Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الجمعة 22 اكتوبر 2010

المحاماة بين التبعية والإستقلالية

عـبدالمنصف حافظ البوري

التجربة التاريخية للمسيرة الإنسانية تؤكد أن أصحاب الأفكار الأحادية المتخلفة لا يستطيعون أن يصنعوا إختياراتهم، لأنهم من الأساس هم نتاج عقدهم النفسية والتكرار التلقيني واليقيني للخيار الواحد الذي سجنوا أنفسهم فيه منذ البداية، وهم لا يملكون القدرة على الخروج منه أو حتى محاولة امتلاك الحرية والشجاعة لتغييره، أما أصحاب الأفكار الحرة المفعمة بالموهبة والجرأة والإقدام والتمرد فهم صناع حقيقيون لاختياراتهم، لأنهم من الأساس أحرار، والحرية في تصورها الأصيل تعني الإرادة الحرة في اجتراح ما تريده من اختيارات تتناسب مع متطلبات واحتياجات المجتمع ولا تتصادم مع طموحات الأشخاص.  

وفى التجربة الفوضوية التي تعيشها ليبيا، ليس غريبا على "أمين" شؤون النقابات لما يسمى بمؤتمر الشعب العام، المدعو محمد جبريل، أن يقول أن ما حصل من المحامين فى بنغازى يعد نوعاً من الاختطاف والقرصنة، وكذلك فإنه لم يكن خروجا عن النص "الثوري" ونفس النهج ودائرة التبعية، أن يعتبر المدعو أبوبكر السهولى، الأمين السابق لنقابة المحامين بمدينة بنغازي، أبأن اختيار رئاسة جديدة للنقابة في بنغازي يعد باطلاً وغير شرعيّ! هذا هو النمط الذي يفكر به أتباع الموالاة للسلطة، وهذه هى رهاناتهم على إخماد جذوة المحاماة وتوظيفها لخدمة أجندة القذافى، حيث أصبح الحديث لكلاهما عن "الشرعية" التي لا تمس "الخطوط الحمراء" ولاتخرج عن موجبات الطاعة العمياء للدكتاتورية القائمة، أمرا تستوجبه مقتضيات البقاء في المنصب والتمتع بالمزايا "الثورية". 

ومن الواضح أن الهدف من بقاء تبعية نقابات المحامين أو أي نقابة أخرى للسلطة هو تقويض استقلالية ومصداقية ودور النقابات في المجتمع، والإبقاء عليها مشلولة لا تحرك ساكنا، تنحصر مهامها فى تقديم التأييد والإشادة بالقدرة "الخارقة للقائد"، والإبتعاد عن أداء دورها المنوط بها تجاه أعضائها والمجتمع، وكذلك، بدلاً من تأكيد دور نقابة المحامين على سبيل المثال كمؤسسة رائدة ومنحازة للحريات العامة، يراد لها أن تبقى ضمن الرهانات السابقة التى فرضها الوضع القائم فى إطار التبعية الكاملة، ولعل الحديث عن التبعية يقود الى التطرق لدور وأهمية مكتب الاتصال باللجان "الثورية" فى الفوضى السياسية القائمة، وهو الذي يهيمن على كل كبيرة وصغيرة فى ليبيا، ويقوم بتعيين الأمناء ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمؤسسات والادارات الرسمية والشركات والبنوك، والموافقه على "السفراء"، ويتدخل فى اختيار البعثات الرسمية، ويصدق على سفر من يريد من الخريجين للدراسة فى الخارج، و... و... وعن طريق هذا "المكتب" يقوم القذافى بالسيطرة على إدارة الأمور فى البلاد، خاصة بعد أن أعيد تشكيل الدولة الليبية على أساسه، وبالتالى فإن أي تحرك للإستقلالية يشعر معه هذا "المكتب" بأنه لم يكمل مشواره في تدمير الوعي الديمقراطي، فيسارع إلى الإلتفاف على أي محاولة للإستقلالية، ويقوم بمحاصرة المبادرات التي قد تقوم بها إحدى أو بعض هذه النقابات لإعادة بناء الحركة الشعبية للجماهير ومنظمات المجتمع المدني خارج إطار الوصاية "الأبوية". 

هناك لبس لدى "الثوريين" فى استيعاب مفهوم الإستقلالية كمبدأ وكأساس للحيادية والموضوعية بعيدا عن الإعتبارات السياسية لشكل وطبيعة النظام، فالقضاء والمحاماة على وجه الخصوص، هما ميدان لا مجال فيه للتبعية على حساب المبادئ والحقوق الخاصة بالعدل الذى هو أساس العمران، فاستقلالية المحاماة مستمدة من طبيعة وظيفته الإجتماعية كمشارك للقضاء فى إقامة العدل، ممايعنى "حرية ممارسته لمهنته واستقلاليته فى آلية الدفاع عن موكله"، بل أعتبر إستقلال المحاماة جزءاَ من إستقلال القضاء، وهذا المفهوم جرى تكريسه وتحديد مظاهره وعناصره فى تشريعات غالبية دول العالم لإقامة العدالة والحماية الفاعلة لحقوق الإنسان وحرياته.

المشكلة التى لم يستوعبها بعد أعضاء اللجان الثورية هي أنهم قد فرضوا أنفسهم قدرا بأساً على المجتمع الليبي لا بديل له، وأنهم ضخموا ذاتهم وكبّروا فيها الوهم على أنهم أعظم وأهم من الوطن ومن أهله، وبالتالي من حقهم أن يفرضوا الهيمنة والوصاية على كل شرائح وقطاعات الشعب الليبي، وأن جواز المرور للوطنية لابد أن يمر من تحت أيديهم أو أنهم وحدهم أصحاب الحق في إصداره، وأي حراك وطني ديمقراطي من خارج قطيعهم يعد خرقاً ومروقاً وعمالة ومعاداة للشعب والوطن.

ورغم أن تحرك نقابتي محامى بنغازي وطرابلس يتم ضمن إطار السيطرة السياسية الكاملة لأنه واقعياً لا يمكن أن يتم شئ فى ليبيا بمعزل عن السلطة وبدون موافقتها، إلا أن أى تحرك مدنى حتى لو كان بسيطاً تخشى منه السلطة أن يخرج عن المألوف، أو يشجع أطرافاً أخرى للسير في نفس النهج والبحث عن هوامش للإستقلالية بعيداًعن التبعية، ولعل هذا يقودنا إلى سؤال في غاية الأهمية وهو:  

لماذا الخوف من الإستقلالية؟ 

إذا كانت الإستقلالية تعنى قدرة أى جهة على الإدارة الذاتية بعيدا عن الهيمنة من قبل جهة ما، وتعنى أيضاً القدرة على اتخاذ القرارات بمعزل عن التدخل من أى جهة ورفض مالا يتماشى مع أهدافها، فهناك

إذن عدة أسباب للخوف من الإستقلالية، ولعل من أهمها عدم ثقة السلطة القائمة فى قطاعات وشرائح كثيرة من المجتمع، بل يمكن القول أن الخوف من الإستقلالية مصدره عدم الثقة فى غالبية الشعب، ففقدان السلطة القائمة للثقة في من تقود وتحكم يجعلها فى حالة من الخوف الدائم منهم، ولذا فإنها ترفض إعطاء أى شكل من أشكال الإستقلالية والحرية لمن لا تثق بهم حتى لا ينازعوها فى حقوقهم، وإذا أضفنا إلى ذلك عدم تمتع هذه السلطة بالشرعية لأنها قائمة على فرض الأمر الواقع، مثلها فى ذلك مثل الإستعمار حتى لو كان محلياً، فلم يبقى أمامها إلا فرض التبعية على الجميع، والمتمثلة في تعيين من تشاء لكي يحفظوا لها كيانها ويثبتوا لها الولاء على حساب الكفاءة.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home