Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري

Thursday, 30 November, 2006

هـل التحشيد السياسي مطلوب في ليبيا؟

عـبدالمنصف البوري

السياسة في أي مجتمع من المجتمعات لا تمارس باعتبارها مجموعة من المسؤوليات والحقوق الملقاة على عاتق مواطنين أحرار ومسؤولين فحسب، بل تمارس وهذا الأهم ضمن رغبة لديهم للسعي باستمرار للتخلص من أوضاع سيئة وللتغيير للأفضل، وبهذا المعنى فإن المقصود بالتحشيد السياسي هو تظافر جهود كل القوى الوطنية أفرادا وشخصيات ومجموعات مدنية تضم كل مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وهيئات واتحادات مهنية وطلابية متعددة، وذلك من أجل تفعيل دورها في المجتمع بصورة تسمح لها بالمشاركة الفعلية في العمل في السياسي.

وفي ضوء هذا الفهم فإن هناك سؤالين هامين هما:
لماذا التحشيد السياسي في ليبيا وفي هذا الوقت بالذات؟
وما أهمية التحشيد السياسي بالنسبة لعملية التغيير؟

في البداية نقر بأن الواقع أي كان هذا الواقع لا يتغير من تلقاء نفسه وإنما يتغير من خلال التحشيد السياسي ومن ثم العمل لتغير الواقع، حيث تكثف الجهود وتركز ويتم تعبئة كل القوى القابلة والقادرة على إطلاق صيرورة التغيير باعتبارها مهمة وأساسية.

إن من مصلحة الليبيين جميعاَ الشعور بأن بإمكانهم أن يمارسوا قدراَ من السيطرة على مجريات الأمور والأوضاع التي تؤثر في حياتهم حاضرا ومستقبلاَ، باعتبار أن التغيير معركة تتطلب مساهمة الجميع في مجتمع اصبح مقموعاَ ومستباحاَ.

عملية التحشيد السياسي تعني القابلية والقدرة على هذه المشاركة في علاج الواقع، والمعالجة بهذه الكيفية تعنى بأن التغيير والتصحيح لن يأتي من اؤلئك الذين تسببوا في هذا الواقع المأساوي، ومن غير المقبول أن تأتي هذه المعالجة من الخارج مهما بلغت دقة الرؤية لديها وعمق التجربة فيها ومهما بلغ إعجابنا بها. إن المعالجة الوحيدة المقبولة والمطلوبة لابد وأن تأتي من القوى الوطنية أفراداَ وشخصيات ومجموعات في داخل الوطن، لآن هذه القوى هي الأكثر قدرة ومعرفة على رصد مختلف جوانب الواقع الليبي وتعقيداته وكيفية التعامل معه.

التحشيد السياسي لكل القوى مطلوب ومهم في هذه المرحلة ويكتسب أهمية بالغة لأن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشعب الليبي قد وصلت إلى درجة تهدد بالانفجار في أي لحظة وهي بهذه الوضعية تسير من سيئ إلى أسوأ ولا يمكن تجاهلها أو حتى التهاون في تقدير نتائجها الكارثية من جراء استمرارها أو ما يمكن أن تترتب عليه في المستقبل المنظور.

وفي هذا السياق يمكن إدراج جملة من الحقائق:

أولا: أن الوضع العام في البلاد قد وصل الى حالة من التهلهل والتسيب والفساد والتردي على كل المستويات، وبدرجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ ليبيا المعاصر. هذه الحالة تعكسها صورة التمزق الهيكلي العام لما يسمى بمؤسسات السلطة، وغياب خطوط رسمية وقانونية محددة للعلاقات بين هذه الأجهزة في مختلف دوائر الحكم، فالتشتت والغموض أصبح صفة لازمة لكل الممارسات التي تقوم بها السلطة. ورغم مرور أكثر من 37 عام على حكم القذافي لم يتم إرساء تقاليد معينة وراسخة للتعامل والتكامل السياسي بين مختلف أجهزة الدولة وذلك بسبب الطبيعة الفردية للحكم.

ثانيا: إن نظام القذافي لم يستطع رغم مرور السنوات الطويلة أن يوفر الإطار المؤسسي الملائم والفعال "وليس الشكلي" الذي يمكن من خلاله أن تتم المشاركة السياسية للشعب الليبي عبر أطر ومؤسسات المجتمع المدني وتنظيمات سياسية بكامل الحرية. الأمر الذي يؤكد عدم الاستجابة للواقع السياسي المتغير في ليبيا ومواكبة ظروف ومعطيات ومتطلبات البيئة الدولية في هذا القرن.

ثالثا: استغلال شرائح كبيرة من أعوان السلطة ورجال الجيش والأمن "والثوريين" الذين هيمنوا على مواقع السلطة والحكم والقرار، وحازوا من النفوذ ما مكنهم من الاستحواذ بوسائل غير مشروعة على ثروات الشعب الليبي مما أوجد طبقة متنفذة تملك كل الإمكانات والامتيازات في حين يعاني بقية أفراد المجتمع من والفقر والحرمان وانعدام الأمن والحرية.

رابعا: أن المطروح من مشاريع إصلاحية وحصرها في محاربة الفساد لن تستطيع القيام بالتشخيص الحقيقي لأمراض الواقع الليبي بسبب تعمدها تجاهل الأسباب الفعلية التي أدت إلى هذه الأمراض.

هذه المشاريع لم تقرأ الواقع قراءة ترمي إلى خلق بناء متماسك وحضاري لليبيا ولا تعبر عن طموحات وأماني الشعب الليبي بالقدر المطلوب، ولكنها تعبر عن مصالحها الذاتية وفي إطار النظام القائم والوضع الراهن حتى ولو كان ذلك بصيغ وأشكال مختلفة.

في ضوء هذه الحقائق وغيرها، تبرز فرص واقعية لا بد من استغلالها للتحشيد السياسي من أجل تغيير هذه الوضعية السيئة قبل وقوع الكارثة، وإذا أضفنا لهذه الحقائق حقيقة أخرى تتمثل في غياب الشرعية الدستورية للسلطة القائمة، وضعف الأسس القانونية التي تنشئ المؤسسات وتدار بها أجهزة السلطة في ليبيا، فان الأمر يتطلب تحشيداَ وعملا شعبيا جادا.

أن الشعب الليبي في مرحلة خيار مصيرية وهو يقترب من فترة حكم توشك على أن تستكمل عقوداَ أربعة، فعلى الشعب إما قبول استمرار هذه الحالة التي عليها ليبيا بكل عيوبها وتشوهاتها واستمرار نتائجها الكارثية، أو القيام بالتحشيد السياسي ومن ثمة العمل على التغيير.

إن الوعي بهذه الحقائق والإجماع عليها هو شرط ضروري وأساسي للتحشيد السياسي، فالأزمة الليبية في عمقها وشمولها تتكثف في وجود هذا النظام السياسي الفردي المستبد.

وفي إطار البحث عن أهمية التحشيد السياسي يمكن القول أن عملية التحشيد السياسي تنبع من كونه يكرس التواجد الفعلي والمشاركة الحقيقية لكافة القوى الساعية للتغيير السلمي، فضلاَ عن أنه سوف يمنع أولئك الذين تسببوا في بؤس هذا الواقع من الاستمرار في ممارساتهم.

أما في حالة عدم المشاركة في هذا التحشيد فإن التغيير سوف يتم بمعزل عن القوى الحقيقية الراغبة وصاحبة المصلحة في التغيير، ومن ثمة فإن الأمر قد يؤدي إلى تجيير مسألة التغيير بالكامل لصالح فرد أو جهة ما أو قوى معينة، وهذا بدوره سيؤدي إلى إعادة سيناريو الوضع الراهن تحت أشكال أو مسميات أخرى.

إن أهمية التحشيد السياسي تكمن في زيادة الوعي وتناميه بالمطالب والاستحقاقات الداخلية الجوهرية، والتي لا تلبى بكم من الوعود بإصلاحات اقتصادية، أو الغاء قانون ما، أو بتقديم تسهيلات، أو إتاحة مساحة ضيقة من حرية الرأي والتعبير والنقد الذي لا يمس جوهر الخلل وأسبابه. إذن فالتحشيد السياسي هو السعي إلى تكثيف جهود القوى الوطنية من أجل تحقيق المطالب والاستحقاقات الضرورية والأساسية التي تصحح الأخطاء وتسترد كل الحقوق والحريات.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home