Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عـبدالمنصف البوري

الأربعاء 29 أبريل 2009

لماذا لا يوجد استقرار سياسي في العالم العربي؟

عـبدالمنصف حافظ البوري

تدعي العديد من الانظمة العربية التي جاءت الى السلطة في اعقاب خروج الاستعمار الاجنبي، من البلاد العربية بالاضافة الى الانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض دول المنطقة، انها حققت نوعا من الاستقرار السياسي، بينما الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية منذ اكثر من نصف قرن يؤكد عكس هذه الحقيقة، مما يدفع الى طرح بعض الأسئلة:
ما هو تعريف مفهوم الاستقرار السياسي من وجهة النظر العلمية؟
ما هو الفارق بين الاستقرار السياسي والسيطرة السياسية؟
الى اي حد يمكن القول بان هناك استقرارا سياسيا في هذا البلد او ذاك؟
قد لا نستطيع ان نجيب على كل هذه الاسئلة، ولكن سنحاول الاقتراب من الاجابة عليها قدر الامكان، مع تأكيدنا ان مساهمة القراء يمكن ان تساعد على تأصيل هذه المفاهيم، والبحث عن مطابقاتها للواقع العربي، من خلال تحليل هذا الواقع والقاء المزيد من الضوء عليه.
ولعله يجدر في البداية ان ننبه الى وجود صعوبة في ايجاد اجماع على تعريف محدد ودقيق لمفهوم الاستقرار السياسي؛ نظرا لتشابك هذا المفهوم مع الكثير من المصطلحات والمفاهيم الاخرى، كما هو الحال في معظم المفاهيم المتعلقة بالعلوم الاجتماعية، ولكن يمكن الاجتهاد على ان المعنى الذي نقصده هنا، ينصرف الى 'استتباب النظام السياسي الحاكم على قاعدة من القبول والرضا الشعبي بما يسمح بانسياب الحياة العامة والعملية السياسية برمتها دون اضطراب'.
هذا التعريف يتضمن مشروعية السلطة السياسية، التى ينبغى ان تستمد وجودها وبقاءها اصلا من المجتمع ككل، فالقبول والرضا يعني ان السلطة الحاكمة قامت على اسس استوجبت القبول بها من قبل المجتمع، سواء تم ذلك عبر العملية السياسية اي بالانتخابات او الاختيار، او تم عبر الاجماع والتعيين، وان اعمال السلطة وممارساتها تبقى مشروعة في اطار القوانين والمعايير التي تعارف عليها المجتمع تحت اسم الدستور.
كما يتضمن اصطلاح انسياب الحياة العامة اطلاق حرية العمل السياسي ورفض الصراع او التنافس على السلطة على أسس قائمة على العنف واستخدام القوة، وأن العملية السياسية تتم دون اضطراب، بمعنى ان العمل السياسي المتعلق بادارة شؤون الدولة قائم على التداول السلمي للسلطة.

الاستيلاء على السلطة

كما أن القبول والرضا يتضمنان توفر درجة عالية من العدل والمساواة، فالاحساس بهما يمهد طريق الاستقرار. اما فيما يتعلق بمفهوم السيطرة السياسية، والتي يدعي اصحابها بانها تعني الاستقرار السياسي، فيمكن التمييز بين نوعين من السيطرة وكلاهما يستند على القوة والعنف.
النوع الأول: وهو ممثل في السيطرة المحلية التي تحصر السلطة وتمركزها في يد حاكم ما عسكري او مدني، او في يد فئة او عائلة او عشيرة او قبيلة، كما هو الحال في كل الانظمة العربية الحاكمة، وعلى راسها ليبيا.
هذا النوع من السيطرة السياسية يمارس السلطة بقبضة حديدية، فمن يحكم باستخدام القوة او فرض الواقع هو الذي يخلق المعايير او المقاييس والتوازنات داخل المجتمع، وهو الذي يحدد ويضع من وجهة نظره، معايير العدل والمساواة والخطأ والصواب ويرسم حدودها، وعلى هذا الاساس يصبح تأمين بقاء الحاكم واستمراره في الحكم هو الشغل الشاغل في ظل الوجود الجامد والراكد.
يقول المفكر مطاع صفدي 'هذه السيطرة بانها عصبية جديدة زودتها الحداثة والعصرنة بالادوات والاجهزة، التي تمنحها القوة للنفي الشامل والنهائي للمجتمع الاهلي الذي اصبح ولاول مرة في التاريخ عاجزا عن المقاومة، بعد ان تم استعباده وتهميش وعيه وتفكيك اوصاله من خلال حركة القمع المتواصل، والاستبداد الذي ضرب كل الاشكال التنظيمية للمجتمع ونزع قدرات الجماهير السياسية وخنق المبادرات الشعبية'.
النوع الثاني: وهو المتمثل في سيطرة دولة اجنبية على غيرها باستخدام القوة في احتلال الارض وفرض ارادتها على المجتمع، كما هو الحال في صور الاستعمار التقليدي وحالة الدولة الاسرائيلية في فلسطين.
ومن اهم مظاهر السيطرة السياسية في كلا النوعين فقدان الامن والطمانينة، وتدهور القيم والمثل من خلال زرع البلبلة والتناقض في رؤية المجتمع لنفسه واستمرارية وجوده، وزوال اليقين بسبب احساس المجتمع بعدم القدرة على التحكم في مصيره المادي والسياسي والانساني، ويمكن ان نلاحظ ان القاسم المشترك لكل انواع السيطرة السياسية، انها تقوم على اساس القوة والعنف وفرض الامر الواقع، ولا تقوم على اساس مبدأ القبول والرضا اي على اسس من الشرعية والمشروعية.
في ضوء هذا الفهم، يمكن طرح السؤال التالي: هل يمكن ان يتحقق الاستقرار السياسي في ظل فرض السيطرة والامر الواقع بالقوة؟
من خلال متابعة التجربة التاريخية لكل من المجتمعات والامم ،يتاكد لنا بان الاستقرار السياسي لا يمكن ان يتحقق في ظل السيطرة حتى لو استمر لعقود طويلة، فالسيطرة لا تقوم على اسس عادلة ولا ترسي اسس المساواة، بل انها تعمل على انحطاط الممارسة السياسية بشقيها الرسمي والشعبي، كما انها تستند في ممارساتها على الارهاب والتخويف، والى ازالة الاسس القانونية والدستورية للحكم وتهميش دور المؤسسات العامة والاهلية.
السيطرة السياسية تعني من الناحية الواقعية ظاهرة لتكريس الظلم بالقوة والعنف في ايدي القاهرين، سواء كانوا حكاما محليين او مستعمرين اجانب، واستمرارها ليس الا تعبيراعن استمرار العسف والاحتقان وتفاقمه، مما يخلق احتجاجا لا يهدأ وربما توسيعا لدائرة الاضطراب، مما يمهد مع مرور الوقت لاندلاع موجات من العنف سواء بشكل متقطع او متتال. فالسيطرة ايا كانت محلية او خارجية تعطل قدرات اي مجتمع لتحقيق ذاته، باعتبارها اداة قهر ووجود القهر السياسي سيقود حتما الى وجود علاقة يسودها العنف، وفي ظل العنف لا يمكن ان يتحقق الاستقرار السياسي.

الحالة العربية

ان معظم ان لم يكن كل الانظمة العربية تستمر في المباهاة بقوة السيطرة، تحت عباءة 'تحقيق الاستقرار' دون ان تعترف بالازمة العميقة التي تمر بها، وهذا يشكل تجاهلا للأسباب الحقيقية والدوافع الفعلية لحالة عدم الاستقرار.
ان هناك وهما شائعا لدى الكثيرين بان هناك استقرارا في معظم الاقطار العربية، مع ان الواقع يكشف بان هذا الاستقرار شكلي او ظاهري، وهو تعبير عن سيطرة القوة ممثلة في فرض ارادة الحاكم على المجتمع من خلال الاجهزة الامنية المتعددة، او كما يصف قيس خزعل جوال هذه الحالة قائلا 'اصبح النمط المنتشر في العالم العربي هو نظام على قمته رئيس والباقي اجهزة امن'.
قد يكون هناك بعض التفاوت النسبي بين هذا القطر العربي او ذاك بقدر ما يتوفر لهذا المجتمع او غيره من هامش للحرية، فكلما زادت سيطرة السلطة وتدخلها في حياة وشؤؤن الناس زادت حالة عدم الاستقرار، وكلما توهم حاكم ما أو سلطة ما بأنها حققت السيطرة الكاملة عبر الاجهزة الامنية وممارسة القمع والعنف، قللت من فرص الاستقرار السياسي وزادت من حالة الاحتقان والاضطراب العام، وفتحت المجال امام العنف ليندلع في لحظة ما بدلا من لغة الحواروالتفاهم السلمي.
يقول فروم 'إن المتعة في تحقيق السيطرة على انسان اخر هي جوهر النزعة السادية، وباستطاعتنا ان نقول ان السادية تعني تجريد الانسان من انسانيته وتحويله الى مجرد شيء لا قيمة له، فالسيطرة الكاملة على الانسان تجرده من واحدة من اعز ممتلكاته الا وهي الحرية'.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home