Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Ali Erhouma
الكاتب الليبي محمد علي رحومة

Sunday, 5 March, 2006

الذوات والشهادات ومعـيار معرفة الحق

محمد رحومة

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلتنى رسالة عبر البريد من أحد القراء يقترح على أن أعرف بنفسى، وما مدى مصداقيتى العلمية، وحجم، وكمية العلوم التى أحملها، ويقترح مثلا أن أذكر من أى جامعة تخرجت، ونوع وحجم الشهادة التى أحمل، حتى يطمئن إلى ما نقول ويعرف ان ما نقوله حق، كما أنه يحذرنى من القص واللصق ؟

بالنسبة للقص واللصق فأقول، لوكتبنا شيئا فمن الآمانة أن نذكر مصادرنا، ولنفترض أننى لم أفعل، ماذا سيفيدنى وأنا نكرة لم أصرح بإسمى، فلن أحرز لا مكانة فى المجتمع، ولا سمعة، ولا كلمات مدح ستفرحنى ، ولا سب سيزعجنى، والقص واللصق إنما مفيد لمن يبحث عن الشهادات التى سألت عنها، ولك ولمن يفكر بطريقتك أقول كما قال الإمام الشعبى عندما سأله أحدهم عن إسناد حديث فقال: وماذا تفعل بعمن؟ أما أنت فقد وقعت عليك حجته؟

وأما ردك الإستهزائى على فأقول لك يابنى: إن كنت صادقا فغفر الله لى وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، وما أنا إلا كما انا لا مدحك يرفعنى ولا ذمك يخفضنى" وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ".

وله ولأمثاله أقول: إذا كان معيارك ومنهجيتك فى معرفة الحق هو أن تعرف كم من الشهادات أحمل، وفى أى الجامعات تخرجت ، فلا شك أن هذا موقف غير صحيح، فأنا لم أتقدم لوظيفة أطلب منها رزقا واتقاض فيها مرتبا ، إنما أعبر عن فهم للدين أرى أنه حق ولو بين لى إنسان خطأ ما أقول بالحجة والبرهان، لا بتعديد أسماء وألقاب وعمامات ما أنزل الله بها من سلطان، فليس لى عداوة مع الحق قال به من قال، وأسال الله أن كبر ذلك على نفسى أن يرغمنى على قبول الحقا صاغرا طائعا، فإنه أحب إلي ان أكون ذيلا فى الحق على أن أكون رأسا فى الباطل، وإنى لن أبحث عن شهادات وشهرة من جاء بالحق ولا شهاداته العلمية ، ولن يزيد فى قوة الباطل جبة كالخرج ولا عمامة كالبرج.

والسائل بهذا المعيار فى فهم الحق يتبع طريق من قال الله فيهم"بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ. والسائل يعتقد خطأ أن من يحمل شهادة من الجامعة الفلانية، أقوى حجة ممن يحمل شهادة من جامعة أقل مرتبة، ومن لديه أربع شهادات فحجته أقوى ممن لديه شهادة واحدة فقط، ومن تخرج من الأزهر أقوى حجة ممن تخرج من الزيتونه،وثمة سؤال آخر يفرض نفسه ، فلو قلت أننى تعلمت على يد الشيخ فلان الشهير مثلا، هل ذلك سيجعل من حجتى أقوى، ولنفترض اننى شيعى وقلت أننى تعلمت على يد السيستانى هل سيقبل السنى حجتى؟ هل الحق يعرف بنفسه أم نعرفه بمن قاله؟ هل حان الوقت أن ننفض عن عقولنا هذه الظلمات؟ ولنفرض أن هناك جامعة يقر السائل بمصداقيتها، فمن يضمن له أنى لست تلميذا فاشلا وبطريقة ما تحصلت على الشهادة، هل سيعرف قوة حجتى من كلامى أو من عدد الشهادات التى أحملها؟

وقد اكون طالب دنيا وحظوة، وسأحرف الدين كما فعل اليهود والنصارى، هل ستضمن لى الشهادة التى أحملها المصداقية وقوة الحجة؟

وهب أن هذا السائل ولد فى الصحن الحيدرى ، هل يستطيع أن يكون سنيا( بإعتبار أنه يرى أهل السنة على الحق وغيرهم على الضلالة)، لأنه بهذا المعيار سيبحث عن الحق عن طريق ذوات أشخاص تمت تزكيتهم وختم شهاداتهم وإجازاتهم من قبل أحد الحوزات، وهل سيقف عند ذلك الحد وهو الذى يرى أن الشيعة فى ضلال مثلا، ويمكنك أن تعمم المثال على أى فرقة أو طائفة؟ وبقى سؤال آخر ليفكر فيه، كيف عرفت أن الجامعة الفلانية ذات علم ومن تخرج منها فهو ذو حجة وبرهان؟ والإجابة المعتادة أن كثيرا من العلماء زكوا هذه الجامعة، ثم نرجع بالسؤال خطوة، كيف عرفت أن هؤلاء العلماء يقولون الحق ؟ هل المسألة بالعدد؟ هل إتطلعت على علم هؤلاء؟ إلى ان نصل إلى شيخك الذى تهواه وتعشق كلامه لا حجته؟ لتخبرنا أنه شيخ الإسلام؟ ولكن السؤال يضل يلاحقك إلى أن تصل إلى نقطة لا مفر منها، هل عرفت مقدار علمه بتفحصه ودراسته وتحليله أم عرفته وعلمته من خلال الجمهور المشجعين، والذين إتخذوا القرآن عضين؟

وإذا كان معيار الحق بالذوات والأشخاص وتقديس المشائخ والعلماء، فلماذا لا يقبل الله حجة من أشركوا بسبب إتباع أباءهم؟ فالكفار مثلا عندما جاءهم النبى صلى الله عليه وسلم بالبرهان قالوا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (المائدة:104)، وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم( وعظمته بمكانته فى المجتمع، وإن لم تكن شهادته مصدقة فى المدينة أو الأزهر)، فهل نسمع من محمد صلى الله عليه وسلم وننظر فى برهانه وحجته، ام نسمع العظيم ذو المكانة والشهادة من احد القريتين؟ فهم لم ينظروا فى كلامه وحجته بل رجعوا إلى ماوجدوا عليه آباءهم ، لأن آباءهم حسب معيارهم يمثلون الحق؟ والحقيقة أن السائل يضع نفسه فى ورطة، فلى أن أسأله كيف علمت أن الإسلام حق؟ هل بسبب أن الشيخ (الجامعى ذو الشهادة الكبيرة) والمجتمع أخبرك بأن الإسلام حق ، أم أنك درست القرآن وعرفت انه من الله؟ هل المسألة علمية ام خبرية؟ فإن كانت المسألة بالولادة والثكاثر والموقع الجغرافى، فليس لمسلم ولد فى بلاد المسلمين وهو لا يعلم بأن الإسلام حق إلا من خلال دعاية المجتمع، فضل على نصرانى أو حتى هندوسى، لأن شيوخه كذلك يحملون شهادات وأخبروه ان الإنجيل المحرف كتاب الله وعيسى أبنه؟

ويذكرنى سؤال القارىء الكريم ، بصديق لى قال: عندما ذهب والدى إلى الأزهر ليكمل دراسته هناك قبل نصف قرن مضى، وكان قد قرأ على أبيه وجده فى بيتهم، ولما أجرى له إمتحان قبول: سألوه عن إعراب بيت من الشعر فاعربه بجميع شواهده، فسألوه وماذا درست فى علم النحو والصرف على أبيك، قال درست ألفية بن مالك، وقطر الندى والآجرومية؟ وبعدما إنتهت المقابلة وقبل، قال له احد المشائخ :مش حتدرس حاجة جديدة بالأزهر؟ وبالفعل قال والد صديقنا رحمه الله، لم أدرس فى الأزهر إلا الفلسفة وشيئا من علم الحديث.

قد تضفى هذه الدال على بعض من يحملونها نوعا من الراحة النفسية ، وإكمالا لنقص فى شخصياتهم، لكنها قطعا لن تجعل من حجتهم أقوى ممن لا يحملونها، وهل الشهادة دليل المصداقية؟ أم انها الحجة والبرهان فى عالم إختلط فيه الدلو بالدال؟ وأن مما يؤسف له تنافس الكثير على تحصيل شهادات الدكتوراة، إكمالا لنقص فى الشخصية، نحن أمة أصبحت تقدس الذوات والشهادات والمكانات، ولكنها أمية الفكر التى إجتاحت مجتمعاتنا، أخبرنى صديق لى انه عندما كان يدرس فى بريطانيا ، وذهب ليسأل المشرف وكان برفوسورا ومن المشهورين على مستوى العالم فى مجال تخصصه بسبب مصداقية وعدد البحوث التى نشرها، فقال له أعتقد انك تتقن هذه النقطة أكثر منى، عندما يقول لك رجل كهذا بكل تواضع لا أعلم، ولا يرضى إلا أن تناديه بإسمه دون ألقاب؟ آلا نشعر بالخجل؟

وكم يأخذنى العجب لذلك الذى يعيش على أنغام الشهادات والألقاب عندما ينادى عليه احد فى مجلس وهو ينتفخ ويجد فيها متعة لعبادة النفس والهوى، وكأننا عندما نقول له يادكتور: تكبروبحبح ياشيخ يادكتور ياعظيم؟

إننا أمة مازالت تقدس أشخاصا، لا لسبب إلا لأن أسماءهم قد سبقت بحرف الدال أو الألف، وكما قال الشاعر:

ومما يزهدنى بأرض أندلس         ألقاب معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة فى غير موضعها       كالهر يحكى إنتفاخا صولة الأسد

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (لنجم:23)

كان عمر رضى الله عنه يسير فى أحد طرق المدينة مع نفر من أصحابه فألتقى بعجوز فقالت له: لقد عهدتك تدعى عميرا تصارع الأولاد فى سوق عكاظ، ثم سميت عمرا، فما لبتث الأيام ان ذهبت حتى سميت أمير المؤمنيين فأتقى الله ياعمر، فقال لها احد الصحابة: لقد تجرأت على امير المؤمنيين؟ قال: عمر: هذه التى سمع الله كلامها فحرى من عمر أن يسمع كلامها؟ عمر الذى وقفت له مراة فى المسجد عندما أراد أن يحدد مهرا للمرأة فرت عليه بقوله تعالى"وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً"

وصلى الله على من كان يقول، قولوا عبد الله ورسوله؟

وإنى على يقين لو جاء أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إلى عالم المسلمين ولو كان عمر أو على ، لما تحصل على رتبة شيخ الحديث أو حتى شيخ الإسلام، وأنه له هذا والقوم كل حزب بما ليهم فرحون.
قال سفيان بن عيينة: خذ الحق ولو من كافر؟ قالوا: وكيف نعرف ان الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق لنورا وقد صدق الله قول ملكة سبأ فقال: وكذلك يفعلون، فالحق حق بنفسه ولا نحتاج لأن نغلفه بشهادات ولا أن نلحقه بأشخاص وذوات.
قد يقول قائل هذه محاولة منى لهدم المرجعية الدينية والعلمية، وفتح الباب لنكرات أمثالى ليجد له سوقا فى وسط المسلمين، فأقول إذا كان معيار الحق والباطل يعرف بالذوات والأشخاص لكانت مسألة الحق نسبية حسب الذوق والعرف والعادات والتقاليد.
وإنى أسأل هؤلاء كيف سيكون وضعهم لو عاصروا دعوة الرسل والأنبياء؟ هل سيقولون"قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود:91) ،أى لن نقتنع بحجتك بسبب أن مكانتك الإجتماعية لا تؤهلك لان نستمع إليك؟ أم أن الإمارة ،أم سيقولون" وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ )(البقرة: من الآية247)

فإذا كانا لا نقبل الحق إلا من كانت له مكانة إجتماعية ومال ووجاهة وشهادات؟ فهل أبقينا للوصول للحقيقة معيارا؟ إننا بحاجة لكسر القوقعة والخروج من القبيلة والطائفة والفرقة والتعصب إلى آفاق أوسع وأرحب ، ولكن ماذا تفعل إذا كان عالم بعض المسلمين ينحصر فى صير باب أو بالتعبير الليبى بحجم حبة الكسبر.

تحياتى والسلام عليكم

وكتبه العالم النحرير والدكتور الشير والأستاذ الكبير شيخ الإسلام وعلامة عصره ووحيد أقرانه، شيخ المحدثين أمام أهل الحق وحجة الله البالغة وآية الله العظمى.. الخ.

محمد رحومة
meolhsaamreid@hotmail.co.uk
www.zliten.net


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home