Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الأحد 19 سبتمبر 2010

عندما يتم كسر حاجز الخوف
 

عـبدالمنصف حافظ البوري

                                   

إننا نحتاج جميعا إلى النقاش كيف نتعلم أن لا نخاف، وأن يستقر فى أعماقنا مفهوم أن الخوف سجن وأن الخائف أسير فكره. لقد خلقنا الله احراراً، ومن عدم إنصاف المرء لنفسه أن يجعلها رهينة الأسر، إن الحرية لا تمنح بل تنبع من داخل الفرد وتبقى نابضة بعزيمته وإرادته وتصميمه على الحفاظ عليها.

يقول المهاتما غاندي - الذي قاد النضال ضد الاستعمار البريطاني في الهند - "لو أن الرجل يشعر أنه ليس من الرجولة أن يطيع القوانين الجائرة فلن يستطيع أي طاغية أن يستعبده".

الخوف هو صاحب الكلمة الأولى فى هذا الوطن الموبوء بالإستبداد والحكم الفردى العشائرى المتخلف، ونحن هنا لا نتكلم عن ذلك الخوف المرضى أو تلك الفوبيا التى تتملك البعض بسبب الهواجس العقلية أو الأحلام، فتلك أنواع من الخوف الذي لا تحكمه إرادة حامله، ولكننا نتكلم عن بعد أعمق للخوف يصنعه حامله وهو بكامل قواه العقلية وإرادته الحرة، إننا نتكلم عن وطن يفقد استقراره بسبب هذا الخوف الذي يكبلنا، فالاستقرار كما يقول علماء السياسة هو العدو الأول للخوف. إننا نتكلم عن وطن يدفع الخوف أبناءه إلى الموت حسرة وانكسارا واحباطاً ورعبا من لحظة فاصلة تأتى بفوضى وعنف يحصد الأخضر واليابس. وهل يوجد شىء آخر يمكنه أن يعطل الارادة الحرة سوى هذا الخوف الذى يكبل أصحاب الحق  فى ليبيا ويرعبهم من كلمة التغيير حتى تبدو وكأنها شئ بعيد المنال يستحيل تحقيقه؟

إن هذا الخوف هو الذى قطع طرق التواصل والتفاهم بين الناس وزرع عدم الثقة، وعمق درجة الشك بينهم، وأدى إلى غياب التواصل لكي تظهر ممارسات يغلب عليها طابع الفوضى، والعنف يولد فى معظم الاحيان من رحم الخوف الذى زرعته السلطة وعناصرها فى نفوس الناس، فالغريزة تقود الخائف حينما يشتد خوفه، إلى التصرف بطريقة من يريد المحافظة على البقاء، ومن السلوكيات التى تتوارثها المجتمعات التى عاشت سنوات تحت حكم الاستبداد وجود الخوف واعتباره من الأوضاع الطبيعية فيرى المواطن البسيط أنه من الطبيعى أن يخاف من السلطة ورموزها، وتبادل الأخبارفى همس عن ماذا حدث لفلان عندما حاول أن يبدى رأيا.

فى كتابه (الخوف.. تاريخ فكرة سياسية) يعرف الكاتب الأمريكى كورى روبين "الخوف السياسى" أو الخوف ذي البعد الأعمق الذى تمارسه السلطة ضد مواطنيها، بأنه الخوف الذى ينبثق من الأجهزة الأمنية والمليشيات شبه العسكرية أو الخوف الذى يخلق العواقب لافراد من المجتمع، وهذا بالضبط ما يحدث فى ليبيا .

إن عناصر السلطة الذين تلاعبوا بمصائر المواطنين دون رادع أو قانون هم من صنعوا مخاوف الليبيين.. وتحول الناس إلى أفراد إما لا يدرون كيف يمكنهم أن يدافعوا عن أنفسهم، أو أنهم يدرون ولكنهم غير محصنين ضد هذا التلاعب الذى يغذي الخوف وينميه فى أنفسهم..

لماذا يزرع عناصر السلطة الخوف فى نفوس المواطنين؟

إن السبب وببساطة، هو أن وجود الخوف في قلوب المواطنين يمنح السلطة وعناصرها  السيطرة الكاملة عليهم، ويمنع النقاش والحوار والمطالبة بالحقوق المنهوبة، كما أن الخوف يطيح بأى فرصة للمصاب به بأن يحلم أو حتى يفكر فى التغييرالسياسى لكي يستعيد حقوقه.

إن ما تعانى منه ليبيا الآن هو شروخ وتصدعات فى جدار أعمدة الإستقرار الإجتماعى والسياسى والاقتصادى، سببها ممارسات السلطة العنيفة وتغولها على المواطنين وعمليات القمع المستمرة، وسلب أبسط حقوقهم الإنسانية فى الحرية والأمن والعدل والمساواة، ولقد ظلت هذه الممارسات مصحوبة بانتشار وتغلغل للخوف والرعب وبشكل كبير مما أدى بالفعل إلى توتر اجتماعى وسياسى، ونتج عن ذلك فوضى بلا ضوابط أو روابط، وهو الشىء الذى حذر من حدوثه دوما عقلاء هذا الوطن حينما طالبوا بالإنصات إلى أصوات ومطالب التغيير قبل فوات الأوان.

لا أعتقد أن المواطنين الليبيين  يريدون لهذه الحالة المكبلة بالخوف أن تستمر للأبد، ومن هنا ينبغى للجميع أن يقوموا بالتحضير نفسيا لمرحلة اخرى، تتركز على عملية  كسر حاجز الخوف وعدم التردد خشية عواقب الانتقال إلى الفعل الحركى، وتأكيد عدالة القضية التى يناضلون من أجلها، وتعزيز الشعور بإمكانية تحرير إرادتهم والقدرة على العمل من خلال نزع مخاوفهم الخاصة، ونزع جدران الحماية التى بنوها حولهم لكى يتجنبوا المخاطر لأنفسهم أو أهليهم  وذويهم أو من يتعاون معهم، وهى مرحلة التغلب على المخاوف من أجل اكتساب الشجاعة لمواجهة الواقع الظالم والتصدى له بشتى الطرق السلمية. 

وفى هذا السياق فأن مسؤولية الافراد تجاه مجتمعهم تفرض عليهم مطالبتهم بحقهم الطبيعى فى تلبية نداء الضمير، وتؤكد على وجوب مقاومة الاستبداد وممارسات الحاكم الدكتاتورى وعدم السماح له بالتحكم فى تصرفات وسلوك المواطنين، أوإخضاعهم لتلبية ما يأمر به بدون مراعاة لمصلحتهم أو رضاهم من عدمه. يجب على الشعب الرد، إلا أن الفعل يجب أن يكون نابعا من الافراد وارادتهم الحرة، ولاينبغى أن يشعر الدكتاتور وأجهزته الأمنية، ولو لبرهة قصيرة بانهزام إرادة المواطنين حتى لا يتصور أن زمام الأمور فى قبضته وأن الشعب أصبح رهن إشارته، وأن لا أحد يمكنه أن يجرؤعلى أن يتخطى الخطوط الحمراء التى رسمها.

لقد ضرب أهالى وذوى ضحايا مذبحة سجن أبوسليم أروع الامثله للشجاعة لرفض الظلم، وسجلوا بصمودهم واستمرارهم فى وقفاتهم الإحتجاجية سابقة تاريخية لم يعهدها هذا النظام طوال مسيرته الظالمة، فكسروا حواجز الخوف والإذعان والرهبة من السلطة لديهم، فلم يعد يمنعهم التهديد والوعيد الذى تعرضوا له طوال السنوات الماضية، من المضى قدما والإستمرار فيما صمموا عليه، رفضوا كل الاغراءات والمحاولات التى جرت لتطويعهم، أو إضعاف مقاومتهم واستمروا فى الوقوف من أجل حقوقهم ومطالبهم العادلة باسترداد رفات أبنائهم والكشف عن المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة، والمطالبة بضرورة أن يقفوا أمام القضاء لكى يقتص منهم. لقد أعطى أهالى وذوى الضحايا من الرجال والنسوة والاطفال والمسنين، وبالرغم من قلة عددهم، صورة مشرفة للفخر والاعتزاز وبرهنوا بالدليل على الكرامة والعزة والصمود من أجل الحق فى مواجهة الظلم ، كما كشفت هذه الوقفات الإحتجاجية عن درجة الاختلال التى أصابت لحمة المواطنة (التماسك) فى المجتمع الليبى، بما تتطلبه هذه اللحمة من المساندة والتضامن والوقوف بشتى الطرق والوسائل إلى جانب أهالى وذوى الضحايا من قبل بقية المواطنين، مما يعنى أن حالة الخوف مازالت مسيطرة على عقول ونفوس الغالبية العظمى من شعبنا، أو أن صلة الترابط الإجتماعى قد تخلخلت بشكل لم يعد يسمح بالاهتمام والعناية ببقية المواطنين الذين وقع عليهم الظلم.

إن خوف المواطنين يظل محدودا ومحصورا فى منطقة المستقبل والمجهول لانهم ببساطة لايملكون فى الحاضر شيئا يخشون عليه، وحاجز الخوف هذا سينكسر وسينهار فى تسارع كبير متى حانت اللحظة التى تقرر فيها الجماهير الخروج لصناعة التغيير فى مجموعات صغيرة أو كبيرة نسبياً، سواء كان ذلك بالاعتصام أو بالتظاهر أو العصيان المدنى أو عبر أى وسيلة أخرى منظمة.. إن عناصر السلطة تخشى هذه اللحظة الفاصلة .. ففيها سيحين موعد الحساب.. وسينتقل الخوف اليهم. إن عناصر السلطة وأتباعها هم الفئة الأكثر خوفا فى ليبيا، والمقربون منهم إلى السلطة هم الأكثر رعبا لأنهم يخشون على ما يملكونه من سلطة ومال ولايهمهم اهل الوطن ومصلحته.                 

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home