Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الثلاثاء 12 اكتوبر 2010

ممارسات اللجان الثورية

جرائم وليست اخفاقات

عـبدالمنصف حافظ البوري

                               

"منطق الأشياء يقتضى بأن بلوغ الغايات لا يمر إلا عبر بوابة الوسائل، وبما أن إختيار هذه الوسائل يختلف باختلاف الأجندة وطبائع الناس ومخزونهم المعرفى والثقافى، فإننا تجد الكثير من الغايات السياسية قد انحرفت عن مساراتها الطبيعية وتم استخدام أدوات وسائل يرفضها المنطق العقلى، ولا يبررها سوى المنطق المصلحى واللحظى".

من الملاحظ أن وعى أعضاء  اللجان الثورية ما فتئ يتأرجح بين: الإستمرار فى تكريس عبادة "القائد" وكل الشعارات الشمولية الخاصة بالتعبئة والتجييش التى قادت المجتمع الليبي إلى أدنى درجات التخلف، وبين الخوف من أن يولد وضع سياسى من صنع القذافى، لا يرقى بالطبع إلى مستوى أى مشروع مدنى متحضر، قد يضع اللجان الثورية خارج إطار الخدمة ويسمح بتفكيكها مستقبلا. من هنا يبدو أن مرحلة البحث عن التبريرات قد بدأت أو أطلت برأسها فيما يتعلق بما يسمى باللجان الثورية، ومحاولة البحث عن أعذار ومسوغات عن كل الجرائم التى أرتكبت على امتداد السنوات الماضية، ومن بين هذه الأعذار والمسوغات محاولة الإيحاء بأن هذه الجرائم كانت "إخفاقات" بسيطة أو "تجاوزت" غير مقصودة أو "تصرفات" أملتها الضرورة فى وقتها، أو حتى "تصرفات فردية وشخصية" وليست سياسة ممنهجة وُضعت آنذاك لفرض الخضوع على الرافضين والمخالفين وأصحاب الأراء والإجتهادات الأخرى، أو حتى القضاء عليهم، وكذلك لإخافة كل المواطنين بضرب المثل لمصير من يخالفهم بهؤلاء.

يُستخدم الآن تعبير"إخفاقات" بخبث كمصطلح لوصف أعمال وممارسات تُصنّف بكل المعايير القانونية والانسانية تحت خانة الجرائم ولا يمكن بأي حال من الأحوال وصفها بأنها مجرد إخفاقات.

وبدون التطرق إلى ما يمكن أن تخفيه النوايا حول ما نسميه (لعبة عض الأصابع) لدى اللجان "الثورية"، فهل الحديث عن "الاخفاقات" هو من باب  التظاهر بالندم على ما تم، أم هو من باب التظاهر بالحاجة إلى التغيير والتلون حسب مقتضيات اللعبة السياسية المجردة من كل شئ إلا المحافظة على البقاء؟

وأياً كانت النوايا، والتى لا يعلمها إلا الله، فلا شك أن هناك فرق بين ما يراد له أن يسمى "إخفاقات"، أى عدم القدرة على وضع سياسات وخطط ومسائل ذات طبيعة سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أوغيرها، بما فى ذلك القيام بممارسات وأعمال والعجز عن تنفيذها أو ترجمتها على الواقع، وبين ممارسات وأعمال قد وقعت بالفعل ونجحت في الوصول إلى الغاية المنشودة منها، وهي الإضرار بحياة الناس وبحقوقهم وبقدرتهم على إتخاذ القرارات التى تخصهم فى حاضرهم ومستقبلهم.

وفى هذه المرحلة التى انكشف فيها الظلم وعم الفساد والفوضى أركان السلطة، لقد اصبح من الضرورى على أعضاء هذه "الحركة" وقيادتها العمل لأجل التخفيف من حدة وبشاعة الجرائم التى ارتكبت على أيديهم، ووضعها تحت غطاء مصطلح "الإخفاقات" بغاية أن لا ترقى الى مستوى الجرائم، أي بمعنى آخر: تسعى "اللجان الثورية" إلى لعبة عض الأصابع كما أشرنا، لإيجاد التبريرات التحايلية التى تهدف إلى إلزام الشعب الليبي بقبول العفو عن جرائمها وممارساتها غير القانونية وغير الإنسانية وغير العقلانية فى الماضى، والتغاضى عن محاسبتها عن كافة الإنتهاكات والإختلالات الجوهرية التى مست كل كبيرة وصغيرة فى حياة ومعيشة وحقوق المواطنين بشكل غير مسبوق في تاريخ شعبنا على أيدي أبنائه.

ولعله من المجدى للقارئ الكريم ،التذكير ببعض الملاحظات على النحو التالى :

أولا : اللجان الثورية فى نشأتها واستمرار وجودها خالفت وتخالف سائر أنواع اللجان والمؤسسات الأخرى فى النظام لأنها وُلدت خارج الإطار القانونى أو الشرعى واستمدت "شرعيتها" فقط من القذافى شخصيا وليس من الشعب الليبي، ومارست جرائمها واإرهابها تحت هذا الغطاء وفى ظله، وبالتالى فإن استمرار وجودها وهيمنتها بهياكلها وأطرها وعناصرها سيبقى ليس معوقا فقط لأى مسعى نحو التغيير الذى يلبى حاجات ومتطلبات الشعب الليبي فى الحاضر وتطلعاته فى المستقبل، بل ومعوقا بالدرجة الاولى نحو إيجاد شرعية دستورية ونظام ديموقراطى، لأنها تريد أن تستمر فى  ممارسة قدرتها على التحكم فى المجتمع والمحافظة على هيمنتها السلطوية وإرهاب الآخرين.


ثانياً : يشكل أعضاء اللجان الثورية طبقة طفيلية مستفيدة، ولايريدون تغيير الوضع الراهن أو التخلى عن إمتيازاتهم ومكاسبهم الشخصية والتي لا يتمتع بها بقية المواطنون الليبيون فى كافة القطاعات وعلى كل المستويات، التوظيفية والتعليمية والصحية والسكانية والسفر إلى الخارج، فضلا عن استمرار مكاسبهم المادية الإقتصادية وما يحصلون عليه من التسهيلات المالية والقروض والأراضى والمزارع والتوكيلات التجارية، وعمولات من الشركات الاجنبية. وبمجرد أن نلقي نظرة على اسمائهم ومناصبهم ومراكزهم يمكن للمراقب أن يتأكد له حصول قيادات حركة اللجان الثورية وأغلبية عناصرها وأعضائها، بل واسرهم وابنائهم واقاربهم ومن يرتبط بهم أيضا، على امتيازات لا تدخل فى التوزيع العادل للثروة بين أفراد المجتمع بل تقوم على معادلة الولاء بدلا من الكفاءة.

ثالثاً : إن هذه الطبقة المستفيدة والتى اصبحت تعرف بين المواطنين باسم "البرجوازية الثورية"، لازالت تصرعلى فرض الوصاية على الشعب الليبي من خلال التمسك بمفهومها للديمقراطية الذى ولد من رحم الاستبداد والإبتذال السياسى كما جاء مقولات القذافى، ورفض قيام مؤسسات المجتمع المدنى مستقلة عن هيمنتها وهيمنة السلطة، بمعنى أن اللجان الثورية تتماهى مع مصالح "الوصى" وطريقة تفكيره النرجسية ونظرته للمجتمع الليبى المسود، فالوصى لابد له من ممارسة الوصاية على غيره والتصرف نيابة عنه فى ادارة شؤون حياته، والليبيون فى نظر اللجان "الثورية" لا يستطيعون اتخاذ القرارت والخيارات ولابد من ترشيدهم. إن دور الوصاية هذا يلغى حق الفرد وحق أى مجموعة بل حق المجتمع كله باعتبارهم قاصرين وناقصين وينبغى للقوى "الثورية" أن تقودهم إلى بر الأمان والتقدم، وهذا ما لم يحدث بعد كل العقود الماضية .

إن أزمة اللجان "الثورية" ليست قابلة للإستدراك أو التجاوز بمجرد إجراء أو توقع إجراء تعديلات فى الترتيبات السياسية أو الهياكل التنظيمية تحت حجة التأقلم مع تقلبات المجتمع السياسية، وخطابها يفتقد إلى العقلانية والواقعية، فالعقلانية السياسية تقوم على مقتضى العقل والمنطق، وليس مقتضى الشعارات والهوى النرجسى والمزاج الفردى، والواقعية تفترض أن تكون السياسة مستندة على البرامج التى يختار من بينها الناس وأن يتعامل الخطاب السياسى مع عقل الناس وليس مع وجدانها .

فى الحقيقة إن الأزمة أعمق بكثير من التشخيص الذى يقترح معالجات تلفيقية تتعلق بقشة إسمها "اخفاقات" لأن هناك فرق كبير بين هذا الدمار المبرمج الذي إنتهجته اللجان"الثورية" نفسها في البينة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتنظيمية والإعلامية و.. و.. وبين إعادة البناء لكل ما خلفه هذا الدمار الذي ترتب على هذه السياسات الخاطئة، فإعادة البناء تحتاج إلى إنهاء الممارسات الظالمة واقامة مؤسسات مدنية، لاتقوم على التواجد الشكلى وعدم الفاعلية والتبعية للسلطة، ولا تقوم على أشخاص همهم مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم النفعية، بل تقوم على مؤسسات فاعلة تستمد شرعيتها من القانون وقوتها من أشخاص يحبون الوطن وأهله، ويخلصون فى خدمته ويتمتعون بكفاءة عالية وقدرة على الإنجاز وتحقيق التطور، وهؤلاء ليسوا بقلة  فى داخل الوطن اكثر منهم خارجه.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home