Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mohammed al-Gzeeri
الكاتب الليبي محمد القزيري


محمد القزيري

Saturday, 24 November, 2007

قراءة عاجلة في المقولات الخضر (*)

بقلم : الأستاذ محمد القزيّري ( رحمه الله )

إعداد وتقديم : هـشام بن غـلبون

"في الحاجة تكمن الحرية" : تعبير بليغ بارع الايجاز عن حقيقة بديهية متناهية الوضوح والبساطة. وهنا بالضبط يكمن سرّ بريقه الأخاذ. فقمة البلاغة عند العرب ما قل ودل. والفصاحة حين تقترن بالايجاز كثيرا ما تضفي هالة سحرية عجيبة على أي كلام يقال بكل اللغات، ولا سيما اذا كان موضوع الحديث فكرة مجردة كالحرية أو غيرها من المفاهيم التي استعصت على التعريف الدقيق في جميع العصور. فلو قلت مثلا : "في الحظيرة تكمن الدجاجة" أو "في الزريبة يكمن الفيل" تكون قد نطقت لتوك بجملة مفيدة لها نفس التركيب اللغوي أيضا . ولكن جملتك البائسة هذه، رغم أنها مفيدة نحويا، لا يمكن أن تحدث نفس الأثر وليست لها أية فائدة تذكر بالنسبة للجنس البشري. وبالتالي فانك لا تستطيع أن تطالب الغير باتخاذها شعارا ثوريا أو اقحامها في تاريخ الفكر الانساني باعتبارها من الأقوال المأثورة والدرر النفيسة.

العبارة السالفة الذكر (أو المقولة أو الأطروحة الفلسفية أو سمّها ما شئت) وردت هكذا في حاشية الصفحة العشرين من الفصل الثاني من الكتاب الأخضر. وجاء في متن الكتاب تعريف "الحاجة" محصورا باختصار شديد في حيّز صغير يضمه مستطيل مساحته 6,5 x 3 سم من النص المطبوع، وفيه يقول المؤلف بنفس البساطة المذهلة :
(ان حرية الانسان ناقصة اذا تحكم آخر في حاجته ... فالحاجة مشكل حقيقي، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حاجات الانسان ) .

ان أحدا لا يستطيع أن ينتقص من قيمة مثل هذه النظرية الكامنة أو يفندها بأي حال. فأنت لو أتيح لك التحكم في كسرة الخبز التي يحتاج اليها المؤلف ثم منعتها عنه، يصبح عبدا أو شبه عبد لك –من الناحية الواقعية على الأقل– وبالتالي تصبح حريته ناقصة للغاية وربما تنعدم نهائيا اذا كنت أنت، السيد المتحكم في حاجته، قاسيا غليظ القلب بحيث تركته يموت جوعا!.. ومع ذلك فان البلاغة عندما تستخدم لمجرد تمرير رأي ما على أساس أنه في حد ذاته قضية مسلّمة غير قابلة للجدل، فانها قد تغدو سلاحا ذا حدّين كلاهما قاتل لحرية الفكر.

ان بوسعك أن تأخذ كلمتين فقط من تلك الأطروحة الموجزة الفصيحة فتضع كلا منهما مكان الأخرى داخل نفس المستطيل الضيق دون ادخال أي تغيير على تركيبة الجملة ذاته، فتقلب المقولة كلها رأسا على عقب، اذ تعلن بالمقابل : (ان حاجة الانسان ناقصة اذا تحكم آخر في حريته ... فالحرية مشكل حقيقي، والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حريات الانسان).

أي أنك لو وضعت المؤلف العبقري داخل قفص محكم الاغلاق أو زنزانة في الحبس الانفرادي وأغرقته بكل مخزون مؤسسة السلع التموينية والأسواق العامة، فان حاجته تظل ناقصة –من الناحية النظرية على الأقل – بل ربما تنعدم كل حاجاته بالضرورة اذا كان عنيدا الى حد الاضراب عن الطعام حتى الموت جوعا.. أو كان شرها حتى النفوق بالتخمة!.. ثم لا تنسى أنك لو حبسته على هذا النحو تكون قد تحكمت لا في حاجاته فحسب، بل في قضاء حاجته أيضا!!

فما رأي المؤلف، يا ترى، في هذا "الطرح" الجديد ؟.. لو رضي بالتنازل عن بعض كبريائه الفكري واعترف لك بصدق مقولتك هذه – بغض النظر عن قضية الدجاجة والفيل – فهنيئا لك!.. تستطيع أن تمضي في مشروعك الى آخر مداه، فتنسف كل الأفكار القديمة، وتلغي جميع النظريات السابقة، وتخلق حضارة طازجة، وتغرق في حل مشاكل البشرية الى أذنيك، ثم تضع نظريتك الثالثة والنصف بأي لون يروق لك. ولكن اياك أن تخط على هامش الصفحة العشرين : "في الحرية تكمن الحاجة الأساسية" .. فليس بالفيديو وحده يحيا الانسان الليبي!

فأغلب الظن أن المؤلف الخطير سوف يبتسم لك في سخرية مشوبة بالشماتة، لأنك لا تملك المعدات وقطع الغيار اللازمة حتى لصنع نصف نظرية عالمية. وفيما ينتابك شعور حاد بالتعاسة خوفا من ألا يسمح لك بمشاركته في وضع الحلول الجذرية لمشاكل البشرية المعذبة، يدعوك هو نفسه الى تأمل الفقرة الأخيرة في الفصل الأول من دفتره الواسع الانتشار بالمجان، حيث يصعقك قوله بالحرف الواحد : "هذه هي الديمقراطية الحقيقية من الناحية النظرية. أما من الناحية الواقعية فان الأقوياء دائما يحكمون.. أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذ يحكم". وبعد أن كنت "تحب أن تفهم فتدوخ" (على تعبير أحد المراقبين المحايدين) تنهال أمام عينيك مرة واحدة جميع قطع الأحجية الصغيرة على هيئة مقولات خضراء تأخذ مكانها الى جانب بعضها البعض الى أن تكتمل الصورة كلها في تناسق بديع.. فتفهم أن الأعزل ضعيف والمسلّح قوي والأكثر تسليحا أقوى، ومن يسيطر على الأسلحة الفتاكة ومفتاح الخزينة معا هو الأقوى.. وتعرف أن من يحكم هو الذي يتحكم في حاجتك فتنقص حريتك، أو يصادر حريتك للمنفعة العامة فتنتفي الحاجة الى وجودك أصلا.. أو أي هراء آخر مقلوب في أي اتجاه. فالكلمات وحدها لايبقى لها ثمة أي مدلول حقيقي يهمك فهمه في سياق غطرسة القوة. وتستنتج وحدك، من دون كتاب، أن "الطرف الأقوى في المجتمع" هو الأبلغ أيضا.. وهو الأعقل.. وهو وحده الذي يقطر حكمة الى حين يفقد مصدر القوة أو يفقد رأسه أيهما كان أسبق!.. ويخطر ببالك أن المتنبي الجديد انما يعيد على مسامع الجمهور بلغة العصر مقولة سلفه القديم بأن "السيف أصدق أنباء من الكتب" – الأمر الذي يجعلك تدوخ مرة أخرى متسائلا بحيرة بالغة : لماذا لم يقتصر على سوْق قواته "المجحفلة" ويدع الكتب الخضراء وشأنها؟.. أما كان يبدو أكثر انسجاما مع منحى فكره الجبار لو قال مثلا : "في الثقافة تكمن السخافة"؟!

تلجأ الى أحد العقول الالكترونية الغربية الصنع، طالبا منه تزويدك بقائمة مصغرة ألف مرة لمشاكل البشرية الليبية وحدها منذ صدور المؤلف فقط. فينهار العقل الآلي باكيا معلنا عجزه الكامل عن أداء تلك المهمة المستحيلة ويقول لك أنك، بصريح العبارة، أبله وأحمق اذا كنت تعتقد أن مشكلات الانسان الليبي في تعقيدها الأزلي يمكن حلها بأي شكل هزلي – رغم أنه شخصيا (أي العقل الآلي) شديد الاعجاب بلون الكتاب وسلاسة أسلوبه وأناقة طبعه وتبويبه. فتلعن العقل الامبريالي المنافق، متهما اياه بالرياء وعدم الموضوعية وبأنه لا يخفي تحيزه الواضح للمؤلف طمعا في الحصول على "حاجته" من زيت التشحيم بثمن مخفف!.. ومن باب النكاية فيه وفيمن خلّفوه تذهب من ثم لاستشارة أحد الأدمغة الثقيلة التي تعمل في عكس اتجاه عقرب الساعة. فيلسعك مثل عقرب حقيقي، فيما يناولك نسخة من كتيب تعليماته الأحمر زاعما أنه طريق الخلاص النهائي من سائر معضلات الانسانية .. بما فيها صاحبك المؤلف اللامع نفسه!..

يعتريك اليأس. ترجع للكتاب. وآخر فقرة من فصله الثالث والأخير تحكي عن الرياضة الجماهيرية .. تقرأ فيها قوله : (أما الملاكمة والمصارعة بأنواعها فهي دليل على أن البشرية لم تتخلص بعد من كل السلوك الوحشي.. ولكن الأفراد المتحضرين أكثر من غيرهم والأرقى عقليا هم القادرون الآن على تجنب ذلك السلوك الوحشي ممارسة وتشجيعا). ثم تطالع جرائد الصباح والمساء فتفاجأ في باب أخبار الجرائم الوحشية بأن بعض الثوار الذين أعدهم المؤلف بنفسه بمثابة "أفراد متحضرين أكثر من غيرهم وأرقى عقليا" مثله بالضبط هم القادرون الآن على سلوك أسلوب الاغتيال الغادر والارهاب المسلح "ممارسة وتشجيعا" . فيا للجحيم!.. هل يعني ذلك أن مدرب الرياضة الجماهيرية يستعد للاشتراك في دورة الألعاب الأولمبية بفريق من "السفّاحين" للمسافات الطويلة؟!..

ان مجرد نظرة سريعة عبر كل النظريات البراقة والتطبيق القاتل تكفي لاقناعك بأن الحرية مهما حوصرت يستحيل أن تكمن في محض عبارة بليغة بحجم اصبعين في كتاب.
________________________

* نشرت هذه المقالة في العدد الرابع (خاص) من مطبوعة "ليبيا العنقاء" بتاريخ أبريل 1982، وكان ذلك هو العدد الأخير من تلك المطبوعة. ويمكن الإطلاع على صورة من أصل المقالة باتباع هذا الرابط:
http://www.lcu-libya.co.uk/mixedarb.htm#lankaa
نشرت المقالة الأولى من سلسلة مقالات الراحل محمد القزيّري وعنوانها: " خواطر طائشة من وحي خطاب شرس أُلقي في أكتوبر 1982م" على هذه الصفحة بتاريخ 18 نوفمبر 2007، ويمكن مطالعتها باتباع هذا الرابط:
http://www.libya-watanona.com/adab/mgzeeri/mg18117a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home