Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ibrahim Salem
الكاتب الليبي محمد ابراهيم سالم

الخميس 18 فبراير 2010

مع الاحداث (2)

نظام الخدمات الامنية القذرة

 
محمد ابراهيم سالم

 

 

طالعت مثل كثيرين غيري[1] ما تناولته بعض المواقع الاكترونية الليبية وغيرها حول إتهام صحفي ليبي يدعي فتحي مختار بن عيسى ( محسوب على جماعة الاخوان المسلمين في ليبيـا وعلى صحيفة ليبيا اليوم الالكترونية وعلى المخابرات الليبية في آن واحد ) بالتورط في عملية تجسس لصالح الموساد الاسرائيلي أسهمت في اغتيال أحد القادة العسكريين في حركة حماس بإمارة دبي يوم 19 يناير الماضي 2010م.

 

وفور فراغي من قراءة ما ورد بتلك المواقع حول الموضوع وجدتني استعرض في ذاكرتي شريطاً طويلاً من " الخدمات الأمنية القذرة التى قامت بها مخابرات القذافي ( التى تعرف أحيانا بإسم هيئة أمن الجماهيرية وأحيانا أخرى بالأمن الخارجي ) على امتداد العقود الأربعة الماضية والتى طالت واستهدفت العديد والعديد من الشخصيات والمنظمات والحركات من مختلف التوجهات والالوان والانتماءات ( الايدولوجية والفكرية والسياسية والدينية ) على امتداد قارات العالم، وأخذت شكل الاغتيالات والتصفيات، الجسدية وعمليات التجسس وجمع المعلومات عنها وتبادلها مع طالبيها ، كما أخذت أحياناً أخرى شكل إشعال الفتن وخلق الصراعات والانقسامت داخل هذه المنظمات والحركات أو توريطها في أعمال ونشاطات تؤدي إلى كشفها وتسهيل ملاحقتها وضربها من قبل ملاحقيها. وفي الغالب الأعم كان المستفيد من هذه الخدمات القذرة التى قامت بها مخابرات القذافي هو أجهزة المخابرات الغربية  التى جاءت بالقذافي إلى الحكم و أسهمت في المحافظة على بقائه فيه ، او تلك الاجهزة والجهات التى ينشد عندها القذافي أن تقدم له " نجدة " تسعفه للخروج من أزمة من الأزمات التى يواجهها ، أو أن تقدم له خدمة قذرة مماثلة في مواجهة خصومه وأعدائه .

 

* * *

 

لقد ضم سجل الخدمات القذرة التى قدمتها مخابرات القذافي لهذه الأجهزة الدولية الكثير من " العمليات " لعل اشهرها في مجال اغتيال الشخصيات ( إما بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق تسريب المعلومات التى تساعد في تنفيذ عمليات الاغتيال) عملية اغتيال أمين اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الالماني الموحد المستر فريزلامبريز وعدد من رفاقه أثناء قيامهم بزيارة رسمية لليبيا في مطلع شهر مارس 1978م.[2] ، وعملية اغتيال رئيس وزراء ايطاليا الاسبق ورئيس الحزب الديمقراطي المسيحي المستر آلدو مورو بروما بتاريخ 05/05/ 1978م. ، وعملية تغييب واغتيال الامام موسى الصدر ورفيقيه أثناء زيارتهم لليبيـا التى بدأت يوم 25/08/1978م.  وعملية اغتيال القائد الفلسطيني خليل ابراهيم الوزير ( ابو جهاد ) في تونس يوم 16/04/1988م. وعملية اغتيال أمين عام حركة الجهاد الفلسطينية الدكتور فتحي الشقاقي يوم 26/10/1995م.          

 

أما عمليات جمع وتوصيل المعلومات السرية التى تحصل عليها مخابرات القذافي من خلال علاقاتها مع مختلف الشخصيات والمنظمات الحركات ( المخدوعة  في القذافي ومخابراته ) فلا حصر ولا حد لها وتزداد هذه العمليات كلما وجد القذافي نفسه في أزمة أو ورطة سياسية خارجية ورأي – أن الخروج منها – هو أن يقدم المزيد من هذه العمليات. ويذهب البعض إلى ان هذه المهمة ( مهمة جمع المعلومات عن كافة حركات التحرر والرفض والمناوأة والمعارضة بشتى اشكالها وتوجهاتها وفي مقدمتها الفلسطينية والاسلامية وتقديمها الى الاجهزة الامنية الغربية كانت في مقدمة المهام التى انيط بالقذافي واجهزته المخابرتية القيام بها ، وربما كانت أحد " الاسباب " من أجل انجاح انقلابه وتمكينه من الاستيلاء على السلطة في ليبيـا وهناك مؤشرات عديدة إلى أن القذافي استخدم عدداً من سفرائه لدى الاتحاد السوفيتي وبعض دول ما كان يعرف بالكتلة الشرقية ( خلال حقبة الحرب الباردة ) ولدى بعض الدول الأخرى ( ايران مثلاً) في مهمة التجسس ونقل المعلومات الامنية عنها لصالح المخابرات الامريكية على وجه التحديد ( من أشهر هؤلاء السفراء سعد مجبر الذي عين سفيراً لدي الجمهورية الاسلامية الايرانية أكثر من مرة وعبدالوهاب الزنتاني الذي عين سفيراً لليبيـا لدى الاتحاد السوفيتي في عام 1974م.) بل هناك من يذهب الى الاعتقاد بأن القذافي قام بنفسه بهذه المهمة ( جمع المعلومات وتقديمها إلى اسياده ) بشأن الحالة الصحية للرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر ونواياه تجاه استئناف القتال مع اسرائيل[3].

 

لقد شهدت عملية جمع المعلومات والاسرار عن  الشخصيات والمنظمات التى تتعامل مع المخابرات الليبية وتقديم هذه المعلومات إلى من يطلبها من أجهزة المخابرات الغربية رواجاً مفضوحاً و غير مسبوق خلال فترة تولى موسى كوسة لرئاسة جهاز الامن الخارجي في أواخر عام 1994 وبخاصة منذ ظهور أزمة لوكربي ومساعي القذافي للخروج من تلك الازمة بأي ثمن. وكان من أبرز الامثلة في هذا المجال المعلومات الغزيرة والحساسة التى سلمها النظام الى جهاز المخابرات البريطاني  MI6  في أواخر التسعينات حول الجيش الجمهوري الايرلندي . إن ما قام به نظام القذافي بتقديمه من معلومات واسرار عن طريق كوسة ومساعديه الى الاجهزة الغربية جعل احد المتعاونين السابقين مع مخابرات القذافي يصرخ قائلاً " لقد غدر القذافي بنا جميعاً "

 

* * *

 

وإذا توقفنا عند القضية الفلسطينية بالذات – وهي موضوع بحثنا في هذه المقالة – نجد أن القذافي قد وجه جزءاً من نشاط مخابراته لتنفيذ أقذر العمليات بحق زعمائها وقادتها ومختلف تنظيماتها . ولم تقتصر هذه العمليات على مجرد التجسس عليها وجمع المعلومات عنها وتقديمها لمن يطلبها في تل أبيب أو في العواصمم الغربية الأخرى، ولا على الوقيعة والفتنة بين مختلف فصائل وحركات المقاومة الفلسطينية ، بل تجاوز ذلك الى تقديم المعلومات والاسرار وغيرها من الخدمات القذرة الأخرى ( كالاستدراج مثلا) مما سهل على إسرائيل القيام بعلميات أغتيال لعدد من القيادات الفلسطينية.

 

ففي مجال تقديم المعلومات عن نشاط المنظمات الفلسطينية يمكن الاكتفاء بإيراد المقتطف التالي من كتاب " مدافع أية الله.. قصة ايران والثورة " للإستاذ محمد حسنين هيكل[4]

 

" كان التعاون بين السافاك [ مخابرات شاه ايران ] ومخابرات البلدان الأخرى بما في ذلك المخابرات الفرنسية والاسرائيلية والامريكية يكلف الشاه مبالغ طائلة ، لكن العائد كان مرتفعاً . ومن بين الأشياء التى وجدت بعد الثورة [ ثورة الخميني في فبراير 1979م. ] في مقر قيادة السافاك وفي القصر وفي بعض السفارات بالخارج تسجيل لمناقشة تمت بين العقيد معمر القذافي والدكتور جورج حبش عن خطط الجبهة لتحرير فلسطين . وقد تم النقاش في خيمة في الصحراء ، ومن المؤكد أن اختيار هذا المكان ليتم فيه اللقاء تمّ حتى يمكن التأكد بشكل مطلق أنه مكان آمن ..."

 

          ولا يخفى أن لهذا المقتطف دلالته الجلية التى لا تحتاج إلى المزيد من البيان والايضاح[5]

 

أما فيما يتعلق بالدور الذي لعبته مخابرات القذافي في مجال تقديم " الخدمات" ( من معلومات وتسهيلات) التى مكنت عملاء الموساد من تنفيذ جرائم اغتيال عدد من القادة الفلسطينيين البارزين ، فسأكتفي في هذه المقالة بالتوقف عند عملية اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي بمدينة "سليما " بمالطا يوم 26 اكتوبر 1995. وتتلخص وقائع حادث اغتيال الدكتور الشقاقي كما يلى:[6]

 

o  شرع القذافي منذ مطلع شهر سبتمبر 1995 وبشكل مفاجئ ولأسباب غير ظاهرة في عملية  ترحيل قسرى للفلسطينيين المقيمين في ليبيـا إلى اراضي السلطات الفلسطينية ( قدر عددهم  بنحو ثلاثين الف شخص) . وقد علقت أعداد كبيرة منهم على الحدود بين ليبيـا ومصر . وقد استقبلت هذه الخطوة بالاستياء والاحتجاج من قبل معظم الدوائر العربية والفلسطينية ، كما سعت عدة جهات وبشتى الطرق لدي القذافي مؤملة أن يعدل عنها.

 

o  وجّه القذافي دعوة فردية ( وليست جماعية ) الى عدد من الفصائل الفلسطينية المعارضة لمفاوضات السلام مع اسرائيل للقدوم إلى ليبيا.

 

o  نشرت صحيفة " الحياة " اللندنية وبالبنط العريض في صدر عددها الصادر يوم 24/10/1995 أن الدكتور فتحي الشقاقي وطلال ناجي ( نائب أحمد جبريل زعيمم الجبهة الشعبية – القيادة العامة) وأبو موسى( زعيم فتح – الانتفاضة ) موجودون في ليبيـا[7] في محاولة لإقناع القذافي بوقف إبعاد الفلسطينيين من ليبيـا.

 

o  غادر طلال ناجي طرابلس الى دمشق يوم 23/10/1995. في حين أن أبو موسى غادر طرابلس الى دمشق يوم 25/10/1995.

 

o  كان الدكتور الشقاقي يعد العدة ليسافر مع أبي موسى يوم الاربعاء 25/10/1995 ( كان قد أمضى في طرابلس عشرة أيام ) ، غير أنه تلقى بعد منتصف ليل الثلاثاء (24/10/1995 ) في فندقه الذي يقيم فيه مكالمة هاتفية من مسؤول أمني ليبي كبير يبلغه بأن القذافي يرغب في مقابلته لأمر هام وأن الموعد لتلك المقابلة بعد ظهر الاربعاء 25/10/1995 الأمر الذي ادى الى ان يؤجل سفره الذي كان يزمع القيام به في ذلك الوقت.

 

o  أفادت التقارير الصادرة عن مصادر مقربة من الشيخ أسعد بيومي التميمي مؤسس حركة الجهاد الاسلامي الفلسطيني أن الشقاقي التقى يوم 25 أكتوبر مع القذافي الذي طلب منه أن يصدر بياناً يدين فيه السلطة الفلسطينية والعملية السلمية لا سيما وأن القذافي أخبر الشقاقي بأن نهج التقارب الجديد بين حركة الجهاد والسلطة لا يعجب ليبيا. كما تقول هذه المصادر أن الشقاقي رفض تلبية الطلب الليبي، كما رفض تأييد موقف القذافي في سياسته بإبعاد الفلسطنيين عن ليبيا. كما افاد تقرير آخر أن اللقاء بين القذافي والشقاقي جرى في خيمة القذافي وكان صاخباً منذ البداية وأثار فيه القذافي بحدة عدة موضوعات هامة جداً وحاسمة لمستقبل علاقة ليبيا بالحركة [ حركة الجهاد].

 

o  في يوم 26 اكتوبر وصل الدكتور الشقاقي الى مدينة (سليما)  بمالطا قادما اليها من طرابلس ( كان يحمل جواز سفر ليبي بإسم ابراهيم شاوش) وبعد ساعات قليلة من وصوله أطلق عليه النار مسلح يمتطي دراجة نارية فأرداه قتيلاً على الفور ولاذ الجاني  بالفرار . ووصفت الشرطة المالطية العملية بأنها من عمل " قاتل محترف " . وقد رجحت الشرطة أيضاً أن قتلة الشقاقي قد رافقوه في رحلته من ليبيا.

 

o  على الرغم من أن الشرطة المالطية أعلنت يوم 27 اكتوبر 1995 عن جريمة القتل التى وقعت في اليوم السابق وذهب ضحيتها مواطن ليبي يحمل إسم " ابراهيم شاوش " ، إلا أن المخابرات الليبية لاذت بالصمت لأكثر من ثلاثة أيام ولم تعلن عن هوية ابراهيم شاوش ولم تقم بإبلاغ قيادة حركة الجهاد بمقتل رجلها.

 

كان ذلك ملخص ملابسات حادث اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا يوم 26/10/1995م. ، وإثر وقوع الحادث نقلت وكالة رويتر يوم 28/10/1995 عن مصادر حركة الجهاد الفلسطيني بغزة ( مسقط رأس الشقاقي) : أن المخابرات الاسرائيلية الموساد[8] بمساعدة المخابرات الامريكية هي التى نفذت عملية اغتيال امينها العام.

 

غير أنه لم تمض بضعة أيام على التصريح الذي نقلته وكالة رويتر حتى شرعت عدة دوائر فلسطينية مسؤولة في توجيه اصبع الاتهام الى القذافي وجهاز مخابراته بأنه ضالع مع الموساد في عملية اغتيال الشقاقي. وقد استندت تلك الدوائر في اتهامها إلى ملابسات زيارة الشقاقي الأخيرة الى طرابلس ( طريقة الدعوة توقيتها واصرار القذافي على مجئ الشقاقي بنفسه واسباب استبقاء الشقاقي في طرابلس دون زميليه ) فضلاً عن سلوك سلطات القذافي في أعقاب الاعلان عن اغتيال الشقاقي وفيما يتعلق بإعادة جثمانه إلى دمشق ( وصف موقف السلطات الليبية بأنه لا يتسم بالتعاون الكافي والمتوقع )ز ونثبت من هذه التصريحات:

 

● ما نقلته مجلة " روز اليوسف " المصرية في عددها رقم (3517) بتاريخ 06/11/1995 عن الشيخ أسعد التميمي الذي وصفته بالمرشد الروحي لجماعة الجهاد الاسلامي – بيت المقدس – حيث قال:

 

" أنا اتهم ليبيا قبل الموساد .. سواء بالتقصير المتعمد في حمايته حتى خروجه من مالطا، أو تنفيذ العملية ، أو تسريب معلومات عن تحركاته إلى الموساد"

          وبعد أن أوردت الصحيفة المصرية عن الشيخ التميمي قوله بأن عرفات لديه معلومات عن تورط ليبيا وأنه كان مقتنعاً بها، تابع قائلا:

 

" إن القذافي يحاول إصلاح الأمور مع أمريكا، لأنني لا يمكن أن اتخيل أن شخصاً خطيراً ومطلوباً مثل الشقاقي يقتل بهذه الطريقة البسيطة والساذجة .. لما لم يؤمن الليبيون عودته .. إن ليبيا لها تجربة مع موسى الصدر الذي أختفى بها منذ 17 عاما.. ولم يظهر حتى الان "

 

● كما اوردت صحيفة " القدس العربي " اللندنية الصادرة يوم 31/10/1995 أن " مصادر فلسطينية ربطت بين الخلافات التى دارت بين الشقاقي والقذافي وتوجيه الاتهام للقيادة الليبية " كما نسبت الصحيفة إلى احد قيادي حركة الجهاد الاسلامي الفلسطيني بغزة ( فضل عدم ذكر اسمه ) قوله:

 

" إن الكوادر الداخلية لحركة الجهاد تشير بإصابع الاتهام الى القيادة الليبية فيما يتعلق بمقتل فتحي الشقاقي .. إن العقيد يريد أن يقدم فروض الولاء والطاعة للإدارة الامريكية من خلال اثبات قدرته على تصفية قيادات أصولية فاعلة  في المنطقة .. ولولا ذلك لما قدم العقيد للإستخبارات الامريكية جميع الملفات العائدة للفصائل الفلسطينية التى كانت مقيمة في أراضيه ، ودفع بإتجاه تنظيف ليبيا من التواجد العسكري الفلسطيني"

 

● كما طرحت "صحيفة الشرق الاوسط " اللندنية في عددها الصادر يوم 29/10/1995 جملة من التساؤلات الهامة حول اغتيال الشقاقي صاغتها كما يلي:

 

" ويثير وصول الاسرائيليين إلى الشقاقي في مالطا خلال عودته من ليبيا اسئلة كثيرة مثل كيف تسربت المعلومات عن حركة الشقاقي؟ وهل نجحت اسرائيل في اختراق حركة الجهاد ؟ ومن أين تسرب خبر سفره ؟ هل هو من عناصر مجندة للموساد في ليبيا أو مالطا أو غزة أو قريبة من الحركة في سوريا؟"

 

● اما التقرير الصحفي الذي نشرته مجلة " الوطن العربي " الصادرة بتاريخ 10/11/1995 تحت عنوان " من باع الشقاقي الى الموساد ؟" فيورد ما يلي:

 

" لا يكتفى التيار المتهم لليبيا بجرد تفاصيل اللقاء الساخن الذي جرى بين القذافي والشقاقي بل يطرحون علامات استفهام حول عدد من المؤشرات التى تدفع بعضهم الى القول صراحة أن العقيد القذافي أو بعض اجهزته باعو الشقاقي. ومن ابرز علامات الاستفهامم حول الدور  الليبي  ينطلق المتهمون من التساؤل عن السبب الذي دفع بالشقاقي الى زيارة ليبيا شخصياً فلم يرسل مندوباً عنه مشيرين إلى اصرار الليبيين على مجئ الشقاقي بنفسه . أما التساؤل الآخر فهو ذو جانب أمني يتعلق بكون الشقاقي قد قتل في طريق عودته من طرابلس وأن قتلته كانوا قد رافقوه من ليبيـا إلى مالطا. وإذا لم تكن علامات الاستفهام هذه كافية فيضاف إليها سؤال أثار حتى حيرة المخابرات المالطية والاوروبية وهو لماذا لاذت المخابرات الليبية بالصمت لأكثر من ثلاثة أيام ولم تعلن عن هوية ابراهيم شاوش الذي وجدته السلطات المالطية مقتولاً يوم الخميس بجواز سفر ليبي وهي أعلم الناس بمن يكون. فما سعت طرابلس إلى الاعتراف بوجود مواطن إسمه شاوش ولا حتى قامت بإبلاغ قيادة الجهاد الاسلامي بمقتل رجلها. وهذا ما دفع بكثيرين إلى الحديث عن تواطؤ ليبي في احسن الحالات ."   

 

ثم يخلص تقرير مجلة "الوطن العربي "إلى الاتي:

 

".. وقوع الشقاقي ضحية مؤامرة أطرافها اسرائيل وليبيـا وايران...وإذا كان هناك اجماع على أن منفذي عملية الاغتيال من  الموساد، إلا أن ثمة إجماعاً آخر يؤكد على وجود خونة أو متواطئين لعبوا دوراً في تسليم الشقاقي، سواء عبر تسريب المعلومات عن رحلته وتنقلاته أو ربما من خلال المساهمة في اغتياله لأن عملية قتل الشقاقي شملت وما زالت ملابسات ومحطات غامضة كثيرة تحتاج إلى توضيح"

 

هذه هي ملابسات حادث اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا يوم 26/10/1995. والذي يعنينا هنا هو أن هناك اجماعاُ على توجيه اصبع الاتهام إلى القذافي وجهاز مخابراته على " التواطؤ" مع الموساد في تنفيذ تلك الجريمة . ولسائل ان يسأل الآن ما هو المقابل أو العائد الذي حصل عليه القذافي جراء تقديمه تلك الخدمة القذرة لإسرائيل؟

 

هناك من يعتقد أن القذافي قد حصل على المقابل لتلك الخدمة مقدّماً من اسرائيل. وقد تمثل هذا " المقابل " في المعلومات التي سربتها إليه المخابرات الاسرائيلية في أواخر عام 1994 بشأن الترتيبات والتجهيزات التى كانت تعدها بعض الجماعات الليبية ذات التوجه الاسلامي للدخول في مواجهة مسلحة وحاسمة مع النظام داخل ليبيا وهي المعلومات التى جعلت القذافي يقوم منذ خريف 1994 بنقل " قيادة الأمن الداخلي " لأول مرة إلى مدينة بنغازي حيث تركزت المداهمات التى قام بها النظام منذ شهر مايو 1995 والتى استهدف عدداً من المواقع في المنطقة الشرقية من ليبيا والتى كانت تضم تجهيزات وترتيبات وعناصر تلك الجماعات. وفي اعتقادي الخاص أن ذلك صحيح، غير أن تزويد اسرائيل للقذافي بالمعلومات التى مكنته من توجيه ضربته الى تلك الجماعات لم يكن إلا عربوناً أو جزءاً من الثمن أو المقابل لقيامه بالتواطؤ مع الموساد الاسرائيلي في إغتيال الدكتور الشقاقي . أما بقية الثمن أو العائد الذي قدمته اسرائيل للقذافي مقابل هذا التواطؤ، فقد تمثل في قيام عملاء الموساد بإغتيال المناضل الليبي على أبوزيد[9] داخل متجره وسط مدينة لندن يوم 26/11/1995 ( أي بعد شهر بالضبط من جريمة اغتيال الدكتور الشقاقي) . وليس أدل على أن عملاء الموساد هم الذي قاموا فعلاً بتنفيذ جريمة اغتيال المناضل على أبوزيد أن أجهزة المخابرات البريطانية ، على الرغم مما عرف عنها من خبرة هائلة في كشف مثل هذه  الجرائم، أوقفت فجاءة متابعة تحقيقاتها في الجريمة، وهو ما جعل الاستاذة هدى أبنة السيد على أبوزيد تتساءل في مقالة نشرتها على صحيفة Spectator  البريطانية تتساءل بإستنكار " لماذا يفر قاتل والدي من القضاء والمحاسبة ؟"[10] .

 

* * *

 

بالعودة إلى حادث اغتيال السيد محمود المبحوح أحد قيادي حركة حماس العسكريين والمُلاحق من قبل الموساد الاسرائيلي منذ عام 1989 وإتهام الصحفي الليبي فتحي مختار بن عيسى ( المحسوب على الاخوان المسلمين والمخابرات الليبية في آن واحد ) بتسريب معلومات إلى الاسرائيليين سهلت عملية اغتيال المبحوح بأحد فنادق إمارة دبي يوم 19 يناير 2010م. فإنني ، وفي ضوء ما عرضته آنفاً حول تورط القذافي وجهاز مخابراته في عملية استدراج واغتيال الدكتور فتحي الشقاقي ، على يقين بأن مخابرات القذافي قد قامت فعلاً بتسريب معلومات حول المبحوح سهلت عملية اغتياله بواسطة عملاء الموساد ومن غير المستبعد أن تكون قد قامت بعملية التسريب مستخدمة عميلها الصحفي بن عيسى المعروف (بصلته ايضاً بجماعة الاخوان المسلمين ) ومن غير المستبعد أن تكون المخابرات الليبية هي نفسها التى قامت بالوشاية بفعلة بن عيسى ( عن طريق التسريبات المنشورة بعدد من المواقع الاكترونية ) بهدف أن تبعد الشبهة عن نفسها وان تُلصقها من جهة اخرى بجماعة الاخوان المسلمين في ليبيـا مبتغية خلط الاوراق وخلق الوقيعة بين إخوان ليبيا واخوان غزة وربما بهدف التحضير لتوجيه الاتهام مستقبلا إلى جماعة الاخوان في ليبيـا ( وليس الصحفي بن عيسى وحده ) عندما تجد المخابرات الليبية نفسها متهمة من قبل أطراف عربية وفلسطينية بمساعدة عملاء الموساد في الوصول إلى ضحيتها المبحوح.

 

السؤال الباقي الان هو أنه إذا كانت مخابرات القذافي قد قامت فعلاً بالمشاركة في عملية اغتيال المبحوح ( عن طريق تسريب المعلومات عنه إلى الموساد )، فما هو الثمن أوالعائد الذي حصل عليه القذافي فعلاً او يتوقع الحصول عليه من اسرائيل مقابل هذه المشاركة ؟ هل العائد سياسي؟ أم أنه سيأخذ شكل " خدمة قذرة " يقوم بها جهاز الموساد لمصلحة القذافي وتستهدف حياة معارض أو أكثر من معارضي القذافي في الخارج على غرار ما حدث عندما قامت " الموساد " بإغتيال الشهيد على ابوزيد في لندن يوم 26/11/1995 بعد شهر بالضبط من اغتيال الموساد للشهيد فتحي الشقاقي في 26/10/1995 ؟[11] أرجو من الجميع الحذر، ويبقى الله سبحانه وتعالى خير حافظاً وهو ارحم الراحمين.

 

ولله الامر من قبل ومن بعد. 

 

محمد ابراهيم سالم

MohammedIS45@gmail.com

 


[1]   أنصح القارئ بمطالعة مقال الكاتبة المتميزة الاستاذة " الليبية "  ( لينطق صاحب الحق.. إن السكوت ليس دوماً من ذهب ) والروابط الواردة به

[2]   ذهب ضحية لهذه العملية القذرة كل من السيد طه الشريف بن عامر ( وزير الاتصال ) والسيد أحمد أبوشاقور مدير المراسم بوزارة الخارجية  الاسبق والضابط قائد المروحية العسكرية الليبية وعدد من مساعديه.

[3]   من الحقائق الملفتة للنظر والتى تغيب على كثيرين أن القذافي قام خلال الفترة الواقعة ما بين قيام الانقلاب في الاول من سبتمبر 1969م. ووفاة عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 ( أي فترة لا تزيد عن ثلاثة عشر شهراً) بزيارة عبدالناصر في القاهرة سبع مرات أولاها في الاول من ديسمبر 1969م. وآخرها في منتصف شهر سبتمبر 1970 ( اي قبل وفاة عبدالناصر بأقل من اسبوعين) وهناك من يميل إلى الاعتقاد بأن القذافي كان مكلفاً من قبل الجهات التى جاءت به الى الحكم بتكثيف تلك الزيارات من أجل تحقيق امرين ، الاول : معرفة نوايا عبدالناصر الحقيقية تجاه استئناف القتال مع اسرائيل والثاني : معرفة الحالة الصحية الحقيقية لعبدالناصر بل والمساهمة في تردّيها بإرهاقه بدنياً ونفسياً ( هذا بالاضافة للاهداف الاخرى المعروفة )

[4]   من مشورات دار الشروق ، القاهرة ، الطبعة الثالثة 1982، ص (162-163)

[5]   لا اتصور وجود أحد يعتقد أن مصدر هذا الشريط هو الجانب الفلسطيني وليس الجانب الليبي.

[6]   راجع على سبيل المثال : صحيفة " الشرق الاوسط" العدد الصادر في 29/10/1995 وصحيفة " القدس العربي " العدد الصادر في 31/10/1995 ومجلة روز اليوسف المصرية العدد (3157) بتاريخ 06/11/1995 وعدد الانقاذ الاخباري رقم (7) اكتوبر/ نوفمبر 1995 وعدد الانقاذ الاخباري الخاص نوفمبر 1995.

[7]   كان طلال ناجي وأبو موسى قد وصلا طرابلس عن طريق تونس، اما الشقاقي فقد وصل عن طريق مالطا لأن تونس ترفض مروره بإعتباره زعيما لاحدى الحركات الاصولية ( روز اليوسف – العدد 3517).

[8]   الدكتور الشقاقي موضوع على قائمة المطلوبين من قبل الاسرائيلين بعد عملية " بيت ليد " التى قتل فيها 21 جندياً اسرائيليا ونفذتها الجهاد الاسلامي. روز اليوسف 06/11/1995.

[9]   المناضل الشهيد على أبوزيد كان عضواً قيادياً في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وكان في مقدمة المطلوبين من قبل القذافي وأجهزته بإعتبار أنه أحد المناضلين الذين لعبوا دوراً هاماً في تمكين فدائيي الجبهة من دخول ليبيا سراً وتنفيذ عملية معسكر باب العزيزية في مايو 1984.

[10]   راجع موقع الانقاذ الاكتروني يوم 01/09/2009 ومن العبارات ذات الدلالة التى وردت في المقالة أن احد ضباط الشرطة البريطانيين قال لها بشكل " غير رسمي " ( أنهم لم يسمح لهم القيام بعملهم بشكل صحيح.) وأن ضباط الشرطة البريطانية ( لم يستطيعوا أن يصرحوا علناً عن هوية الذين يعتقدون أنهم كانوا وراء هذه الجريمة).

[11]  تابعت ما تناقلته وسائل الاعلام يوم 16/02/2010 حول المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس شرطة  دبي حول تورط ( 11 ) شخصاً في تنفيذ عملية اغتيال محمود المبحوح ولم يغير ذلك من قناعتي حول تورط المخابرات الليبية في عملية تسريب معلومات امنية عن المبحوح الى الموساد ساعدت في ملاحقته ومن ثم اغتياله وبخاصة  أن عدداً من التقارير أفاد أن القتيل سبق له أن زار ليبيا مؤخراً.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home