Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ali Erhouma
الكاتب الليبي محمد علي رحومة

Sunday, 18 June, 2006

الظاهـرة الفسطوسية

محمد رحومة

لعلكم سمعتم بكتاب إعترافات القديس أوجستين، فهو كتاب يحكى فيه القديس أوجستين قصة حياته وبحثه عن الحقيقة وكيف تنقل من فرقة إلى فرقة ومن طائفة إلى طائفة ومن بلد إلى آخر، وكل ذلك كان سعيا فى البحث عن الحق الذى فقد فى زمانه، فقد ولد بعد ميلاد المسيح بثلاثمائة سنة.

وفى طور بحثه عن الحقيقة إنضم إلى فرقة مسيحية تسمى المانشيز، ولكن كالعادة ما ان ينخرط فى تلك الفرقة حتى يكتشف إنحرافها ، وكانت لديه أسئلة كثيرة عجز أصحاب فرقته الجديدة فى الإجابة عنها، وكلما سأل سؤالا وعجز أصحابه وعدوه بعالم من أقطاب تلك الفرقة يسمى فسطس، وسأطلق عليه من الآن الشيخ فسطس.

كانوا يقولون له إن هذه الأسئلة بسيطة جدا وما ان يأتى الشيخ فسطس وبمناقشته والحوار معه سيوضحها لك بالتمام والكمال بالإضافة إلى أى أسئلة تخطر ببالك.

يقول القديس أوجستين وأخيرا جاء الشيخ فسطس، فوجدته رجلا فصيح الحديث، إستطاع ان يملك زمام البلاغة كما اخبر عنه أصحابه، ولكن عطشى للحقيقة لا يرويه جمال الأسلوب ولا تطريز العبارات بأبيات من الشعر والنثر، فقد أمتلأت أذناى بمثل هذا الحديث ( وباللغة الليبية كلامه مايعبيش دلو).

لعلكم مررتم بنفس التجربة ووقعتم فى أحد خطب الجمعة تحت مثل هذه السياط، وخاصة إذا كان خطيبكم مازال يعيش بفكره أيام دولة بنى العباس ولربما ختم خطبته بالدعاء لدولة الموحدين، ولربما ترضى على آل البيت لا حبا لهم ولكن ليقول للمصلين مسجدنا خاص بأهل السنة والجماعة؟

ثم ذهبنا إلى المكان الذى سيأتى إليه فسطس، ونحن ننتظر وإذا به يدخل علينا يدور حوله مجموعة من أصحابه بعضهم يفسح له الطريق وبعضهم يمشى خلفه، ولا حاجة لى بمزيد من التوضيح، فلاشك أنكم شهدتم بعض هذه المواقف وانتم أدرى بالحال من كثير المقال، ولكن الذى غاب عن ذلك الموقف انه لم تكن فى ذلك الوقت كاميرة تصوير وإلا لما فات مقلدى فسطس ان يأخذوا معه صورة تذكارية لعلها تفيد فى إحراز مصداقية فى طور الإنشاء؟

جلس الشيخ فسطس وكان الزحام كبيرا، وقدمه أحد المقلدين ولم ينسى فى حديثه أن يذكر انه شيخ مشائخنا ، حتى لا نخرج من المولد بدون حمص، ونلز أنفسنا فى السلسلة لزا.

ولكن لسوء حظ أوجستين أنه لم يتمكن من سؤال الشيخ فسطس مباشرة ، فالزحام شديد والكل يسأل وفسطس يجيب؟ ولكن تدخل بعض المقربون وتمكن أوجستين ان يجلس معه ويحاوره.

لقد وجدته جاهلا بالحقيقة كما يجهلها مقلديه ومريديه، إلا أنه يتقن فن الحديث، وإختيار الألفاظ ، فيبدو انه قرا بعضا من كتب الأدب كما يفعل الأدباء، ويخلطها بشىء من الشعر، فيأخذ سحر الأسلوب وجمال العبارة مستمعيه ، وهكذا تتحول الحقيقة إلى شعر ونثر ولا يبقى لها أثر، وكما قيل (دور دور وتعشى فول).

إن الحقيقة ناصعة واضحة ولو لم تسبقها دال (د. فسطس) ولا ألف (أ. فسطس) ، ولا تحتاج لشموخ الشين (الشيخ فسطس)، ولا منة الميم (م. فسطس).

إن الحق حق ولو نطق به امى يمشى فى الأسواق ويأكل الطعام ، والباطل باطل ولا قاله رجل من القريتين عظيم.

إن الحق حق ولو نطقت به عجوز، والباطل باطل ولو أنفقوا عليه مليون.
إن الحق ظاهر وجلى ولو كان فى كلمات قليلة، والباطل باطل ولو كتب بماء الذهب.
إن الحق حق ولو قيل فى السر، والباطل باطل ولوتصدعت به الفضائيات.
إن الحق ينبت الطمأنينة ولو كان مر المذاق، والباطل ينشىء الريبة ولو تحلى بالعسل .

الحق حق ولو نطق بلغة العوام ، والباطل باطل ولو نطق به البلغاء وتغنى به الشعراء. الحق يمكث فى الأرض والباطل يذهب جفاء.

الشيخ فسطس يحفظ الكثير من المتون والقصائد ، ولو كان بيننا لحفظ القرآن و الكتب الستة؟ ولكن ياترى هل هناك فرق بين الحفظ والعلم؟

كثير ماكان الشيخ فسطس يتناقض فى أقواله ، فحاله كحال بائع ثمر ، فهو يغرف بيديه ما أستودعه فى جعبته، ولا تدرى ما حالة ثمره حتى تصطك الأسنان ويمتزج الدود بالعود، ولكنه سرعان ما ينتبه لغمتك فيسمعك بيتا من الشعر لا تسمن ولا تغنى من جوع.

إن أشد مايقلقنى ويزيد فى حيرتى أن ينتصب للحديث والخطابة من هو جاهل بالحق ولا يدرى مقدار جهله، معتقدا أن العلم جبة وعمامة أو عنعنة وجمال عبارة، وصدق من قال أنا أفكر فأنا موجود، ولو فكر قليلا لعرف أنه غير موجود.

رحمة الله على بن الجوزى ، فقد خصص بضع صفحات فى كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" لبعض الخطباء الحمقى، والحمد لله الذى لم يدرك زماننا وإلا لكان كتابه على غرار "موسوعة الحمقى والمغفلين".

يتعجب فى كتابه من مسوم ناقة خطب فى الناس فقال: " إن الله أهلك قوم صالح فى ناقة لا تساوى خمسمائة درهم، ولو سمع ماسمعت من الشيخ فسطس لكن حجم كتابه كالبداية والنهاية، فالشيخ فسطس تتشكل عنده الحقيقة كما يتشكل الطين ،وتتبدل وتتغير كما يتغير الظل، وتتلون كالحرباء، بل وتتمدد وتتلوى كما يتلوى الثعبان.

الشيخ فسطس ليس له قواعد ثابتة ينطلق منها، فهو رجل متطور مع العصر، فله قواعد متحركة كما تتحرك البوارج وحاملات الطائرات، فما أن يحصر فى موقع حتى ينطلق إلى آخر، بل ويقلع ويطير مع الخرافة إن إستلزمت الضرورة وأشتدت الحاجة.

الشيخ فسطس يهدم اليوم ما بناه بالأمس، وقواعده متحركة، وخياله يسير بسرعة الضوء، ولا يمسك به أحد فهو كالمجال المغناطيسى، تشعر بوجوده ويستحيل الإمساك به.

الشيخ فسطس لو ولد فى النصارى فهو نصرانى ، ولو ولد فى اليهود فهو يهودى، ولو ولد فى مكة لكان مسلم ، ولو ترعرع فى الصحن الحيدرى لكن سيستانى.

ولا تعتقدوا أن الشيخ فسطس يقتصر مثله على الدين ، فقد تجد فسطوسات (إن صح جمعها بالألف والتاء وإلا ففسطس سيجد لها حلا) فى كل مجال وفى كل مقام.

لعلى نجحت فى رسم صورة لفسطس، ولعلك عزيزى القارى تتصوره الآن فى مخيلتك، فإن قابلته فبلغ سلامى له وقل له :
ولما رأيت الشعر فى الناس فاشيا       تشاعرت حتى ظن أنى شاعر.

ولعلنا فى المستقبل إن شاء الله نلقى مزيدا من الضوء على الظاهرة الفسطوسية.

تحياتى والسلام عليكم.

محمد رحومة


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home