Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

الجمعة 26 سبتمبر 2008

الوصفة الخليجية

عـبدالمنصف البوري

لعل القراءة المتأنية للأحداث ، وتحليل مضمون التصريحات والخطب التي تصدر في اللقاءات والخطابات، لكل من القذافى وابنه سيف، تتيح للمتابع الفرصة لإستقراء مايحدث وتلمس ما قد يحدث فى المستقبل المنظور، مع مراعاة ان كثيرا مما يحدث على السطح ليس له معنى ثابت، إلا بقدر مايتم ربطه بما خفى، او مايجري التخطيط له في الخفاء .

زيارات عديدة الى ليبيا قام بها رؤساء و قادة الدول الغربية،وبعض دول اوروبا الشرقية، الى خيمة العقيد حتى ظن البعض انها اصبحت مزار او قبلة لهم،خاصة وان بعض هؤلاء كانوا يصفون القذافى والى وقت قريب،بانه دكتاتوروراعى للإرهاب ومعادى للمصالح الاجنبية، اومايسمى بالقوى الامبريالية.

فكيف جرى ترويضه؟ وكيف تحول الى حمل وديع؟

لااحد يشك بان غزو العراق ومشهد القبض على صدام حسين، لعب دورا مهما فى شعور القذافى بالخوف ويقينه بالخطر القادم نحوه ، فلم يتردد فى الاذعان والاستسلام ثم تسليم ماعنده للولايات المتحدة الامريكية، دون شروط او مقابل ، وبعد ذلك بدأ سيل الزيارات و فى بعضها جرى تقديم بعض النصائح والوصفات ، بطريقة مباشرة او غير مباشرة ومن بينها الوصفة الخليجية .

من المؤكد ان هذه المرحلة ومايليها ستشهد سناريوهات عديدة ومتشابكة لترتيب الأوضاع الداخلية في ليبيا، هذه السيناريوهات يكتنفها الكثيرمن الغموض وعدم الوضوح ، بسبب غياب المعلومات الدقيقة لدى غالبية الليبيين من جانب ، وبسبب تداخل الأدوار بين القوى المهيمنة على السلطة في البلاد ، وبين القوى الخارجية من جانب اخر .

وهذا بدوره يدفع لطرح بعض التساؤلات حول السيناريوهات المحتملة لهذه الترتيبات مثل :

لماذا اعلن سيف القذافي في هذه الفترة بالذات " انسحابه " من العمل السياسي؟ او بمعنى اصح ابتعاده عن التدخل فى الشأن السياسى ؟

وماهو الدور الذي سوف يقوم به خلال المرحلة الحالية والقادمة ؟

وكيف سيتم ترتيب الأوضاع الداخلية في البلاد، حتى تتم المحافظة على الوضع الراهن دون المخاطرة بإيجاد بديل أو وضع سياسي جديد ؟

فى البداية ينبغى توضيح نقطة مهمة، وهى ان هناك فرقا بين الابتعاد وعدم التدخل فى السياسة،وبين التخلى نهائيا عن العمل السياسى، واذا تصور البعض تصريحات سيف القذافى بمثابة اعتزال فهذا غير صحيح، فالذى اعلنه هو ابتعاده وعدم رغبته فى التدخل موقتأ ،وليس التخلى عن السياسة بالكامل .

السيناريو الأول :

قد يكون التوقيت الذي اختاره سيف القذافي لإعلان " إبتعاده "عن العمل السياسي ، مرتبط بماسوف يقدم عليه القذافي بنفسه من تعديلات او تغييرات جوهرية، وهي تعديلات لن تمس الواقع القائم بأى شيء، ولكنها تتعلق بفرض فوضى عارمة، لا تعطى اى فرصة للشعب الليبي ان يستفيد من أى ارتخاء سياسى ولو محدود للغاية، بعد ان انتشرت فى الفترة السابقة الادعاءات والشعارات الاصلاحية، وكثر الحديث عن إبعاد سلمي لبعض الثوريين لايصل الى حد التصفية الجسدية أو المسائلة او تقديم للمحاكمة، وان قيام القذافي شخصيا بهذه الترتيبات والتعديلات، سوف يمنع أيا من هذه العناصرالثورية من الإعتراض عليه، ويعطيه الفرصة لترتيب الساحة الداخلية بالشكل والصورة التي يريدها، وخلاصة هذه التريبات والتعديلات سوف تتمثل في تبديل الأماكن والمناصب، وربما التهميش الذ ى يمنع أى صراع أو صدام قادم مع أبنه سيف.

فى هذه المرحلة بعض الثوريين يرون أن وجود سيف قد يخلق حالة من التناقض، ما بين المحافظة على الأوضاع على ماهي عليه، وبين الإدعاءات الإصلاحية التى قد يستغلها البعض فى زعزعة الامن، وبالتالي فقد نصح هؤلاء الثوريون بأن يقوم القذافى بإبعاد أبنه سيف موقتأ، الى ان تجرى عملية التسوية والموائمة والربط بينهما، ومن هنا جاءت تصريحات سيف الأخيرة لتبرير كل ماقامت به اللجان الثورية، من أعمال عنف وتدمير وممارسات ظالمة وخاطئة، وكذلك جاء إعلانه "للابتعاد" عن العمل السياسى، لتصب جميعها في إطار التهدئة التي أمر بها القذافي نفسه، حتى اصبحت مشاريع مايسمى " بليبيا الغد " في مهب الريح، فالمواقع الألكترونية، والإذاعات ومحطات التلفزيون، والصحف والتجمعات والمنابر السياسية، كلها بصورة واخرى انتهت الى السيطرة عليها من قبل التيارات الثورية.

ولعل المطلوب من سيف في هذه المرحلة، أن يقوم بتحشيد ألانصار والمؤيدين له، بصورة غير رسمية ومن خلف الكواليس، للمطالبة بعودته لقيادة "المسيرة" بشكل رسمى، وتحت إدعاءات المطالب والرغبة الشعبية خاصة من الشباب.

وفي الفترة الأخيرة بدأت المؤشرات على هذا التحشيد واضحة وجلية، من اصطفاف بعض التجمعات الشبابية وإعتصاماتها للمطالبة بعودة سيف، وكذلك مايسمى بالقيادات الإجتماعية الشعبية، وعدد من رموزاللجان الثورية وملتقياتها، كل ذلك لتعبيد الطريق أمام مسرحية العودة، كما حدث فى سبهاوربما فى غيرها من المدن.

بهذا الشكل مسرحية العودة سوف تمكن سيف من استلام زمام الأمور في البلاد من أبيه، وتسمح له باختيار بعض الوجوه الجديدة التى سوف تساعده في الإقتراب من تطبيق الوصفة الخليجية، مع الإحتفاظ لابية بمكانة خاصة في هذه الوصفة.

السيناريو الثاني :

يردد البعض أن "ابتعاد" سيف عن العمل السياسي في هذه المرحلة، هو من أجل إتاحة الفرصة لآخيه المعتصم، الذي تولى منصب مستشار الأمن الوطني، للقيام باداء بعض الأدوار والمهام التي تتعلق بالشأن الداخلي، كما يحبذ البعض الاخر من المتنفذين من عائلة وقبيلة القذافي، خلافة المعتصم لأبيه لعدم ثقتهم في سيف، الذي قد يجرعليهم الكثير من الضرر من خلال تصريحاته وإدعاءاته الإصلاحية، ويؤكد هذا البعض ان عملية إبراز المعتصم التى لوحظت في الفترة الأخيرة من خلال صحبة أبيه، تندرج في إطار هذا "التلميع".

في حين يؤكد آخرين على أن اللقاءات والزيارات، التي قام بها المعتصم للولايات المتحدة الأمريكية بصحبة بعض أركان السلطة، واجتماعه بعدد من المسئولين الأمريكيين، قد أهلته أكثر من أخيه سيف لتولي الحكم من أبيه.

وأن حصوله على موافقة ورضى صناع القرارالأمريكي، من خلال تعاهده بالإلتزام بتأييد والمشاركة في الإسترتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب، وتبادل كافة المعلومات المتعلقة بالعناصر والجماعات الإرهابية، هي في حد ذاتها كافية لكي تجعل منه الوريث للسلطة.

ومن ناحية أخرى فإن دور سيف في هذه المرحلة سوف يكون التفرغ الكامل لإدارة ممتلكات واستثمارات العائلة في الخارج، والتي تقدر بمليارات الدولارات، وأنه سوف يكون الجسر الذي يربط الشركات الأجنبية، التي سوف تكلف بتنفيذ المشروعات المزمع إقامتها في ليبيا، وللإقتراب بها من الوصفة الخليجية.

السيناريو الثالث :


يرى بعض المراقبين للشأن الليبي ان "ابتعاد" سيف المؤقت عن العمل السياسي تحت دعاوى "اعتزال" العمل السياسي، قد جرى ترتيبها والإتفاق عليها لكي يتم إعادة تأهيله خارجياً، أى اصباغ الشرعية الخارجية عليه ليتولى "قيادة" المرحلة القادمة، بغض النظر عن أهمية وضرورة الشرعية الداخلية المطلوبة من الشعب الليبي أوغالبية الليبيين.

ويبرر البعض أهمية الشرعية الخارجية، وربما تفوقها على الشرعية الداخلية، بأن المجتمع الليبي بشرائحه المختلفة منقسم على بعضه البعض، مابين راض وغاضب وفاقد للثقة، ومع وضد، أو غير مهتم بتاتاً، وبالتالي لا يمكن تحقيق اجماع بين الشعب الليبي.

هذا التأهيل الخارجي لسيف، يتضمن إعادة تلميعه بشكل مدروس، من خلال إتاحة الفرصة له للإلتقاء بمراكز صنع القرارفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأوربية الأخرى، والتباحث مع الشركات والمؤسسات العملاقة، خاصة في مجالات النفط والتجارة، والإتفاق على استراتيجية بعيدة المدى للعمل في ليبيا، وزيارة الجامعات ومراكز البحث العلمي وإلقاء المحاضرات في بعضها، والأهم في كل ذلك هو التأهيل للبروز فى وسائل الإعلام الخارجية الأكثر تاثيرا وانتشارا في العالم.

هذا التأهيل لن يقتصرعلى الجوانب السياسية بل وأيضا الجوانب الإقتصادية، التي تحمل في طياتها استعارة الوصفة الخليجية.

ماهى الوصفة الخليجية؟

الوصفة الخليجية تقوم على الحكم الأسري والعائلي، والذي يحصر السلطة السياسية بيد أفراد العائلة أو الأسرة أو القبيلة، أى حكم وراثي خاص، وتجدر الإشارة هنا الى أن معظم الأنظمة العربية بما فيها الأنظمة ذات النظام الجمهوري أوالثوري، قد بدأت منذ سنوات عديدة الأخذ بنفس المبدأ أى "التوريث السياسي"، وبالتالي فإن الوصفة الخليجية لم تعد استثناءا، وانما القصد هو الإشارة الى التركيزعلى الجوانب الإقتصادية، واهمال أوالتقليل من اهمية تطويرالجوانب السياسية، وغياب المشاركة السياسية الفعلية، وتلاشى أو ضعف المؤسسات التشريعية.

لاشك أن الهدف المباشر والجوهري لإستعارة الوصفة الخليجية ومحاولة تطبيقها في ليبيا، هومن أجل المحافظة على النمط السياسي القائم، بما يضمن عدم إرباك الأهداف الإستراتيجية والإقتصادية للقوى الأجنبية، فضلا عن ضمانة وضع مستقر لاستثماراتها، وتجنيبها حالة من عدم الإستقرار المفاجئ، التي قد تنشأ بسبب قيام نظام سياسي جديد.

ولايغيب عن ذهن القارىء انه في السنوات الأخيرة قد أصبح الهاجس من وصول قوى متطرفة، حتى لو كان ذلك عن طريق الإختيار الديمقراطي، من أهم العوامل التي تدفع القوى الدولية الى تفضيل التعامل مع الأنظمة العائلية القائمة، او تلك الإستبدادية الفردية، مهما كان سجل انتهاكاتها لحقوق الإنسان والحريات كبيراً وصارخاً.

هل تنجح الوصفة الخليجية في ليبيا؟

لاشك انه من الصعوبة القيام باستعارة تجربة ما، ومحاولة تطبيقها فى واقع مختلف الى حد كبير، وسواء كانت هذه التجربة سياسية ام اقتصادية، بمعزل عن الظروف والمعطيات الموضوعية اللازمة لنجاحها، ولو تفحصنا التجربة الخليجية على المستويين السياسى و الاقتصادى، لوجدنا فوارق عدة بينها وبين الواقع القائم فى ليبيا، مع الاقرار بان التجربة الخليجية ليست هى الافضل مقارنة مع غيرها من التجارب فى العالم، ولكنها تبقى الافضل نسبيا فى الوطن العربى .

وفى سياق المقارنة مع ماهو قائم فى ليبيا يمكن ملاحظةالتالى :

* ان الطبقة الحاكمة فى دول الخليج تختلف فى طريقة تفكيرها وتقديرها وتعاطيها، مع واقعها الداخلى وفى كيفية تعاملها مع الدول الخارجية والاجنبية، وغالبا ما تلجاء الى الدبلوماسية الهادئة او غير الظاهرة، ولا تميل الى التصادم او التشهير الاعلامى والدعائى، بالشكل الذى عليه العديد من الانظمة "الثورية" وعلى رأسها نظام القذافى.

* ان القيادات الحاكمة فى دول الخليج لم تأت للسلطة عبر الانقلابات العسكرية، وشعوبها تدرك تماما تجربة الانقلابات، وماجرته الانظمة العسكرية فى المنطقة العربية، من دمارلبلدانها وويلات لمجتمعاتها، وما وصلت اليه اوضاعها الان، ومن تم فان الدرس ماثل امامها بكل ما يحمله من تبعات و مأسى، وعلى وجه الخصوص فى ليبيا.

* ان النخب العائلية الحاكمة فى الخليج لم تفرض على شعوبها ومواطنيها، ايدلوجيات سيا سية ولا افكارا غريبة، من وحى من يسيطرعلى السلطة او يحكم، كما هو الحال فى ليبيا، بل سمحت بهوامش محدودة للافكار والاراء، حتى وان كانت غيركافية، ومع ذلك تتيح بعض التطورالتدريجى والطبيعى لهذه المجتمعات، ومع الاعتراف بعدم مواكبة التطور السياسى لما هو عليه الحال بالنسبة للطفرة الاقتصادية والمالية.

* الطبقة الحاكمة فى الخليج لم تمارس العنف واستخدام القوة، بالصورة التى عرفتها الانظمة "الثورية" ضد شرائح واسعة من مجتمعاتها، كما حدث فى مصر والعراق وسوريا والسودان وليبيا والجزائر واليمن.

* حكام الخليج لم يتجرؤا على المساس بحياة شعوبهم ومجتمعاتهم على المستويين الاقتصادى والاجتماعى، بالصورة والعنف والظلم الذى وقع فى ليبيا، وبصورة اقل بكثير فى بقية الانظمة "الثورية" الاخرى، كما ان الانسان الخليجى تحت كل الظروف التى عرفتها هذه المنطقة، لم يتعرض لما تعرض اليه الانسان الليبى، من نهب و قسوة ومأساوية مست كل جانب من جوانب حياته الاقصادية والاجتماعية، كما يبقى ما تم انجازه فى دول الخليج رغم كل السلبيات، يمكن لمسه على ارض الواقع، فى حين ان ما حدث ومازال يحدث فى ليبيا يعد ضربا من الوهم تعصف به رياح الفوضى.

* ان دول الخليج رغم ما يمكن ان يقال فيها عن الفساد المالى والادارى، فأنها قد دعمت وجود الاجهزة والادارة التى تؤسس للدولة، وعلى العكس من ذلك انحدرت ليبيا الى درجة متدنية للغاية، من حيث تفكك الدوائر والموسسات والادارة التى تبنى الدولة، و ضخامة وحجم الفساد المستشرى فى اوساطها.

* فى ليبيا لاتوجد دولة، ولكن هناك حاكم اسبغ على نفسه عشرات الالقاب، وعاش واستمر على وهم من الشعارات، ومجموعة من الاجهزة الامنية والقمعية التي يدير بها البلاد، ولهذا السبب وغيره من الاسباب، فإن اللجؤء للوصفة الخليجية لعلاج الوضع المريض القائم فى ليبيا لن يحقق أى نجاح.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home