Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Sunday, 18 November, 2007

المعـتقلون السياسيون تحت حكم القذافي

عـبدالمنصف البوري

لا يختلف إثنان حول وجود أزمة "حضارية" في ليبيا ، وهي أزمة تعبرعن نفسها في صورمتعددة، ومن أعماق هذه الأزمة تنبع مأساة المعتقلين السياسين ومايخعضون له من ممارسات لا إنسانية تحت حكم القذافي ، هذه المآساة لمست أو كادت تلمس كل بيت وكل أسرة وكل قرية وكل مدينة في ليبيا من أدناها الى أقصاها .

وعلى الرغم من المسرحية الهزلية التي قام بها القذافي في مارس 1988 والمتعلقة بهدم جزء من جدار سجن أبو سليم المركزي ، وإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسين ، تحت عدسات المصورين الذين استجلبوا خصيصا على نفقة الدوله لهذه المناسبة حتى تبدو أكثر إثارة وتهريجاً ، وأمام كاميرات التلفزيون ، وبعض الصحف العربية والأجنبية ، الإ انه لم يمض سوى شهور قليلة حتى اكتاظت السجون والمعتقلات في ليبيا بالمزيد من المعتقلين السياسين ، واستمرت الإنتهاكات المريرة لأبسط الحقوق الأدمية ، وظلت صرخات المعتقلين ، تتردد وتزداد يوماُ بعد يوم تستنجد بالمنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

إن أوضاع المعتقليين السياسيين في ليبيا تعلن بكل الوضوح وكل الصراحة عن التناقض الرهيب بين الكلمات والشعارات ، وبين الواقع الفعلي المتجسد في القمع لكل صوت حر يحاول أن يعبر عن رفضه أو حتى خلافه مع الحاكم معمر القذافي.

لقد وضح منذ مارس 1988م عدم مصداقية القذافي من خلال الممارسات الخاطئة التي ارتكبها نظامه طوال هذه السنين في حق المواطنين من اعتقالات وتعذيب وقتل وشنق وتصفية جسدية ، وأعتقد البعض واهمين بأن هذا الأمر لن يتكرر فإذا به يتكرر بصورة أشد وأقسى وأعنف وأبشع من ذي قبل ، ففي الفترة من نهاية شهر مارس عام 1988 حتى نهاية شهر فبراير من العام الحالى 1991 جرت عمليات لإعتقالات سياسية شاملة لعل أهمها العمليات التالية : -

(1) قبل نهاية شهر فبراير ومع بداية ديسمبر من عام 1988 ، ثم في بداية شهر يناير وفبراير 1989 تمت عملية إعتقالات واسعه في جامعة طرابلس المسماة " بالفاتح " وهي اعتقالات شملت عددا كبيراُ من الطلاب ، وذلك في اعقاب الإحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها الجامعة ، هذا وقد جرت الإعتقالات في الساحات وقاعات المحاضرات ، وفي الشوارع المحيطة بالجامعه وعبر مداهمة بيوت الطلاب وفي اماكن سكنهم ، كما تم طرد وإيقاف عدد من الطلاب من الجامعه .

(2) مع نهاية شهر فبراير وبداية شهر مارس 1989 جرت أكبر عملية اعتقال سياسي تشهدها ليبيا منذ أحداث معركة باب العزيزية في مايو 1984 حيث شملت هذه الإعتقالات مختلف فئات المجتمع المدني والعسكري بتهمة " الإلتزام الديني" وقد بدأت الإعتقالات في شكل موجات متلاحقة لمعظم الذين يترددون على المساجد بصوره منتظمة ، وتصاعدت هذه الإعتقالات بصورة كبيرة في أعقاب المصادمات المسلحة التي وقعت بين بعض فئات الشباب الملتزم دينياً وبين عناصر القذافي من "اللجان الثورية" ومايسمى بأمن الجماهيرية ، ثم شملت الإعتقالات كل الذين يعتقد بإنتمائهم الى جماعات أو الى تنظيمات اسلامية ، وقد أشار القذافي في خطابه ، الذي ألقاه في اكتوبر 1989 الى هؤلاء المعتقلين السياسيين ووصفهم "الزنادقة" وطلب من أهاليهم وذويهم نسيانهم مما عكس مدى الخوف والقلق والإرتباك الذي سببه هؤلاء المعتقلين "لنظام" القذافي .

(3) في أعقاب تحسن العلاقات المصرية الليبية وبداية الإعداد لخدعة حريق مصنع الرابطة الكيماوي رتبت " السلطة" عمليات اعتقال سياسية شملت بعض العائدين من الخارج من المعارضين السابقين ومن الطلاب ورجال الأعمال والتجار ، وقد تم التحقيق مع بعضهم واطلاق سراحهم ، في حين بقي البعض الأخر رهن الإعتقال ، ثم شملت الاعتقالات بعد ذلك كل الذين يشتبه بهم القذافي أو يخشى قيامهم بأى عمل ضد "نظام حكمه" وذلك في مختلف مناطق ليبيا وعلى وجه الخصوص في مدينة بنغازي حيث تم القبض على أكثر من (70) مواطناُ من مختلف قطاعات المجتمع الليبي ثم شملت هذه الإعتقالات بقية المدن الليبية .

(4) منذ إعلان ما يسمى "أصبح الصبح" بفترة وجيزة والسلطات الليبية لم تتوقف إطلاقا عن إعتقال المواطنين الليبين فرادى أو جماعات حتى يومنا هذا ، إن جملة هذه الاعتقالات الجماعية وغيرها من الاعتقالات الفردية تؤكد بشكل واضح ان السلطة الإستيلابية تصنع من قراراتها الثورية "القانون" ومن زيفها "المعايير" وتعلن المسلمات ، وتتبع ذلك بسلبها للحقوق والحقيقة .. فتكون شرعيتها ومشروعية أفعالها من صنعها وتلفيقها .

أن الحكم القائم في ليبيا جاء لخلق واقع مضطرب ، وليس من أجل بناء مجتمع قيمي فكري ومدني ، مجمع عليه ومعبر عن إرادة وهوية الشعب ، لذلك فليس في وسع القذافي أن يحفظ معادلة الحرية والعدل والنظام متوازنة.

ولعل من المفيد أن نحيل القارىء الى التعرف على جزء ضئيل وبسيط من الحقيقة ومن الواقع في النقاط التالية : -

أولاُ : جهات وسلطات الاعتقال السياسي في ليبيا .
ثانياُ : طرق وأساليب الاعتقال .
ثالثاُ : أماكن حجز وسجن المعتقلين السياسيين .
رابعا : معاملة المعتقلين السياسيين .

جهات وسلطات الإعتقال

إن الجهات التي تقوم بعملية الإعتقالات السياسية في ليبيا بعيدة كل البعد ، عن تلك المؤسسات التي تعارف عليها المجتمع المدني في أى نظام سياسي في العالم ، حيث تتولى الشرطة العادية ، أو أي جهة أخرى رسمية مختصة بالأمن الداخلي عملية الاعتقال بعد الحصول على إذن من النيابة العامة في هذا الخصوص ، وقصد المشرعون في معظم المجتمعات المدنية وضع سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية بغرض حماية حق المواطن من الجهة التي تقوم بالإعتقال ، ومن الطريقة التعسفية التي قد تتم بها عملية الإعتقال السياسي ، غير أن مايحدث في ليبيا تحت حكم القذافي هو مخالف بالكامل لأي معايير مدنية أو حضارية ، لا من حيث الجهات المخولة بعملية الاعتقال السياسي فحسب ، بل أيضا من حيث الطرق والأساليب التى تتم بها عملية الاعتقال .

فالجهات التي تتولى عمليات الاعتقال السياسي رغم تعددها وتعارض مهامها وتناقضها ، إلا انها تتنافس فيما بينها على زيادة القمع بالنسبة للمواطنين, بل ان ما يسمى باللجان الثورية تقوم بمهام وإختصاصات وسلطات تتجاوز أحيانا أجهزة المخابرات وما يسمى بأمن الجماهيرية ، فاللجان الثورية علاوة على كونها تقع خارج إطار وهيكلة "السلطة الرسمية" "للنظام" فهي تتبع بصورة مباشرة القذافي وتستمد سلطاتها وقوة قراراتها وتصرفاتها منه شخصياُ ، الأمر الذي يطرح باستمرار التساؤل حول مدى مشروعية وقانوية هذه الأداة القمعية .

في أى مجتمع مدني متحضر أو حتى متخلف لا يمكن لمؤسسة ما ، أو جهاز معين ، أو حتى أداة تنفيذية أن تكتسب أى مشروعية إلا اذا خضعت الى جملة من الضوابط والمحددات الإدارية والقانونية ، وأن تنشأ وتبقى في إطار هيكل الدولة ، وبالدرجة الأولى تحت رقابة الشعب أو ممثليه بأي شكل من أشكال الرقابة .

وبالنظر الى طريقة تشكيل وطبيعة " اللجان الثورية " التي طالت ممارساتها كافة قطاعات الشعب الليبي المدنية منه والعسكرية ، وإلى الصلاحيات والسلطات التى تمتلكها ، نجد أنها لا تخضع لأى ضوابط إدارية ولا إلى أى اجراءات قانونية ، ولا حتى الى معايير إنسانية أو أخلاقية يمكن أن تضبط تصرفات وسلوك أفرادها.

هذه "اللجان" تتصرف وكأنها صاحبة اليد العليا في النظام ، فهي تمتلك إمكانية الوصول والحصول على المعلومات من أي جهة حكومية أو غير حكومية ، ولقد استخدمت سلطاتها بصورة تفوق الصلاحيات التى لدى "امانات" أو وزارات عديدة ، فقد استخدمت "أمانة الخارجية" أو الإتصال الخارجي ، عبرسفاراتها المسماة بالمكاتب الشعبية للقيا م بعمليات ارهابية ، ونقل أسلحة وعقد صفقات مشبوهة وحياكة مؤامرات عديدة ضد أنظمة عربية وأفريقية وأجنبية .

واستخدمت "اللجان الثورية " أيضاً المؤسسات المصرفية والإقتصادية ، والبعثات التعليمية وجمعية الدعوة الإسلامية في الخارج لنفس الهدف السابق ولغيره من الأهداف .

واستطاعت هذه "اللجان" أن تقيم مراكز خاصة بها للإعتقال والتعذيب في معظم المدن الليبية ، كمعسكر "السابع من ابريل" في ضواحي مدينة بنغازي ، وتحولت المقار المسماة " بـ "المثابات الثورية" الى مراكز تحقيق وتعذيب في كثير من الأحيان للمواطنين ، ودون أدنى تدخل من السلطات أو الجهات الأمنية المحلية كالشرطة .

وبحكم تبعية هذه " اللجان الثورية " للقذافي مباشرة وغياب أى نوع من أنواع الرقابة الشعبية ، أو الحكومية عليها ، فقد استخدمها في تصفية المعارضيين وخصومة السياسيين وضد كل من خالفه في الرأى ، ولعل الملاحقات التى تمت في الخارج في الثمانينيات وراح ضحيتها عشرات الليبين ، وإقتحام الجامعات والمدارس والمعاهد والمساجد جرت على يد "اللجان" وأعضاؤها العاملين في المخابرات والأجهزة القمعية الأخرى ، مثل مايسمى بأمن الجماهيرية ، مما يطرح أمامنا التساؤل حول طبيعة العلاقة بين هذه "اللجان" ومايسمى بأمن الجماهيرية .

أمن الجماهيرية

جهاز ذو اختصاصات متعددة ومتنوعة في الداخل والخارج "الأمن الداخل و الأمن الخارجي"، قد يعتقد البعض للوهلة الأولى بأن وظيفته تتعلق بالأمن الوطني أوالقومي اى تتعلق بالأجانب وبالتسرب الخارجي ، وبحماية "النظام والدولة " من العمل الموجه اليها من الدول الأخرى ، ولكن في حقيقة الأمر عمل هذا الجهاز يكاد يكون بالكامل أو هو بالفعل موجه ضد المواطنين الليبيين وحدهم فقط في داخل البلاد وخارجها .. وذلك بالتنسيق التام مع " اللجان الثورية" أو على الأقل "اللجنة الثورية الأم " وتحت هيمنتها ، فهذا الجهاز المسمى بأمن الجماهيرية يتولى التحقيق بناءً على الأوامر الصادرة له من القذافي شخصياً ، ومن المتنفذين في "اللجان" فالعائدون من الخارج على سبيل المثال سواء كانوا مهاجرين ليبيين أو رجال أعمال أو تجارا أو حتى مجرد طلاب ، يمرون بعدة مراحل من التحقيق قد تبدأ معهم في عدة أجهزة أمنية أخرى كالمباحث العامة وتنتهي عند "أمن الجماهيرية " وقد تبدأ وتنهتي فقط عند " أمن الجماهيرية " .

إن الأمر الذي قد يبدوا غريباُ للبعض أن العناصرالمهمة المسيطرة التى تدير هذا "الجهاز" هم أيضاُ اعضاء في " اللجان الثورية " وقياداتها أمثال عبد السلام الزادمة "توفي" ، وابراهيم البشاري "توفي" و "موسى كوسه" و" أحمد إبراهيم" وغيرهم ، أو على صلة بشكل أو أخر بهذه اللجان مثل عبدالله السنوسي ، وغيره ... وهؤلاء يقومون بوظيفة مزدوجة أو أكثر تشمل "اللجان الثورية" والعمل في بقية الأجهزة القمعية ، والمخابراتية ، و البعض الأخر يعمل في المؤسسات الحكومية والهئيات التعليمية ، وذلك بحكم العلاقة الخاصة التي تربطهم مباشرة بالقذافي ، مما يتيح لهم ممارسة الكثير من الصلاحيات والسلطات .

في إحدى الحملات التي قام بها النظام لإعتقال بعض المواطنين ، تم تشكيل "لجنه خاصة" دون أن يدري أحد في ليبيا عن مدى مشروعية أو قانونية هذه "اللجنه" ولا مدى شرعية وقانونية اجراءات الإعتقال التى قامت بها ، فلقد اختير كل أو معظم أعضاء هذه " اللجنة الخاصة " من مدينة طرابلس وضواحيها لكى تتولى الاعتقالات في مدينة بنغازي لسببين :

الأول : عدم ثقة القذافي وعناصره القمعية في ولاء الأجهزة الأمنية المحلية كالشرطة أو المباحث العامة أو فرع "أمن الجماهيري" أو حتى بعض عناصر اللجنة الثورية في مدينة بنغازي . الثاني : لكي لايتعرف أى كائن كان على شخصية الذين يقومون بالإعتقال بإعتبارهم من مدينة أخرى وذلك من قبل أهل وأسر وأقارب المعتقل السياسي .

أنطلقت هذه "اللجنة الخاصة" الى مدينة بنغازي مستخدمة في مهمتها القمعية سيارات تابعه لإدارة المراسم أو بما يسمى بأمانة الخارجية ، وذلك إمعاناً في التضليل والتمويه ، ودون إذن من "أمين" الإتصال الخارجي أنذاك جاد الله عزوز الطلحي ، الذي لم يجرؤ على مجرد فتح فمه للإعتراض أو الإحتجاج ، مما يؤكد هامشية وهشاشة "الأمناء" في نظام القذافي ، ويؤكد مدى سلطة وهيمنة هذه "اللجنه" وقدرتها على تسخير كافة إمكانيات بقية أجهزة الدولة الرسمية لهدف بعيد كل البعد عن اختصاص هذه الأجهزة كإدارة المراسم مثلاً . ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يحدث في اى نظام سياسي إلا في "دولة إستبدادية" حيث الأجهزة المخابراتية والأمنية هي التي تمتلك اليد العليا على كل شئ وتتصرف دون أى إعتبار لطبيعة ومهام أجهزة الدولة الأخرى .

طرق وأساليب الإعتقال

تتسم طرق وأساليب الإعتقال في "الجماهيرية العظمى" بالهمجية إذا صح التعبير، وبالتعسف في المعاملة ، حيث تتم مداهمة البيوت السكنية في منتصف الليل ، ودون مراعاة لحرمة البيوت ، وهي الحرمة التى اقرتها كل الشرائع السماوية ، وحمتها كافة القوانين والأعراف والتقاليد التى تعارف عليها المجتمع البشري أثناء مسيرته الحضارية ، ويتم خلال المداهمة ارهاب كبار السن وترويع النساء والأطفال الصغار ، كما حدث في الإعتقالات الأخيرة التي تمت في مدن طرابلس وغريان وطبرق ودرنة وصبراتة وغيرها من المدن الليبية الأخرى، كما تتم محاصرة المحلات التجارية والورش بصورة همجية ، واقتحام مقار الشركات والمؤسسات الحكومية والجامعات والمعاهد والمدارس ، وكأن الأمر يتعلق بالقيام بعملية عسكرية ضد غزو اجنبى ، ولعل ماجرى في جامعة بنغازي وطرابلس في 75 ، 76 ، 1977 ، ليس ببعيد عن الذاكرة.

ان طرق الاعتقال أبسط مايمكن أن يقال عنها أنها تفتقد الى أدنى أساليب المعاملة الآدمية ، حيث يجري ضرب المعتقل السياسي أمام أهله وعائلته وذويه ، وحتى أمام أطفاله وأبنائه وكما حدث للمحامي سالم الأطرش، أو إهانة المعتقل والإعتداء عليه أمام زملائه في العمل أو أقرانه في الجامعات والمدارس كما حدث في عام 1976 للمعتقلين من الطلاب ، كما تمارس عمليات بشعه للإذلال والإهانة وتحطيم كرامة ومعنويات المعتقل بصورة تفوق أكثر المعاملات بدائية في التاريخ الإنساني.

العقاب الجماعي

إن الإعتقال السياسي تحت حكم القذافي لا يقف عند حدود الشخص المعتقل وحده فقط ، بل يشمل في بعض الأوقات أشخاص لاذنب لهم سوى كونهم يرتبطون بصلة القرابة ، أو النسب أو حتى الزمالة أو الصداقة أو الجيرة بالشخص المعتقل ، مما يجعل هذا الإعتقال أمر مخالف تماما لكل الأعراف والتقاليد والقوانين التى أقرتها جميع الأنظمة السياسية في المجتمع الدولي .

الإعتقالات السياسية ولآول مرة في تاريخ ليبيا الحديث – منذ غياب ممارسات العهد الإيطالى الفاشى الذي حكم ليبيا منذ عام 1911 - ضمت في بعض الأحيان الأباء والأمهات والأخوات والإخوة والأقارب والأصدقاء ، وفي أحيانا أخرى ضمت حتى جيران المعتقل السياسي ، وما تم في أعقاب عملية معسكر باب العزيزية لهو أكبر دليل على "سياسة" العقاب الجماعي ، بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى هدم بيوت المعارضين والخصوم السياسين وذويهم دون مراعاة لظروفهم الأسرية والإنسانية ، ومن المؤكد انه لا يوجد اليوم اي نظام في العالم يمارس هذه السياسة سوى "النظام الإسرائيلي" و"نظام القذافي" .

ولوعدنا بالذاكرة الي فترة تاريخية سابقة لنقارن عمليات الإعتقال السياسي التى كانت تتم أثناء النظام الملكي تحت حكم المرحوم الملك إدريس السنوسي ، لهالنا الفارق الشاسع بين جهات وأساليب الإعتقال السياسي والمعاملة التي كانت تجري آنذاك ، وبين ما يجري الآن تحت حكم القذافي .
• إنه الفارق الإنساني و الحضاري الذي لم يستوعبه بعد أدعياء مسيرة "الإنعتاق النهائي" .
• إنه الفارق بين حكم القانون برجاله ومؤسساته واجراءاته وضماناته ، وبين حكم شريعة الغاب التي تفرض بالقوة وتمارس الظلم والبغي والقهر وحده ، وليس بقوة الحق والعدل .
ومع تسليمنا بحدوث بعض التجاوزات التي تمت في حق المعتقلين السياسيين في العهد الملكي بالنسبة لمجموعة البعثيين ، والقوميين ، وأثناء الإنتخابات البرلمانية ، إلا ان القانون وحده كان له دوره ووجوده في التدخل في هذه القضايا ومعالجتها .
• في ظل حكم الملك إدريس السنوسي لم تسجل حالة واحدة لجهة غير قانونية ، أو جهة غير شرعية مثل "اللجان التي ترتدي أقنعة الثورية" قامت وتقوم بعملية الإعتقال السياسي.
• وعبر مسيرة النظام الملكي لم تسجل حادثة واحدة لمداهمة البيوت السكنية والعبث بمحتوياتها ، ولم يروع كبار السن والشيوخ والأطفال والنساء .. ولم تسجل حالة واحدة للإعتقال السياسي تمت في منتصف الليل أو بعده .
• Hخلال العهد الملكي تكاد لم تسجل حادثة واحدة لضرب المعتقل السياسي أثناء القيام بإعتقاله أو إهانته وإذلاله أمام أهله وذويه و زملائه وأصدقائه .
• خلال حكم المرحوم الملك إدريس السنوسي لم تسجل في تاريخ ليبيا حالة واحدة تم فيها اعتقال أب أو أخ أو أخت أو صديق أو جار لمعتقل سياسي.
• وخلال الحكم الملكي لم يعدم شخص لجرم سياسي مطلقاً ، ولعل الحالة الوحيدة الذي أعدم فيها شخصا ً قصاصاً كان من العائلة السنوسية نفسها فأين فوضى القذافي من كل هذا ؟

أماكن حجز وسجن المعتقلين السياسيين

في كافة الأنظمة السياسية حتى تلك التى قد توصف بالمتخلفة منها ، لا تمتنع السلطات الرسمية عن تحديد الأماكن التي يتم فيها حجز المعتقلين السياسيين ، أو السجون والمعتقلات التي يرسلون اليها قبل وبعد صدور الأحكام ضدهم ، حيث يسمح للمحامين بمقابلتهم والتعرف على ظروفهم وطرق معاملتهم ، وأيضا لكي يتمكن أهلهم وذويهم من زيارتهم والتعرف على أحوالهم .

أما تحت فوضى القذافي الذي يبشرجماهيرالعالم "بالإنعتاق النهائي" فإن "العقلية الثائرة" التي لم يتجاوز حدود تفكيرها عصر الحديد والنار أو على الأبعد العصر الحجري ، لم تستوعب بعد أقل وأبسط الحقوق الآدمية والإنسانية للمعتقلين السياسيين الليبيين ، الغريب في الأمر أن رأس "النظام" في ليبيا يهتم بـ "الجانب الإنساني" للمعتقلين والرهائن الأجانب سواء كانوا فرنسيين وأمريكيين أو أوروبين بصفة عامة ، و سواء كانوا في الشرق الأوسط أو في أسيا أو غيرها من بقاع العالم ، ويدفع عشرات الملايين من أجل إطلاق سراحهم ، بينما الجانب الإنساني للرهائن الليبيين المعتقلين في سجونه لا يحظى بأى اهتمام لا منه ولا من أعوانه ، بل أنه معدوم بالكامل مما يدل على أن العقلية المسيطرة في ليبيا هي عقلية متخلفة ، مريضة ، مزدوجة .
• إن أحدا في هذا العالم ربما لايصدق – رغم حقيقة هذا الأمر – أنه تحت حكم القذافي لا يسمح لأى شخص من أهل أو أقارب المعتقل السياسي أن يعرف مكان إعتقاله أو حجزه ووجوده طيله السنوات الأولى التى قد تمتد خمس سنوات أو عشر سنوات "بدأت السلطات في السنوات الأخيرة في بعض الأحيان تسمح بزيارة أهل وأقارب المعتقلين السياسين بطريقة غير منتظمة وبالوساطة".
• إن أحدا في هذا العصر وهذا العقد بالذات ربما لايصدق أنه تحت حكم "قائد الإنعتاق" غير مسموح لأى كائن من كان أن يقوم بالسؤال والإستفسار عن أسباب الإعتقال وجهة الإعتقال .. وكم من أب أو أم أو أخ وابناء استفسروا فكان الرد قاسياً ومصحوباً بكل أنواع التهديد والإهانة .
• إن أحدا في هذا الكون ربما لن يكون قادرا- في هذا الزمن – على التصديق بأن بأن من يسأل عن المعتقل السياسي في ظل "السلطة الشعبية" التى تحكم ليبيا قد يكون مصيره الإعتقال أيضاً والشواهد على ذلك عديدة والأسماء كثيرة ، فكم من الأباء ذهبوا للإستفسارعن مصير أبنائهم فاعتقلوا ، وكم من الأقارب ذهبوا لمعرفة مصير اقاربهم فتعرضوا للضرب وللإعتقال أيضا ، وليست أحداث أبريل 1976 ومايو 1984 سوى أمثلة بسيطة لذلك .
• تحت حكم القذافي الذي جاء "لخلاص البشرية جمعاء" من المستحيل بل من الخيال تصور أن يقوم أو حتى يجرؤ أى محامي أو رجل من رجال القانون أو القضاء بالتقدم بطلب للدفاع عن المعتقليين السياسيين ، فالمحامون ورجال القضاء تحولوا للأسف الى موظفون في خدمة السلطان الحاكم بإسم "الشرعية الثورية".

ولعلنا ننبه القارئ كيف تعامل القذافي ومن ثم إبنه مع قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني "كذب وتلفيق تهم وتزوير وتعذيب وتشويه للحقائق ثم إنبطاح ومعاملة مختلفة بالكامل وإطلاق سراح وخنوع" من أجل صفقة سياسية.

لقد نسى القذافي أنه تحت الحكم الملكي الذي وصفه بالرجعي كان من حق أهل وأقارب وحتى أصدقاء المعتقل السياسي معرفة مكان الإعتقال ، ومن حقهم زيارته ، ومن حقهم التعرف على أسباب القبض عليه ، ومن حقهم التأكد على سلامته وصحته ، بل ومن حق المعتقل السياسي نفسه أن يختار المحامي الذي يقوم بالدفاع عنه أمام القضاء .. إنه بلا شك الفارق بين الحكم المدني الحضاري الذي وصف "بالملكية الرجعية" وبين الحكم الفاشي "للجماهيرية الثورية العظمى" .

معاملة المعتقلين السياسين في سجون ومعتقلات القذافي

دون أى مبالغة يمكن القول بأنه لم يبرع أى نظام سياسي منذ هزيمة النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية ، في إبتداع وممارسة أساليب التعذيب والقهر النفسي ضد المعتقلين السياسيين كما برع "نظام" القذافي وجلاديه ، إذ يبدو أن قدرة هذا "النظام" على تدمير وتحطيم وتشويه الإنسان الليبي تفوق أى قدرة أخرى .. لقد تجاوز جلادو "اللجان الثورية" والعاملين في بقية الأجهزة القمعية الأخرى ، والدائرة في فلكها كل الوسائل التقليدية التي عرفها الإنسان في مجال التعذيب والقهر النفسي ، وبدأوا من حيث انتهى الآخرون .. إن الحرق وتشويه الجسم ، والكي بالنار ، وخلع الأظافر ، وإطفاء أعقاب السجائر في روؤس المعتقلين السياسيين ، وإغراقهم في خزانات المياه ذات درجات الحرارة المختلفة ، وصدمهم بالصدمات الكهربائية في الأماكن الحساسة من الجسم ، والضرب المبرح على الأعضاء التناسلية ، والإعتداء والتهديد بالإعتداء الجنسي عليهم أو على ذويهم من النساء ، وممارسة مختلف أنواع التعذيب النفسي ، هى كلها مجرد مرحلة مبدئية من مراحل المعاملة التى يتعرض لها المعتقلون السياسيون ، ولعل ماحدث للشهيد المقدم عبد الحميد الماجري من خلع للأظافر وقلع للعيون وتشويه للجثة ثم ارساله في صندوق مغلق الى أهله في مدينة درنة ، وماحدث للشهيد أحمد مخلوف وناجى بوحويه ، وعامر الدغيس ، ومحمد حمي سوى عينة بسيطة للتعذيب الذي يتعرض له المعتقلون السياسيين الذين خرجوا مشوهين ومحطمين جسدياً ومعنوياً.

في سجون ومعتقلات القذافي لا يتمتع المعتقلون السياسيون بأى حق من الحقوق التي يتمتع بها المعتقلون السياسيون في ظل الأنظمة التى ترعى الشرعية ، مثل حقهم في محاكمة مدنية عادلة ، وحقهم في توكيل محامين للدفاع عنهم ، وحقهم في الإتصال بذويهم وأهلهم ، وحقهم في مواصلة تعليمهم ، وحقهم في الحصول على الكتب والمطبوعات من خارج السجن ، وحقهم في التمتع بالعناية الصحية والطبية التامة ، بل وحقهم في بعض الأنظمة السياسية في المساهمة في النشاطات الثقافية بطريق غير مباشر .

تحت هذا الحكم "الثوري" الذي يبشر الإنسان بالتحررلا أحد يدري على وجه الدقة ماهية التهمة السياسية الموجهة للمعتقل السياسي ، وفي جميع الأحوال يبقى مصير المعتقل معلق على نوع التهمة التي يختارها له القذافي أو أحد جلاديه أو الجهة التي قامت بإعتقاله ، فالأمر برمته ليس مرهوناً بيد الجهات القضائية والمحاكم ولكنه مرهون بالكامل بأوامر القذافي شخصياً وبأجهزته وبالحالة الإستثنائية التي يعيش فيها الشعب الليبي منذ أكثر من 38عاما . إن فقدان الضمانات وغيابها بالنسبة للمعتقلين السياسيين أياً كان شكل هذه الضمانات ، قانونية أو حتى إنسانية هو نتيجة منطقية لضعف "النظام" السياسي ، ودليل على غياب الشرعية ، وتجسيد لما أصبح يعانيه الإنسان الليبي من مختلف أشكال القهر والإرهاب ، والخسة والحيف الإجتماعي، مما أضحى يمس كرامة الفرد والمجتمع معاً ويشل إرادة وفكر الإنسان الليبي.

إن "نظام" القذافي الذي مازال يسيطر بقوة السلاح ، وبسلاح القوة والقهر حتى يومنا هذا ، ولكنه قد استنزف ذاته واصبح عاجزاُ عن مجارة مرحلة تاريخية جديدة في حياة المجتمع البشري ككل .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home