Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

Thursday, 15 May, 2008

قبل فوات الأوان

عـبدالمنصف البوري

لو كنا نبحث عن شيء مخفي تحت ركام التراب، لشمرنا عن سواعدنا، وحملنا معاولنا، بحثا عنه حتى نجده، ولكن عندما تكون الحقيقة ماثلة أمامنا ونتعمد أن نتجاهلها، أو نبحث عن مبررات تخفيها لكي لا تصدمنا بوجودها، أو حتى نقوم بالتحايل والدوران حولها، دون أن يجرؤ أحدنا للإشارة إليها فتلك هي علة العلل، وهي العلة التي لا تجعلنا نتقدم أو نتحرك قيد أنملة واحدة في أي اتجاه للأمام ، بينما العالم من حولنا يتغير ويتبدل ويتطور، ونحن نتقهقر الى الخلف والوراء.

الكل يعرف من أوصل الليبيين إلى ما عليه الحال الآن من تردي وتخلف، والكل يعرف كيف وبأي ثمن تم الوصول إلى الوضعية الحالية، والكل يعرف أيضا لماذا تم ذلك ولمصلحة من في النهاية.

إن الجميع يدرك الأسباب الحقيقية التي قادت الى الحالة البدائية القائمة اليوم، ومع ذلك يصر البعض أنه من باب "الواقعية السياسية" علينا أن نقبل بالواقع المرير كما هو، ولاخيار لنا سوى أن نتعامل معه لأننا لانملك أدوات تغييره، ويتمادى جزء من هذا البعض في النفاق والمنافقة، من خلال تمجيد الظالم، إلى درجة المسخ الذي يجرد الإنسان من قيمته الآدمية، وينحط به إلى مستويات لا يمكن تصورها لا دينيا ولا عقليا ولا منطقيا ولا حتى أخلاقيا.

هذه "الواقعية" التي ينادي بها "هولاء" تحت مختلف المسميات والتسميات، تريد أن تجعل من الشعب الليبي رهينة بل وسجينا "لرؤية" واحدة و"تصور" واحد وحل واحد لم يشارك فيه بل هو مفروض عليه فرض.

وهذه "الواقعية" تعني أيضا أن كل الحلول لمشكلاتنا ينبغى أن تأتي أو تمر على يد من تسبب في مآسينا، ودمر بلادنا، وحطم شعبنا.

"الواقعية" تعني لدى هؤلاء البعض ان كل الحلول لابد وان تنال رضى وبركة صاحب "المفاتيح"، على الرغم من انه هو الذي أغلق الأبواب و أوصد النوافذ أمام كل شيء لصالح الشعب الليبي، الحلول من وجه نظر "هؤلاء" عليها أن تعبر الينا من بوابة صاحب "المفاتيح" بالطريقة التي يريدها ومن خلال الأشخاص الذين يختارهم.

إشكالية هذه الواقعية انها تتجاهل أو تتغاضى، ان صاحب "المفاتيح" ذاته مازال حتى هذه اللحظه يعيش في حالة من الوهم الخرافي* وهو يريد أن يترجم وهمه الى أفكار وممارسات، يراد لها ان تسمو بتعاليها عن سواها من أفكار واجتهادات كل الليبيين، بل يراد لهذه الأوهام أن تتعالى حتى عن حقائق الواقع المحكوم بالحركه والتغيير والتطور.

لكن اصحاب النظرة الواقعية، لا يدركون أن المسافة بين هذا الوهم المراد فرضه على الشعب الليبي وبين بؤس الواقع قصيرة جدا، وان معاناة شعبنا سوف تزداد شدة وحياته قسوة، وحاضره تأزما واضطرابا، ومستقبل البلاد كلها في مهب الريح.

الكل في ليبيا بدون استثناء بما فيهم حملة المباخر من المنافقين، يعلمون أن حالة التأزم والعجز في الدولة الليبية راجع بالدرجة الأولى الي الطبيعة الذاتية لشخصية القذافي نفسه، ولطبيعة وهمه المفروض على الشعب الليبي، وإلى الأجهزة والأشخاص الذين تم فرزهم أو اختيارهم ليقودوا المجتمع على صعيد هذا الوهم.

على امتداد كل السنوات العجاف التي مرت على الشعب الليبي، لم يستطع القذافي ان يقلص ولو نسبيا الفجوة الشاسعة التي تفصل بين وهمه المعلق في الخيال وبين بؤس الواقع المعاش في ليبيا.

فمن الواضح من خطاب القذافي في 2 مارس 2008، ثم من لقائه - بعد هذا الخطاب - برؤساء الجامعات الليبية، ولقاءات اخرى، كان أخرها اجتماعه مع اللجنه الشعبيه العامة للتعليم وعدد من الخبراء باللجنة، حيث أكد مدى تصميمه وعزمه، على التفرد بالقرار في ما يخص حياة الليبيين في الحاضر والمستقبل، وإصراره على دفع البلاد والعباد بإتجاه مسارات فوضوية خطيرة**، لا يمكن تقدير نتائجها وخسائرها، لا على المدى القريب أو على المدى البعيد، ولا يعرف مداها إلا الله.

إن الطريقة التي تدار بها شئون الدولة الليبية منذ الإنقلاب في عام 1969، والخاضعة بالكامل لمزاج وتقلبات القذافي الشخصية، والأنواء المتذبذبة التي تعصف بعقله، تضع الشعب الليبي كله والبلاد في خطر جسيم في هذه المرحلة، كما أن كل الرهانات المتفائلة في السابق حول إمكانية نضج القذافي السياسي، وتغيير بعض "أرائه وأفكاره"، مما قد يؤدي الي إصلاح الشأن الليبي، قد ثبت عدم صحتها، وبات من المؤكد واليقين، بعد مضي ما يقارب 39 عاما من الحكم، أنه لا سبيل لإضفاء أي شكل من أشكال العقلانية والمنطقية والموضوعية والرشاد عليه، وعلى "تجربته السياسية" التي تعاني من أزمة بنيوية، وأزمة وظيفية، وأزمة علائقية.

الأزمة البنيوية :

كان لسيطرة القذافي وإنفراده بالسلطة منذ المراحل الأولى للإنقلاب، وتصفية معظم القوى الوطنية أفراداً وجماعات، التي كان يمكن أن تكون موازية أو شريكة فى إدارة شئون الدولة، أثر كبير في حالة التهلهل التي وصلت اليها البلاد.

إن عدم رغبة القذافي أو ميله للالتقاء بأي طرف وطني، لإشراكه في سير العملية السياسية وحركة المجتمع، إلا وفق تصوراته وشروطه الخاصة، قد أدى إلى عجز عملية التسييس الاجتماعية العامة، التي تخلق الشعور السياسي العام والقوي لدى المواطنين "المواطنة"، مما قاد إلى تحويل مسألة الانتماء والولاء إلى الحاكم بدلا من الوطن.

هذه الوضعية أسست لهيمنة خاصة على العملية السياسية برمتها في ليبيا، وقد ساعد على هذه الهيمنة وجود التوجهات القبلية والصبغة العشائرية في المجتمع الليبي، والتي إستخدمها القذافي بدهاء لتثبيت سلطته، مما خلق إنشطاراً وحاجزاً حال دون قيام السلطة على أسس عقدية إجتماعية وقانونية راسخة ومتكاملة ودستورية، وأيضا كان لعدم إرساء أي تقاليد سياسية في المجتمع يمكن على أساسها تشكيل وبناء هياكل السلطة، قد أدى إلى خلق غموض كبير وفوضى، حول خطوط سير العمل السياسي ونتائجه وإنعكاسات ذلك على المجتمع الليبي.

إن الأزمة البنيوية تسببت بالدرجة الأولى في عجز الدولة عن بناء المؤسسات السياسية والمدنية، للقيام بعملها على مختلف المستويات الخدمية والإنتاجية والتنموية، وبناء هياكل العمل التحتية، كما أن عدم اكتمال التنظيم العام للدولة، والتمزق البنيوي، الذي استبدل شكلياً "بالمؤتمرات واللجان الشعبية "، إلا أن هذا البديل هو من حيث المضمون والأداء عديم الفاعلية، وغير قادر على التفاعل مع المجتمع.

الأزمة الوظيفية:

تحولت مهمة السلطة القائمة، من تقديم الخدمات، وتسيير العملية التنموية والإنتاجية، إلى الوظيفة الأمنية، وكرست السلطة جهدها مستخدمة كل الإمكانيات المادية الضخمة للمجتمع، لضبط الأوضاع، والتحكم في مسارات العمل السياسي، وتوجيهها نحو خدمة أهداف رأس السلطة، وليس أهداف المجتمع، مما أصبغها بالصبغة التحكمية.

الأزمة العلائقية:

انعكس طابع الهيمنة الفردية للسلطة في ليبيا على شكل العلاقات الداخلية لأجنحة السلطة، وأساليب تكوينها، وعدم ثباتها وتغيرها، وإنحصرت مهمتها فى تنفيذ أوامر القذافي، وترسيخ شروط الولاء والطاعة الفردية، وتهميش الدور التشريعي والقضائي، وإنعدام أي شكل من أشكال الفصل بين السلطات.

وفي ضوء هذه الأزمات الثلاثة، فإن حالة الفوضى العارمة*** التي يستعد القذافي لفرضها على الشعب الليبي إذا مابدأت، فإنها لن تتوقف، ولن يستطيع أحد أن يوقفها، وستقود تدريجياً إلى أن يكون الصراع الداخلي طابعها، والعنف هو أحد أدواتها، مما يمهد لحالة هي الأقرب إلى الحرب الأهلية أو ما شابهها.

هذا الصراع الداخلي والعنف، إذا سرى في المجتمع فإنه سيكون كالنار في الهشيم، وعندئذ سيدفع كل الليبيين "دون استثناء" ثمنا باهظا في كل المدن والمناطق. لأن هذا الأمر لن يقف عند ضياع الأنفس والدمار المادي والمعنوي فحسب، بل قد تتطور الأحداث لكي تفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية في البلاد، سواء كان ذلك من قبل القوى الإقليمية، أو القوى الأجنبية، بحجة المحافظة على الإستقرار والأمن، وتأمين المصالح الحيوية والاقتصادية وعلى راسها النفط .

انه لا يوجد أدنى شك عند - غالبية الليبيين - بأن القذافي - بحكم طبيعته الشخصية - يريد أن يكون حاكما بلا حدود ولا قيود، وهو لا يريد أي معايير عقلية ومنطقية، ولا محددات دينية وأخلاقية، ولا يريد ضوابط قانونية، أو عرفية، أو حتى إنسانية، القذافي يريد أن يكون بلا مسؤوليات، حاكما أو قائدا أهوجا، فوضويا ومتمردا على كل الثوابت.

إن وجود شخص بهذه المواصفات في موقع السلطة والقرار ومسيطرا على ثروة البلاد لهو أخطر ما يكون على الدولة والشعب الليبي، حاضراً ومستقبلا، والآن وقبل فوات الأوان علينا جميعاً أن ندرك ونتحمل المسئولية اتجاه إنقاذ هذا الوطن من ما يجري و ما قد يجري في القريب المنظور.
________________________________________________

 *  الوهم الخرافي: كل ما صدر عن القذافي (من أراء وأفكار وتصورات ومقولات).
** المذهب الفوضوي ينادي باختفاء الدولة باعتبارها العدو الأكبر للناس ولذلك يجب إزالتها،بل أن هذا المذهب ينادي بإلغاء كل نظام لا يقوم على تلقائية الجماهير، وأن القانون الاجتماعي في أي دولة يتحقق من تلقاء نفسه، بدون رقابة ولا قيادة وإنما بتلقائية مطلقة.
*** ليبيا الآن تعيش في حالة فوضى ولكنها تحت سيطرة الأجهزة، أما الفوضى العارمة التي يراد لها أن تفرض على الشعب الليبي حسب "تصورات" القذافي، لا يمكن ضبطها أو السيطرة عليها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home