Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري

Saturday, 30 September, 2006

ليبيا بين أوهام القذافي وبؤس الواقع

عـبدالمنصف البوري

المسافة بين أوهام القذافي وبين بؤس الواقع الليبي قصيرة جداَ، ومع ذلك فقد استمر القذافي ينعق بشعاراته الجوفاء ويردد مقولاته البلهاء لأكثر من ثلاثة عقود، حتى بعد أن انكشف للعالم بؤس هذا الواقع، وأصبح هذا الواقع بائساَ بصورة منقطعة النظير.

وفي ظل هذه الأوهام يدرك الليبيون أن معاناتهم تزداد شدة، وحياتهم قسوة، وحاضرهم تأزماَ واضطراباَ، ومستقبلهم أصبح في مهب الريح، بعد أن فرض عليهم "نموذجاَ" طوباوياَ، يقود إلى حالة فوضوية منفصلة بالكامل عن قضاياهم ومشاكلهم وواقع حياتهم.

إن الأسباب التي أوصلت ليبيا إلى ما هي عليه، من تردي وتخلف معروفة لدى القاصى والداني، لأنه مفروض على الشعب الليبي أوهام "أفكار" القذافي التي يراد لها أن تسمو بتعاليها عن سواها من أفكار واجتهادات وآراء كل الليبيين، بل ويراد لها أن تتعالى عن حقائق الكون والواقع المحكومة بالحركة والتغيير والتطور.

هذا التأزم السياسي المزمن، وتواتر العجز في الحالة الليبية راجع إلى طبيعة ذاتية تتعلق بشخصية القذافي نفسه، وفي طبيعة الأجهزة والأشخاص الذين تم أفرزتهم هذه الأوهام، مما أدى إلى استمرارالواقع الليبي البائس ثابتاَ على حاله بدون تبديل أو تغيير، وبدون إصلاح أو تطوير.

وفي ذكرى الاستيلاء على السلطة في ليبيا أعيد تكريس هذا النمط الغريب من "التفكير" الذي يستند إلى سيادة فكرة "القائد" الذي يمثل الزعيم الإله مصدر كل القوى والكمال والقيم، مما يعكس شخصية القذافي العنصرية الاستعلائية المركزية التي تدعّى العصمة والتفوق على الآخرين حتى ولو جاء إليه هؤلاء الآخرون بأيدي ممدودة وقلوب مفتوحة من أجل البحث في سبل (الإصلاح)؟!!!.

في ذكرى الإستيلاء على السلطة هذه وقبيلها بقليل عرضت على الشعب الليبي البضاعة الخاسرة والبائرة التي انتهت صلاحيتها في كل أسواق وبقاع العالم لكى يعاد تسويقها لنا مجدداَ في أوراق ملونة أو مزخرفة، وليضع القذافي وابنه سيف أمامنا نحن الليبيين خياراَ يتراوح بين الاستبداد بصورته القائمة وبين الاستبداد بعد إجراء جراحة تجميلية عليه.

فالأب مازال متمسكاَ باستمرار التعاطي السياسي في ليبيا بعقلية إدارة شئون العصابة، وليس بعقلية إدارة شئون الدولة، ومن هنا يستمر توزيع الغنائم والمغانم على الأتباع والمريدين، مع الاحتفاظ بامتيازات خاصة للأسرة والعائلة والأقارب والأصهار والقبيلة وجيش من المرتزقة، الذين باعوا كل شيء بما في ذلك ضمائرهم من أجل مصالحهم الشخصية.

والإبن سيف يطرح استبداداَ بحلولٍ تلفيقية ترقيعية تتوشح برداء (الإصلاح) في ظل بيئة أبيه التي ينعدم فيها أدنى معانى التسامح السياسي، وعقلية البناء المؤسسي، وتتحكم فيها الممارسات المنفلتة للعصابات والشلل التابعة للسلطة، دون ضوابط أو قانون أو دستور.

إن الحلم الواهم كما هو مفروض ومطبق على الشعب الليبي من قبل القذافي ومايطرحه ابنه سيف يمثل هروباَ من مواجهة المسألة السياسية التي يعكسها بؤس الواقع الليبي، ويوضح غياب الإرادة السياسية القادرة على إحداث أي تغيير أو إصلاح أو حتى تطوير، بل يؤكد على انفصام الذات السياسية على نفسها، وعجزها عن تفعيل إرادة الفعل الحقيقية. إن تغطية هذا العجز دفعا للشعور بالحرج من بؤس هذا الواقع تبدو أكثر وضوحاَ من خلال الخطاب السياسي لكل من القذافي وابنه سيف في الحديث عن الفساد والإنحراف والدعوة لرفع المعاناة عن الناس دون أن يباشر كلاهما القيام بإي عمل أو خطوة من أجل رفع هذه المعاناة، أو محاربة الفساد المستشري في كل أنحاء ليبيا.

بل إن القذافي وابنه في محاولة للخروج من المأزق الداخلي، يسعيان وباستمرار للإنخراط في ذلك الحدث الخارجي (لوكربي ـ أسلحة الدمار الشامل ـ أفريقيا)، وغيرها من القضايا الخارجية، أملا بأن يعزز ما يقومان به في الخارج من تنازلات ما قد يكون لصالحهما داخليا.

إن القراءة التحليلية للحالة الليبية هذه تؤكد سقوط الأوهام وانسداد الأفق، واستمرار العجز والتحايل على تلبية الاستحقاقات الداخلية، أو تأجيلها، أو العزوف عن مواجهتها بجدية وواقعية، وعلى أسس جديدة وشاملة، الأمر الذي سوف يقود في النهاية إلى تأجيج الاحتقان الداخلي، بل إنه قد يقود في أى لحظة من اللحظات إلى اندلاع العنف الذي لا يعرف مداه ولا نتائجه ولا حدوده.

إن قيام السلطة بعد الإنقلاب بشكلها الفاشي شىء، وبناء كيان الدولة المؤسسية شىء آخر، وما هو موجود في ليبيا الآن لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال السلطة "العصابة"، التي يستحيل عليها أن تسهم إيجابياَ ـ بعد مضى أكثر من 37 عاماَ ـ في بناء مجتمع سياسي للدولة الليبية، والإلتزام بنظمها في ذات الوقت. فالسلطة التي يتربع على عرشها القذافي، أو تلك التي يسعى لقيامها ابنه سيف هي نقيض صارخ لمفهوم الدولة الحقيقي بقوانيننها وضوابطها وحدودها ومؤسساتها وتنظيماتها وتقاليدها ومحور فعالياتها وأنشطتها وفكرها وقدرتها على الأداء والإنجاز السياسي من أجل ليبيا وشعبها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home