Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Sunday, 24 June, 2007

 

التواطؤ مع الاستبداد (2)

عـبدالمنصف البوري

ماهو التواطؤ السياسي؟ وكيف يحدث؟

التواطؤ السياسي هو نوع من أنواع النفاق والتحايل للتعايش مع الواقع الإستبدادي القائم و الإذعان له، وذلك من خلال البحث عن التبريرات الشخصيّة، وقولبتها حتى تبدو منطقية أو عقلانية في ظاهرها،بحيث تُرضي الذات، بينما هي في جوهرها تعبّر عن الخوف وتحاشي المخاطر، وتُبرز عدم القدرة على مواجهة النتائج التي قد تترتب على أيّ موقف أو سلوك، أو حتى مجرد تعبير عن رأي.

وفي ظل هذه الحالة تتراءى للفرد أو هو يتخيّل أن كل الأمور العامة التي تخصّ المجتمع ككل، هي من الصعوبة والخطورة والضخامة إلى الدرجة التي يعجز فيها الفرد بمفرده، أو ربما حتى بشكل جماعي عن المواجهة أو المقاومة أو الرفض. ومن هنا فإن قراءته للواقع سوف تحصره في إطار الأمور الشخصية، ومن ثم برزت أمثال وتعبيرات مثل (أخطى رأسي وقص - والله غالب - وما باليد حيلة) وغيرها من التعبيرات التي تدلّ على التسليم القدري أو الإستسلام للواقع المفروض والتواطؤ معه. والتواطؤ بهذا المعنى له علاقة بالمسوؤلية ويرتبط بها إرتباطا وطيدا.

فماذا تعني المسوؤلية؟

المسوؤلية ركن أساسي مكمّل لمفهوم المواطنة في العقل والضمير، مناطها في الجوهر حرية الإرادة والقرار و قدرة الادراك والوعي، والمسوؤلية هي التي تفسّر لنا مقدار الحب وحجم البذل والعطاء والتضحية وصحوة الضمير لدى كل فرد، كما أن المسؤولية هي التي تضع الإنسان في موضع القدرة والسيطرة على ما يحدث له وحوله، وهي أداة تحريض وتحفيز للفرد ليُحتذى به ويكون قدوة. والمسوؤلية تتكفّل بإصلاح الحياة وتغيير ما فسد منها من أفكار وعلاقات ومواقف وأخلاق، وبالطبع لا يتحقق ذلك إلاّ من خلال الفرد المسؤول في المجتمع المسؤول.

وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة نوعين من المسوؤلية، إحداهما فرديّة والأخرى جماعيّة. فالمسؤوليّة الفردية هي مسؤوليّة الفرد إتجاه نفسه وبدنه وامنه وعمله وعالمه وهي مسؤولية لا يشاركه أحد في تحمّلها. ومسوؤلية جماعيّة تتطلّب من الفرد القيام بالأعباء التي تحقّق العدل والمساواة، والمحافظة على أرواح الأخرين شركاء الوطن، وعدم الإعتداء على الأموال والممتلكات العامة بالنهب أو السرقة أو التخريب.

وفي هذا السياق تُطرح الاسئلة التالية :

هل فكرة تحمّل المسوؤلية لدى المواطن الليبي غير محتملة، ومثيرة للإنزعاج الذي يصل بالمواطن لدرجة الخوف المرضي، بمعنى الخوف من الأذى والتعرّض للمخاطر؟

وهل لدى المواطن حساسية مفرطة من الضغوط والقمع السياسي الذي قد يواجهه في المواقف التي تتطلّب منه تحمّل المسوؤلية، فيتملّكه القلق والتوتّر الشديدين، فيسعى إلى تجنّب مثل هذه المواقف؟

وهل المواطن بتخليه عن المسؤوليّة الجماعية يعتقد أنه بذلك يحافظ على أمنه من خلال تخليه عن إرادته والتزاماته إتجاه الأخرين، وبالتالي تسليمه أو إستسلامه طواعيّة لإرادة الغير المفروضة عليه؟

وإذا لم يفهم المواطن الليبي معنى المسؤوليّة في أبعادها الإنسانية والإجتماعية والأخلاقية، حتى وهو يعاني أقصى ظروف الإحباط والتذمّر,فهل يحكم على نفسه بالتواري في أغوار النسيان بعيدا عن توبيخ ضميره وإحساسه بتقصيره في أداء واجبه؟

وهل بمقدور الإستبداد كما عرفناه أن يمارس كل هذا التأثير العميق والمتواصل في ليبيا، لو لم يكن في التكوين المجتمعي الليبي ما يمده تباعا بأسباب هذا التأثير وذرائعه ومداخله؟

الإجابة على هذه الأسئلة ستكون بالتأكيد أن الإستبداد لا يمكن له أن يكون بمثل هذا التأثير والعمق، ما لم يجد أرضيّة رخوة تتشرّب تدريجيّا ممارسات الظلم التي تقوم بها السلطة الحاكمة في ليبيا قولا وعملا، وبأقل قدر من الرفض أو المقاومة أو إنعدامها بالكامل. ومن هنا يبدأ التواطؤ.

منذ الشهور الاولى للإنقلاب بدأ التواطؤ منا جميعا، أو على الأقل من أغلبنا سواء بوعي وإدراك أو بتجاهل ودون وعي .. لقد وقفت أعداد كبيرة من شعبنا الليبي متفرّجة او صامتة في ذهول، وهي تشهد أوّل مسرحية يلفّقها القذافي فلم تمض شهور حتى جاءت مؤامرة التخلص من وزير الدفاع آدم الحواز ووزير الداخلية موسى أحمد وعدد من زملائهما من الضباط والجنود، وذلك لإحكام السيطرة والقضاء على أيّة منافسة وكفاءة بديلة. ثم بعد سنوات قليلة كان قمع حركة المحيشي، وكان الصدام مع الحركة الطلابية والطلاب الذين رفضوا هيمنة السلطة، فزجّ بهم في معسكرات التدريب بطريقة عشوائية غير منظمة، وأربك أوضاعهم الدراسية وأمعن في إذلالهم... ومرة أخرى يقف الجميع متفرجا على هذا المشهد وكأن الأمر لا يخص سوى القطاع الطلابي الذي دفع الثمن غاليا سجونا وتشريدا وقتلا.

وهكذا يتكرر الظلم مرة بعد أخرى، فقد جرى الإعتداء على جهاز الدولة الإداري وأُفرغ من الكوادر والكفاءات التي تم إعدادها على مدى سنوات طويلة، ثم جاء دور النقابات والهئيات المهنية والطلابية والعمالية التي حُوّلت إلى مؤسسات تابعة للسلطة، وصاحب ذلك ملاحقة الكتّاب والصحفيين والمثقفين وتلفيق التهم لهم بالانتماءات الحزبيّة أو الأيديولوجية والعمالة للدول الأجنبية، واستمرت الانتهاكات الظالمة بالإستيلاء على الممتلكات الخاصة وحرق وثائق التسجيل العقاري، ثم تواصل التخريب والتدمير حتى طال كل المؤسسات والقطاعات المدنية تحت اسم (الثورة الثقافية)، فلم يسلم شئ يخص المجتمع المدني تم بناؤه منذ قيام دولة ليبيا الحديثة إلا ودُمّر نهائيّا.

ثم كان الشروع في عمليات التصفية الجسدية لأصحاب الرأي الأخر في داخل الوطن وخارجه وجرت الإعتقالات التي شملت المئات بل الألاف من أبناء شعبنا الليبي.

وهكذا إنتقل الليبيون من مأساة إلى مأساة، ومن كارثة إلى كارثة، دون أن تبرز مقاومة جماعية لممارسات الظلم هذه، ومع ذلك وبكل الإنصاف ينبغي الا نغفل انه قد بُذلت العديد من المحاولات الفردية أو شبه الجماعية من مدنيين ومجموعات إسلامية وأخرى عسكرية، هدفت جميعها إلى التصدّي لما يحدث، واصطدمت بالفعل بالسلطة الاستبداديّة، كما قدمت تضحيات جسيمة وشهداء أبرارا.

لكن تبقى مشكلة الإستبداد والظلم قائمة بعد ما يقارب أربعة عقود. ولعل هذا يضعنا أمام الأزمة الحقيقية وجها لوجه.. فهل أصيب المجتمع الليبي بعجز فادح في أن يقوم بتعبئة ذاته سياسيا في مواجهة الاستبداد و إفرازاته الظالمة؟

ولعلنا نحتاج إلى استجلاء الخصوصيّة الليبية في هذا الشأن. وهذا ما سنتناوله في الجزء الثالث.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home