Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Tuesday, 22 January, 2008

الديموقراطية
بين التحايل والمطلوب

عـبدالمنصف البوري

بعكس المثل الشائع القائل بأن التكرار يعلم الشطار، فأنه هناك من يدعي الشطارة ويصر على عدم التعلم، مهما درس من تاريخ الأمم والشعوب، ومهما تكررت الأحداث والوقائع أمامه، ومهما كانت النتائج التي خلصت اليها البشرية.

بالطبع لا يهم إن كان هذا الشاطر قد توفرت لديه كل سبل "التعلم" في مدارس خاصة أو أجنبية، أو حصل على العلم على يد "أساتذة" يعطونه دروساً خصوصية، أو حتى دروس على يد هواة ركوب الموجة وما أكثرهم في الوطن العربي.

ومن أجل "ديموقراطية" فريدة من نوعها جمع سيف القذافي جمهرة من "الاستقراطية الفكرية" "لمناقشة السبل الكفيلة بتفعيل الممارسة الديموقراطية المباشرة عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية"، وقد ضمت هذه الجمهرة قلة من أساتذة الجامعات الليبية مع إحترامنا لبعضهم، وما يسمى بأمين مجلس التخطيط الوطني، وما يسمى بأمين المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، ومن يطلق عليهم أمناء اللجان الشعبية للجامعات والمراكز العلمية والبحثية، ومسؤلى "المؤسسات الإعلامية"، ورؤساء "الصحف"، وأمين نقابة "المحامين".

في هذا اللقاء تم إغفال وتجاهل حالة الاتساق مع طبائع الأشياء، فبدلا من النظر إلى "التجربة السياسية" المفروضة على الليبين، وبحث مدى صلاحيتها، والأخد بمسلمات وشروط حركة الواقع، وحقائق الأحداث، والنتائج التي ترتبت على هذه "التجربة"، جرى التأكيد على فرضها من جديد تحت مسميات أخرى.

فهل المطلوب هو ديموقراطية خاصة لمن يحكم؟ بدلا من ديمقراطية كيف يحكم؟

هذه المحاولة يبدو أنها من أجل دفع ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية ولجانها، إلى إرتداء ثوب "الديموقراطية" المراد تفصيله فضفاضاً ليأتي على مقاسها، حتى ولو كان ذلك تحت رماح وسيوف الانكشارية من اللجان الثورية.

في هذا المشهد السياسي الهزلي تأتي دعوة سيف إلى إقامة "منابر سياسية" وذلك "لتفعيل الحوار وإنضاج الأفكار"، الأمر الذي يزيد من درجة الدهشة والإستغراب لدى المواطن الليبي ويعمق القناعة بعدم جدية "الاصلاح"، فالسؤال الذي يحير الليبين هو كيف يمكن أن تقوم "منابر سياسية" في ظل نظام أحادي شمولي، يفرض رؤيته وممارساته على الشعب، نظام لا يؤمن أساساً بالتعددية، وبإختلاف الأراء والإجتهادات، ولا يسمح بحق الأخرين في أن تكون لهم وجهات نظر مختلفة عن ما يريده الحاكم.

فهل المطلوب هو إقامة "منابر سياسية" يتم تفصيلها بمواصفات معينة، بمعنى أنها تتطابق مع "أطروحات القذافي"، أو هي نسخة طبق الأصل مما يدعي؟ أم أن الأمر لا يعدو خلق "منابر سياسية" تعمل بالريموت كنترول، و تصدر إليها الأوامر عن ماذا يمكن الحديث، وعن من يمكنه الحديث كما هو الحال القائم الأن في المؤتمرات الشعبية.

إن الإجابة على هذه الأسئلة تتلخص في ما يلي:

أولا: أن السلطان والصولجان سيبقى في يد الأسرة الحاكمة، وليس في يد الشعب الليبي، وبالتالي فلا مساس ولا تغيير في هذه الوضعية " المقدسة" كما وردت في إنجيل "قائد" الانقلاب وحواريه ومن خلفهم من يرتبط به بالدم أو بالولاء.

هذا ببساطة شديدة يعني التهميش السياسي للقوى الحقيقية للمجتمع الليبي، في مواجهة المنظومة السياسية الحاكمة التي ترى في نفسها أنها "مستحيلة التغيير"، لأنها تملك صفات عليا وتوصيفات من أجل الحكم لا يملكها أحد أخر من أفراد الشعب الليبي.

ثانيا: ليس هناك أمام الليبين من معبر للمستقبل الا من خلال سجن النشاط العقلي والفكري في إطار ما يسمى "بالنظرية" التي فرضها القذافي على الشعب الليبي. أي بعبارة أخرى أن هذه المرحلة والمرحلة القادمة هي جزء لا يتجزاء من المرحلة السابقة، وأن العملية السياسية برمتها سوف تبقى محصورة في إطاراتها وهياكلها وممارساتها الشكلية وربما حتى في غالبية أشخاصها دون تغيير أو تبديل.

ثالثا: قد يكون من مهمة هذه "الجمهرة" التي جمعها سيف تسويق أحلام المستقبل ضد بؤس الواقع الحاضر، في محاولة واهمة للخلاص من الآم الحاضر عن طريق بناء فردوس أسطوري قادم أو وشيك.

رابعا: وهذا هو الأخطر، أن مهمة هذه "الجمهرة" هو دعوة الليبين للإستسلام لما هو قائم على أساس أنه هو الممكن في الحالة المعطاء، غير أن هذا الاستسلام له تضمينات أعمق، لأنه يعبر عن رؤية شديدة التشاؤم من إمكانية التغيير.

وبمعنى أخر أنه يريد أن يقول للشعب الليبي أن القوى الوطنية العاملة من أجل التغيير في داخل ليبيا أو خارجها، هي قوى قليلة وضعيفة ومنقسمة ولا تملك كفاءة، وهي غير جديرة بالثقة، وأن أي محاولة لإيجاد وضعية أخرى لما هو قائم، ستكون غير قادرة على إفراز ممارسة ديموقراطية حقيقية.

لكن الواقع يكشف عكس ذلك، فلم يمضي سواء بضعة أيام حتى إنكشفت مهزلة "الديموقراطية الشعبية" عندما انعقدت جلسات ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية بعد يومين أوثلاثة من ذلك الاجتماع الذي دعى إليه سيف القذاقي تلك الاستقراطية الفكرية، فلا حياة ولا وجود ولا أثر لهذه "المنابر السياسية" على أرض الواقع، وهذا يؤكد حقيقة هامة بأن فكرة "المنابر" هى مجرد محاولة لخلق زخم إعلاميا كاذب، قبل إنعقاد "المؤتمرات الشعبية"، لاظهارها بشكل ينم عن الحراك السياسي الداخلي.

لقد أظهر التلفزيون "الجماهيري" جلسات هذه المؤتمرات وهي شبه خالية وقد تبعثر فيها بضعة أشخاص هناك وهناك وهم يستمعون إلى تقارير وبنوذ مبرمجة مسبقاً.

إن الحقيقة القائمة في ليبيا اليوم والتي لا يختلف عليها اثنان، تتمثل في حالة الإحتقان السياسي التي تزداد سوءا يوما بعد يوم، وان السبب الرئيسي وراء هذا الإحتقان هو الحكم الفردي الذي كرس الاستبداد والقمع والفساد، وإن هذا الحكم هو الذي أدى إلى تشكيل صيرورة الأزمة السياسية المستعصية في بلادنا.

وفي هذا السياق ليس هناك خلاف من حيث المبدأ على أن تكون لليبين خصوصية في إيجاد صيغة ديموقراطية، تأخد في إعتبارها الواقع الإجتماعي والاقتصادي للمجتمع الليبي، ولكن لا يمكن لهذه الصيغة أن تحرمهم من حق ممارسة العمل السياسي بإستقلالية تامة بعيدا عن هيمنة السلطة، وحق الاختيار والمفاضلة بين السياسات والأشخاص، وحق التعدد في الأراء والاجتهادات، وحق إبداء الرأي حول كل ما يتعلق بالشأن العام، وحق النقد للماراسات الظالمة والخاطئة فكرا وعملا.

إن الطريق إلى الديموقراطية لن يمر بالتأكيد كما تتصور الاستقراطية الفكرية من خلال ما يسمى بالديموقراطية الشعبية الممثلة فى "المؤتمرات واللجان" التي تبث فشلها وعجزها في إدارة الشأن العام، وأصبحت أوكارا للفساد والشللية والقبلية حتى تعمقت الهوة وتحطمت الجسور بينها وبين المجتمع، ولا يمكن للديموقراطية أن تجسدها بضعة "منابر" خاضعة للسلطة حتى لو وجدت على أرض الواقع، لأن مهمتها لن تكون خدمة الشعب "وأنضاج الأفكار والأراء" ولكن وضيفتها لن تعدو أن تكون تسويق ترهات الحاكم.

الديموقراطية تتطلب بالدرجة الأولى تغيرات نوعية وكمية في الفكر والسلوك والأشخاص، وتستدعي إيجاد الشرعية الدستورية، اللازمة لتنظيم العلاقة بشكل جذري بين السلطة بمكوناتها التي يمثلها الحاكم وبين المجتمع، وإطلاق الحريات العامة، ووضع أسس المجتمع المدني.

أن المؤسسات التي تقود العملية الديموقراطية، أو التي يراد لها تفعيل الممارسة الديموقراطية في أي مجتمع لا تنشأ بأي حال من الأحوال بقرار من السلطة أو تحت عباءتها، بل أنها تنشأ بفعل تطور داخلي، وبموازاة مع تطور ونشؤ الدولة نفسها في إطار الشرعية الدستورية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام مجتمع مدني مستقل عن هيمنة السلطة، مجتمع قوامه أحزاب سياسية ومجالس منتخبة، وقوى إجتماعية ممثلة في نقابات وجمعيات، ومؤسسات إقتصادية شركات ومصارف، وهيئات ثقافية إعلامية وتعليمية ومراكز بحوث.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home