Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ali Erhouma
الكاتب الليبي محمد علي رحومة

Wednesday, 7 February, 2007

تـقـلـيد حتـى النخاع

محمد رحومة

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ

قد يقول قائل وما مناسبة هذا الحديث، أقول لقد تعودنا أن نسمع ما يخدرنا ولكننا نحتاج أحيانا أن نسمع ما يجعلنا نستفيق ونفكر، فالمنابر أصبحت على غرار برنامج (مايطلبه المستمعون)،فخطيب الجمعة يحاول بقدر الإمكان إرضاء الجمهور الواقف بين يديه، وإلا فهناك خطباء ينتظرون الدور وخاصة بعد أن أصبحت مساجدنا ومراكزنا محلا للتنافس على دنيا زائلة حتى تحولت فى بعض الدول الإسلامية إلى صراعات من أجل المراكز والأموال أوكما قال أبو سفيان (آلهة قريش عبادة وتجارة)، واليوم أقدم لكم هذه الكلمات على عكس ما نحب أن نسمع أى (ما لا يطلبه المستمعون).

لا شك أن إيمان المقلد غير مقبول ، وعليه فإن الحد الأدنى هو العلم بالمسائل الضرورية كوجود الخالق وأن القرآن من عند الله وأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، ثم يتبع ذلك معرفة الأمور الفقهية العملية التى يقيم بها المسلم علاقته بالخالق.

والسؤال المطروح فى هذه المقالة، هو على أى أساس بنى المسلمون إيمانهم أن القرآن من عند الله؟ أم أن المسألة تقليد وحسب.

الإجابة المعتادة تنحصر فى الآية القرآنية التى تحدى القرآن فيها الناس أن يأتوا بمثله ، وقد أجمع أغلب علماء المسلمين على أن إعجاز القرآن يكمن فى لغته، مع أننا لا نجد آية واحدة فى القرآن الكريم تفسر لنا معنا المثلية فى الآية بمعنى الإعجاز اللغوى، ولا حديثا عن النبى صلى الله عليه وسلم يقول فيه أن إعجاز القرآن الكريم يكمن فى إعجازه اللغوى.

إن القول بأن عجز العرب عن معارضة القرآن فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم هو برهان قدسية القرآن الكريم قد يثير تساؤلات وتحديات فكرية فى عصرنا هذا، فهناك إزاء هذه القضية عدة إشكالات فكرية منها:

الإشكال الأول هو أن أسلوب الحديث يختلف من شخص إلى آخر وقد يتعذر بل يبدو أحيانا أنه من المستحيل محاكاة أسلوب الآخرين، فالكاتب الإنجليزى شكسبير عجز الكتاب والأدباء الغربيين إلى يومنا هذا عن محاكاة أسلوبه مع أنه لم يدعى نبوة ولا رسالة، كما أن لدينا فى عالمنا العربى من الكتاب كطه حسين وعلى الطنطاوى , ممن يصعب بل ويستحيل محاكاة أسلوبه فى كثير من الأحوال، وبالتالى فلقائل أن يقول أن العجز عن الإتيان بنفس الأسلوب لا يعنى بالضرورة أن ذلك الشخص يتلقى الوحى من عند الله.

الإشكال الثانى يكمن فى ماهية وقوع الحجة نفسها على الإنسان، فلكى تقع الحجة على الإنسان لابد أن يعلم أن القرآن من عند الله ، والقول أن الإعجاز لغويا يجعل من الأمر متعذرا بل مستحيلا فى حق الكثير من الناس وخاصة العجم منهم، ولا أعتقد أنى مخطئا لو قلت أن عددا لا بأس به من الناطقين بالعربية يجهلون معانى القرآن فكيف بلغته وبلاغته؟

إذن كيف ستقع الحجة على الناس، والناس إما لا يستطيعون أن يعلموا برهان القرآن بسبب عجمتهم أو لحاجتهم أن يتمكنوا من علوم اللغة العربية، والتى لا تخلوا من الإجتهادات اللغوية والنسبية فى كثير من الأحيان؟

المشكلة أن بعض المسلمين لا يدرك أبعاد المشكلة ولا مفهوم السؤال أصلا، ففى كثير من الأحيان يخلطون بين تواتر القرآن وبرهان القرآن، وقد وجهت هذا السؤال إلى أحد المعممين فقال لى أن القرآن متواتر ، فقلت إن تواتر كتاب ما لا يعنى بالضرورة أن ذلك الكتاب من عند خالق الأرض والسماء؟

وثمة إشكال آخرهو أن بعض المسلمين يستند إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان صادقا، وبالتالى فإن صدقه برهان على صدق رسالته، ولكن عند عرض هذا الإقتراح على غير المسلمين اليوم يقولون: إن القرآن نفسه ينقض هذه الحجة، ففى القرآن الكريم آيات تشير إلى تكذيبهم، أى أن هناك فريقا مكذبا له، وعليه فلا إجماع بصريح القرآن ولا حجة فى هذا الكلام، ومحل الشك لا يكون محلا للإثبات.

وهناك ثمة شىء آخر فإن الكثير ممن أسلموا بل وماتوا وأستشهدوا بنص القرآن لم يسمعوا القرآن كله، بل بعض آيات منه، فعلى أى أساس آمنوا؟ وفى هذه النقطة إشكال لمن يقول بأن الأحكام وغيرها من التشريعات هى برهان القرآن.

فالكثير من المسلمين فى زمننا هذا يؤمن بأن القرآن من عند الله، ولست أبالغ أذا قلت أن بعضا ممن إلتقيت بهم ممن يحفظون القرآن عن ظهر قلب يجهلون ما يحويه القرآن من معان بل ويعجزون عن البرهنة أن القرآن من عندالله، ولا شك أن من عجز أن يبرهن لنفسه أعجز من أن يبرهن لغيره، فإما أنك تعلم وبالتالى فيمكنك نقل ماتعلمه للآخرين، أو أنك قبلت ما قيل لك دون أن تعلمه، وهنا أفرق بين المعلومة كخبر قابل للتصديق أو التكذيب بعد عملية التحليل والفهم وبين المعلومة كحجة ملزمة.

ومن المفارقات أن أحد مشائخ الفضائيات العربية زاد الطين بلة عندما قال أن على الإنسان العامى أن يقتدى بالعلماء العارفين أن القرآن من عند الله، وتكفيه فقط أن يتق بهم وبعلمهم، ولا ندرى هل سيكون هذا كافيا عند الله أم لا! فالنصارنى يقول سألت علماء ملتى وأخبرونى بأن الأنجيل من عند الله ولليهودى أن يقول مثل ذلك، وللهندوسى وغيرهم، وتصبح المسألة نسبية لا يقينية، والسؤال كيف سيتمكن العامى البسيط من معرفة أن ذلك الشيخ عالم ليتبعه؟

إننى أعتقد أن مشكلة تغييب الناس عن هذه القضية لم يكن وليد هذا العصر، بل مر بمراحل غيب فيها الناس عن علم الحق وتحول الدين الإسلامى إلى كهنوت كغيره من الديانات الاخرى، بل صارت علوم الدين من أعقد العلوم لا تفهم إلا فى داخل مختبرات الحوزات أو فى جبال تورا بورا، ولو جاء أبن عباس أو أحد كبار الصحابة ما سمح له أن يدخل عتبات الأزهر ولا سراديب قم ولا أن يكون شيخ الحديث، فلقد أصبحت علوم الدين من أعقد العلوم ولا تخلو فى الكثير من أساساتها من تناقضات عقلية، فلله الحمد ليس لدينا وظائف شاغرة.

عندما تستمع إلى قناة الزهراء مثلا، وكيف يفسر صاحب العمامة السوداء الكبيرة القرآن الكريم لا أتعجب بعدها إذا كان عدد لا بأس به من الملحدين ممن كانوا من أتباع المذهب الشيعى؟

كنت أسمع عن المستشرقين وما ينسب إليهم من الطعن فى الدين والتهجم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنى أدركت أنهم إنما ينتقدون ما أضاف المسلمون لهذا الدين من قصص وخرافات لتصبح جزء من إسلام التاريخ الذى ما زالت معاركه الطاحنة تحصد أرواح الأبرياء فى العراق وغيرها من بلاد المسلمين.

فالحديث المروى عن إنكار عبدالله بن مسعود رضى الله عنه للمعوذتين، والتى لا يخلو منها كتاب فى علوم القرآن يضع بين أيدينا سؤالا مهما وهو: كيف ينكر عبدالله بن مسعود أن المعوذتين من القرآن وهو العربى الذى كان القرآن حجة عليه، وبصريح القرآن أن الحجة قد وقعت على كفار مكة، فكيف بمن آمن منهم ! (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام:33)،وإذا كان عبدالله بن مسعود لا يفرق بين كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، فكيف ستقع الحجة على باقى البشر الذين لا يفقهون لغة القرآن أصلا.

وكثيرا ما يعلل الفقهاء منع النبى صلى الله عليه وسلم من كتابة غير القرآن، بأن ذلك خوفا من أن يختلط القرآن بغيره من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يقولون من حيث لا يدرون أن الناس كانوا لا يفرقون بين كلام الله وكلام رسوله الذى هو بالضرورة كلام بشر، وبهذا فلا معنى لكلامهم أن إعجاز القرآن يكمن فى لغته؟

أما الحديث عن الإعجاز العلمى فحدث ولا حرج، فقد أصبح القرآن مرتعا لكل من يبحث عن معادلة أو ظاهرة فيزيائية، ولقد أساء المسلمون فى هذا أكثر مما أحسنوا، فتحول القرآن من كتاب يفسر معنى الوجود إلى كتاب فيزياء ورياضيات، ولا أدرى أين كان هؤلاء عندما دكتهم أساطيل الغرب ليستيقظوا من سباتهم ، ليخرج علينا أحدهم بحساب سرعة الضوء فى محاولة مكشوفة أو فى التنبؤ بأحداث الحادى عشر من سبتمر، ولا أدرى هل أجرى حساباته الفيزيائية برواية قالون أم برواية قنبل؟

إلتقيت بأحد المسلمين يدعو إلى الإسلام وكان يوزع نسخا من القرآن الكريم ومع كل مصحف أوراق عدد فيها الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم وكان معمما ، فقرأت الورقة وقلت له يا أخى إن هذه الورقة تحمل الكثير من الكذب على القرآن وتحمله مالا يحتمل ،ولا اتردد أن أقول أن هذا تحريف للقرآن وكذب على الله، وكان فى تلك الورقة تفسيرا لقوله تعالى "رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) (غافر:15) ويبدو أن أحدهم قد كسدت بضاعته فى الهندسة فلم يجد له سوى القرآن ليفترى عليه، وكان مما كتب فيها أن الله له أعلى درجة وهذه الدرجة هى 360 درجة فهى أعلى الدرجات؟

فقلت له ياأخى إن 360 درجة إصطلاح بشرى (يقال أن أهل بابل هم من وضعوا هذا الإسطلاح) لأنه يمكنك تقسيم الدائرة إلى عدد لا نهائى من الدرجات؟ فنظر إلى وأستصغر شأنى مع مابينته له من الحجة والبرهان؟ ولا لوم عليه فلم يكن لدى عمامة ولا دؤابة ولم تكن مشيتى ولا هيئتى توحى بعلم والحمد لله على كل حال ؟ وحينها تذكرت قول الفراهيدى

لو كنت تعلم ماأقول عذرتنى .. أو كنت أعلم ماتقول عذرتك
لكن جهلت مقالتى فعذلتنى .. فعلمت أنك جاهل فعذرتك

إننى إعلن بيقين أنى قد وصلت إلى قناعة تامة أن الناس صنفان، صنف لا يهمه موضوع الحق، فالحق قد يوجد او لا يوجد فى هامش حياته، فهو يقبل من مجتمعه الدين كما يقبل غيره من العادات والتقاليد دون تحليل وتفكير، ولو ولد بين اليهود فهو يهودى إلى الممات، وصنف آخر لا تهدأ نفسه حتى يصل إلى اليقين ولو ولد فى مجتمع الهندوس وتمسح بالبقر وسجد للتماسيح.

إننا أحيانا نصب على القرآن من أفكارنا ما يسىء إلى القرآن نفسه، والله سبحانه يقول :(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82)
والكثير من الإختلافات والإنتقادات إنما فى الحقيقة ليست موجهة إلى القرآن بل إلى مانسب إلى القرآن من معانى لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وقد نبه الله على هذا العمل عندما تحدث عن صنيع بنى إسرائيل فقال: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13)

تحياتى

والسلام عليكم

محمد رحومة
meolhsaamreid@hotmail.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home