Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري

Sunday, 18 June, 2006

السياسة والسلطة والمجتمع في ليبيا

عـبدالمنصف البوري

كان واضحا منذ وقوع الإنقلاب العسكري(1) في عام 1969 ، على الأقل لدى البعض ، بأن هناك مشكلات ومعضلات تتعلق بالسلطة والحكم والمجتمع، وأن هذه المعضلات سوف تعيد طرح نفسها من حين لآخر ما لم يتم تدارك الأمر وإصلاح الخلل ، وحل المعضلات .

وعلى امتداد ثلاثة عقود، مرت ليبيا بسلسلة من الإخفاقات والأزمات المتلاحقة بسبب طبيعة السلطة (الحاكم/ القائد) ، وإدارة شئون الحكم (الممارسة)، وخصوصيات تركيبة المجتمع الليبي (قبلي/ جهوي) .

بعد الإنقلاب أصبحت الأزمات تفتح الطريق لأزمة بعد أخرى في عملية تفريخ مستمرة تجلت مظاهرها في أوجه متعددة ، شملت للأسف الشديد كل جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لليبيين . حالة التأزم هذه لم تكن وليدة مرحلة زمنية بذاتها ، ولا هي محصلة سنوات محدودة ، ولا هي أيضا نتاج أحداث فجائية حلت هكذا بالبلاد بشكل عشوائى ، وإنما هي في الواقع نتيجة حتمية لتراكمات كثيرة أخذت تزداد سنة بعد أخرى منذ وقوع إنقلاب سبتمبر حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن .

والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو : كيف وقع هذا الخلل واستمر حتى الوقت الحاضر؟

الخلل في نظر الكثيرين وقع منذ بداية شيوع ظاهرة الإنقلابات العسكرية في المنطقة العربية ، خاصة وبقية دول العالم الثالث عموما . فهذه الإنقلابات العسكرية التي رفعت شعارات تدغدغ مشاعر الجماهير وترسم صورة وردية لأمانيها وطموحاتها وآمالها كانت كارثة بالمعنى الحقيقي للكلمة .

وبعيدا عما يقال من تداخلات الدول الكبرى وأدوارها ، أو حتى قيامها بتهيئة الأجواء لهذه الإنقلابات العسكرية ، فإن الواقع كان يؤكد إنعدام الخبرة والتجربة السياسية ، وفقدان الإطار الفكري ، والأيديولوجي للقائمين بهذه الإنقلابات ، فضلا عن إقصاء أهل الفكر والعلم من المشاركة في صياغة مسيرة السلطة وضبط ممارساتها وغياب الأليات الدستورية والقانونية التي تحدد الأختصاصات والصلاحيات وترسم حدودها ، وإنعدام النقد البناء والتنبيه للأخطاء داخل الأطر الرسمية وخارجها ، ورفض كافة صور الحوار العقلاني الذي يهدف إلى الترشيد والتوجيه والإشارة إلى مواطن الخلل وبناء جسور التواصل والتكامل بين الحكم ممثلاَ في السلطة وبين بقية أفراد المجتمع فردى وجماعات .

هذه بعض الملامح التي أوصلت الأوضاع في كثير من دول العالم الثالث ، وليبيا من بينها إلى هذه الحالة من الخلل.

إذاً ماذا قدمت هذه الإنقلابلات العسكرية لشعوبها؟

في التجربة العربية للإنقلابات العسكرية وعبر مسيرتها الطويلة أوجدت وخلقت تفاوتات اقتصادية داخل مجتماعاتها هي أقرب إلى التفاوتات الطبقية - ليس بالمعنى الحرفي والواقعي ، لأن معظم الدول العربية لم تصل في أى مرحلة من مراحلها التاريخية إلى حالة الفرز الطبقي كما هو الحال في الغرب وأوربا عموماَ ، ولكن بالمعنى التمييزي ، أى من خلال مجموعات (طبقات) أو افراد هم الأكثر إستفادة اقتصادياَ ، والأكثر ارتباطاَ بالسلطة ممثلة في (الحاكم/ القائد) ، وبالمقابل لم تشهد المجتمعات العربية أي تحسن في مستويات المعيشة ولم يرتفع دخل الفرد إلى المستوى الذي يضمن له حياة كريمة ، بل تدهورت الأوضاع الاقتصادية في جميع الدول التي شهدت إنقلابات عسكرية إلى مستويات دنيا.

أيضا الإنقلابات العسكرية في مسيرتها لإحكام سيطرتها ، وضمن الولاء لقياداتها ، أوجدت أُطرا رسمية في شكل أجهزة أمنية ومخابراتية ، وأجهزة ومجموعات غير رسمية ، وأفراد يدينون بالولاء المطلق للسلطة مهما كانت ممارستها ظالمة وخاطئة وجائرة وقاتلة ، فالمعيار الذي يقاس به التابعون لهذه الأنظمة هو الولاء قبل الكفاءة ، والكثير من هذه الإنقلابات العسكرية أسست بنيتها العليا في الأجهزة المسيطرة والمتحكمة في كل شيء على أسس قبلية/ عشائرية/ عائلية ، كما أن هذه "القيادات" أوجدت من خلال محاولاتها التشبث بالحكم صراعات اجتماعية عصفت بالنسيج الاجتماعي لمجتمعاتها ، والنتيجة كانت من جراء هذه "السياسات" تفشي الفساد والفوضى والإنحلال الأخلاقي وانتشار الكثير من الأمراض الاجتماعية الأخرى .

التغـيير السياسي والعـداء للمؤسسات (2) :

منذ السنوات الأولى للتغيير السياسي عبر الإنقلاب العسكري كان جلياَ بأن هناك عداء من القادمين الجدد للمؤسسات بأشكالها المختلفة Anti - institution السياسية منها والنقابية ، والمهنية ، أو غيرها . وكان واضحاَ أيضاَ إما عدم معرفتهم ، أو إحساسهم بأهمية دورها في المجتمع من حيث كونها قنوات تواصل تعمل من أجل ترسيخ كيان الدولة ، أو كونها في حركتها وتفاعلها تؤسس للآليات المجتمعية التي تحقق الإستقرار والأمن ، أما شعارات الإنقلابيين فقد بدأت أولى مظاهرها في العداء للمؤسسات من مقولة " من تحزب خان ".

كان خطاب زواره علامة بارزة في العداء لشكل ومفهوم الدولة بمؤسساتها وأشكالها التقليدية التي تعرفت عليها المجتمعات الإنسانية عبر مسيرتها الحضارية . لقد أوضح القذافي في خطابه بشكل سافر عن رغبته في السيطرة الكاملة على البلاد من خلال إعلان ما يسمى "بالسلطة الشعبية" . ولا شك أن تحليل شخصية القذافي بداية من هذه المرحلة تكشف عن سلوكيات ، ورغبات فردية نابعة من بنية تكوينية ذاتية تمتزج فيه عوامل الطفولة القاسية.

وتأثيرات البيئة واختلال التربية والتوجيه وانعدام التجربة والوعي والثقافة السطحية المستندة على الشعارات البراقة فضلاَ عن رفض الآخرين.

لقد اختلطت شخصية القذافي المتقلبة والمزاجية برغبته في السيطرة والهيمنة دون منافسة أو معارضة أو رفض من أحد ، وباندفاع عاطفي غير مستقر في هذا الإتجاه تارة ، وفي ذاك الإتجاه تارة أخرى ، أي دون توازن في الرؤية والواقعية في الطرح ، ودون الرغبة في تحمل مسؤولية قراراته وأحكامه وممارساته وسياساته.

عندما طرحت فكرة المؤتمرات واللجان الشعبية من قبل القذافي أدت إلى خلق إطارات شكلية ومطاطية لإدارة شؤون الدولة ، وأدت من خلال الممارسة الفعلية إلى إلغاء فاعلية عملية المساءلة السياسية والقانونية ، كما ألغت عمليا إصدار القرارات من جهة مخولة بالمسؤولية وخاضعة للمساءلة والعقاب ، وإلى تشتت المتابعة والرقابة ، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تحلل وضياع المسؤولية بالإدعاء بأن المجتمع في أدنى مستويات القاعدة الشعبية يشارك في اتخاذ القرارات ، بينما الحقيقة أن القرارات "والسياسات" والأحكام هي في يد القذافي وحده.

لقد أدت هذه الوضعية إلى انقطاع استمرارية الدولة ككيان مؤسسي مستقر يمكن من خلال مؤسساته ترسيخ تقاليد لازمة للآداء السياسي والاقتصادي ، وخاضعة للمساءلة والمحاسبة ، وقادرة في نفس الوقت على التفاعل مع قوى وعناصر المجتمع.

وكان من نتاج هذه الوضعية منع وصول أية عناصر وطنية مخلصة ومنتجة لبناء الدولة ، ورسم برامجها ، وتلبية احتياجات المجتمع ، وترشيد رؤية الدولة . بمعنى القدرة على البناء بأبعاده المتعددة ، والمحافظة على ذلك البناء من خلال المسؤولية المباشرة للعاملين به.

إن ليبيا بعد الإنقلاب العسكري لم تعرف ما يمكن أن نطلق عليه معايشة لشكل الدولة بصورة منتظمة ، بل عرفت تخبطاً وآداءاً متعثراً وإدارة عشوائية لميكنة "الدولة" من خلال أجهزة أمنية أو أشخاص مرتبطين بـ (الحاكم /القائد ) ، وليس من خلال مؤسسات مؤطرة تخضع لقواعد وضوابط وقوانين تحكم قراراتها وممارساتها .
________________________________________________

(1) إنقلاب في المصطلح القانوني ـ يعنى مجموعة من الأفراد عسكرية كانت أو مدنية تستولي على السلطة بالطرق السلمية أو العنف أو التأمر ، أما الثورة ـ تعنى خروج الشعب أو غالبيته لتغيير السلطة السياسية بوسائل عدة تبدأ من العصيان المدني الى التظاهر الى استخدام العنف. هذه الإنقلابات العسكرية ، ومن بينها إنقلاب القذافي العسكري ، لم تقدم لشعوبها سوى الهزيمة سياسياَ وعسكرياَ ، والتخلف اقتصادياَ وتقنياَ واجتماعيا .
(2) المقصود بالعداء للمؤسسات والعداء المؤسسي ـ هو رفض الأشكال التنظيمية التى تعارف عليها المجتمع المدني عبر مسيرته التاريخية، باعتبار هذه المؤسسات بإختلاف أدوارها وتوجهاتها ـ هي أدوات حضارية لتنظيم حياة حركة المجتمع بصورة تسمح بالتفاعل بين عناصرره لخدمة الصالح العام.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home