Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ali Erhouma
الكاتب الليبي محمد علي رحومة

Tuesday, 20 February, 2007

مدينة زليتن تغـرق فى...

محمد رحومة

عندما كنا فى سن الصبا كنا نصعد على الهضاب القريبة من شاطىء البحر (وتعرف بالهشوم) فلا نرى إلا ألوانا خضراء رسمتها قامات وأوراق النخيل الممتدة من شاطىء البحر لتغيب فى الأفق البعيد على هضاب ماجر، وكنا فى فصل الصيف نشم رائحة أشجار التين والعفين والغسول والرتم الذى كان ينمو على الكتبان الرملية التى تنتشر فى أطراف المدينة، وشجرة أخرى نسميها(بعكوز سيدى موسى) كانت رائحتها كريهة بعض الشىء كالعفين ولكن يبدو انها هى الأخرى هجرت المدينة ولم تعد تطيق الروائح المنبعثة من مجارى المدينة ولم يبقى منها إلا القليل يختبىء بين زوايا البيوت القديمة أو فى ممرات مهجورة على إستحياء منتظرا الفرصة القادمة ليهجرها و إلى الأبد.

الكتبان الرملية كانت علامة مميزة للمدينة تحميها قديما من السيول التى كانت تجتاح المدينة بين الفينة والأخرى، وكانت ملاذا أمنا للسكان فى عقود مضت عندما كانت الأمطار الموسمية ترسم مع هذه الكتبان أجمل صور رأيتها أيام الصبى، وكانت مرتعا ومرعى للأغنام ، كنا نلعب فى الغدير وأقدامنا حافية لا نحس البرد وندوس الغسول باقدامنا الحافية ونلعب ببقايا عراجين النخل والكرناف والجريد، ولا ننسى هواية تسلق النخيل وتفقد نضوج الثمر والتين والمشماش،كلها تذكرنى بأبيات أبى القاسم الشابى والتى كنت أرددها وأذكرها من أيام الصبا :

كم من عهود عذبة فى عدوة الوادى النظير
فضية الأزهار مذهبة الآصائل والبكور
كانت أرق من النسيم ومن أغاريد الطيور
أيام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور
وتفقد الوداى المكلل بالصنوبر والصخور

نصطاد الطيور المهاجرة كالبوجحار والبوصريمة والبوفلاق وعزيب بوقدارة و الحميرة والغلوس! لقد هجرتنا كلها منذ زمن طويل يوم أن تخلينا عن كل شىء جميل فى مدينتنا ولم يبقى منها إلا طائر البوم الذى قرر البقاء لينعى أطلالا أبلاها سوء تدبيرنا وليستمتع بوجبات فئران تتسكع بين البيوت وفى ذلك النهر النتن.

قوز البازة وقوز المحاسنة وغيرها (كثبان رملية) والتى كانت من أجمل معالم مدينتى، كان الرتم والأشجار الصغيرة منتشرة فيها إنتشار النار فى الهشيم ، وهناك كنا تسمع صياح الغنم والماعز وأصوات البغال والحمير! كلها رحلت إلى غير رجعة هى الأخرى

يذكرنى هذا الحديث بأبيات الشيخ الهادى إنديشة رحمه الله وهو يحكى قصته مع قوز البازة فى مطلع قصيدة له يقول فى بعض منها وقد نسيت اغلبها:

مرت بك الأيام جيلا جيلا … وبقيت تزخر بالحياة جميلا
من أى عهد أنت باق ها هنا … فى حينا لا تعرف التبديلا

من كان يصدق أن ذلك الكثيب كان من الممكن أن يرحل عنها ! لقد رحل ورحل معه الكثيرون فقال عنه بعد رحيله فى قصيدة طويلة نسيتها هى الأخرى

رحل الكثيب وليته لم يرحل عنا … وما أغراه حب المنزل
كيف أختفت أجزاءه وتفرقت … فى كل وادى مثل حب الخردل

ولا أنسى المدينة القديمة كرحبة الزيت والمجزرة القديمة ورحبة النعمة ورحبة الأغنام وسوق الرباع وسوق الذهب وزاوية الشيخ عبدالسلام الأسمر وجامع الدغار (يقال أن عمره تجاوز الخمسة قرون هدم أيضا) والتى هدمناها بأيدينا ولم يشفع لها انها كانت تنبض فى يوم من الأيام بأرواح البسطاء من الناس والتجار والمشائخ الأجلاء كالشيخ بوزبيدة والشيخ رحومة الصارى والأستاذ إبراهيم الصارى والشيخ أحمد الشارف والشيخ الفطيسى وأمحمد جوان والشحومىوالشيخ السايح و الشيخ المحجوب والشيخ البكوش والشيخ مفتاح بن زاهية وغيرهم من الفضلاء.

عندما كنت أذهب إلى السوق وأتذكر كيف كان ينطلق التجار إلى صلاة الظهر ويتركون محلاتهم دون رقيب، إلا من عصاة تقف فى باب المحل مشيرة إلى ان صاحب الدكان على وشك الرجوع.

لن أحدثكم عن دار بوكعميرة والتى كان بها قصرا رومانيا منذ اكثر من الفين سنة والتى تشهد الفسيفساء التى اخذت منه وتقبع الآن فى المتحف الجماهيرى بمدينة طرابلس والتى تعتبر من أجمل الفسيفساء فى شمال إفريقيا، هل تعلمون أين هذا القصر الآن؟ لقد رأيته فى زيارتى الماضية يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يبقى منه إلا اليسير ينتظر موجة عاتية لتطلق عليه رصاصة الرحمة!

لن أحدثكم عن شواطىء مدينة زليتن التى كانت مضرب الجمال، وكان أهالى طرابلس وغيرها من المدن الليبية يقضون أيام الصيف على شواطئها يستمتعون بشمسها ونعومة رمالها وصفاء جوها! لقد أصبحت هذه الشواطىء مكبا للنفايات ومرتعا للكلاب تتقوت على جيف الحيوانات وبقايا الطعام، هذه الشواطىء مأساة بكل المعانى، كنا عندما نقترب من شاطىء البحر نشم رائحة الموج الهادر، لكننا اليوم نشم ما سمعتم وعظم الله أجرنا وأجركم ولله ما أخذ ولله ما أبقى.

لن أحدثكم عن نهر المجارى النتن الذى يلتف بالمدينة ويزكم الأنوف ويقتل الناس صباح مساء، لقد تغير كل شىء ولو كانت الحياة فى جهنم بهذه الحالة فإنى أستعيد الله منها وكفى بها من جحيم.

كنت أعول على شىء واحد هو أن هذه أحداث وقت وتزول عندما نعرف معنى الحياة الكريمة، لكننى وجدت أن كل شىء تغير، لقد تغير فينا حتى الذوق العام، لم أكن أتوقع أن ارى فى حياتى إنسانا يحتسى فنجانا من القهوة ويجلس على كرسى وبينه وبين نهر من مجارى المدينة أقل من ثلاثة أمتار!

لقد تغيرت أحاديث الناس وحكاياتهم، فالكل هنا مشغول بالدنيا يصبح عليها ويمسى بها، فلا تسمع إلا حديثا ماديا خاليا من كل شىء، حتى علاقات الناس تشوبها الريبة وتبنى على المصالح والمجاملات، ولا أدرى ماذا سنفعل بهذه الأموال مادمنا نقتسم نسملت المجارى النتنة مع الباعوض والصراصير!

وأسفاه على أيام الشيخ الهادى أنديشة ومجالس الشيخ بشير الصارى والشيخ الشويرف وطرف محمود أنديشة وفخرى قدارة وقصص عقيل الفزانى و طرف الحاج سالم بن نجى.

قوم كرام السجايا حيثما جلسوا … يبقى المكان على آثارهم عطرا

أدركت بعدها أن رحيل قوز البازة ورحيل المدينة القديمة ورحيل رحبة النعمة ورحبة الزيت وسوق الرباع وزاوية الأسمرى القديمة وجامع الدغار وقوز المحاسنة .. الخ، لم تكن إلا مقدمات لرحلة ما كان لها ان تبد أ لو لم نسمح لها بالرحيل.

لكن الامل مازال يحدونى فى الإصلاح عندما التقيت بنفوس ما زالت تحمل فى جنباتها عبق الماض الجميل، وتنظر إلى المستقبل بعين الأمل وإرادة التغيير (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: من الآية11).

تحياتى

محمد رحومة


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home