Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الإربعاء 26 يناير 2011

لا تتاجروا بقضية الشعب الليبي

عـبدالمنصف حافظ البوري

قرأت تصريحات الشيخ راشد الغنوشى التي نشرت في صحيفة قورينا في 22 يناير التابعة لدكتاتور ليبيا  "بعد أن آلت ملكيتها من أبنه إليه"، ولكم أدهشني ما قرأت، إلا أنني انتظرت قبل أن أكتب أو أتفوه بكلمة حول تلك التصريحات لكي أتأكد من صحتها، فما كان من استغرابي ودهشتي إلا أن زادا أضعافا مضاعفة حين شاهدت ما بدر من هذا  "الشيخ الجليل" في اللقاء الذي أجرته معه قناة الحوار التابعة لتيار الإخوان المسلمين.. هذا الكم الهائل من التبريرات التي ساقها لنا حول مكالمته الهاتفية لسيف أبن دكتاتور ليبيا، والتي لا تبدو منطقية ولا منسجمة مع رجل اعتبره الكثيرون يوما ما مناضل وصاحب موقف سياسي يستحق الاحترام، يناهض أنظمة الحزب الواحد، والرجل الواحد، والحاكم الواحد، والسلطة العائلية. هذا الرجل نفسه، نراه اليوم يتحدث وكأنه يجهل القذافى وعقليته التسلطية وأفكاره النرجسية وأمراضه الأخلاقية، ويجهل حقيقة أبنه المدلل ويُخوته وطائراته الخاصة وملياراته في البنوك الأجنبية وشركاته واستثماراته بما في ذلك تلك الموجودة على الأراضي التونسية، ويجهل بالأخص سلوكياته هو وبقية أخوته والتي نشرت تفاصيلها وصورها في الصحافة  في كل دول أوروبا والعالم العربي!

لقد وصف الشيخ الغنوشى زين العابدين بن على بأنه الطاغية والدكتاتور الذي أطاح به الشعب التونسي، إلا أن السياسي المحنك والعالم الديني لن يخجل من أن يصف "القائد القذافى" بأنه "ملاك ثوري"، وليس دكتاتورا جباراَ ومتسلطا على الشعب الليبي مثله مثل بن على بل وأسوأ! ولعله اعتقد أيضا أنه "قائد ثورة" بالفعل، حملته جماهير الشعب الليبي على أكتافها لكي يعتلى عرش ليبيا، ولم يأتي به على ظهر  دبابة عسكرية في جنح الظلام ليسرق السلطة وينصب نفسه دكتاتوراَ متسلطاَ على شعبه بصورة أبشع واشد وأكثر تنكيلا مما هو موجود في تونس.. ولعل ثقافة الشيخ راشد السياسية بهذا المعنى الذي يخاطب به الليبيين، تريد أن تساوى بين الثورة التي يقوم بها الشعب وتصنعها الجماهير وتطيح بالسلطة الظالمة القائمة، وبين الانقلاب العسكري الذي تم بالدبابات وليتبعه ما تبع من تنكيل وتشريد وإفقار ومذلة ومهانة لشعب بأكمله، وهو ما قام به القذافى في ليبيا.

ولعلنا نذكرك أيها الشيخ "الجليل"، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، ألا تذكر كيف صادر القذافى حق الليبيين في حرية  التعبير والتجمع والتنظيم السلمي السياسي والنقابي، وفرض عليهم هلوسته الشيطانية تحت أسم "سلطة الشعب"، وصادر ممتلكاتهم وأموالهم؟ ألم ترى كيف شرّد الآلاف من خيرة أبناء ورجال ليبيا ليقطنوا مدن وعواصم الدول الأجنبية، كما كنت أنت مشردا؟ ألم يتناهى إلى سمعك شيئاَ عن المليشيات التي أسماها القذافى "باللجان الثورية " ثم أطلقها كالوحوش على أبناء وبنات الشعب الليبي، تقتل وتعذب وتسجن وتعتقل من تشاء من أصحاب الرأي والفكر والعلم بما في ذلك شيوخ المساجد وأساتذة الجامعات؟ ألا تذكر ما سمعت عن الشيخ البشتى الذي تمت جرجرته من داخل مسجده وقتله، والشيخ المبروك الذي قُطِّعَت أوصاله من قبل عملاء القذافى في السعودية أثناء موسم الحج وأُلقِيَ في كيس قمامة في الطريق العام؟ ألم تسمع أو آلم ترى بأم عينيك ما نقِل على شاشات التلفزيون من حفلات المشانق العلنية التي أقامتها اللجان الثورية بتوجيه مباشر ومباركة من القذافى، للطلاب والأساتذة في الجامعات والساحات ؟ وما سمعت عن رمى جثث المواطنين من أبناء شعب ليبيا خارج المياه الإقليمية، والتمثيل يبعضها في الميادين والساحات؟ أنسيت أيضا يا شيخنا ما سمعته، وربما شاهدته بنفسك، عن الذين خطفهم القذافى من خارج وفى داخل البلاد؟ أنسيت ما سمعت وما عرفت عن ملاحقة الشرفاء والوطنيين الليبيين وتصفيتهم جسدياَ في عواصم دول العالم العربي والغربي، بما فيها عاصمة الضباب التي تقطنها؟!! ولأذكرك بتصفية الشهيد على بوزيد في محله التجاري في (حي كوينز وى) في لندن والذي تناقلته وسائل الإعلام ومن قبله تصفية الشهيد محمد مصطفى رمضان أمام باحة مسجد لندن الكبير بعد صلاة الجمعة مباشرة وغيرهم من الليبيين الشرفاء  ألم تقرأ في "جون أفريك" التي يملكها ويديرها تونسي و تصدر في باريس وفى الصحافة العربية والعالمية عن حرب تشاد  وتم على إثرها استقطاع شريط اوزو من ليبيا التي ضاع فيها الآلاف من الطلاب والشباب الليبي وكبار السن بدون سبب ؟ وأخيراَ أذكِّرك يا شيخ "راشد" بمذبحة سجن أبوسليم التي راح ضحيتها 1270 سجين سياسي، عدد كبير منهم ينتمون أو محسوبين على التيار الإسلامي..

 فعن أي "قائد ثورة" تتحدث، يا فضيلة الشيخ وكيف طاوعك ضميرك ورضت نفسك بأن تصرح بما صرحت به وأنت تدرك وتعلم ما حدث للشعب الليبي من انتهاكات وجرائم خلال 41 سنه..أنت ادري بها .

إن حديثك "يا شيخ" راشد الغنوشى في قناة " الحوار"، ومخاطبة دكتاتور ليبيا باسم "القائد"، لهو شئ مخجل ومهين في حق الليبيين، وما شكرك للقذافى وثناؤك عليه لفتح الحدود وإعفاء الطلبة التونسيين من الرسوم الدراسية إلا تملق ومغالطة، وأنت تعلم ذلك جيدا أن قرار القذافى بهذا الشأن لم يكن لأجل مساعدة الشعب التونسي والتخفيف من معاناته، بل كان لأجل إنقاذ زين العابدين وحكمه، ولإحباط الثورة التونسية.. إن هذا "القائد" الذي تمتدحه اليوم هو نفسه من رمى بالأمس الآلاف من أبناء شعبك على الحدود التونسية، فهل نسيت هذا أيضا؟

أننا يا شيخ غنوشى نتفهم طبيعة العمل السياسي والمناورة السياسية ولكن ليس بهذه الدرجة  فتصريحاتكم وحديثكم يا شيخ راشد بهذا الشكل لا يمكن تصنيفها إلا في دائرة النفاق السياسي وازدواجية المعايير من الدرجة الأولى(double standards)  ، ولا أعتقد أنك يا شيخ أن تجهل حقيقة ما جرى ومازال يجرى حتى اليوم في ليبيا، ولعله من المفيد أن أذكرك باللقاءات التي تمت مع عدد كبير من المعارضين الليبيين أثناء زيارتك للولايات المتحدة الأمريكية أبان الثمانينيات وموقفك آنذاك عندما طالبت بضرورة التحرك ضد الدكتاتور القذافى وانك تعي وتدرك حقيقة الوضع الاستبدادي في ليبيا، أما اليوم فيبدو أنك قد تبنيت نفس الازدواجية في المعايير التي طالما انتقدتها علنا فيما يخص التعاملات السياسية التي تتخذها الأنظمة الأوروبية تجاه القضايا العربية، وها أنت اليوم تستخدم نفس الازدواجية للتهليل بالقائد الدكتاتور، الذي لم يخفِ تشكيكه في الثورة التونسية.

يا شيخ  من حقك أن تتلون كما تشاء، ومن حقك أن تغيِّر من مبادئك ومن رؤاك، وأن تعجب "بالقائد" القذافى، فذلك اختيارك الحر، إلا أن الحقيقة التي لا تتغير ولا تتلون هي أن القذافى يظل في نظر الليبيين دكتاتورا ومتخلفاً أيضا، وكلام أمثالك لا يغيّر هذه الحقيقة، إنما يفضحه ويحرق مصداقيته ،وربما أحرق مصداقيتك وقد قطعت بيدك حبل التواصل والتآخي ليس فقط مع شعب ليبيا بل ربما مع قطاعات كبيرة من شعبك أيضا.. ولك "السي" الغنوشى أن تهاتف "أبن القائد" "سيف" لتشكره على قرار أبيه في فتح الحدود التي لم يغلقها سواه في وجه الشعب التونسي، وكذلك على إعفاء بعض الطلبة التونسيين من الرسوم في الجامعات الليبية.

أنني في الختام أؤكد لك يا شيخ أن القذافى بطبيعته التآمرية لن يتوقف عن محاولة زعزعة الاستقرار في تونس خوفا من انتقال عدوى الانتفاضة والثورة الشعبية إلى ليبيا، إلا أننا كأفراد من أبناء الشعب الليبي، لا نملك إلا أن نلوم عليك إفساد فرحة الليبيين في تأييدهم لانتفاضة الشعب التونسي الشقيق لإسقاط دكتاتور من منطقتنا العربية، واصطفاف القوى السياسية الليبية من فصائل وتيارات وشخصيات وكتّاب وصحفيين ببياناتهم وكتاباتهم لتأييد ثورة تونس الشعبية، فهل تدرك وتعي ماذا فعلت بحق شعبين تنتمي لأحدهما؟ أن الظلم هو الظلم إن الدكتاتور هو نفسه الدكتاتور يا شيخ "راشد" وسيبقى كذلك سواء في تونس أو في ليبيا أو في اليمن أو في أي بقعة من الأرض ... ولا أقول إلا ... لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.   

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home