Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

الثلاثاء 19 أغسطس 2008

مطالب وطنية وليست تسويات هامشية

عـبدالمنصف البوري

لاشك أن الشعب الليبي في هذه المرحلة، يجد نفسه أمام صيغة أخرى من صيغ التلاعب، التي تمس حاضره ومستقبله، وهي صيغة تومئ إلى أن تتجنب التعامل مع المطالب الوطنية، التي سلبت من هذا الشعب طوال عقود تزيد على الثلاثة. وتحت مسميات وشعارات عديدة يتم الترويج لها، مثل "الإصلاح"، "المصالحة الوطنية"، في محاولة لتجاهل وتهميش هذه المطالب.

تبدوا المفارقة عجيبة إذا قارنا كيف تعامل القذافي مع القوى الأجنبية، وكيف تعامل مع مطالب الشعب الليبي.

ففي الوقت الذي تمت فيه تسوية معظم أو كل الاستحقاقات الخارجية من قبل القذافي، وفقا لإرادة وإملاءات وشروط القوى الأجنبية،على أكمل وجه وبالسرعة المطلوبة، وبسخاء منقطع النظير، نجد العكس من ذلك تماما فيما يتعلق بالمطالب الوطنية، فالتعامل معها يتم بالتلاعب بها والالتفاف حولها والتحايل عليها، واستبدالها بتسويات هامشية، لا تحقق شيئا للشعب الليبي، وإنما تؤكد رغبة القذافي في استمرار حكمه وسيطرته، من خلال إجراءات لا تغير من الواقع السيئ شيء.

ولعل السبب وراء تلبية الاستحقاقات الخارجية، يعود إلى حالة الهلع والفزع التي انتابت القذافي، خوفا من ضربة أمريكية قادمة، بعد احتلال العراق والقبض على صدام حسين، فسارع بالاتصال بالقادة والسياسيين العرب والأجانب، للتوسط لدى الولايات المتحدة من أجل الجلوس مع مبعوثيه.

كل ذلك تم في استسلام وغياب تام لأي قدرة تفاوضية حيث تم تلبية كل المطالب والشروط الخارجية، ليس للولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل للدول الأوربية الأخرى دون قيد أو شرط ودون مقابل.

وإذا كان واقع الممارسة الحالية في إطار العلاقات الدولية، قد يسمح بأن تتغاضى الدول الأجنبية لبعض الوقت عن حماقات وسياسات القذافي الإرهابية ـ وما ترتب عليها من نتائج سيئة، دفع ثمنها الشعب الليبي وحده ـ في مقابل مصالح استراتيجية واقتصادية أهم وأكبر بالنسبة لهذه الدول في المستقبل المنظور، فإنه لا يمكن الأخذ بنفس المعايير وتطبيقها على الأوضاع الداخلية، مقابل استبدال المطالب الوطنية وتحويلها إلى سلسلة من التسويات الهامشية الرخيصة، أو ما شابه ذلك. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تعويضات مالية، ولا تتعلق برد المظالم، أو تسوية هنا وهناك فحسب، ولكن المسألة اعمق وأهم من كل ذلك، لأنها تتصل بحاضر ليبيا ومستقبلها، وتتصل بكل ما تم من تخريب وتدمير في حياة الإنسان والوطن الليبي، ومن المسؤول عن ذلك، وتتصل أيضا بكيفية إعادة بناء ليبيا.

وإذ كان من الممكن تفهم موقف الوطنيين، والحريصين على مصلحة ليبيا وشعبها في الداخل، أن يقبلوا اضطرارياً، تحت مختلف ظروف القمع والترهيب المادي والمعنوي، وانعدام مختلف أشكال الحريات، بسقف مطالبات لا تتعدى محاولة التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية، دون المساس بالطرح "الأيديولوجي" لرأس السلطة، أو المساس بالهياكل والأطر، أو حتى المساس بالأشخاص الذين أجرموا في حق الشعب الليبي، فإنه لن يكون مقبولا وطنيا وقانونيا وأخلاقيا لنا نحن في المعارضة الليبية في الخارج. فمن وجهة نظرنا، هناك فارق كبير بين الحقوق والمطالب الوطنية التي يطمح إليها الشعب الليبي، في ظل نظام دستوري وشرعي، وبين تسويات هامشية صممت أصلا من قبل النظام الغير دستوري والغير شرعي لتخفي اجندات الاستمرار في السلطة.

فهذه االتسويات والعمليات التجميلية لا تعالج الحالة الكارثية التي عليها البلاد، فهي لا تقدم حلولا تهتم بالجوهر، ولا تتعدى فيما تطرحه حدود الواقع المفروض على الشعب الليبي، والقائم بالجبر والقوة. وإنما يراد لها ترميم الموجود من الترهات "الأيديولوجية" ومن الهياكل والأطر البالية والفاشلة وغير الفاعلة، وفي ظل وجود أشخاص ظلموا وسلبوا وأجرموا في حق الشعب الليبي. أي باختصار المحافظة على نظام القذافي المتهالك من خلال ترقيعات، لكي يستمر بكل عيوبه ونقائصه وأمراضه.

هذا يعنى ببساطة شديدة بقاء أزمة ليبيا على ما هي عليه، لأن الحل مرتبط منطقيا بتحديد المسؤولية الكاملة عن الحالة التي وصلت إليها البلاد، أي من هو المسؤول عن ما حدث في ليبيا على امتداد أكثرمن 39 عاما.

ليس المقصود هنا هو التشبث بما وقع في الماضي، كذريعة لعدم القدرة على تجاوز هذا الماضي، ولا المقصود هنا هو المحاولة للتأثير فيما يسمى "بإصلاح" الحاضر والنظر للمستقبل، بل المقصود هو معالجة هذا الماضي والواقع الظالم معالجة صحيحة، دون القفزعليه تحت شتى الحجج، وذلك حتى يمكن بناء الحاضر بناء سليما، والانطلاق به نحو المستقبل.

الأزمة في ليبيا في حقيقة الأمر مرتبطة بوجود القذافي الذي تسبب في كل ذلك، ومرتبطة بسياساته التي فرضت على الشعب الليبي، ومرتبطة بالحالة الفوضوية التي أوجدها في البلاد، وهي أيضا مرتبطة بالمجموعات والشلل والمليشيات، التي جاء بها القذافي لكي تحمي وجوده واستمراره في الحكم بأي ثمن.

أما المطالب الوطنية فهي تتعلق بالحقوق الأساسية التي سلبت من الشعب الليبي، والتي يجب استردادها كاملة بأي شكل من الأشكال، لأنه بدون استرداد هذه الحقوق لا يمكن بناء دولة حديثة على أسس سليمة بشكل دستوري وشرعي، يستطيع من يتحمل أعباءها إعادة ترتيب الحاضر والعمل من أجل المستقبل.

المطالب الوطنية لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود القذافي شخصيا، وأفكارة الآحادية التي قادت إلى الكثير من المآسي، التي دفع ومازال يدفع ثمنها الشعب الليبي، والمطالب الوطنية لا تتحقق في ظل من نصب نفسه المحدد الأول والأخير، لأختيارات الشعب الليبي في فكره وإدارة حياته السياسية، وفي ثرواته المنهوبة، المطالب الوطنية لا يمكن أن تتحقق في وجود حالة من الفوضى شبه الكاملة للدولة الليبية، فلا مؤسسات ولا هياكل لأطر سياسية، وإدارية واقتصادية قادرة على أداء دورها بفاعلية، لحلحلة مشاكل وقضايا المجتمع الليبي، ولا حتى قادرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات، فما بالك برسم أفاق المستقبل.

والمطالب الوطنية لا يمكن أن تتحقق في وجود الأجهزة الأمنية وميليشيات اللجان الثورية، وهي جميعها المسيطرة على مقاليد البلاد والكثير من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية، على الرغم من تفشى الفساد والمحسوبية بين عناصرها وكوادرها، وايضا من خلال ممارستها التي اتسمت بالعنف والإقصاء وسلوكها الملوث بالأطماع وتحقيق المنافع الشخصية.

انه من الواضح تماما أن الظروف الداخلية والخارجية قد تغيرت واختلفت، وانه لم يعد ممكنا إقناع الشعب الليبي بأن ما كان مفروضا وممكنا منذ سنوات طويلة مضت، مازال ممكنا، ويمكن الاستمرار في فرضه. وبالتالي فإن الليبيين جميعا مدعوون الآن أكثر من أي وقت مضى، للكشف عن عوامل الحركة والتلاحم الفكري والمادي فيما بينهم، والعمل على إبراز هذه العوامل وتعميقها، والوعي بكل الحقائق، ومن بينها ما يراد فرضه من خلال تسويات هامشية وشعارات "الإصلاح، والمصالحة"، وهذا الوعي هو البداية لكل وعي أخر، ومبدأ لأي ممارسة، وهو الذي سوف يدفع الليبيين للعمل الجماعي، وبذل الجهد وحل التناقضات، باعتبار ذلك الخطوة الأولى في الخروج من الواقع الرديء والمتأزم، الذي فرضه القذافي، إلى واقع أكثر رحابة وأكثر ملائمة وأكثر حرية لشعبنا. وعليهم النظر في ظروف الحياة السياسية والاقتصادية التي يعيشونها، بكل ما تخفيه من رهانات ومواقف في المستقبل القريب.

وفي ضوء هذا لابد من وضع المطالب الوطنية في سياقها الصحيح، وهو السياق الذي لا يسمح بتكرار الأخطاء ولا الممارسات الظالمة، ويحقق ما يطمح إليه الشعب الليبي، دون التفريط أوالتنازل في أي حق من حقوقه الأساسية. الأمر الذي يتطلب من الشعب الليبي استلام زمام أموره بالكامل، من خلال إبعاد كل من تسبب في مأساته كل هذه العقود، واختيار حكومة وطنية مؤقتة، من أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والوطنية والإخلاص، لتشكيل لجنة من الخبراء وممثلين عن الشعب الليبي لإعداد دستور يحدد الواجبات والحقوق، ويساوي بين المواطنين، ويفصل بين السلطات، ويرسم معالم نظام سياسي حديث يقوم على التداول السلمي للسلطة، وحرية التنظيم السياسي، وحرية الرأي والتعبير، وبناء مؤسسات المجتمع المدني في جميع المجالات.

عبد المنصف حافظ البورى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home