Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري

Thursday, 20 April, 2006

الوطن والمواطنة
بين القبلية والجهوية والعرقية

عـبدالمنصف البوري

الوطن ليس مجرد وجود جامد لقطعة أو جزء من الأرض، والأرض ليست أيضاً ماهية ثابته وحاضرة بدون مضمون، بل الأرض هي الوطن أو المكان الذي تتشكل فيه وحوله هوية الإنسان بحكم إدراكه الواعي لتاريخه وصورة حاضره ونظرته للمستقبل.

والهوية تتشكل من خلال الثقافة السائدة بما تشمله من لغة ودين وعادات تقاليد وأعراف تم التعارف عليها والعمل بها في بيئة واحدة معروفة بأسم الوطن. والوطن ينبغي أن يكون بالنسبة لنا جميعاً كليبيين ليس مجرد إنتماء في الماضي والحاضر بل إرتباط حميمي متعلق بالوعي بقيمة هذا الوطن وأهميته في حياتنا وحياة الأجيال القادمة من بعدنا.

وفي هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا علينا جميعاً ملاحظة الفوارق التي تثار من حين إلى آخر في فهم مدلول الوطن والمواطنة، والإهتمام بها بدلاً من الإنسياق الخاطىء في التركيز على النعرات الجهوية والقبلية أو العرقية التي تفرق بيننا ولا تخدم شعبنا ولا قضيتنا الوطنية، ولعلنا جميعاً في حاجة أيضاً إلى وسيلة ينصرف فيه التفكير إلى الكيفية التي يجب أن تترتب بها العلاقة بين الوطن والمواطن لتحديد مفهوم أكثر دقة وشمولاَ لمعنى المواطنة والإنتماء للوطن.

والمطلوب والمقصود هو إيجاد نوع من الإتفاق بين جميع الليبييبن يقود إلى مرجعية واحدة على صعيد المفهوم والتطبيق تلغى النعرات العنصرية وتمنع سوء التفاهم وإثارة المشاكل بين الليبيين بسبب هذه الدعاوي التي تسعى لتدمير النسيج الإجتماعي الليبي الواحد.

ليس المطلوب أن يعمل أي طرف لتعزيز وجهة نظر أو موقف في مقابل وجهة نظر آخرى أو موقف آخر عندما يتعلق الأمر بالعنصرية القبلية أو الجهوية أو العرقية، لأن ذلك هو الفخ الذي يقع فيه البعض ويضاعف من درجة الإختلاف والتباعد والتناقض وقد يؤدي في مرحلة ما إلى الإنقسام في لحمة المجتمع الواحد.

بل المطلوب والمرغوب فيه هو مراجعة كل وجهات النظر من خلال التحليل النقدي لهذه المفاهيم حتى يمكن التمييز بين الإطار الصحي الذي ينبغي أن يكون عليه الأمر بيننا نحن الليبيين وبين الإطار الخاطئ الذي ينبغي أن نتخلص منه ونستبعده من حياتنا.

إن الظلم والإستبداد الذي جاء به إنقلاب سبتمبر، وما مربه شعبنا الصابر الصامد تحت هذا الحكم الجائر على إمتداد أكثر من ثلاث عقود يفترض فيه أن يجعلنا أكثر وحدة وتماسكاً، غير أن إستخدام القذافي لسلاح القبلية والجهوية، قد كرس الكثيرمن الممارسات الخاطئة في محاولة لضرب الليبيين بعضهم ببعض وتشتيتهم وبذر الفرقة بينهم ليبقى مسيطراً.

هذه السياسات التي إستخدمها القذافي قد دفعت البعض للأسف في بلادنا إلى اتباع أساليب وطرق مدمرة للنسيج الإجتماعي الليبي الواحد من خلال اللجوء إلى القبلية أو الجهوية أو العرقية أو إليهم جميعاً من أجل حماية أنفسهم وتحقيق أهداف هي في معظمها شخصية أنانية. والثنائية التي يستخدمها البعض القبلية و الوطن او الجهوية والوطن أو العرقية والوطن ليست ثنائية على صعيد الهوية الواحدة التي ينبغي أن يجسدها مفهوم المواطنة، بل هي ثنائية على مستوى الأداة أو الوسيلة التي يريد أن يستخدمها هذا الفرد أو البعض أو مجموعة ما للحصول على أكبر قدر من المكاسب والمنافع الشخصية دون أي إعتبارات أخرى.

ولعل هذا يفسر، على مستوى الممارسة الفعلية، يتم تقلد المناصب والمراكز في ليبيا طبقاً لإختيارات قبلية أو جهوية دون إي إعتبار لمسألة الكفاءة والأهلية.

إذن القبلية والجهوية والعرقية في صورتها السلبية تكرس طموحات وسلوكيات مصلحية وإستعلائية لفرد أو مجموعة في مواجهة الآخر أو الآخرين شركاء الوطن الواحد.

إن الوطن كما يتحدد داخل حدوده الجغرافية لا يجوز أن يوضع في ثنائية مع طرف آخر، لأن هذه الثنائية مع الوطن سوف تؤدي حتماً إلى تنافس وتنازع حول أولوية الولاء والإنتماء، في حين أن المطلوب هو ذوبان كل الأطراف في بوتقة الوطن.

وذوبان كل الأطراف لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء الإنتماء القبلي أو الجهوي أو العرقي وإنما المقصود هو إلغاء التعصب الذي يؤدي إلى الإضرار بهذا الطرف أو ذاك وتدمير نسيج المجتمع الواحد، إن وجود التنوع القبلي والجهوي والعرقي هو عنصر مهم وفاعل في خلق وإثراء وإغناء المجتمع.

إن هذه المفاهيم ينبغي لها أن تتحدد من خلال نوع معين من العلاقة والإرتباط بالشعب الواحد والوطن الواحد بمعنى أن الوطن قبل القبلية والوطن قبل الجهوية والوطن قبل العرقية.وأن هذه المفاهيم والإنتماءات لابدا أن تستمد كل عناصرها من الإنتساب لهذا الوطن الذي يطبع مفهوم المواطن بالوعي بالذات، والوعي بالذات إنما يتبلور ويتعمق من خلال الإدارك بتساوي جميع الليبييين.

واخيراً وفي جميع الأحوال علينا جميعاً إستحضار الكيفية التي يحدد بها مفهوم القبلية والجهوية والعرقية ليتم تنقيتها من العنصرية والمصلحية والإستعلائية، وصبغها بموضوعية وتجرد في مفهوم المواطنة الذي يعني الإنتماء للوطن بكل ما يجسده هذا الوطن من ماضي وحاضر وتطلع نحو المستقبل.
________________________________________________

· حول هذا الموضوع أنظر أيضاُ – الفراغ السياسي في ليبيا والمشكل القبلي ـ دراسة نشرت في مجلة شؤون لييبية في العدد الأول يناير 1995م من ص 25 إلى ص 37.
· أنظر أيضاً – القبلية والجهوية ومستقبل العمل السياسي ـ نشرت في مجلة شؤون ليبية ـ في العدد الثاني مارس 1995م من ص 33 إلى ص 47.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home