Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mousa Abdelkarim
الكاتب الليبي موسى عبدالكريم

الثلاثاء 5 يناير 2010

مؤتمر الشعب الخاص جداً!!

موسى عبدالكريم

ظاهرة الاستخفاف بالناس وبعقولهم يبدو أنها قد وصلت إلى قمتها!، فلم يعد هناك أى اعتبار للشعب الليبي يمكن أن يوقف من يتلعبون بمصيره الحاضر وبتطلعاته المستقبلية، وأن اخطر ما فى ظاهرة الاستخفاف أنها تعد من أشد صور التحقير للانسان، الذى خصه الله بالتكريم في حياته، فهي تغتال الفكر والعقل وتحيل المواطن إلى مجرد ألعوبة في يد من يتسلط عليه.

ففي الوقت الذي لا يملك فيه المواطن الليبي حريته السياسية، ولا حقوقه المدنية، وتجري أمام أعينهم اكبر عمليات النهب والتبديد لثروتهم الوطنية، ولا يتمكنون من المشاركة فى صياغة حاضرهم وإدارة شؤونهم من خلال مؤسسات دستورية، يستمر التعامل معهم وفق منهج الاستخاف المذل، الذى يؤكد على استبدادية مكشوفة لاتتورع عن التستر على قراراتها ولا أفعالها، بل وتمعن كل يوم فى تقديم صورة من الصور الممنهجة لقتل كرامة المواطن الليبي، ومسخ شخصيته وتحطيم ارادته، لكى يستمر انسانا ذليلا مستضعفا دائم الانقياد، يمكن التأثير فيه وتشكيله وفق ماتريد السلطة دون تعليل أو مناقشة أو رفض.

وهاهو العام 2009 يمضى ويطل علينا عام 2010 وشعبنا الليبي، مازال يعيش وسط ركام من الشعارات الفضفاضة المزركشة بالأكاذيب والدجل والمقولات الرنانة، وتقدم له المعلومات المزيفة التى يراد منها المحافظة على واقع هو شديد التخلف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتنمويا؛ تخلف صحي وتعليمي وخدمي وكذلك تقني وثقافي وإعلامي و.. و..، هو تخلف نوعي وليس كمي بعدد ماهر متوفر بل بنوعية ماهو متوفر حتى لو كان المتوفر قليلا، ومع ذلك يستمر الاستخاف بالمواطنين وبعقولهم. بل إن الاستخفاف بهذا الشعب قد تعدى ذلك ووصل إلى استمرار لعبة فرض الأمر الواقع عليه، من خلال تكريس عملية الثوريت عبر ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية مما يمثل فى حقيقة الأمر قمة الاستخفاف بارادة المواطنين والعبث بها.

إن المتأمل في أكذوبة ما يسمى دولة الجماهير بمؤتمراتها الشعبية ولجانها وتوابعها ، تحت رداء ما يسمى (السلطة الشعبية) لايكتشف حقيقة جديدة، بل تتأكد له جهاراً نهاراً أن هذه (المؤتمرات) هى ليست من اجل خدمة الشعب الليبي وادارة شؤونه، بل هى لخدمة الحاكم وحاشيته أى انها من الناحية الواقعية هى مؤتمرات الشعب الخاص جداً جداً، لانها خاصة بالقذافي وعائلته وأبناء عمومته والعديد من أفراد القبيلة بمختلف فروعها، وعلى سبيل المثال لا الحصر نظرياً يقال من فلاسفة وجهابذة الانقلاب وكتابتهم أن فكرة القرارات والمشاريع تأتى من المؤتمرات الشعبية أى من (القاعدة الشعبية) فى كل المدن والمناطق والقرى الليبية، ثم يتم صياغتها وبلورتها فى قرارات تصدر من مايسمى بمؤتمر الشعب العام هذا نظرياً، ولكن فعلياً، كل شئ يولد أو يموت ويظهر للوجود أو يختفي، يتم طبخه واعداده وفرضه من قبل القذافي ولا أحد غيره، ومهمة هذه المؤتمرات أن تضع بصماتها بالموافقة على كل شئ يأتيها من القذافى، فالشخصنة وارده فى شئ ولايمكن استبعادها ولا تجاهلها ولا التغاضى عنها، واخرها قراره بتعيين ابنه سيف لقيادة ليبيا الذى جاء فى شكل (توصية) ولكنها واجبة التنفيذ من رأس السلطة الى التابعين فى المؤتمرات . و يمكن للقارئ الكريم إلقاء نظرة تاريخية أو القيام بجرد تاريخى لكل القرارات والتوصيات التى صدرت قبل وبعد مما يسمى بمؤتمرالشعب العام، والمتعلقة بجميع القضايا الداخلية والخارجية لكى يتبين له أنها جميعها، من "فكر" وصنع القذافي شخصياً وتحت غطاء ما فرض زورا وبهتانا باسم ( الشرعية الثورية ).

ففي داخل البلاد، من يستطيع ان يتخذ قرارا بتغيير اسم الدولة؟ وشكل ولون علمها الرسمي والنظام السياسى وتركيبته (بدءاً بالاتحاد الاشتراكي ثم مروراً بالسلطة الشعبية وأخيراً القيادات الشعبية الاجتماعية؟) وكذلك كل قرارات إنشاء المليشيات العسكرية من (اللجان الثورية ولجان التصفية الجسدية والحرس الثوري والراهبات الثوريات وأشبال وبراعم وسواعد الفاتح و..و.. وغيرها)، وكل القرارات والتوصيات التى تتعلق بالحياة الاقتصادية ومناطق إقامتها، من مشروعات (اقتصادية وتنموية، بترولية وصناعية وزراعية، وتأميمات واستيلاء على الممتلكات الخاصة ولجان التطهير، وتجويع الليبيين بحجة الحصار الاقتصادي، وشركات وأجهزة الاستثمار الأمنية والثورية وتحويل مئات الالاف من المواطنين الى موظفين فى الدولة ثم طردهم) وكل القرارات والتوصيات (بالقتل والسحل والتصفية والشنق والاعتقال والسجن و..و..) وكل القرارات الاجتماعية التى تتعلق بحياة المجتمع الليبي وخلخلة تركيبته ونسيجه الاجتماعى، (من تفضيل واحتواء أوابعاد وعزل للقبائل، وتجنيد المواطنين والطلبة واذالالهم، وتدمير الاسر الليبية وتصنيفها والتشهير بها والتشكيك فى اصولها، وارغام الفتيات والبنات القاصرات على التدريب العسكري!، أو دخول الكلية العسكرية مع استثناء ابنته عائشة من كل ذلك، والسماح بعمليات الاجهاض، و.. و..) والقرار باختيار أى المدن تكون العاصمة (سرت أو الجفرة أو طرابلس!!)، أو تلك التي ينقل اليها كل النشاط الاقتصادي والسياسي، أو تلك تتمتع بالحظوة فتنقل إليها الإدارة وتعمر ويصبح سكانها مواطنون درجة أولى، ومن يستطيع غير القذافى ان يقرر قتل 1200 سجين سياسى فى ساعات قليلة!، ومن غيره يعطل القضاء الليبي ويفسده، ومن يحرم الليبيين حق الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، وحق التجمع وإنشاء الجمعيات الأهلية، وحق إقامة وتكوين المؤسسات السياسية بدلا من دكاين المدح والاسترزاق ووثائق الدم والتأييد تحت الخوف والتهديد أو الانتهازية والوصولية.

وفى الخارج نجد أن كافة علاقات ليبيا الخارجية وحروبها ومشكلاتها يقررها القذافي وحده، ولم يكن للشعب الليبي أى دور أو يد فى تقرير نوع وشكل هذه العلاقة، فمثلا مع مصر فى عهود عبدالناصر والسادات من الوحدة الى الحرب عام 1977 ثم مع مبارك تأرجح بين الابتزاز والمساومة، ومع تونس برقيبة وحدة ثم هجوم قفصة، ومع زين العابدين (شيلني وانشيلك!)، ومع سوريا الاسد وحدة ثم كذبة القذافي للذهاب للجولان بمفرده ثم مع بشار تباعد ونفور، ومع السودان نميرى والترابي وحدة ثم اختلاف وضرب أم درمان ومحاولة فصل الجنوب السوداني، ثم مع البشير تغلغل وابتزاز، ومع ملك المغرب الحسن نفور وتلاسن ثم اهداء ليخوت وتسليم لاجئين سياسيين، ومع الجزائر بومدين تمسكن ومع الشاذلى بن جديد تعارض وتخلى عن البولسياريو ومع بوتفليقة تبادل مصالح، ومع السعودية توتر دائم، وفى افريقيا من غير القذافى يمكنه أن يتخذ قرارات المشاركة فى كل الحروب والتدخلات العسكرية، من أوغندا إلى تشاد إلى تمويل كل حركات التمرد والانقلابات العسكرية، الى استخدام الاموال والثروات الليبية لشراء ذمم الوزراء والموظفين وضباط الجيش والاجهزة الامنية وكبار الموظفين الرسميين، وفى اوروبا من غير القذافى يستطيع ان يتخذ قرار توريط ليبيا فى تمويل الجيش الجمهوري الايرلندي، ومن يستطيع أن يصدر الأمر باسقاط الطائرة الامريكية بان آم فوق لوكربي، والفرنسية يو تى آى فوق صحراء النيجر، وغيرها من القرارات التى يصعب حصرها فى عجالة.

إذن، هذه المؤتمرات لاعلاقة لها بقرارات الشأن الداخلي ولا الخارجي، وإنما تبدأ وظيفتها وتنتهى بالموافقة والتوقيع على كل ما يطلب منها، وكذلك التوريث طلب من القذافي مفروض على "المؤتمرات الشعبية "، وهو ليس اختياراً شعبياُ، وانما طلب يقوم على قاعدة التزكية الابوية، التى تنطبق على اصحاب الولاءات ولاتنطبق على اصحاب الكفاءات، فلا خيار اخر امام هذه المؤتمرات سوى الموافقة، ولكن بالمقابل لكى يبرهن سيف القذافى على مدى استخفافه بهذه المؤتمرات وقراراتها، أخذ طائرته الخاصة وحرسه وذهب لقضاء سهرات احتفلات رأس السنة فى نيوزلندا، غير مكثرت بتوجيه الاستهانة والاستخفاف والاهانة لإعضاء هذه المؤتمرات التابعة لابيه بالكامل.

لقد جرت الأعراف والتقاليد حتى فى أسوأ وأعتى الدكتاتوريات، التي عرفها العالم أن يقوم ممن يريد ان يتحمل مسؤولية ادارة شؤون شعبه ولديه برنامج (تنموي- تحديثي) على رأى أبيه، أن يكون متواجد بين هذه المؤتمرات "الشعبية" ووسطها لاشعار اعضائها باهمية ما يقومون به ولو شكلياً أو ظاهرياً، لكن تصرف سيف القذافى وقيامه بمغادرة البلاد للاحتفال برأس السنة هو اهم وافضل بالنسبة له، من قرار سوف يصدر من مؤتمرات الشعب الخاص يدرك أنه لابد وأن تتم الموافقة عليه، لانه بأمر من أبيه وهى أوامر واجبة الموافقة والتنفيذ حسب وثيقة الشرعية الثورية!.

أن سفرسيف بهذه الطريقة يدل ايضا على عدم أهمية وهامشية ما تقوم به هذه المؤتمرات من مهازل، فهي لا تقدم ولا تؤخر فى مجريات العملية السياسية وليست مؤسسات سياسية بالمعنى الحقيقي، ولا تملك حق النقاش ولا النقد ولا الاعتراض، باعتبارها مجرد أدوات شكلية يستخدمها القذافى متى شاء وكيفما يشاء، للبصم على قراراته وأوامره ولاعلاقة لها بالاختيار الشعبى ولا مايسمى بالسلطة الشعبية، وسفر سيف القذافي وفى هذا الوقت بالذات يؤكد على أن اعضاء هذه المؤتمرات هم مجرد عبيد فى مزرعة ابيه لا أهمية ولا اعتبار لهم، فالفاصل الاول والاخير والوحيد هو قرار القذافي ومايريده.

إن ما يمكن أن يخلص إليه غالبية الشعب الليبي بعد تجربة أربعة عقود من حكم القذافي، هو أن المؤتمرات الشعبية وعلى رأسها مؤتمر الشعب (العام)، لاتمت بصلة الى عموم الشعب الليبي، ولكنها قد تكون عامة فى الدخول اليها والخروج منها ولكنها خاصة، في التعيين والتصعيد لمناصبها وخاصة جدا جدا فى اتخاذ القرارات الكبرى.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home