعار لاتخضع للمنافسة.

في مرحلة لاحقة قام أبناء هؤلاء المسئولين والمتنفذين في السلطة بما في ذلك أعلى مستوى فيها، بإحتكار معظم الماركات العالمية من البضائع والمنتجات المستوردة بمختلف أنواعها، بدءا ً من الثياب والعطور والأثاث والأحذية والملابس الرياضية والمعدات الصناعية ومختلف الأجهزة الألكترونية، وانتهاءا بشركات الهاتف النقال وأجهزته.

وليس بعيدا ً عن هذه الدائرة، قام الذين انخرطوا في العمل مع السلطة القائمة في مختلف مستوياتها وهياكلها الشكلية "المؤتمرات واللجان الشعبية، ورؤساء المؤسسات والشركات، ومدراء الأقسام لجميع الأجهزة"، بتوظيف وجودهم في هذه الأطر أو على رأسها، للقيام بعمليات اختلاس ونهب لثروة الشعب الليبي بطرق غير مشروعة عبر مشروعات وهمية، وكشوفات بأسماء للموتى، للحصول على مرتباتهم، أو تحت بنود الدعاية السياسية للسلطة القائمة عبر عقد المؤتمرات واللقاءات والإجتماعات وتبادل الزيارات والوفود.

وفيما يتعلق بالتعاطي والتعامل مع الشركات الأجنبية التي جاءت للعمل في ليبيا وصل الأمر إلى الحد الذي لايسمح به لهذه الشركات للحصول على تنفيذ أى مشروعات أو أعمال في ليبيا، إلا بعد أن تقوم هذه الشركات الأجنبية بدفع ملايين الدولارات كرشاوي إلى عناصر هذه الطبقة الطفيلية المرتبطة بالسلطة مباشرة.

في قطاع النفط :

هذا القطاع هو تجسيد حقيقى لمأساة ليبيا، بسبب سيطرة القذافي شخصيا عليه بالكامل ،مع السماح لابنائه وعدد محدود من أبناء العمومة والأصهار، بالتصرف بمبالغ فلكية من عائدات النفط اهدارا واسثمارا وايداعا فى البنوك الاجنبية، دون اى اعتبار للشعب الليبى صاحب الحق الشرعى فى عائدات النفط، كما ان التحكم فى كيفية الانفاق واوجه هذا الانفاق هى ايضا بالكامل فى يد القذافى.

وفى هذا القطاع ايضا تمت عمليات سلب ونهب من قبل الذين يتولون الشركات النفطية،والاسثمارات الليبية الخارجية وكل مايرتبط بصناعة ومعدات النفط،، بالاضافة الى الاموال والرشاوى التى يحصلون عليها، كما ان المتنفدين فى السلطة وبعض التكنوقراط من الذين اثروا من جراء ذلك، قد اسسؤا لانفسهم شركات ومؤسسات استشارية بأسماء وهمية اوتحت اسماء ابنائهم او اقاربهم اوشركاء غير معرفين للحصول على المزيد من المكاسب والارباح.

ولهذا السبب وغيره من الاسباب لم يحدث اى تقدم او تطورفى ليبيا على مدى اربعين عاما، لان الاهتمام منذ اليوم الاول للانقلاب العسكرى لم يكن منصبا على خدمة الشعب الليبى والرقى به والنهوض بالدولة، وانما خدمة الاهداف والطموحات الشخصية لمن يسيطرون.

ان هذة الطبقة الطفيلية تعيش على ثروة الليبين ، كما يعيش اللصوص على مايسلبوه من الاخرين، واللصوص باستمرار لايتخلون عما سرقوه من غيرهم الا اذا وقعوا تحت طائلة القانون، والى ان يجد القانون طريقه الى ليبيا نصا وتطبيقا، ويتساوى امامه الحاكم والمحكوم عندئد يمكن للشعب الليبى ان يرى الخير.
________________________________________________

* الطفيلي : هو الذي يعيش على الكائن الحي الآخر ، والطبقة الطفيلية في ليبيا تعيش على حياة الليبيين .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home