Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelmunsif Hafedh el-Bouri
الكاتب الليبي عبدالمنصف حافظ البوري


عبدالمنصف البوري

الأحد 11 يوليو 2010

مذبحة سجن بوسليم

حلول لإنقاذ ماء الوجه

 

عـبدالمنصف حافظ البوري

فى الفترة الأخيرة بدأت كتابات من هنا وهناك تتسابق فى تقديم حلول واقترحات، لقضية مذبحة معتقل أبوسليم، وكأنها تبشر بالداوء النافع والحل الشافى. وفيما عدا مقالة الدكتور فتحى البعجة أستاذ العلوم السياسية بجامعة قاريونس(1)، فإن ما طرح من اقتراحات قد أجمعت على البحث عن الحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه "للنظام" وأشخاصه بعد أن إعترفت السلطة بالجريمة البشعة، وهى الجريمة التى سعى النظام طوال السنوات الماضية بخطوات مخادعة نحو مربع الكذب والحيلة وحياكة التبريرات حولها حتى أوصل الحال الى ماهو عليه الآن، وقد يكون ما هو مطروح من البعض من اقترحات للحل، وعلى وجه الخصوص الحل المقدم من السيد رمضان جربوع، يدخل فى إطار الحل التكتيكى والإعلامى وحتى السياسى للقضية، من أجل ضمان سلامة السلطة وأشخاصها وعدم المساس بسلطانها، ولكنه بالطبع لايشكل حلا لهذه المشكلة وغيرها من مشاكل ليبيا، لعدة أسباب من أهمها:                                     

أولا :  لا يمكن بهذا التبسيط والسطحية اقتراح حل لجريمة ترقى لمستوى الجرائم ضد الانسانية أو كما قال السيد جربوع (فليس لدينا تعريف آخر يقبله عقل او ضمير)، بمجرد اعتراف السلطة بها والإعتذارعما ارتكبت، وتعويض الاهالى بمبالغ مادية مهما كان حجمها، فى الوقت الذى يدرك فيه الكاتب أنه فى العالم المتحضر والديمقراطى الذى نال منه شهادته، أنه بسبب مقتل شخص واحد أو عدة أشخاص تسقط حكومات وتتغيرسلطات، فما بالك بمقتل 1200 إنسان، أياً كانت التبريرات التى تدعيها السلطة القائمة، إلا إذا اعتبر الكاتب أن قيمة الإنسان الليبي هى أقل من قيمة الإنسان فى غيره من الدول، وأن مقتل شخص واحد أو ألف شخص ليبى أمر بسيط وعادى،(كما اشارة رئيس جامعة قاريونس شرف الدين) ولاينبغى إثارة أى مشكلة بشأنه. إن هذه الجريمة، والسيد جربوع يعى ذلك، كارثة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، بالمعاييرالانسانية والدولية وكافة الشرائع السماوية، وأن مثل هذه الجريمة لو وقعت فى أى دولة أخرى لما بقى رئيسها أو حاكمها أو قائدها أو أيا كان لقبه، يوما واحدا فى منصبه أو مركزه.

ثانياً إن إحالة الأمر إلى مايسمى بمؤتمر الشعب العام، هو محاولة لنقل مسؤولية ما جرى الى جهة يراد لها أن تتحمل عبء لاتستطيع الإضطلاع به، والليبيون عن بكرة أبيهم يعرفون، والكاتب أيضا يعرف ويعلم تمام العلم أن هذا المؤتمرلا يحل ولايربط، ولايمثل تجمع للشعب الليبي ولا الى ممثليه الحقيقيين والفعليين، فهو لايتعدى أن يكون شكل من الاشكال الهامشية والهلامية، التى يجرى من خلاله تمرير كل ما يريده القذافى، و"مؤتمر الشعب العام" لا يحاسِب ولايستطيع أن يحاسِب، بل لا علاقة ولاقدرة له على اتخاذ أى قرار ذو شأن فما بالك بمثل هذا الامر الخطير. ثم ماهى الحكمة الآن من نقل ملف هذه القضية أو غيرها من القضايا الجوهرية له، والبلاد منذ سنوات طويلة ينخر فيها الفساد بكل اشكاله وأنواعه، والفاسدين بمختلف طبقاتهم ودرجاتهم ومراكزهم الثورية وغير الثورية، وأعضاء هذا "المؤتمر" جالسين كأصنام الكعبة فى الجاهلية، أو ناعقين صراخين بشعارات المديح والإطراء، والتجربة التاريخية لهذا المؤتمر لم ولن تسعفنا بأى حلول، لا فى حرب تشاد التى ذهب ضحيتها الآلاف من الليبيين، ولاتزال رفاتهم مبعثرة فى الصحراء بينما أسرهم وأولادهم يعانون شظف العيش، في الوقت الذي قبض فيه ضحايا الجيش الجمهورى الإيرلندى المليارات، ولا فى مشكلة أطفال الآيدز الذين تم إسكات أهاليهم ببضعة ملايين، بينما زوجة ساركوزي السابقة تغنت بقدرتها على تطويع القذافى وإرغامه على أطلاق سراح البلغاريات. عن أى "مؤتمر شعب عام" تتحدث يا سيد رمضان والبلاد مرت عليها كوارث ومآسي يشيب لها الولدان، وها هى مازالت حتى اليوم تنهب ليلا ونهاراً وجهاراً وشعبها- وليس مترفيها ولصوصها- يعيش بمستويات أقل مايقال عنها أنها لا تليق بإنسان القرن الواحد والعشرين.                                                                        

ثالثا : جوهر المشكلة ولب الحقيقة التى يدركها الجميع ويتحاشى البعض الإشارة اليها،  سواء تشكلت لجنة تحقيق محايدة ونزيهة أو غيرها، وسواء كانت بمشاركة مندوبين عن أهالى الضحايا أو بدونهم، هو أن هناك جهة ما أو شخص ما هو الذى أصدر ألامر بقتل هؤلاء السجناء العزل، وأن هناك مجموعة قامت بتنفيذ الأوامر، وهذا هو بيت القصيد، فمن هى هذه الجهة أو الشخص ؟ ومن هم الذين قاموا بالتنفيذ ؟ ولماذا لم يُكشف شئ فى هذا الخصوص؟ لماذا هذا التلكؤ وهذا التعطيل كل هذه السنوات؟ هل يعقل أن جريمة بهذا الحجم وهذه الخطورة لم يكشف عن من يقف ورائها ؟ أين أجهزة السلطة الأمنية المتعددة (الأمن الداخلى والخارجى)، وكل أشكال أجهزة القمع التى تسجل على الليبيين حتى أنفاسهم، ودخلت بيوتهم وانتهكت حرماتهم وطاردتهم فى كل مكان داخل الوطن وخارجه؟ هل هذه الأجهزة عاجزة على الوصول إلى الجانى أو الجناة ؟ أم هى جزء مشارك فى هذه الجريمة ؟                       

ولعل السؤال المنطقى و"العقلانى والواقعى" الذى ينبغى أن يطرحه كل ليبي وفي مقدمتهم السيد جربوع، هو إذا تشكلت لجنة تحقيق بأية مواصفات كانت، فما هى الضمانات الفعلية التى تضمن لهذه اللجنة عدم التلاعب فى تحقيقاتها وإجراءاتها والإشخاص المطلوب إستدعائهم للمثول أمامها؟ هل هناك دليل واحد يمكن للسيد رمضان جربوع أن يقدمه لنا مما قد يجده على امتداد الاربعة العقود الماضية ليؤكد عدم تدخل ما يعرف بالجهات العليا أو القيادة فى احكام القضاء وتغيرها؟ بل أن الذاكرة التاريخية تؤكد أنه عدة  محاكمات عسكرية ومدنية تمت فى ليبيا بعد الإنقلاب، جرى التدخل فيها وتغيير أحكامها بالصورة والعقوبة التى يرغب بها القذافى، من أحكام مخففة الى سجن مؤبد أو إعدام، بل أن هناك أناس قد أتموا المدة التي حُكِم بها عليهم ولم يطلق سراحهم ايضا لان القذافى يريد ذلك ، فضلا عن من أستشهد تحت التعذيب، أو توفي من الامراض الفتاكه أو من جراء الحسرة والظلم الذى فاق الحدود. وفى ضوء هذه الحقيقة التى يعرفها كل الليبيين، لا يوجد مثقال ذرة من الثقة فيما يمكن أن يتم بخصوص هذه الجريمة تحت رعاية هذا "النظام"، ولا بد من جهات دولية  قانونية حقوقية محايدة تراقب وتتابع التحقيقات إلى أن تصل إلى النتائج، وتقدم المسؤولين عن هذه الجريمة أياً كانت مراكزهم فى سلم السلطة والحكم فى ليبيا إلى القضاء العادل.                                                                                  

إن القول بوجود جهات قانونية حقوقية دولية لايعنى بأى حال من الاحوال التقليل من قيمة وشأن  الكثير من رجال القضاء والمحامين ووكلاء النيابة، الذين يعلم شعبنا الليبي مدى إخلاصهم لقيم العدل والحق والمساواة، وحرصهم على تطبيق ذلك بقدر كبير من الشفافية والنزاهة، ولكن هؤلاء لم يعطوا الفرصة الكاملة لذلك، وتمارس عليهم ضغوط بشتى الطرق والوسائل لمنعهم من أداء واجبهم على أكمل وجه. من جهة اخرى فإن المطالبة وبوجود جهات حقوقية دولية محايدة، لا يعنى بأى شكل من الأشكال تدويل القضية وإدخالها فى سراديب التدخل الخارجى أو وضعها فى أيدى القوى الاجنبية، بل أن الأمر لايتعدى الإشراف وهى مسألة مقبولة بموجب الأعراف الدولية .

رابعا :إن الحديث عن المصالح الدولية واحتمال إستخدام القضية كورقة ضاغطة من قبل بعض الجهات الدولية ضد ليبيا، يبدو مضحكا ومثيرا للدهشة بعض الشئ لمن يدرك مفهوم لعبة الامم ويعى مفاتيح المصالح الدولية، بل أجزم أن القول بوجود عدو خارجى متربص "بالجوهرة المكنونة" التى يمثلها "نظام" القذافى الذى نخره سوس التخلف والإنحطاط، يدخل فى باب الخرافات لنظرية المؤامرة، وهو نفس الخطاب الثورى الفاشل الذى جرى به تخدير الشعب الليبى وتخويفه من "العدو الخارجى" على امتداد سنوات طويلة ولم تثبت حقيقته، لسبب واحد هو أن القذافى و"نظامه" لا يمثل شيئا فى حسابات العلاقات الدولية. هذه الدول تتعامل معه على أساس واحد فقط، وهو أنه استولى على دولة نفطية، ولا يعدو سوى أن يكون بائع نفط  ومستحوذ على حقوق وثروة شعب بكامله.

يا سيد جربوع، إن القوى الدولية والمصالح الدولية تحسب حساب القوى المؤثرة والعاقلة والراشدة فى العالم العربى أو الشرق الأوسط، بما فى ذلك الدول التى تعاديها، حيث أن مبعوثيها يجوبون عواصمها للتشاور، والتباحث، وتبادل الآراء واختلاف وجهات النظر، حول أهم القضايا والمشكلات الدولية، فهل لك أن تعطينا مثلا واحدا جرى فيه هذا الأمر مع القذافى و"نظامه"؟

إن كل الرؤساء والوزارء والقادة الأجانب والعرب، والوفود التى تدعى الشعبية وغير الشعبية، الذين زاروا خيمة القذافى، كان ومازال هدفهم واحد، وهو الحصول على نصيبهم من كعكة النفط الليبية لا أكثر ولا أقل.

خامساً :نأتى الى مشروع الغد الذى يصر السيد رمضان جربوع على الزج به فى هذه القضية، وهو يعلم بأن "مشاريع الإصلاح" و"ليبيا الغد" لا يمكنها أن تولد من رحم الإستبداد، ولا يمكنها أيضا أن تتعايش فى ظل الدكتاتورية والحكم الفردى، مهما زيَّنتها بشعارات السلطة الشعبية والجماهيرية وكل المقولات الإجترارية والإستهلاكية، هذه الشعارات التى دُفنت فى كثيرمن دول العالم منذ إنقراض الديناصورات.

مشاريع الإصلاح يا سيد رمضان، للذين يدركون أهميتها ويعون ضرورتها، تبدأ بتجرد مطلقيها والمطالبين بها من كل شئ، إلا من إيمانهم بالله وبمصلحة الوطن وأهل الوطن ولا شئ عدا ذلك، وأن يعتبروا هذه المصلحة فوق كل شئ وتعلو على كل شئ، الأب والأم والأهل والقبيلة و..و..إذا كانوا عائقا فى سبيل تحقيقها. مشاريع الاصلاح والغد لمن يطرحها ويؤمن بها تتطلب منه أن يتوقف عن استخدام المال العام وثروة الليبيين المنهوبه لكل شئ شخصى وذاتى، كذلك فإن مشاريع الاصلاح والغد تريد نضالا وصراعا حقيقيا لايقف عند حدود التصريحات والمحاضرات والتنظير السفوسطائى لدى وسائل الإعلام الغربية وفى جامعاتها، أو فى اليخوت الخاصة والمهرجات الفنية والسنمائية أوجلب الفرق الغنائية االاجنبية والراقصات، أو فى الزيارات الرسمية للدول ورحلات الصيد. إن مشاريع الاصلاح والغد تبدأ عندما يعيش من يتبناها ويطلق شعاراتها هموم ومعاناة ومآسئ الشعب الليبي يوم بيوم وساعة بساعة ويقيم وسطهم وبينهم لا فى الفنادق والقصورمحاطا بعشرات الحراس، مشاريع الاصلاح والغد لمن يؤمن بضرورتها تبدا وتنتهى من وفى الشارع الليبى ومع أهل الشارع الليبي، وليس فى القاعات الفخمة وما يسمى بالملتقيات الشبابية.     

ياسيد جربوع، إن مشاريع الإصلاح والغد تحتاج إلى نوعية من الرجال القادرين على الوقوف فى وجه قوى الشر المتاجرة بالشعارات، التى عاثت فى البلاد قتلا وفساداً، ونهبت بدون وجه حق وسيطرت على البلاد والعباد، بل أن مشاريع الإصلاح والغد لا يمكنها أن ترى النور ولا أن يكتب لها النجاح إلا فى ظل الحرية السياسية، وحرية الرأى والتعبير، وفى ظل المساواة الكاملة فى المواطنة بين افراد المجتمع سواء كانوا فى السلطة حكاماً او خارجها مجرد مواطنين عاديين، إن مشاريع الإصلاح والغد لا تصنعها الملايين ولا المليارات، التى تنفق هنا وهناك لشراء الذمم أو الدعاية الرخيصة التى تسوق لكل شئ الا الحق، ولكن تصنعها عزائم الرجال الذين يحبون الوطن ويجعلون من أنفسهم خداما له ولأهله.    

واخيراً أستاذ رمضان جربوع، إن محاولة تقديم طرح لحل جريمة بحجم جريمة ابوسليم البشعة  وبالشكل الذى طرحته  للوصول إلى ما ترغب فيه أو ما يرغب فيه غيرك، هو ليس قفزاً فوق الواقع فحسب، بل هو مغالطة تاريخية وتجنى فى حق الوطن وأهله، لأن فرص ماتبِقىِ من ماء ِالوجه أن وجدت أصلا، قد بدأت تتضاءل وتتآكل مع مرور الزمن.

_________________________

(1) http://www.almanaralink.com/new/index.php?scid=4&nid=21177


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home