Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mohammed al-Gzeeri
الكاتب الليبي محمد القزيري


محمد القزيري

Thursday, 29 November, 2007

قبض الريح..(*)

بقلم : الأستاذ محمد القزيّري ( رحمه الله )

إعداد وتقديم : هـشام بن غـلبون

الجماهير تلعن جدّ الحكومة سرا لاختفاء الثوم من أسواقها، والبعض يهتف باسمها علناً تحت وطأة الخوف من لجانها. ومنشورات سلطة العسكر باسم الشعب فرضت على المواطن العادي أن يدعو انقلابها الحاكم حتى الآن "ثورة شعبية" وعظيمة أيضا.. والاّ فقد وظيفته التي يكسب منها لقمة العيش وحدها (بعد هجرة البصل من دكان الحكومة)!.. ومن واقع الحال وصخب الاذاعة عوّدوه على تخيّل الثورة، في مفهومها المطلق، غولة سحّارة قبيحة ناتئة الأنياب تعضّه وتخلع قلبه هلعاً متىشاءت وحيثما كان.. فلا مهرب من لعنتها المقيمة. وترسّبت في ذهنه الصورة بالخبرة والتكرار والتجربة الحيّة ومضى الوقت حتى كاد ينسى أن هذا الشبح المريع ليس في الواقع الا طاقماً من الأفراد لا هم يصنعون ثورة عظيمة.. ولا هم يحزنون! فالثورة التي يصفونها زوراً بأنها جميلة ورائعة يراهم اليوم بعيني رأسه يرتكبون باسمها الجريمة المقزّزة، ولا يملك المواطن البائس المذعور حتى أن يشيح بوجهه عن بشاعتها لئلاّ يقال عنه أنه قد أغضب الساحرة الرهيبة. والثورة الحلم التي تملأ الأرض عدلاً لم تبق منها غير صورة مهزوزة في عقله القديم طمست معالمها الأزوقة الخضراء والدماء.

ونفس هذا المواطن العادي لم يعد يرى في شعبه مجموعة من المواطنين مثله بالضبط، إذ يشاركونه نفس الهموم وكل التعاسة، لكن راح يرمقه من بعيد كأنما هو مخلوق خرافي منفصل عنه قائم بذاته ليست له به علاقة عضوية مباشرة. فقد يقول لك أن الشعب تافه.. عظيم.. بطل.. جبان.. حسب ما يترائى له وحده من وضعه المزري ومن نظرته القصيرة المدى ومن أحكامه العفوية التي يطلقها بلا حساب. والحاصل المحزن الملحوظ أن هذا الشعب (ربما بفعل ما يعانيه المواطن الفرد من قهر نفسي عنيف) أصبح في عيون بنيه كائناً غريباً غائم الملامح لا تربطهم به سوى وحدة لقب وقطعة أرض مشتركة. فالشعب ليبي، والمواطن ليبي بالمثل.. وحلقة الوصل بينهما إدراة الجوازات والسجل العقاري فقط!

والفرد الليبي أيضا يصفّق في الخفاء لفكرة المعارضة نكاية في الكاهنة، لكنه ينأى عن الممارسة كجرب مخيف.. لأنها متعبة ومزعجة وربما تودي به إلى الهلاك في المواجهة. وهو في محاولاته لعزل نفسه عن المأساة، قدر المستطاع، انما يغرق في الوهم المريح بالسعادة الغامرة التي لا بد أن تحملها يوماً إليه الريح!!.. فالتصدّي العملي لقوى السحّارة المهولة يبدو له ـ كشعبه الذي يراه بطلاً ولا يراه، ومثل الانقلاب العسكري مدّعي الثورة ـ شيئاً غامضاً بعيد المنال، ومن الأفضل أن يتركه للغير بينما يظل هو في انتظار ما تأتي به الأقدار ونتائج الأحداث. ومقاومة الغولة التي تخنقه بالفعل مسألة تطربه توقعاتها.. يريدها بكل ما يملك من تمنيات طيبة، لكنه لا يستطيع أن يحس أنها تعنيه بالتفصيل شخصياً. فلا يقحم نفسه فيها، ولكن يتعاطف!..

والسيد المواطن يعرف في قرارة نفسه أن أبناء الساحرة لم يتركوا له الخيار. فإمّا أن يتستّر مثلهم تماماً خلف برقع الثورية المزيّفة كي يضمن السلامة المؤقّتة، وإما أن يضربوه كلما حاول أن يرفع رأسه المحنيّ من فرط العذاب. فهو إما تابع للانقلاب، وإمّا غير راضٍ عما يرى ويسمع حوله.. وبالتالي يعد معارضاً شاء أم أبى. ويبقى أمام المواطن السيد في النهاية أحد أمرين : أن يفطن أو لا يفطن إلى أنه لابد أن يؤدي دوره ان كان في نيته الخروج من قوقعة الرعب إلى برّ الأمان. ولن يجديه أن يظل في انتظار بطل مثل أبي زيد الهلالي ليصرع له العفريت في غيابه بالضربة القاضية الأكيدة. فهل سمعتم أحداً صفّق بيد وحيدة ؟!

إن لم يعِ المواطنون الرافضون للسحر وللغيلان وللبطولات الخرافية هذه الحقيقة المسطّحة، فلن يأتي أبوزيد وكلهم أحياء!.. والوقت انما يضيع من أعمارهم ومن مستقبل الأجيال.
________________________

* نشرت هذه المقالة في العدد الرابع (خاص) من مطبوعة "ليبيا العنقاء" بتاريخ أبريل 1982، وكان ذلك هو العدد الأخير من تلك المطبوعة. ويمكن الإطلاع على صورة من أصل المقالة باتباع هذا الرابط:
http://www.lcu-libya.co.uk/mixedarb.htm#lankaa
نشرت المقالة الأولى من سلسلة مقالات الراحل محمد القزيّري وعنوانها: " خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982م" على هذه الصفحة بتاريخ 18 نوفمبر 2007، ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
http://www.libya-watanona.com/adab/mgzeeri/mg18117a.htm
كما نشرت المقالة الثانية من هذه السلسلة وعنوانها "قراءة عاجلة في المقولات الخضر" بتاريخ 24 نوفمبر ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
http://www.libya-watanona.com/adab/mgzeeri/mg24117a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home