Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

الجمعة 25 يوليو 2008

شخصنة العلاقات السياسية

عـبدالمنصف البوري

إن أساس اتخاذ القرارات السياسية التي تتعلق بالعلاقات بين الدول، ترتبط بالدرجة الأولى بتحقيق المصالح الوطنية لهذه الدولة أو تلك، وهذه القرارات بدورها تأتي نتاج التفاعل بين البيئة الداخلية والخارجية لكل دولة .

والعلاقات بين الدول بعموميتها واستمرارها وارتباطها بالعمل السياسي والدبلوماسي، لا ترتبط بالأشخاص مهما كانت مراكز هؤلاء الأشخاص، أو نفوذهم، أو مدى بقائهم في السلطة ، أو العمل السياسي، لأنها تؤسس للعلاقات بين الدول ، ومن ثم فالأشخاص المكلفون بها زائلون مهما طال الزمن أو قصر.

ولعل المتأمل للحالة الليبية ، وهي حالة شاذة بكل المعايير السياسية والدولية ، يلاحظ دون عناء أو مشقة ظاهرة الشخصنة، التي تحكم السياسة الخارجية الليبية، وبالتالي العلاقات مع باقي الدول الأخرى العربية منها أو الأجنبية .

منذ استيلاء القذافي على السلطة في ليبيا، وظاهرة الشخصنة تلوّن قراراته ليس على المستوى الداخلي والمحلي فحسب، بل وحتى على المستوى الخارجي، فالقذافي يعتبر نفسه أن الدولة الليبية برمتها تتجسد فيه ( أنا الدولة ، والدولة أنا )، مما يهمش أي دور فعلي وحقيقي للمصلحة الوطنية، التي يجب أن تكون مبنية على وجود قيم ومبادئ ومصالح المجتمع، وهي التي ينبغي أن تحدد لمن يقود هذا المجتمع، كيف يتعامل مع الآخرين ، وكيف تكون علاقته بهم .

والمتتبع لسير العلاقات السياسية بين نظام القذافي، وبين بقية الأسرة الدولية يجد صعوبة بالغة في فهم سياسة ليبيا خارجية، بحكم أنها تتطابق مع مفهوم الشخصنة في إدارة العلاقات مع الدول الأخرى.

إن ابسط حادثة يمكن أن تحدث في أي مكان من العالم، يمكن اعتبارها أو إدراجها بكل المقاييس الموضوعية حادثة محلية صرفة، لا يمكن أن تأخذ أكثر من حجمها، غير أن السلطات الليبية تنتقي بعض الأحداث و بأوامر عليا تعمل على تضخيمها و شخصنتها، حتى تتحول إلى أمر رمزي يتطلب الانتقام والتهديد باتخاذ إجراءات على المستوى الاقتصادي والسياسي، حتى ولو أدى الأمر إلى الإضرار بمصلحة الشعب الليبي.

فعلى سبيل المثال الجميع يذكر منذ عدة سنوات عندما قامت السلطات النمساوية، بالاعتراض على قبول نمور سيف القذافي في النمسا، مما دفع "بالنظام" الليبي إلى إيقاف كافة الاتصالات مع النمسا، وتجميد عمل وأموال الشركات النمساوية في ليبيا، ومنع المسؤولين والفنيين والخبراء النمساويين من العمل في ليبيا، وإيقاف التجارة والتعامل بصفة عامة معها .

وعندما أوقفت الشرطة الألمانية في ديسمبر المنصرم، أحد أبناء القذافي وهو المعتصم، وقامت باحتجاز السيارة الفارهة والفخمة، التي كان يقودها بسرعة جنونيّة في شوارع ميونيخ، مع ما سبّبته هذه السيارة من أصوات وإزعاج وضوضاء شديدة غير مقبولة في الشارع الألماني، قامت حينئذ "السفارة" الليبية في ألمانيا، بإلغاء تأشيرات الوفود والعاملين الألمان، بل ومنعت طاقما طبيا كان قد تعاقد مع إحدى الجامعات الليبية، لإجراء فحوصات وعمليات جراحية دقيقة للمواطنين الليبيين، من دخول ليبيا رغم إتمام كل الإجراءات المتعلقة باستضافة هذا الطاقم الطبي.

وفي حادثة أخرى مماثلة اكتشفت السلطات الإيطاليّة، فضيحة تورّط فيها ابن القذافي الآخر الساعدي، فجرى إغلاق "السفارة" الليبيّة في روما بأمر القذافي، إلى أن رجع ابنه إلى البلاد.

وفي هذه الأيام في سويسرا بمجرد أن تم إيقاف هانيبال، واحتجازه في سجن جنيف لليلة أو ليلتين ، بسبب ما قام به مع زوجته من اعتداء وإلحاق الأذى الجسدي بالخادمين المخصصين له، حتى انقلبت العلاقات الليبية السويسرية رأساً على عقب، فقلصت السلطات الليبية الرحلات إلى سويسرا إلى رحلة واحدة في الأسبوع، وأغلقت مكاتب الشركات السويسريّة، واعتقلت مواطنين سويسريين، وسحبت ممثليها الدبلوماسيين من سويسرا.

كما قامت السلطات الليبية بإخراج مظاهرة مكونة مما يسمى باللجان الثورية، كل ذلك تنفيذا لتهديدات ابنة القذافي عائشة، التي ظهرت أمام الصحفيين لتعلن عن اتخاذ إجراءات انتقامية "العين بالعين والسنّ بالسنّ"، ليس للدفاع عن مصالح الشعب الليبي أو حقوقه المسلوبة، ولكن للدفاع عن ما لحق بأحد أبناء القذافي من إهانة وإذلال .

وهناك العديد من الحوادث المماثلة التي لا يتسع المجال هنا لذكرها، حيث قام "النظام" بإصدار قرارات واتخاد إجراءات عشوائية وفجائية غير مدروسة، لا تخدم مصلحة الشعب الليبي، وإنما هي ردود فعل غير عقلانية بسبب حادثة بسيطة مع هذه الدولة أو تلك.

هذه التصرفات جميعها تؤكد أن ما يسمى "بالثورة" ما هو إلاّ انقلاب، تمت شخصنته ليصبح ملكية خاصة بالقذافي وأبنائه وأبناء عمومته، وليس له أي ارتباط بالشعب الليبي أو مصالحه.

و السؤال المحير هو: هل إذا أعتقل أي مواطن ليبي عادي في أي دولة أوروبية أو تعرض لأي شكل من أشكال الإيقاف، فإن السلطات الليبية سوف تتخذ نفس الإجراءات التي قامت بها من أجل أبناء القذافي؟.

و هل أبناء القذافي لديهم حصانة خاصة، وبالتالي هم فوق القانون، ليس في ليبيا فحسب بل وفي جميع أنحاء العالم، ويعد المساس بهم مساس بمصالح الشعب الليبي؟.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home