Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف البوري


عـبدالمنصف البوري

الأحد 14 سبتمبر 2008

فرض الفوضى العـارمة

عـبدالمنصف البوري

لا يستطيع أي مجتمع أن يبنى حاضره ، ولا يؤسس لوجوده في المستقبل بناءاً على مرجعية مستمدة من أوهام فردية أو شخصية، ولا من أفكار عبثية و متناقضة، ولا يمكن أيضا لأي مجتمع أن يجعل من رمز استعباده وتهميشه، مرجعا وإطارا لتطوره وتقدمه، لا في الحاضر ولا في المستقبل .

إن تجربة العقود الأربعة الماضية تحت حكم القذافي، قد أفرزت حالة استثنائية بكل المقاييس العقلية والمعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حالة شاذة من الهلوسة الفكرية، التي فرضت على الشعب الليبي، وامتزجت فيها ممارسة الاستبداد والقمع الداخلي غير المسؤول، مع سياسة تنتهج عمليات إرهابية في الخارج تحت مظلة مساعدة القوى التحررية.

وفي ظل هذه الحالة تم نشر الفوضى بكل أشكالها وممارساتها، فقد عمت البلاد هذه الفوضى من أدناها إلى أقصاها، و طالت حياة الليبيين بكل صنوفها وممارساتها، حتى أصبحت معيشة المواطن ضربا من التعاسة.

فقد شملت هذه الفوضى كل الدوائر والمؤسسات الرسمية، وصار الأداء الرسمي لها سيئاً للغاية، كما أصبح المواطن الليبي الأكثر شقاء في انجاز أموره ذات العلاقة معها ، أو في الحصول على حقوقه منها.

فوضى في التعليم، الجامعات والمدارس والمعاهد والمناهج، بما في ذلك معايير الكفاءة والأهلية والجدارة بين الأساتذة والمدرسين، مما أدى إلى إفراز أجيال مغيبة عن حقيقة واقعها، وتجهل دورها في حاضرها ومستقبلها.

وهناك فوضى في القطاع الصحي، حيث انهارت الخدمات الصحية، ووصلت إلى أدنى مستوى قد يتصوره إنسان لدولة تعيش فوق بحر من النفط ، فتدني الخدمات في المستشفيات والمراكز الطبية و المستوصفات، والعيادات الرسمية، قد دفعت الأف من الليبيين إلى اللجوء إلى الدول المجاورة، بحثا عن العلاج ، وهى دول لا تملك الموارد المالية التي تملكها ليبيا ، نهيك عن ما يتعرض له هولاء من مشاق السفر والنفقات و أحيانا الاستغلال. إن الفوضى في القطاع الصحي طالت أيضا كيفية إعداد الأطباء الإعداد المطلوب والجيد، لكي يتمكنوا من أداء دورهم الإنساني في المجتمع.

أما فوضى المواصلات فحدث ولا حرج، فعلى مستوى تنقل المواطنين من مكان إلى مكان، سواء داخل المدن، أو بين المدن بعضها ببعض والمناطق، فالنقل البري العام لا وجود له، والطرق البرية في وضعية اقل ما يقال عنها أنها في حالة مزرية وسيئة للغاية، وهى بدون صيانة أو خدمات حتى أصبح عدد الضحايا الحوادث على هذه الطرق كبير بشكل ملف للنظر ، وإذا قارنا حالة المطارات الليبية بغيرها ، لوجدنا أنها بدائية جدا والخدمات بائسة إلى أقصى الحدود، وشركات الطيران الليبية لا تخلو من الوساطة والمحاباة وغياب النظام فيها وعدم الالتزام في مواعيدها.

وهناك فوضى وفساد ورشوة وتسيب في الجمارك ومراقبة الحدود الليبية، حتى عمت البلاد موجات بشرية من الأفارقة وبعض البلدان العربية، فضاقت بهم البلاد وضج بهم العباد، وانتشرت الجريمة بكل أنواعها، وتحولت شوارع مدن و قرى ليبيا إلى أسواق للمخدرات والسموم المختلفة، وراجت إلى جانبها تجارة الدعارة والبغاء.

وفي ما يخص الاقتصاد وإدارة ثروة المجتمع والبنوك والمصارف، فالفوضى قد سهلت وفتحت الباب على مصراعيه لأكبر عمليات النهب والسلب والسطو و التبذير من المال العام ،الرسمي وغير الرسمي وعلى مختلف المستويات، ابتداء من رأس السلطة وأسرته، وانتهاء بأقل العاملين في الكادر الرسمي للدولة، مما أدى إلى ظهور طبقة من الطفيليين اللذين ارتبطوا بشكل أو أخر بعناصر السلطة، إذ لأول مرة في تاريخ ليبيا تعرف" الطبقية"، وان كان ليس بالمفهوم الحرفي لها، لأن ليبيا لم تصل إلى مرحلة الفرز الطبقي كما هو الحال في المجتمعات الإقطاعية والصناعية ، ولكنها طبقة محدودة تستحوذ على اكبر نصيب من الثروة، في مقابل أغلبية تعيش على الكفاف.

الفوضى وصلت إلى كل شيء في ليبيا.. من ما يسمى بمشاريع التنمية، إلى تنظيم الاستيراد، ومن الزراعة والصناعة، إلى البيئة و حتى في الرياضة، فوضى في فوضى.

لقد تحمل الشعب الليبي على مر كل هذه السنوات الطويلة هذه الفوضى، ولكن ها هو يواجه مرة أخرى بنشر المزيد من الفوضى، ولكنها الأخطر لأنها الفوضى العارمة ، وكأن معاناة وقسوة ومرارة ما مر به هذا الشعب طوال الأربعة العقود الماضية، ليست بكافية لكي يتوقف هذا التجريب العابث بحياته ومقدراته، وحتى لا يسمح له لكي يعيش حياته كبقية الشعوب آمناً، ينعم بخيرات وطنه ويسهم في بناء حاضره ومستقبله .

و لعل التساؤل المطروح في هذا السياق يدور حول الأسباب والدوافع من وراء فرض مزيد من الفوضى؟ وما هو الهدف من ذلك؟.

بغض النظر عن ما يعلنه القذافي شخصيا، من أسباب واهية لا أساس لها من الصحة ، من أن الفساد قد استشرى في كل الدوائر والمؤسسات، وبالتالي فالحل بالنسبة له يكمن في التخلص منها ،فان الحقيقة التي أكدتها تجربة السنوات الماضي، إن عقلية و"فكر" القذافي يقوم على" فلسفة" استخدام الفوضى، في كل شيء باعتبارها الوسيلة الأكثر فاعلية في إحكام السيطرة، وقد أكد بنفسه أكثر من مرة،على ضرورة الوصول إلى مرحلة الفوضى.

وكان واضحا منذ خطاب أزواره أن إلغاء كل ماله علاقة بالنظام والتنظيم، والرقابة والمحاسبة المترتبة على وجود شكل طبيعي للدولة ، تندرج في إطار الفوضى هو الوضع الأمثل بالنسبة له، وأي شيء دون ذلك مرفوض بالكامل من قبله ، لأنه يضع عليه قيود تفقده السيطرة التامة على كل شيء.

كما أن إلغاء المؤسسات والدوائر الحكومية وتهميش الأدوار الفعلية لمؤسسات المجتمع المدني ، من نقابات مهنية وعمالية وطلابية ورفض قيام الأحزاب السياسية ،وعدم السماح بالحريات العامة وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، وسيطرته على التجارة في السابق، تدخل جميعها في ضبط السيطرة على المجتمع غير المنظم، وبالتالي أي شيء ذو طبيعة منظمة يدخل في دائرة الخطر.

أما فيما يتعلق بالاحتفاظ بالمؤسسات والأجهزة السيادية وهى الأمن والعدل والخارجية والنفط ، فهي تشكل أساس للسيطرة، فالأمن للاحتفاظ بوسائل العنف ، والعدل من اجل التشريع وإصدار الأحكام، والخارجية لتامين الاتصال بالعالم الخارجي والاحتفاظ بشرعية الوجود أو الأمر الواقع، والنفط للسيطرة المالية على كل شيء.

والهدف من هذه الفوضى العارمة، هو دفع المجتمع الليبي لكي يعيش من غير قواعد عقلانية منظمه ومقبولة، سواء كانت في شكل ضوابط دستورية، أو محددات قانونية أو إجرائية، أو أسس تنظم حياة المجتمع، وتحدد المسئوليات فيه.

وتهدف هذه الفوضى العارمة خلق حالة تؤدي إلى اختلال الموازين بين أفراد المجتمع، وانتشار مشاعر الخوف بسبب غياب العدل والعدالة، وفقدان الأمن، وضياع الحقوق، وعدم معرفة الواجبات.

وفي ظل الفوضى العارمة أيضا تزداد مختلف أشكال الانتهازية، والهروبية، وما يسمى بالواقعية التبريرية من قبل المؤيدين والمهللين لهذه الفوضى من أصحاب المعايير والقيم المزدوجة .

ويمكن تلخيص أهم المخاطر التي تترتب على الفوضى العارمة في:

• التفكك وانهيار المجتمع في ظل غياب التنمية المتوازنة، بين المدن والمناطق والقرى في ليبيا، وبسبب التهميش المتعمد للسكان فيها . إن العديد من المدن والمناطق والقرى في شرق البلاد وغربها وجنوبها تعانى من التجاهل التام ، و أصبحت أسوأ حالا مما كانت عليه منذ أربعين عاما مضت ،وهذا بدوره يعمق من شعور التفاوت الجهوي

• تفجر العنف بسبب ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع خاصة في أوساط الشباب، وانعدام فرص العمل وغياب وجود آليات لحل إشكالية البطالة، وعدم توفر آفاق حقيقية لمستقبل هؤلاء الشباب، هذه الحالة ستدفع إلى التكالب والصراع بين قطاعات وفئات المجتمع.

• رهن مقدرات ليبيا وثروتها النفطية لصالح القوى الأجنبية، من قبل الطبقة الجديدة التي نشأت وترعرعت في ظل و رعاية القذافي، وذلك خوفا وحماية لنفسها في مواجهة المجتمع.

إن استمرار القذافي في السلطة وقيامه بتنفيذ مخططه، بفرض الفوضى العارمة على الشعب الليبي ،سوف يؤدى إلى كارثة حقيقية ، ويدخل المجتمع في دوامة من الصراعات والاختلافات التي لا أول لها ولا أخر، والتي قد تصل في مرحلة ما إلى درجة تفتيت البلاد ، و قد تدفع أيضا بعض الأطراف الخارجية للتدخل بحجة تحقيق الأمن والاستقرار، أو الوقوف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك في المجتمع ، لذلك من مهمة كل المخلصين من أبناء الوطن، الوقوف في وجه هذا المخطط والتصدي له ولاستمرار العبث بمصير الشعب الليبي ، وضرورة العمل على رحيل القذافي بأي شكل من الأشكال.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home