Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الأثنين 11 مايو 2009

قضية سجن أبو سليم واللجوء للقضاء الدولي

موسى عبدالكريم

مقدمة:

سبق للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية، في إطار رصده ومتابعته لجريمة سجن ابو سليم أن قام باصدار بيانات وتصريحات عدة، كان من اهمها البيان المتعلق باعداد حيثيات القضية لتقديمها الى المحكمة الدولية المختصة، بعيدا عن تدخل القذافى واجهزته، وفى هذا المقال نلقى المزيد من الضؤ على دواعى واسباب اللجؤ الى القضاء الدولى * .

. في خضم الآاراء والإجتهادات التي تثار حول جريمة سجن أبو سليم ، والتي راح ضحيتها أكثر من 1200 سجين ليبي سياسي في29 يونيو من عام 1996 م، وفي ظل شح المعلومات والحقائق التي تقدمها سلطات القذافي أو تخفيها، يعيش أهالي وذوي الضحايا ظروفا غاية في الأسى والألم والمعاناة بسبب غياب الحقيقة، ويتعرضون لشتى أنواع الضغوط ومختلف الممارسات اللا قانونية، من أجل إجبارهم على القبول" بالتسوية" التي تريد أن تفرضها سلطات القذافي عليهم ، وتحاول دفع الكثير منهم على الأخذ بهذه" التسوية" المجحفة تحت ما يعرف بـ "الدّيــة " .

وفي غياب شبه تام للقضاء الليبي في مجريات هذه القضية، سوى من محاولات قام بها بعض القضاة و المحامين الشرفاء، فإن الطريق بدا مسدودا امام معرفة الوقائع والحقائق، الأمر الذي يفتح الباب امام ضرورة اللجوء إلى القضاء الدولي، وهنا تبرز الحاجة الى توصيف وتعريف جريمة سجن أبو سليم ،باعتبارها إحدى الجرائم التي ترتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
و يمكن التعرف على ما اتفق عليه الكثير من فقهاء القانون والمشرعين وخبراء القانون الجنائي في توصيف الجرائم التي ضد الإنسانية " على أنها تلك الجرائم التي يرتكبها أفراد من دولة أو سلطة أو جماعة ما ضد أفراد آخرين من دولتهم أو من غير دولتهم، بقصد الإضرار المتعمد ضد الطرف الأخر، وذلك بمشاركة آخرين سواء كانوا أجهزة رسمية أو جماعة أو أفراد، ضد مدنيين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العرقي أو الاجتماعي أو لأسباب أخرى للاختلاف " (1) ويرى هؤلاء المختصون أن هذه الأفعال غالبا ما ترتكب ضمن تعليمات " شفهية أو كتابية"، يصدرها من يمسك بزمام السلطة ومن يعملون في خدمته من أجهزة أمنيه أو جماعات أو أفراد .

ووفقا لهذا التوصيف يقع في دائرة المذنبين كل من " مصدري التعليمات والمحرضين والمنفذين لها بشكل مباشر ، وكذلك الساكتين عنها على الرغم من علمهم بخطورتها وبأنها تمارس ضد أفراد أوجماعة من المدنيين في المجتمع ، ولا يهم إن كان ثم إعتداء واحد أو أكثر" (2) .

وجاء في المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في تعريف الجريمة ضد الإنسانية" بأنها أي فعل من الأفعال التالية متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق، أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وهذه الأفعال هي :
1- القتل العمد
2 الإبـــادة
3 - الاسترقاق
4- الإبعـــاد
5- السجن
6- التعذيب
7 الاغتصاب
8- الاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية وسائر الأفعال غير الإنسانية الأخرى" (3) .

ومن خلال هذا التعريف يمكن القول، بأن سلطات القذافي وإن لم تقم بهجوم واسع النطاق على المساجين في سجن ابو سليم، إلا انها اقدمت وبطريقة منهجية على قتلهم وهم مدنيون عزل، كما أنه من بين الأفعال التي أقر " التعريف " دخولها في دائرة الجرائم ضد الإنسانية، نجد أن هناك على الأقل أربعة من الأفعال ارتكبتها سلطات القذافي، ليست على الترتيب الذي ورد في التعريف السابق، وهي : الاضطهاد لأسباب سياسية، السجن والاعتقال، التعذيب، القتل العمد.

في أواخر الثمانينات ( 1988) رفعت شعارات عن الانفراج السياسي، من قبل راس السلطة تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية التي كانت تواجهها سلطته، وتم إطلاق سراح عددا من المعتقلين السياسيين، غير أن الأمر لم يلبث طويلا فلم يكد يطل عقد التسعينات حتى بدأت سلطات القذافي في اعتقال المئات من الليبيين بحجج مختلفة، وتم على الفور إيداعهم في عدد من السجون والمعتقلات، ليجري بعد ذلك تجميعهم في سجن أبو سليم في ضواحي مدينة طرابلس، حيث تعرض هؤلاء السجناء لصنوف متنوعة من سوء المعاملة والإهمال، والتعذيب، ورفضت مطالبهم بتحسين أحوال اعتقالهم ،ا والسماح لأهاليهم بالزيارة وتوفير الرعاية الصحية والغذائية اللازمة لهم، كما رفض حقهم في توكيل محامين للدفاع عنهم أمام محاكمة تتمتع بالشروط القانونية اللازمة، وانتهى الأمر إلى قتلهم عمدا جميعا في ساعات محدودة.

الآن وبعد مرور 13 عام على وقوع مذبحة سجن أبو سليم، يتم إبلاغ أهالي وذوي الضحايا عن وفاة أبنائهم على دفعات وفى فترات زمنية متفاوتة، فهل الأساليب التي اعتمدتها سلطات القذافي في معالجة هذه القضية، جعلتها تعتقد أن الظروف أصبحت مواتية لتحقيق صيغة " تسوية"، يتم فرضها على أهالي وذوي الضحايا في شكل صفقة رخيصة، يمكنها أن تنجح كما نجحت الصفقات الباهظة المتعلقة بالملفات العالقة تاريخيا مع دول الغرب، ابتداءً من قضية تسليح الجيش الجمهوري الأيرلندي، ومرورا بقضيتي لوكربي واليو تي اي، واطفال الإيدز، وانتهاءً بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

في الحقيقة إن مسار معالجه قضية ضحايا سجن أبو سليم لابد وأن يكون مختلفا - حتى لو أرادت سلطات القذافي غير ذلك وتمكنت بالفعل من فرض تسوية هزيلة- وذلك لسببيين : أولهما: من يتحمل مسؤولية القتل العمد لهذا العدد الكبير من الضحايا ( 1200 سجين) ، و سلطات القذافي والمنفذين الذين قاموا بهذه المذبحة لم يقروا أو يعترفوا بمسؤوليتهم عنها . وثانيهما: أنه لا يمكن إيجاد تفسير منطقي وعقلي وعادل لهذا القتل العمد، الذي تعرض له هؤلاء المساجين في ظل غياب محكمة عادلة، وتحت أي مبررات وحجج من السلطة.

إن السلطة القائمة وأجهزتها الأمنية تتحمل المسؤولية الكاملة عن الضحايا، لأنهم كانوا في سجونها وتحت قبضتها وفي متناول يدها. فهي من البداية لم تقم بمعاملتهم بالأساليب والإجراءات القانونية المتعارف عليها في سجون الدول المتحضرة، ولم تتح لهم فرصة المثول أمام محكمة على التهم المنسوبة إليهم، بل قامت هذه السلطات بقتلهم عمدا، مما يحملها المسؤولية الجنائية(4) عن هذه الجريمة البشعة. وبالطبع لا يمكن التحلل من هذه المسؤولية أو التحايل عليها مهما مضت السنوات أو تباعدت وفقا للقانون الدولي، و حتى لو نجحت السلطة القائمة في فرض تسوية هزيلة، بما لديها من وسائل الضغط والترهيب في الوقت الحالي، إذ أن المسؤولية الجنائية لا تموت ولا تنتهي بالتقادم، ويمكن إعادة تفعيلها متى سمحت الظروف بذلك أو تغيرت الأوضاع، و من الأمثلة على ذلك "محاكمات نورمبرغ للنازية، ومحاكمات "سفاح صربيا ومحاكمة بينوشيه في تشيلي، وكذلك محكمة تشارلز تايلور على جرائمه في سيراليون" .

أما فيما يتعلق بالمسؤولية المدنية التي الأساس فيها التعويض أو دفع الديّة، حيث يملك من وقع عليه الضرر أو من ينوب عنه حق التنازل أو التصالح أو قبول التعويض، فإن عنصرا مهما فيما يتعلق باهالى وذوى ضحايا سجن بو سليم جرى ممارسته في فرض التسوية عليهم وهو" الإكراه "

ويمكن تعريف الإكراه على" انه حمل الغير على القيام بفعل او التلفظ بقول لا يريده، ولا يسعى لتحصيل آثاره لو ترك وشأنه فيختار فعله اختيارا فاسدا لانه يقوم على الفعل تحت وطأة الخوف والتهديد." وفى ضؤ هذا التعريف فأن الاكراه يبطل اى اقرار او اتفاق لغياب شرط حق الرضا. (5)

وقد أجمع جمهور القانونيين ببطلان الاتفاق في حال الإكراه، لآن المكره يخشى تهديد السلطة وأجهزتها أو أفرادها، له أو لأسرته وذويه كما يخشى الاعتداء على عرضه وماله أو غيرها من أنواع الأذى .(6)

أما علماء الشرع فقد قالوا ببطلان أي إقرار أو اتفاق تم تحت وطأة الإكراه ، لقولهم" من أقر أو تنازل عن حق تحت الإكراه كان قراره أو تنازله باطلا ولا ينشأ به أي حق من الحقوق" (7)

إن سلطات القذافي تمارس" الإكراه" الآن على أهالي وذوى الضحايا، من خلال ضغوطها المختلفة للقبول بالدية،و من خلال فرض وساطات شيوخ قبائل الضحايا ، والزج بما يسمى بالقيادة الاجتماعية الشعبية وبعض الأعيان، أو من خلال التهديد بإلحاق الأذى لمن لم يقبل التسوية .

وبما إن وضعية هذه القضية مختلفة بسبب خصوصية الجريمة وضخامة عدد الضحايا،فان تأثيراتها المستقبلية على التوازن والانسجام الاجتماعي، في المدى البعيد أو ربما حتى في المدى القريب، ستكون كبيرة فثأر المئات من هؤلاء الضحايا لا يمكن أن تعالجه تسويه هزيلة، وسيبقى الثأر منتظرا الفرصة المناسبة لتحقيقه، كما أن القبول بالتسوية المفروضة، يعني إقرار وترسيخ لسابقة تعد جريمة جنائية حتى لو بررت سلطات القذافي بأنها قامت بالتسوية من خلال إقرار ما يسمى بالمسؤولية المدنية .

إن القضاء الليبي في ظل السلطة القائمة لن يستطيع التصدي لتداول هذه القضية، وممارسة دوره في حدود اختصاصاته وفى إطار ولايته، لوقوعه تحت ضغوط السلطة وغيا ب معايير النزاهة والإنصاف والاستقلالية، وعليه فأنه يصبح من حق اهالى وذوي ضحايا سجن ابوسليم او من ينوب عنهم، اللجوء إلى القضاء الدولي حتى يمكن البث في هذه القضية بما تقتضيه العدالة.

*ولما كان القضاء المحلي في ليبيا غير قادر على معالجة هذه القضية وفقا للمعايير الدولية المنصوص عليها في كافة المواثيق والعهود الدولية ذات العلاقة وبما يكفل تحقيق العدالة بالنسبة لذوى الضحايا وذلك نتيجة للظروف الأمنية التي تقف حائلا دون تحقيق هذه الغاية فانه أضحى من حق أهالي الضحايا اللجؤ للقضاء الدولي المختص حيث أن ذلك الأمر متاح حتى ولو لم يتم الفصل في هذه القضية عن طريق القضاء المحلى وفقا للاستثناء الوارد على هذا الشرط كما مبين في نص المادة الخامسة من البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن تقديم شكاوى من قبل الأفراد. وفى هذا الصدد بادرت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية الإجراءات القانونية بالشروع في إعداد ملف خاص بهذه القضية، وبتكليف مكتب محاماة مختص تمهيدا لعرض القضية على القضاء الدولي المختص.


________________________________________________

1- انظر ويكييديا الموسوعة الحرة،منشورات الرابطة الليبية لحقوق الانسان،28 يناير 2057،نشرات مكتبة منظمة العفو الدولية1 أغسطس2000،وليم جورج نصار، مفهوم الجرائم ضد الانسانية فى القانون الدولى،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،عدنان السيد حسين،صحيفة الحياة،لندن،الجرائم ضد الانسانية بين المسؤولية والتنصل،سوسن تمرخان جرائم ضد الانسانية،منشورات الحلبي الحقوقية.
2- المحكمة الجنائية الدولية، أركان الجرائم 2002، نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية 1998.
3- منشورات المحكمة الجنائية الدولية
4- موقع القانون الليبي،إشراف د. فائزة يونس الباشا،انظر أيضا صحيفة الرياض،15 سبتمبر 2005،مجلة العلوم الجنائية، اليمن، عبده محمد الصيادى،الفرق بين المسوؤلية المدنية والمسوؤليةالجنائية فى الجريمة السياسية.
5 - الموسوعة العربية، المجلد الثالث، العلوم القانونية والاقتصادية، 427 ص
6- موسوعة القانون المشارك الجامعية، جوريسبيديا، تونس،الفصل 50 ص 332.
7- زاد المعاد،احاديث الاكراه-صحيح البخارى،باب بيع المكره ونحوه فى الحق وغيره.

ملاحظات : حول الاضطهاد السياسي والتحريض على العنف والاعتقال والتعذيب والقتل العمد.
يشير المتتبعون للشأن الليبي إلى أنه منذ خطاب زواره الذي ألقاه القذافي عام 1973، وعطل فيه القوانين والتشريعات بدأت الكثير من مظاهر، الإضطهاد السياسي وممارسة الإعتقال والسجن التعسفي والتعذيب اللاانسانى والقتل العمد، تبدو واضحة للعيان وكسياسة منهجية للسلطة.
لقد مارس راس السلطة في ليبيا من خلال خطاباته الرسمية، التحريض والدعوة للاضطهاد السياسي والتصفية الجسدية، ضد الخصوم السياسيين وأصحاب الآراء والأفكار والاجتهادات المخالفة أو الأصوات المعارضة له،واصدر تعليماته الشفهية إلى الأجهزة الأمنية واللجان الثورية، للمشاركة الفعلية في الإضطهاد السياسي والاعتقال والسجن التعسفي وممارسة التعذيب والقتل العمد، وهو ما حدث بالفعل في داخل البلاد وخارجها على امتداد عقدي السبعينيات والثمانينيات .
ومنذ ذلك الخطاب حدثت تغيرات جوهرية مست كافه جوانب الحياة الطبيعية للشعب الليبي، حيث تعرض الكثير من أبنائه أفرادا وجماعات ليس فقط للحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، بل وإلى الإتهام بالخيانة والتشكيك في ولائهم ووطنيتهم.
كما شكلت قرارات مؤتمرات وملتقيات اللجان الثورية التي تعقد سنويا، وكان يحضرها القذافي أو من ينوب، عنه دعوة صريحة لمزيد من الاضطهاد السياسي والاعتقال والتعذيب والقتل العمد، وبدأت تطبيقاتها في الجامعات والمعاهد فيما يسمى باحتفالات 7 أبريل من كل عام .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home